مــوقــف لــيــنــيــن من المسألة الفلسطينية
مدارات سياسية 1 مارس, 2007مساهمة في نقاش ” نداء إلي الأحزاب والقوى الماركسية العربية ”

قام بعض الكتاب مؤخرا بإعادة طرح موقف اليسار العربي عامة من القضية الفلسطينية. وفي اعتقادي أن إعادة طرح تلك المسألة بعد ستين عاما من احتلال فلسطين موضوع مازال بالغ الأهمية، ليس لأنه مجرد نبش في أوراق الماضي، لكن لأن طرح القضية يطرح كيفية التعامل ” الآن ” مع إسرائيل ركيزة الاستعمار في المنطقة، والموقف المنشود الذي ينبغي لليسار العربي أن يتخذه من تلك القضية التي شكلت حجر عثرة أمام تطور قوى اليسار بل ووقف حائلا بينها وبين الانتشار الجماهيري. ذلك أن حركة اليسار ارتبطت بتصورات ومواقف الأممية الشيوعية فيما يخص المسألة القومية عامة وما يخص مسألة فلسطين خاصة. وقد نشأ ذلك الارتباط في نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى أرضية اعتراف الاتحاد السوفيتي بدولة إسرائيل. وكان الموقف السائد عامة هو تأييد موقف ستالين النظري، وإن كان ذلك لم يستأصل ظهور مواقف استثنائية من تلك القضية برزت في مواجهة التيار العام، ومنها موقف تنظيم ” طليعة العمال والفلاحين ” المصري الذي رفض تقسيم فلسطين حينذاك. وفي السبعينات ظهر تنظيم ” العمال الشيوعي المصري ” الذي طالب الاتحاد السوفيتي بسحب اعترافه بإسرائيل ومراجعة موقفه منها. جدير بالذكر أن قوى ماركسية عديدة داخل روسيا استنكرت – بعد زوال الاتحاد السوفيتي – موقف السوفيت من إسرائيل، وأعلنت أن اعتراف ستالين بإسرائيل كان خطأ تاريخيا.
وعادة، ما يعتبر اليساريون بشكل غير واع، أو دون تنبه، أن موقف السوفيت من القضية الفلسطينية كان موقفا واحدا، لم يتعرض لتبديل. على حين أن موقف لينين من المسألة كان يختلف اختلافا جذريا عن موقف ستالين، وعن الأممية التي ظهرت بعد ذلك. ومع ذلك فإن موقف لينين لم يجد ما يكفي من التعريف به بين الأوساط اليسارية العربية وظل غائما كأنه جزء من موقف ستالين.
وأستشهد هنا بما كتبه الأستاذ نايف سلوم في مجلة الآداب البيروتية حين قال إن لينين أعرب في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عن اعتقاده بأن: ” على روسيا السوفيتية أن تتعايش ولفترة من الزمن مع بلدان أوروبا الغربية في محيط رأسمالي ” ( كأن لينين بهذه الفقرة كان ينبذ الصراع مع الرأسمالية والاستعمار ) ويقول: ” وقد أكد المؤتمر الثالث أن الأداة الثورية الكفيلة بإنجاز هذه المهمة تتمثل في الجبهة العمالية المتحدة القائمة على أساس وحدة العمل والنضال بين جميع العمال بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وعن قناعاتهم الأيديولوجية “. ثم يضيف: ” وقد طالب المؤتمر جميع الأحزاب الشيوعية بالسعي إلي إقامة مثل هذه الجبهة بغض النظر عن الخصوصية الكولونيالية والقومية لبلد من البلدان “. وينتهي أ . سلوم إلي أن: ” مثل هذه التصريحات كانت تصب الماء في طاحونة المشروع الصهيوني “.
هكذا إذن – وفقا لما طرحه أ . نايف سلوم فإن لينين طالب الأحزاب الشيوعية بإقامة جبهات عمالية بغض النظرعن القضايا القومية؟ وبداهة فإن طلبه العام هذا يمتد ليشمل بطبيعة الحال الموضوع الفلسطيني. هكذا يبدو وكأن لينين طالب بجبهة عمالية في فلسطين بغض النظر عن خصوصية المسألة القومية هناك؟ ولهذا فإن تصريحات لينين كانت تصب في مصلحة المشروع الصهيوني على حد قول الكاتب.
وبهذا الصدد لابد من القول:
أولا: إن اعتقادا شائعا يدمج دون وعي كل مراحل الثورة الروسية الشيوعية في حالة واحدة متصلة دون تمييز بين مرحلتيها: الأولى بقيادة لينين، والثانية بقيادة ستالين. وهما مرحلتان مختلفتان تماما. لقد كان ستالين هو الذي اعترف بمنطق انتهازي بالدولة الإسرائيلية، وكان ستالين هو مروج كل الأفكار التي نبتت على شجرة الطموح إلي ” الدولة العظمى “. لكن دمج المرحلتين معا، يشبه تماما أن ندمج المرحلة الناصرية ومرحلة السادات معا باعتبار أن كل ذلك هو ” ثورة يوليو ” وهل يكفي لتبيان تلك الحقيقة القول بأن مؤلفات لينين كانت تنشر طيلة العهد السوفيتي بعد خضوعها للرقابة وحذف المقالات التي لا تتماشى مع القادة السوفيت؟ وأن هذه الرقابة لم تنته عند لينين، بل امتدت لتشمل ما كتبه أدباء عظام مثل مقال الروائي العملاق فيودور دوستيوفسكي عن ” المسألة اليهودية “؟ ولعل القراء العرب قد لاحظوا في ترجمة الأعمال المختارة للينين إلي العربية ذلك القطع المفاجئ الذي تنتهي به الكثير من المقالات، والنقاط التي تفصل الفقرات عن بعضها، أما ما لم يلاحظوه فهو غياب بعض الكتابات كاملة من الأساس.
