كلنا نريدك!!
مدارات أدبية 2 مارس, 2007قصةقصيرة
بقلم/ زينب علي البحراني

لم أصدق بصري حين هتف مبتهجا بأنه وقع عليها راقدة في طريق عودتي لمنزلي.. ناصعة النعومة، بنظافة تكاد تصرخ مؤكدة أنها كانت تتعمد انتظاري أنا وحدي، كي يرتبط مصير مستقبلها بي أنا دون سواي.. إلى الأبد .
لا أدري كيف لم يسبقني أحدهم إليها من قبل!.. لكن ما أظنه هو أن حظي كان في طيباً هذا النهار، ليعبّد فرصة لقائي بها في طريق غفلت عنه خطوات المارة ساعة مروري، وتمتد لها يدي دون أن يسلقنا فضول نظراتهم المسكونة بدهشة بلهاء.
أسرعت خطاي بها إلى منزلي بصبر تبرأ من تاريخ أجداده مذ رآها، وحرص حذري على تحريك المفتاح ببطء يرشو صمت صوت قفل الباب حين وصلت، ثم اندفعت إلى الداخل بخطوات تتحدى صوت خطوات أصغر نملة.. صرت ممتنا للحظ مرة أخرى لهذا النهار عندما لم أجد تلك السمينة المزعجة التي كان الزواج بها حماقة من حماقات شبابي تقبع وراء الباب بانتظارها المتحفز لصب جام توبيخها علي لحظة وصولي..
تنفست الصعداء، وركضت بغنيمتي السرية إلى الفناء الخلفي للدار قبل أن أظهرها للنور بحرص من تحت سترتي القديمة، لتكون أميرة جديدة على خيلاء كنزي الذي لا يدرك قيمته مخلوق سوى عشقي له.
لم يكن لسحر جاذبيتها مثيل مر على ذاكرتي من قبل، بانسيابها الذي ورث من القوس انحناء ظهره، وسلكها الملولب الذي لا شك بأنه هو من حررها من ثقل بقية جسدها، ومن أولئك الذين كانوا يلصقون بها آذانهم المتخمة بالأوساخ، وشفاه أفواههم برائحتها الكريهة، ليستعبدوا جهدها وقتما تشاء أمزجتهم دون أ يعبئوا برغبتها في الراحة، حين شاء أن ينتحر بقطع ذيله كي يهبها الحرية، فيرسلني القدر إليها لأسبغ عليها المستقبل الذي يليق بها، وأرفع قدرها بمشيئتي من سماعة هاتف عادية بمرتبة خادمة مهملة، إلى أميرة شابة على بقية رعايا مملكتي من أفراد كنزي الضخم .
حتى عرشها الصغير كان بانتظارها، فرغم أن جميع الذين لا يقدرون قيمة كل قطعة من قطع كنزي الثمين سخروا مني، ومن مقعد السيارة الذي كان ملقى على قارعة الإهمال بأحشاء سافرة إلى جانب صندوق قمامة يسكن الشارع المجاور، حين أشفقت على مصيره وحملته معي ليكون واحدا من أفراد رعية مملكتي، وتحت حماية حكمي إلى الأبد.. ها هو ينال الشرف بأن يغدو كرسي الأميرة أيضا.
ثم رأيته.. ذاك الصغير البني القذر، ذي المجسّين الطويلين، والقوائم الأربعة، يحدق في وجهي بوقاحة بلهاء وأنا أطبع قبلة طويلة على رأس أميرتي الجديدة، قبل أن أهم بالمغادرة!!.. والأشد فظاعة أنه كان يطل برأسه من عنق جوف أحب رعايا مملكتي إلى روحي، الدمية التي أضاعت رأسها حيث لا أدري، قبل أن تسمع أحاسيسي صوت ما تبقى منها يستصرخني لإنقاذه بانتشاله من قمامة تقبع أمام دار لا أعرف سكانه.
كيف تمكنت جرأة هذا الصغير القذر على التسلل إلى مملكتي، وأنا الذي أسخو عليها كل يوم بطقوس نظافة لا أسخو بنصفها على جسدي وثيابي؟!.. ثم من يظن هذا الصعلوك القزم نفسه كي يعلن حربه التسللية على أمن مملكتي، ويغزوها ليفسد فيها، ويعتدي على سلام شعبي المسكين دون علمي؟!.. الويل له..
وأصدر غضبي الملتهب قرارَ إعلان حرب طواريء فورية على العدو المتسلل، وأكد لي ذهني أنه قد حان وقت إشهار سلاحي الذي سخر منه الجهلاء بقيمته، يوم حملته معي إلى البيت قبل بضعة أشهر، وظنوا لابد أن الجنون قد أسرف في التهام عقلي كي ألتقط عصا مكنسة يدوية عجوز اكتسح ثلثي رأسها الصلع من حيث لا يدرون، ثم أحملها إلى حيث أسكن ، دون أن تعبأ شفقتي على شيخوختها بثرثرة ألسنتهم..
وها قد حانت فرصتها الثمينة كي ترد لي هي هذا الجميل، دون أن تخذل حسن ظني بصدق ولائها لي، ولبقية أشقائها من أفراد شعب مملكتي.
لم تلتهم المعركة طويلا من وقتي، حاصرته في عقر منطقة تسلله وأطبقت بكفي على الدمية قبل أن يحاول الفرار، وقبل أن ينتبه من ذهوله كان جسده المسحوق بعصا مكنستي تحول إلى فتات يمتزج ببصاق غيظي المتحمس.. ووقفت برأس شامخ لأرى ملامح وجهي الناطقة بزهو انتصاري في المعركة، وأنا قابض على سلاحي بفخر، تطالعني على بقايا عتمة زجاج شاشة التلفاز الذي أسبغت عليه لقب وزير الإعلام في مملكتي، مذ نفاه الجيران من دارهم إلى الشارع بعد أن تعرضت شاشته لحادث مؤسف أورث وجهه عاهة مازالت تنم عن أثر تاريخ فجيعته.
ازداد امتناني لسخاء الحظ على خطواتي هذا النهار حين وجدت تلك السمينة المزعجة التي عقد سوء الحظ قراني عليها قبل ثلاثين عاما قد تصدقت على إرهاق لسانها السليط بعطلة، على غير عادة وفائها للذة إزعاجي أمام كل وجبة أجد نفسي مجبرا على تناولها معها. تساءلت أنا ونفسي بارتياب صامت عما إذا كانت ثورتي الغاضبة ساعة انفجار مشاجرتنا أمام عشاء ليلة البارحة قد علمتها أخيرا كيف تتقن ابتلاع لسانها المسنن. كانت هي المذنبة في حق هدوء الدار حين بدأت تطلق عباراتها الاستفزازية على منطقة تعلم أنها محرمة من روحي، قالت بأعصاب جليدية:
- ابنك سيتزوج ، ولابد له من مسكن .
نظرت إليها لحظة قبل أن أعاود سكب نظراتي على صحني الطافح بحساء الجزر، لكنها كانت مصرة على إشباعي بغصة أخرى فقالت:
- لقد حان الوقت كي تتخلص من وباء خردتك السخيفة التي تحتل فناء الدار، يجب أن نبني حجرة أخرى للولد وعروسه.
ألقيت بصحني على الأرض في غضب وصرخت:
- إلا هذا.. كم مرة حذرتك من التدخل في شؤون ممتلكاتي الخاصة.
زمجرت بصوت يرعب أفئدة الغيلان:
- لقد احتملت أوساخك السخيفة أكثر من عشرين سنة أيها العجوز الخرف، لكنني لن أحرم ولدي من تلك الحجرة في سبيل رضا نزوة جنونك الأبله.
وقفت وأنا أرتجف حنقا وثرت شاهرا سبابتي في وجهها، بينما شعرت أن شريانا ينبض في جبيني بعنف وأنا أصرخ:
- أنتم تريدون قتلي، تريدون موتي، تصرون على الضغط علي وسرقتي، لكن هذا لو حدث فلا تطمحي أن يحدث إلا فوق جثتي أيتها الحاقدة المستبدة.
صفقت باب الدار بعنف حين خرجت مغتاظا لأجول في الطرقات دون أن أكمل عشائي.. لا أتذكر كم من مئات المرات لسع لسان تلك المزعجة راحة أفكاري بإصراره على مس تلك المنطقة المحرمة من شئوني، لكنني أتذكر تماما أنني حذرتها بمثل عدد تلك المرات من مغبّات اقتراب يدها أو حتى لسانها من حدود مملكتي ، ورغم تحذيراتي قبضت عليها متلبسة أكثر من مرة بمحاولة تطفل يديها ومكنستها عليها عن سابق تصميم وتصور، ولم يذق جسدها غلظة عصا مكنستها على يديّ منذ ابتلاني بها حظي التعس إلا بعد كل مرة من تلك المرات، لكن جسدها المكتنز بالشحم أبى إلا أن يكون له رأسا متخما بالهواء، ولم يدرك طريق التوبة عن عنادها في الإصرار على معاودة ارتكاب تلك الخطيئة..