ثانيا: كان موقف لينين من القضية القومية واضحا، ليس فقط فيما يتعلق بفلسطين، فقد واجهته تلك المسألة بشدة داخل روسيا التي ضمت قوميات مختلفة بلغ عددها مئة قومية، كما واجهته تلك القضية بالنسبة للمستعمرات الروسية، وكانت رؤيته لكل ذلك تقوم على ” حق تقرير المصير “، ولن أشير هنا إلي كتبه التي تناولت المسألة، وفيها جميعا تبنى لينين الدعوة ” لبناء جبهات بغض النظر عن الخصوصية الكولونيالية والقومية لبلد من البلدان “، لكن ذلك جاء في سياق شرحه للتعصب القومي ومن ضمنه التعصب الروسي الذي ندد به كثيرا.
ثالثا: بهذا الصدد فإنني أحيل القارئ إلي كتاب روسي بعنوان ” سياستان إزاء العالم العربي ” لمؤلفه ” بونداريفسكي ” صدرعام 1975، وفيه – وهي حقائق معروفة – أن المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية ( الكومنترن ) الذي عقد في آب – أغسطس 1920 ناقش ” المسودة الأولية لقضايا المسألة القومية وقضايا المستعمرات ” التي أعدها لينين خصيصا للمؤتمر. وأن وثيقة لينين أشارت في البند الحادي عشر إلي خصائص النضال الأيديولوجي في البلدان المستعمرة والتابعة. ونوه القسم السادس من ذلك البند بضرورة: ” التوضيح والفضح الدائبين أمام أوسع جماهير الشغيلة في جميع البلدان، وخصوصا المتخلفة، للخداع الذي تمارسه الدول الإمبريالية باستمرار والتي تنشئ بحجة تأسيس دول مستقلة سياسيا دولا تابعة لها كليا من النواحي الاقتصادية والمالية والعسكرية ” (1)
وقد ناقشت اللجنة الخاصة بالمسألة القومية – تحت إشراف لينين شخصيا – هذه الوثيقة الهامة في جلستي المؤتمر العامتين الرابعة والخامسة. وطرحت في النقاش بحدة ضرورة فضح الصهيونية نظريا وتطبيقيا وخصوصا تأسيس دولة صهيونية في فلسطين تحت الحماية البريطانية. وأشارت مندوبة المؤتمر ” فرومكينا ” بوضوح إلي أن: ” السكان اليهود في فلسطين لا يشكلون أغلبية. فهنا أقلية تسعى إلي إخضاع جماهير الشغيلة التي تشكل أغلبية السكان إلي نير دول الوفاق، ويسعى الصهاينة إلي كسب أنصار لهم في جميع البلدان وهم يخدمون بدعايتهم مصالح طبقة الرأسماليين، وعلى الأممية الشيوعية أن تكافح هذه الحركة بأشد ما يكون من الحزم ” (2)
وحين قام ممثل حزب ” بوعالي – تسيون ” بطلب الكلمة في المؤتمر، بذل جهده للبرهنة على أن نضال الشعوب العربية نضال ديني لا يستهدف الاستعمار، خلافا لأهداف الصهاينة. ودعا ممثل ذلك الحزب المشبوه إلي تكوين طبقة عاملة يهودية تتزعم نضال الفلاحين العرب ضد الإقطاع والاستعمار. لكن المؤتمر اعتبر تلك الكلمة دفاعا صريحا عن الصهيونية وحرمه حق الحديث! وكان ذلك الممثل هو ” أ . كون ” الذي تسلل إلي المؤتمر بالاحتيال والإدعاء بأنه يمثل الحزب الاشتراكي الفلسطيني!
وفي 28 تموز – يوليو عام 1920 أقر مؤتمر الكومنترن الثاني في جلسته العامة الخامسة بإشراف لينين الموقف اللينيني من القضايا القومية وقضايا المستعمرات، وأضيف إلي القسم السادس من البند الحادي عشر ما نصه: ” والدليل الواضح على خداع جماهير شغيلة الأمة المضطهدة بالجهود المشتركة لإمبريالية دول الوفاق وبرجوازية هذه الأمة يتجلى في عملية الصهاينة بشأن فلسطين، كما يتجلى في الصهيونية عموما التي تقدم إلي الاستغلال البريطاني بحجة تأسيس دولة يهودية في فلسطين قربانا هو السكان العرب الكادحون في فلسطين حيث يشكل الشغيلة اليهود مجرد أقلية ضئيلة ” (3)
إن التعديلات التي جرت فيما بعد على موقف لينين الثوري كانت جزءا من عملية تراجع عام عن الثورة قام به ستالين لصالح الدولة، وهي العملية التي شملت المجال الاقتصادي حين أوقف ستالين العمل بخطة لينين ” الخطة الاقتصادية الجديدة ” التي كانت تسمح بتعايش أكثر من نمط اقتصادي داخل إطار الاشتراكية، وفي نفس السياق أجهض ستالين إلي الأبد الديمقراطية الحزبية التي كانت تسمح لأقل أعضاء الحزب شأنا بمناقشة لينين علنا واتهامه بمختلف التهم أو مجادلته بمختلف الأساليب. ونتيجة لوأد الديمقراطية استطاع ستالين أن يصفي أيضا أغلب المثقفين الروس، والثوريين، لينفرد بالحكم.ولم يكن اعتراف ستالين بدولة إسرائيل سوى امتداد لمواقفه المماثلة من القوميات غير الروسية التي تعيش في روسيا، فلم يكتف بحرمان تلك القوميات من أبسط حقوقها، بل وقام بتشتيتها وترحيلها في جماعات ضخمة داخل عربات شحن في الليل، من منطقة إلي أخرى، ومن بلد لآخر.
إن إلقاء الضوء على موقف لينين من القضية الفلسطينية لا يستهدف الدعاية لهذه الشخصية الثورية التي تركت بصماتها على القرن العشرين والتي لا تحتاج إلي دعاية، لكن التنبه للموقف الماركسي الحقيقي من تلك القضية، يساعدنا على أن ندرك بمزيد من العمق عدالة قضيتنا، وأن ندرك أيضا أن هناك مفكرين و ثوارا آخرين، كانوا يفهمون القضية على النحو الذي نفهمه نحن. ولاشك أن ذلك كله إنما يرسخ فينا شعورنا أننا كنا وما زلنا على صواب، وأننا لسنا وحدنا، ولم نكن وحدنا في تصورنا المبدئي أن فلسطين أرضنا، ولا في تصورنا أن شعوبا كثيرة عانت من فترات احتلال أطول زمنا، ومع ذلك قادها النضال إلي التحرر.
هوامش:
1- لينين – المؤلفات الكاملة بالروسية – المجلد 41 – ص 167
2- المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية – موسكو – 1934 – ص 141
3- المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية – موسكو – 1934 – ص 495
د. أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com



13 نوفمبر, 2007 على 7:30 pm
على هامش الرئاسيات اللبنانية.
قصةالسياسي اللبناني جان عبيد من الضفاف
العاطفية إلى المسارات الواقعية ؟
سليم نقولا محسن
SALIM NICOLA MOHSEN
adr / SOUFANIEH- Damas
* دأبت الصحافة اللبنانية على تناول موضوع الرآسيات اللبنانية في مواسم الإستحقاقات، فتتناول مسيرة الحياة الإجتماعية والسياسية للشخصيات المارونية اللبنانية، بما يتناسب والتوجهات، وبما أن أكثر أصحاب القلم من أهل الصحافة متورطون في العمل لصالح الغير، فغالبا ما كانوا يوائمون بين دوافعهم الحقدية، أكانت شخصية أو إجتماعية بجذور انتماءاتها الطائفية السياسية العشائرية أو الإاقتصادية والموضوع التحريضي المطلوب منهم بحق ذلك المرشح أوذاك، ومنهم السيد وضاح شرارة كنموذج (في مقالته لصحيفة الحياة العدد/12843/ لتاريخ الأحد 3 أيار 1998 في ملحق تيارات)، وكان من الطبيعي أن يلجأ هؤلاء على تقليب الأمور على غير حقيقتها، وأن ينسجوا من مفرداتها التاريخية المنتقاة، ما يرضي من يعملون لهم، وبالطبع ليسوا أصحاب المصلحة الحقيقية من شعب لبنان، وذلك بأن يَقلبوا مسارَ حياة حقيقية إلى عاطفية تلطفاً منهم، لذا نرى من باب الكياسة تقويم الأمور الملفقة وما اعوج منها إلى استقامتها، كما عرفناها عيانياً، بأن نعيد نقل القصة العاطفية كما حُكيت تخيلا متعمدا وتشويها لمسيرة حياة جان عبيد السياسية إلى مساراتها الواقعية.
* لعل القارئ ينتظر عبر كم من المقالات تشبه لعبة الكلمات، أو برقيات غامضة محذوف أوائلها وتاريخها /على عادة السحرة من الصحفيين/ فكرة ما مخبأة خلف أيديولوجية مبتكرة، تسترشد التاريخ في موضوع السياسة والرئاسات اللبنانية المتعاقبة وظروفها أو ما يستوجب الإيضاح، إلا أنه لن يعثر إلا على موضوع الضحك وفن فحص الإضحاك عن البطولات الهراوية (إشارة إلى عهد فخامة الرئيس المغفور له الياس الهراوي)، ولا بأس من إلقاء حواديت (حسب المفردة المصرية) في ساح الفضفضة لا رابط بينها ولا معنى مع إضافة حواشي لكلمات مثل(جان عبيد، الرئيس العتيد ، صانع الرآسات، السيد الحريري، رقم السيارة الثلاثي للروزرويس)، ثم ملخصا لسيرة مشوهة رواها السيد جان عبيد في معرض إجابته على سؤال عن موضوع عائلي قديم، يتعلق بزواج أخيه إيلي بشقيقة السيد فاروق المقدم السني، زواجه من إبنة قائد الجيش العماد البستاني مع التأكيد- موقع اتفاقية القاهرة- ولا يُعرف في شجاعة توقيعها من قبل العماد مع الفلسطينيين زمنها بضمانة زعامة عبد الناصر العربية ما يُعيب، وقد وأدت خلافات كارثية بعد أن تخلت الزعامات المزمنة عن المسئولية، وهي من أوقد أسبابها، أو ما يعيب إبنته لبنى السيدة الفاضلة المعطاءة كما عُرفت.
* ولن يستطيع القارئ الجزم بأسباب إيراد المفردات والعبارات السابقة وجديتها في سياق بحث أو مقالات قد يظن أصحابها بأنهم موضوعيون،” إلا إن حُسبت رموزا وأحاجي أو نوعا من رحلات تطهير الذات”، وربما تجاوز القارئ ما هو ظاهر وتماسك للإنتقال من الألغاز إلى المعنى الباطن مسترشدا بنقاط : فإن عليه تقليب الألفاظ وإعادة الصياغة، لكن هذا يقوده إلى الإستغراب من التعرض لما هو متعارف عليه، فهنالك مقولات بديهية تعمّقت في وجدان تاريخ النسيج الإنساني ولها انعكاسات شرطية، لذا يبدو من الصعوبة استساغة عبارات مشوشة المفهوم تورد عن الفلاحة، الشجاعة، الأصول والفروع عن المعلوم بين الخاصة والمجهول، ومراتب الإستماع والحديث الخ بغرض ذمّ (جان عبيد)، لكن يبدو أنه ليس من الخطأ الايضاح:
* لا شك بأنها حالة فصام غريب موضوعه الواقع والحلم، حيث يصبح المتخيل حقيقة، وهي حالة فرضت على العديد من الشعب اللبناني منذ آماد طويلة، وكنا نصادف أفرادها في الشوارع والبيوت من جراء سلسلة القهر الإجتماعي والفكري والإقتصادي من أطراف متعددة، يَدعي المرء فيها بما ليس فيه، ويلبس ما ليس له، رغبة في الهروب من واقع العري والجوع إلى واقع الطربوش (البكوية) إلى قصة أخرى مُتخيلة عن الذات أو الغير، تتجلى بعض جوانبها في عصبية الإنسلاخ والإلتصاق بالآخرين بغرض أن تتسامي الذات المقهورة بما يصاحب ذلك من عدوان، وذلك بنقل لبوس واقع الذات المرفوض إلى الغير وممارسة العنف عليه تطهراً، وتأسيسا فإن استمرار حالة العصاب هذه ببقاء الأسباب، يفقد المصاب صلته بالواقع، ويعيش بالحلم ليس كحالم وإنما في عالم حقيقي، وهذا ما يفسر أحيانا الإنفعال الهيستيري لأفراد وجماعات في ظرف ما اتجاه الآخر، ولربما هذا ما يعانيه أصحاب مثل هذه المقالات، إذ ليس في منظورهم قصة واقعية بسيطة مثالية لرجل عادي، إنما هي عاطفية ومركبة منقولة من الحلم، ففي واقع الحياة حسب المُخيلة المُتمسكة بالوحي كل القصص/ عاطفية مركبة/ تدمج الواقع بالمتخيل.