لا أدري ماذا يريدان مني هي وابنها بعد أن امتصا عصارة حياتي الماضية؟!، لم يبق لي ما يعيش لأجلي وأهتم بالحياة لأجله بصدق إلا مملكتي وولاء شعبي، وتلك المرأة وابنها البليد لا يكفان عن التخطيط لإضعافي وتجريدي من بقايا معنوياتي، بطردي من فردوسي وتشريد شعبي الذي أقسمت أمامه أنني لن أسمح بأن يغتصب ملكه غيري مادمت حيا..
عاودت التجسس عليها ببصري من طرف خفي ، فأكد لي أن زوابعها مازالت غافية إلى درجة تطمئن بأجواء مستقرة في المنزل هذا المساء.. تنفس قلقي الصعداء.. أكملت غدائي بشهية لم تعرف معدتي لها توأما من قبل، ودخلت حجرتي لأعانق وسادتي في قيلولة لذيذة، بعد أن غرقت خيالاتي في لذة تصور اللاجئين الذين سيدخلون مملكتي هذا المساء، حين أنتشلهم من على قارعة ضياع مجهولة مازالت بانتظار خطواتي .
رأيت نفسي بعد أن سبحت أحلامي في هلام من السواد البارد مغمورا ببحيرة أضواء ملونة تتمايل على ألحان موسيقى راقصة في قاعة باذخة الاتساع، وبنظرة واحدة أدركت أن جميع رعايا مملكتي يتحركون تحت سقفها بسعادة سافرة.. بدت أجسادهم مفعمة بالنشاط، تكسو ملامحها مظاهر عافية لم أرها من قبل. رأيت الدمية قد وجدت رأسها من حيث لا أدري، والمكنسة عادت شابة بشعر كثيف أشقر، أما أميرتي الصغيرة فقد بدت أكبر كثيرا مما كانت حين وجدتها على قارعة الإهمال، كانت رائعة إلى الحد الذي ملأني بالبهجة وأنا أرقص معها طوال ساعات دون أن يلتفت الإرهاق إلى قدمي.
ثم رأيت نفسي جالسا على مقعد السيارة الذي صارت له رائحة توحي بفخامة عودته إلى بدايات أيام شبابه، وأكتاف أفراد شعبي ترفعني به إلى حيث شعرت أنني أحلق في غنًى عن الأجنحة، وعلى رأسي تاج يشبه تيجان صور أساطير ثرثرة جدتي، بينما خرجوا بي إلى الشارع وهم يهتفون بحماس شرس: (كلنا نريدك..، كلنا نريدك.. أنت ملكنا وكلنا يريدك)..
وحين لحظة بغتة كنت خلالها ثملا بنشوة تتويجي، تدفق جحيم من وابل رصاص مجهول النسب على امتداد الجهات الأربع، وهويت قبل تاجي على مزق جثث أفراد شعبي.
استيقظت فجأة كملدوغ، وكأن همسة مجهولة تشبه فحيحا بأنفاس ملعونة نفثت على وجهي فأيقظتني بحواس نشطة التحفز.. رأيت خطوات المرأة البدينة المتسللة خارج الحجرة وهي تمسك مقبض الباب بيدها، و سمعت صوت مزلاج القفل ينزلق مرتين دون أن يسعفني جسدي على النهوض بسرعة، وكأن قوة مجهولة أوثقت قيود عظامي إلى السرير، وانتابني حين التفتّ إلى النافذة المغلقة إحساس فأر وجد نفسه بين فكي مصيدة في قعر جحره!..
فجأة أطلقت القوة المجهولة وثاق حركتي، عاند يدي الباب المقفل، وأذهل سمعي صوت ضجة مفعمة بالنشاط من وراء النافذة التي تطل على فناء الدار، فكاد قلبي أن يقفز إلى حنجرتي بهلع، وركض بي حدسي المرتعش نحو النافذة لأرى .. لم أصدق، وكدت أموت.