* والبعض قد يرغب لسبب ما، نقل قصة عاطفية من الحلم، للعيش بها على أرض الواقع - وهذه حالة معروفة- لكنها لا تدم طويلا، إلا أن هؤلاء يصادفون آخرون يصنعون ويعيشون وقائع لحياة حقيقية مرصودة على امتداد الزمان والمكان، فيمتنعون عن تصديقها، كما يرفضون أصحابها، وهذا ما يلحظ في مسار تصور أصحاب هذه الأقلام ومنهم السيد شرارة، فيكتبون بهذيان القول بدافع من عقل مريض دَمَج الواقع بالمتخيل وحلق حتى كاد أن يجعلنا نحن ننقاد إلى ما يرويه وتصديقه.
* ولا يعرف في هذا المجال إن كانت عقلية شيخ القبيلة، وإن لبست لبوسا غربيا ” برنيطة”، متأصلة طاغية لدى هؤلاء أو طارئة في مجهود مسحهم المضني لنقاء السلالات الرئاسية، أم أنهم ولجوا حضرة العارفين لأهل الطرق الصوفية، واتشحوا بنورانية عرفانية معصومة، تستلهم المشايخ ووارثي الصلاح من أصحاب المراتب والأوسمة والمال الوفير، الواعظون المباركون الغائبون الحاضرون القائمون والمقيمون في ظلام المناسك بين الجبال والمسالك الوعرة في معرفة الحق ووجه الحق وجلاء الغيب من حاضر غارب والخفي من ظاهر ماثل، فالكل لم يعرف هؤلاء الوجهاء المسترئسون- بما فيهم القاصدون لهم من أصحاب القلم - إلا مطأطئون للرؤوس يجيبون بنعم، وضيعون أمام المقامات مستذئبون بين رعاياهم، بارعون في اللعب، يبطنون الشرور، ويستقوون على بعضهم بالغريب، ويبقى القول والصدى، أما الحقيقة فغائبة عن عيون الرعايا، فهؤلاء قد نمّطوا الجبل السابق إلى أن تحول شبابه إلى مرتزقة شديدة الإنضباط، تنصاع ، لا دور لهم خارج إشارتهم ولا تطلع حياتي، إلا أن هذا الجيل قد مات والأبناء عاقون.
* إن أحداث الستينات قد أنجبتها جداليات واهتداءات الأعوام السابقة، وفيها قد بدأت تتكشف أمام أعين الصبية تلاميذ الخمسينات في كل من سوريا ولبنان المهام الحقيقية للبعثات التبشيرية التدريسية، وكان ثمن التعبير المحظور عن الأفكار الوليدة آنذاك تأييدا لمطالب وطنية أو احتجاجا على مناهج تربوية: الطرد من المدرسة، وهكذا دفع الثمن “جان عبيد” الطالب بفصله من مدرسة الفرير وآخرون أيضا من جيله أصابهم ما أصابه في مدارسهم من قبل اليسوعيين والعازاريين والأمريكيين وغيرهم، وكانت مدارس هؤلاء ضمانة الأهل في مستقبل مرموق للأبناء غير أن هؤلاء قد رأوا في الصبية المعنيين المشاغبين الشذوذ وجذور التمرد على التعاليم، التي أفرزت هي نفسها فيما بعد الإتجاه المعاكس الشرس، ومن ثم كان الإلتحاق بالمدرسة الرسمية عملية تسوية” فكرية واجتماعية ووطنية” ذات مصداقية مارسها في تلك الفترة بنوع من الإلتزام - أي الإنتساب لشعب الوطن- العديد من التلاميذ في لبنان وبلاد العرب، فهل في هذا التصرف ما يدعو إلى استغراب أخواننا أصحاب القلم..؟ ومنذ مطالعها الساخنة كان للسيد جان عبيد الماروني رغم حداثته السياسية في تلك الفترة مواقف من المارونية المنغلقة” ذات العصبية المتطرفة” التي سميت انعزالية لانعزالها في مناطقها وانعزالها في توجهاتها عن باقي شعب لبنان”، وربما كانت بدايات مواقفه مع نشأته الأولى الذي ساهم في إعدادها والده بدوي المعلم الذي توفي مبكرا، ووالدته الجليلة، وملتقى دارته المضيافة في بلدته علما الشمالية وموقعها حيث تلتقي فيها وقربها وتتقاطع التيارات والطوائف، ولا تدخل في عتمة الكهف المحرم والرعب المصنع الخائف من المجهول..؟
* وكان هدم قبر العائلة الذي يضم رفات الوالد بدوي والجدود ونبشه ذا حساسية ومساسا بقضية مقدسة بعد سكوته عن تخريب دارة العائلة في علما من قبل أطراف، نهجت الطائفية إبان الأحداث العاصفة في الحرب اللبنانية الأخيرة، لحمله عبر ردود الفعل والإنفعال إلى تغيير موقفه السياسي المتوازن والإخلال بالمعادلة التي صاغها بروح من المسئولية الوطنية المترفعة، إذ كان يرى فيه بعض ممن يدعون احتكار الموقف الوطني عائقا سياسيا ” لكونه مارونيا” والأطراف الأخرى التي انتهجت الطائفية، كانت ترى في المعادلة الوطنية التي يتبعها بصيغتها الرافضة لمنزلق مورنة الحرب ولبنان عملا مشاكسا يمنعها من احتكار المسيحيين والموارنة وإسقاطا لمشروعها، وربما قد يلاحظ أصحاب القلم هؤلاء بأن جريمة حرث القبر تشبه في مدلولها إنكار الأب المربي - تجهيله- والمساس بالمقدس، فهل كان أصحاب القلم يعون معنى الحدث أم أن ما أشاروا إليه مجرد زلة قلم لا أكثر..؟
* فالعائلية في التقليد التاريخي تقتضي احتواء المثل اللبنانية والثبات المتعاقب عليها “فنحن نعرف جان عبيد” إبنا لعائلة لبنانية معروفة فيها كل أبعاد القيم المارونية من الإيمان بالموروث إلى التزامها بالترابط المجتمعي وسلوك الطريق القويم أو في مواقفها العملية اتجاه الناس والأرض”الوطن”، لذا فإن ما أورد من شك حول ترحال الجدود والأصول إلى لبنان، ووصفها بالقصة العاطفية والإنتماء للمجهول، يدفعنا بالمقابل إلى الإتهام ونقل من ادعى إلى حالة الفصام..؟ إذ لا يخفى أصل حجر في جبل لبنان، فكيف إن تعلق هذا بتاريخ الرجال، وكي لا ننزلق إلى التهويم الدعائي بالربط بين الظاهر والمضمون، فإن مفهوم العائلة بمعنى المكانة في تاريخ لبنان وغيره من البلدان، إنما اندرج دائما في الغيرية الإنسانية والعطاء المجاني للغير في إطار القيم، ولم يُقس أبدا لا بمساحة الأرض المملوكة وفخامة قصر الحجر أو حسن المنظر والهندام وهذه كلها مقتنيات بما فيها الفرس الزرقاء ” الرولزرويس”؟ وعلى كل حال لا يبدو الأمر عظيم الأهمية، حيث نرى العائلات في هذا الزمان تفرّخ هنا وهناك في صحف الفضائح والمجلات وإعلانات الشركات والسكوت المتفق عليه ووضع اليد وآخرون منهم كما علمنا مشافهة من الآباء ومن تناقل الأخبار كانوا يمتهنون قطع الطرق والتشليح والإغارة على الآمنين في القرى وسلب الضعفاء، لا كما يزعم الآن أبناؤهم وأحفادهم، بأنهم مقارعين للظلم مناضلين، وفي المقابل تنقرض سلالات بفعل الآضطهاد والنسيان، وعائلات تتسربل بالخضوع والخنوع من المقصودين “المرتكز عليهم التوصيف” في طروحات النسب والأصل العريق ببعد السنوات منذ اقتسام لبنان، ممن تسلقوا أو فرضوا، يلتحقون أو يأتمرون بالمغمورين من الأغراب والمبعوثين الصغار بمستوى ثلاثة نجوم، يستجدون منهم مراتبا وألقاباَ ومن ثم يلتمعون بقبضات السيوف وسروج الخيول؟ وهنا لا أفاخر ولا أدعي نسبا فقِد، قد يعود إلى زمن الأسر المُصَّنفة لمراتب الأنساب في جبل لبنان، منذ فتوحات محمد علي لبلاد الشام وقبله تربّع البشير على كرسيه في القصر المنيف، لأعطي الحكمة، وأجري التقييم بما لا ينفع حاضراً، غير أن ما نراه بمنظار العصر: أن المسألة قد اعتراها الذبول ومن المحتمل أن يرغب البعض في الترويج لها الآن، إنما هي تتعلق أصلا بالظروف والفرص في لعبة الزمان والمكان، وهذا قد مضى كما يقول المثل “لكل زمان دولة ورجال” وكما نعلم فليس الأصل السلالي يحسب كما يفترضه الضالعون في تركيب الرؤوس على أجساد العباد وقطع الرقاب واختلاق الألقاب والتاريخ لمن لا ماضي له ؟
* علما بأننا عرفنا عائلة عبيد عَرَضا لا قصدا، ولنا في لبنان أقرباء وأنسباء، إذن لسنا بغرباء، وأتيح لنا الإلتقاء بالسيد جان وإخوته إيلي وميلان وفؤاد وبوالدته الفاضلة وأيضا أقاربه وأنسبائه ومن عرفهم في بيروت والسهل والجبل، فما سمعناه منذ ذلك الزمن عنهم وما عرفناه عيانيا كان حمدا وشكرا وثناء في مفهوم القيم، ولم يتبدلوا، أكان ذلك في دارتهم المتواضعة في بيروت الصنائع حين كانوا طلاب علم، أم في البريستول أيام الستينات، أو جونية أو غيرها من المناطق فيما بعد، وقد يكون من الأفضل أن يفطن المدعون، وأن لا يغيب عن أذهان المأخوذين بضجيج الأصوات إلى أن الولاء الذي كان للولاة عبر الحدود في زمن الظلم والإضطهاد من الأستانة إلى القاهرة مرورا بمن تصدروا دار الولاية في كل من دمشق وصيدا ثم باريس في زمن مضى، كان هو المقياس وإليه الفضل وعاملا يكاد أن يكون وحيدا في ارتفاع عائلات واندثار عائلات، بينما كانت العائلة المثلى هي المستهدفة بالإفقار والتشريد والإضطهاد.
* في مرحلة الستينات تلك كان يمكن اعتبار جان عبيد مميزا بين الشخصيات المتواجدة على الساحة اللبنانية، وعازفا سياسيا ماهرا للحن فريد، فلقد كان مقبولا وذا علاقات سياسية واسعة ذات حساسية لبنانية وعربية ودولية، وكان مركزالتقاطع وقوة الربط لأطراف القوى اللاعبة المؤثرة على الساحة اللبنانية، فبالإضافة إلى توازناته المدروسة بين الكتل السياسية، كان له امتدادات في الأوساط الطلابية الأكثر حراكا، والعناصر الأخرى الناشطة، كان الماروني الأقرب إلى الإتجاه العروبي السائد ومثقفيه، والوطني اللبناني الأكثر فهما، والعروبي الأكثر تعقلا وإقناعا بين الاتجاهات العروبية اليسارية الجامحة التي أغرقت زمنها الساحة اللبنانية وراء قضية فلسطين، وهو إن قد بدا زمنها ساخطا على توجه الزعامات التقليدية لمجانبتهم الصواب في تقدير حقيقة موقعهم السلطوي الماروني السياسي، بأنه مرتبط بمعادلة معقدة يختلط فيها التاريخ والجغرافيا، / والمحلي بالإقليمي بالدولي/ ولا علاقة لها بالقدرات القووية الذاتية على أرض الواقع، فلم يكن يعني هذا التنكر للمارونية بقدر ما كان يشير إلى قدر لبنان.