أخرجت ساقي وذراعي من قضبان النافذة وصرخت بانفعال متشنج:
- أيها اللصوص، توقفوا، اتركوا أشيائي أيها الجبناء، أخرجوني من هنا.. لا حق لكم بلمس ممتلكاتي، لصوص.. أوغاد.. جبناء.. حثالة .
بصقت عليهم جميعا خمس مرات وأنا أنهال على مسامعهم بطوفان من الشتائم، لكن أولئك العمال كانوا يتحركون كدمى لا ترى ولا تسمع إلا أوامر من سيتخلى عنها لقب زوجتي حين أتخلص من هذا الفخ.. لقد أتقنت خطة لعبتها هذه المرة!..
ركضت إلى الباب بأنفاس صاخبة الجنون :
- افتحوا الباب أيها الأوغاد، افتحي أيتها العميلة القذرة المتواطئة، افتحي وإلا فسترين مني ما لم يراه بصرك من قبل، افتحي الباب قبل أن أكسره وأدمرك وأدمر البيت كله، افتحي أيتها الدبة القذرة المجنونة.. افتحي.
لكنني لم أقدر على كسر الباب.. ولم أقدر على فعل شيء، ولم أدر باضطرابي ماذا أفعل، كنت أتمزق برؤية دمار مملكتي ببصري دون أن أستطيع لها إنقاذا، التفت إلى النافذة فرأيت في يد الخائنة نقودا ومحفظة، ورأيت في يد رجل منهم نقودا ومحفظة، لم أكن متأكدا ممن باع لمن، ومن اشترى ممن، هل هي التي باعتهم شعبي وأخذت النقود؟!، أم هم من باعوها همجية أيديهم في اغتصاب أركان مملكتي وأخذوا الثمن نقودا؟؟.. لا أدري.. انهلت على الباب صفعا بقوة جسدي المغتاظ دون أن يتزحزح.. وانهرت على الأرض بنشيج متشنّج ، وأنا أراها تصفع باب الدار وراء زمجرة عجلات شاحنتهم التي حبسوا بداخلها فلذات متنكرة من روحي.
بين أدنى من عشية وضحاها تحولت من رجل ثري محبوب بشعبي ومملكتي إلى مخلوق فائض عن حاجة مسيرة الكون، ممزق بشعور يصرخ في رأسي ليذكرني بضياع آخر هدف كان يستحق استمرار حياتي لأجله، وقهري يتفاقم كلما رأيت تلك الدبة المخبولة تروح وتجيء في حجرات البيت بعد انتصارها علي وتجريد ذاتي من سلاحها اليتيم، وترقد ليلا براحة ضمير من لم يخطط وينفذ جريمة أدت إلى إعدام معنوياتي..
تروح وتجيء بثوبها الأسود الفضفاض كذبابة ضخمة، يشتهي خيالي محاصرة جناحيها بمضرب ذباب هائل ولا أقدر.. صوت طنينها الذي لا يخرس يحفر مزيدا من جنون الغيظ على قهر أعصابي أوصل دماغي إلى ذروة حدود الرغبة في الانتقام قبل ميلاد اليوم الثاني من زوال مملكتي دون أن يرف لضميري جفن، وقبل اليوم الثالث كنت قد نفذت ما أملاه علي صوت رغبتي في الانتقام.
في اليوم التالي، لم أستطع تمالك رغبتي في القهقهة وأنا أقود الشاحنة التي اشتريتها قبل ساعات إلى خارج حدود المدينة، لحظة صوّرها لي خيالي وهي تركض إلى المطبخ بشعر متقصف يتطاير، وعينين جاحظتين، ثم تصب سائل تنظيف البلاط في فمها وعلى وجهها بجنون حين يبلغها أنني قد بعت البيت بما فيه، وقبضت الثمن قبل أن أرحل إلى الأبد.
طرت على الأرض بعجلات شاحنتي، و أحلامي ترفرف فوق خمس قارّات كلها تهتف بانتظار قدومي لإنقاذ شعوب جديدة من أشقاء شعبي المفقود قبل فوات أوان السخاء على ضياعهم بمملكة تحتضن تشردهم وتسبغ عليهم حق اللجوء إلى بطن شاحنتي.. بينما صدى صوت ندائهم لي يتردد بلهفته في مسامعي: (نحن بانتظارك.. كلنا نريدك.. كلنا نريدك).



آخر التعليقات