* وللإقتراب من مفهومه آنذاك، يجب أن تتوضح لدينا العلاقة في المعادلة السياسية اللبنانية - في أن التماس التاريخي مع العروبة بمفهومها العادل والإطلالة عليها يتجلى قدر المارونية في لبنان، وأن ما يحيط بها من حدود ليس عرضا، فهي في موضع التقاطع والتشابك ” التاريخي الجغرافي والثقافي” يلتقي الحاضر مع الجذور، ورحلة الماضي إلى مجد لبنان، ومسيرة بقاء الوجود في استمرار الداخل وتبادل الإمتداد، ولم تكن العروبة كتعبير “لصفة إنسانية والإنتماء إليها” بغائبة يوما عن لبنان ومسيحييه على مختلف طوائفهم، وهم من أيقظوا فكرتها بين العرب وأعطوا مضمونها، بل كانت بين تياراته، وأن ما قد ظهر أحيانا من تضاد إنما مرده إلى ردود فعل طارئة لطروحات هوجاء رُوج لها خارج التوظيف المأمول، كما أن المارونية تعيش في لبنان، وهي إن بدت كمنظومة متمايزة مؤسسة مع مجموع المسيحيين فيه، إلا أنها كانت دائما على حدود الطوائف الأخرى المشاركة على الأرض ذات الإمتداد ومتداخلة معها، وهي في لبنان “أي المارونية” المتعدد الواحد قدَرَه من قمة الأرز إلى البحر ومن الجنوب صعدا إلى الشمال، فلبنان يُرى في تساميه من البعد الأعلى، وهو إطلالة منفتحة على البعد العربي بفعل حتمية التواجد من موقعه/ على سوريا وفلسطين والعراق وشبه جزيرة العرب بأقاليمها المتعددة واليمن حتى المغرب العربي وأوله مصر.
* وكان العديد من نخب طلاب الجامعات اللبنانية وثانوياتها في تلك المرحلة-لبنانيون وعرب- في أواسط الستينات، حيث لم تكن الطائفية وتنظيماتها قد استفحلت والقوميون العرب بأجوائهم الموضوعية العلمانية المتسامحة على اختلاف طوائفهم سادة الموقف، كان هؤلاء الطلاب قد بدأوا يستشعرون اهتزاز الأرض والطموح منذ انهيار الوحدة السورية المصرية عام/61/ وفقدان الأمل/61-63/ مرورا بعام الهزيمة، وفيما بعد من خلال الشك في سنوات لملمة الجراح وتحرير فلسطين وحلم العودة في ختام 73، كان هؤلاء يتابعون آراء السيد “جان عبيد” في منظوره للخارطة السياسية وتحرك القوى على ضوء منظومة فكره، وكانوا الأقرب إلى خطابه بعد فقدان الثوابت واضطراب الأجواء حول مفهومه للمعادلة الدقيقة بأبعادها السياسة التي يختزنها عقله في مختلف الأمور:
1 – حول الوجه النقي للبنان ومصداقية رسالة المارونية التاريخية الواعية فيه إلى الأبناء داخل البيت وفي المغترب إلى الشعوب الإقليمية المحيطة والعالم، هذه الرسالة التي اختزنتها ونمتها المارونية منذ ترحالاتها الأولى في العمق السوري على خواصر الفرات والعاصي، وكادت أن تندثر مع الجيل القديم - “في عقم المماحكات اليومية ومرض التطلعات وإغراء التحالفات وطمع المصالح والأرزاق وتهور المراهقين وشقلباتهم في معارض الأمية والقوة، بما لا يدركون ولا يملكون ضد أوهام الخوف والرعب ومصادرة ما هو صالح وضار وحق الحديث حفاظا على الطائفة ومشروعية تطاول الصغار على الكبار” - لكن ماهو ثابت في مسار المارونية التاريخية إفضاؤها إلى أن لبنان القديم والحديث لم يكن يوما مناجم ذهب وغابات حور وأنهار لبن وعسل، إنما هو أسوار من جبال شامخة تطل على بحر العالم ومعابر إلى غنى أرض العرب، فلبنان إذن ليس مطمعا كما يعلم العارفين من أهل لبنان، إنما الموقع هومصدر الخوف والتهديد للعرب، ليس من سكانه ولهم فيه أقارب وأنساب وأحباب، إنما من تآمر الأغراب.
2- حول طبيعة أنشطة الجماعات السياسية وأهدافها وتعدد مناهلها الإيديولوجية (عروبية- يسارية) وطروحات التحرر السياسي والإجتماعي وحراكها المستقطب من الساحة الفلسطينية وعلاقاتها فيما بينها وبين الأنظمة السياسية العربية وحساسية تواجدها على أرض لبنان -ساحة حوار- ويعلم لبنان بأن أحداً من العرب، لم يأت فارغ اليدين إليه فالكل قد حملوا له المٌرِّ واللبان والطيب والذهب.
3- حول موقفه التقويمي لخطأ تحرك الدعوات الإنعزالية وبرامج أحزابها لمجانبتها منطوق الواقع الصائر والعصر: فلبنان عائلات منتمية وطوائف مقيمة والفرد فيه إبن العائلة وهو عمادها وعلاقته بها وثيقة‘ فهي احتواء معيشي تربوي ثقافي وأمني، وهو نصرتها ومورد رزقها، هي ملاذه الحصين وحريته اتجاه الغير من الطوائف الأخرى ضمن منطوق الطائفة - فالحرية هنا تعني ضرورة للجماعة الطائفية- ولكل فرد منها الحق في حماية الذات من الإعتداء وفي تأمين مصادر الرزق وحمايتها والتواجد الحر الخ … لذا فإن حرية الفرد في لبنان بحكم سيرورته الواقعية تعني حرية الطائفة أولا بما فيها ممارساته الديمقراطية دون أن يعني هذا تطابقها مع المفهوم الغربي، فالديمقراطية هنا لا علاقة لها بالمنهج الغربي والفرد في لبنان محكوم بالتعبير- بصيغةالمطلب الجمعي- في الدفاع عن الحرية والمساواة والعدل ومقاومة الظلم والفقر” أي ديمقراطية الطوائف” ورغم تطور تمايز الفرد عن العائلة الذي فرضه الاتجاه المعاصر ونزعة الفرد الطبيعية إلى معاكسة الإنغلاقات المجتمعية واختراق محرماتها، فإننا في المقابل نلقى إلغاءات عنيفة أوهادئة لهذه الحرية من قبل الطائفة، تعمل على مختلف المدارج، حتى تصل إلى مصادرة حياة الفرد ذاته. ؟
4- عن الآثار السلبية في انتماء الشباب إلى العقائد المنقولة المضغوطة أو العروبية المتطرفة والمخاوف من انجرارهم إلى الإلتزام بها، حيث لا أرض لها وعن قصور التصور المغرق في الاعتماد على الدول العظمى والغير لضمان الشأن اللبناني /إذ ليس ذلك سوى انخداع في وهج البريق مقابل ضعف الداخل/ فلم يكن الغير أبدا بالنسبة للبنان عصا غليظة تخيف الغريب وتدافع عنه، ولا سندا صلبا يتكأ عليه، إنما هو قصبة مستنقعات تكسّرت كما تبين منذ أول اختبار وثقبت جسد لبنان .؟
5- حول لبنان الآتي الدولة والوطن والمواطن والدستور، وصيغة معادلة التقدم مع الحداثة والحرية والعدل الآجتماعي والتاريخ.
وكان السيد جان عبيد بقدر استجابته للحوارات من الأطراف المختلفة وقبوله الهادئ للإيجابيات الحماسية، فهو كان يمرر ملاحظاته ببراعة إلى هذه الأطراف في عبارات مركزة ذات مفاعيل عملية تعيش طويلا.
* من هذا المنظور وليس من غيره يمكن تفسير خطوات اللقاءات والتوجهات الحركية من أجل بناء لبنان الآتي، التي كان يستحثها بحذر المسكون بالشأن اللبناني وهمه، وهذا هو ذاته (الذي كان سببا لمشروع خطفه والإفراج العاجل عنه - إبان الحرب اللبنانية- عقب ثورة الغضب والإستنكار الشعبي الإسلامي والمسيحي وانعكاسه الرسمي والإقليمي حيث وصف خطفه بأنه خطف للبنان)؟
* وفي معرض الرآسيات والتعريض بعلاقاته: فإن علاقته بآل افرنجية المبكرة في الشمال، لم تكن وليدة تواجد أسروي فقط محكوم بالمنطق الجغرافي، وإنما كانت تربطه صداقة الشباب والحوار والمواقف مع المرحوم الوزير طوني فرنجية - مع الاحترام للأب المغفور له سليمان وزعامته التقليدية،- إذ كان الإبن الشهيد امتداداً لمواقف أبيه، ذات الفهم العميق الموضوعي لطبيعة الوضع اللبناني الداخلي والدولي وأبعاد الارتباط العربي اللبناني،/ كما فهمتها الشهابية في أفقها الواسع فيما سبق/، وانتقلت إلى السيد سليمان الحفيد التي آلت إليه الزعامة، وأيضا طبيعة التقائه بالسيد الحريري ( ليس على متن طائر قادمة من باريس مربط الخيل والقرار) من أجل الرئاسة كما الزعم، فالسيد الحريري كابن للبنان كان متحمسا لقضايا الوطن العربي معنيا بالشأن اللبناني والبارزين من رجالات لبنان.؟
* وهكذا منذ زمن طويل ، فرغم انسياق الكثيرين وراء بريق التزاحم وإغراء الإيديولوجيات المصنعة في بيروت أساسا والمعادة إليها من عواصم العرب، كان السيد جان عبيد الوجه الآخر والرأي الآخر، فعلى الرغم من استيعابه تماما لزخم الأحداث القومية في الدول المجاورة وتفاعلها في لبنان، كان يقف هو على حدود لبنان ومفهومه عنه، لذا لم يخطو نحو محاولة دمج لبنان(بخصوصيته التاريخية المسيحية المارونية) بالعروبة، وإنما التنبيه فقط إلى قدر لبنان..!؟
* ومن منطلق حساسية المولد والوطن وآفاق الانتماء المتداخل عبر الحدود بين العروبة وخوف الطائفة، وبمعنى آخر من هذا الموقف اللبناني المتنبه إلى عبثية التعصب والإنفعال ضد الآخر، كان موقفه موقف الرافض لحرب العشرين عاما على أرض لبنان والوسيط الفاعل لإحلال سلام متوازن بين الأطراف من أجل أن يبقى لبنان، حتى تصالح الطائف، كما يمكن أن نستقي من تحركات السيد/جان عبيد/ أثناء الحرب بين مناطق أرض لبنان ما يسمو من الدلالات، فعندما يكون المقياس الوطن والمفاضلة بين الحياة والدمار، ينتقل الموضوع بين الشرفاء إلى المبادئ والقيم، ويبطل دور الذهب والدولار، وتعاد المساءلة إلى حسابات دقيقة تطال المنطقة والحي والمنزل بمفاهيمها لارتباطها بالوجود والبقاء في زمن القتل على الإشاعة والتصفيات الخفية، فعندما ساد التطرف الطائفي وأصبح الجنون مقياسا في معادلة مقلوبة لمصداقية وطنية هذا الرجل أو ذاك … كان بقاء الماروني مقيما في المنطقة الغربية عنوانا لوحدة الوطن ورفضا لمقولة الإبادة العرقية الطائفية وارتفاعا في مفهوم المواطنة، وعندما جنحت جميع الأطراف الفاعلة بإيحاء الغير، إلى ممارسة ما هو مرفوض وطنيا وأخلاقيا عبر سلعة الإنتقام الطائفي، وأصبح الوجود الماروني مهددا من الخارج تساوقا مع “النمذجة الإسرائيلية” وبفعل التخريب من أحزاب يفترض بها حماية الطائفة، أصبح من الضروري بقاء الرمزمتحركا في الوجود المهدد، فإن لبنان الواحد في تكوينه متعدد الوجوه بتعدد طوائفه، وإن إنهاء طرف ينهي لبنان، هكذا يتم التعامل مع حسابات الوطن بما يعنيه من شعب يعيش في الجغرافيا والتاريخ، وليس الانتقال إلى خارج الوطن أيام الكوارث، ومن هذا المنطلق فلقد تجاوز جان عبيد الخوف على سلامة ذاته وعائلته في تلك الفترة ” رغم التهديد والمضايقات” فقد تمكن مبكرا من التقاط المعادلةً باتخاذه الموقف الصلب من أجل بقاء الوطن، هكذا أيضا ممن يفترض أنهم أعطوا مجد لبنان، الرموز المقدسة، الساكنة في نسيج شعب الوطن، فالبطريرك الماروني لن يكون مارونيا حقا (وهذه مقولة ثابتة)إن لم يستطع أن يكون بطريركا لكل المسيحيين العرب، والعرب/ أي المقام الأول العادل/ وهكذا قياسا على ما في ذلك من حذر/ إذ لم يحمه قديما جناحا الشاهين (مطانيوس) في جونية وتحولاته المعتقدية من المارونية إلى الشيعية إلى البروتستانية، وعلى الشواطئ أساطيل الدول الحامية الطامعة، ولا لاحقا المخالب المميتة والصوت المخيف لطائر بشري الجعجاع،!
* وكما يبدو من دروس هذه المراحل، كان”جان عبيد” الأقدر على التقاط أطراف الخيوط المتشابكة على الأرض اللبنانية للمعضلة (اللبنانية - العربية، واللبنانية – اللبنانية) ولمختلف الفئات السياسية بمن فيهم الفلسطينيين كتعبير ضمني لطائفة ولفصيلها المسلح المعروف لدى الطوائف، الذي أعطى حسب الزعم تبريرات التسلح، فليس هنالك موقف من عدو مفترض، سوى المخرب للوطن.
* وإذا عدنا إلى مرحلة أواخر الستينات ومطلع السبعينات وإلى طبيعة الأجواء المستفزة المشحونة (إقليميا ودوليا، وطائفيا، ودولتيا،وعرقيا) تبرز أهمية موقف السيد جان عبيد وأسباب التطلع إليه، حيث كان من الصعب عندها ضبط النفس أمام حمى الإنقياد لسير الأمور بموضوعية وتحليلها بمحاكاة العلمية المخبرية كما فعل، فلقد كان شيعيا وسنيا متفهما لموقف وهواجس الشارع الماروني، والسني العارف للشيعة وللموقف الشيعي اتجاه السنة والعكس، كما كان مارونيا ومسيحيا بالقدر ذاته متفهما للإسلام السني والشيعي والدرزي بتعبيراته الحزبية، كما كان عروبيا متفهما للموقف الرسمي اللبناني والشعبي ولبنانيا متفهما لطبيعة الموقف السياسي العربي، بمعنى آخر كان يرى دائما من منظار الآخر على تعدده.!
* وإذا كان موقع العاصمة اللبنانية بيروت منذ زمن الصناعة المصرفية والسياحة والوكالات، قد أعِدت مسرحا للأطراف المتصارعة في المنطقة، فقد أهله الفهم الصحيح لعمق المجريات، إلى ان يكون مركز استقطاب سياسي، ونافذة للضوء في الأجواء المعتمة على نحو غير مسبوق، وأهلا لمد الجسور عبر ممثلي محاور المصالح والصراع على الساحة اللبنانية بتطاولاتها خارج الحدود، ولربما هذا ما سمح له أيضا بالتحرك الوسيطي بكثير من الوضوح منذ بداياته السياسية مع الأطراف الدولية المعنية وعلاقاتها مع المسألة العربية اللبنانية ومع الفاعليات السياسية والطائفية اللبنانية في مختلف أطرها، واهله لأن يعتمد في زمن الرئيس شارل حلو ممثلا لوساطة مع الحكومة العراقية ومستشاراسياسيا لكل من الرئيسين الياس سركيس وأمين الجميل، وأبا روحيا(عرابا) للرئاسات والمرجعيات اللبنانية المتعاقبة - حتى عهد العماد عون أول التسعينات- لدى من انتهى إليهم صنع القرار العربي والدولي للبنان.
* فكيف يحكم إذن على فِعال الرجال بغير نتائجها، وأن يُسمح لمن شاء ممن امتلك بعض صحاف الورق، أن يدين الشرفاء (باسم الحرية وأثمانها)، من غير أن يُحاسب ويٌحرق في النار، لكن كما يبدو من المجريات حالة شاعت، وهي تتكاثر غالبا في الزمن الردئ، حيث يجزى لأتباعها العطاء، ويتراكض إلى جزائها شِرار الناس، ويتساوى فيها الصالح بالطالح، ويبطل الحق، ويُعطى ما لعلي إلى عمر، وما لعمر إلى شيطان المجوس دون استغراب؟
* فلبنان ملجأ لأقليات استقرت في جباله وسكنت في معارج وديانه، وبما يتوافق مع طبيعة الموقع تمايزت اجتماعا ونشاطا، امتد منذ الفينيقيين، وقصد العالم وعبر مسارها التاريخي احتاجت إلى رجال ورسل، عرفوا خصائص وطبائع ومصالح الشعوب وأصول التعامل لإقامة الصلات بين البلدان والأمصار، وبرعت هذه في هذا الدور الذي جلب لها سلاما وعيشا رغيدا مع الحفاظ على ذاتها اللبنانية، حتى صار لبنان مدرسة علاقات، ونمطا لبنانيا افتخر في ممارسته من اختبروا دور لبنان منذ أيام فخر الدين والبشير إلى عهد الإستقلال.
* والغريب هنا أن تؤخذ “المآخذ” على من برع وأعطى في أحلك الظروف، ونهض بمهمة إنجاح مساعي الوساطات السياسية العربية والدولية، وعقد الإتفاقات للكف عن تدمير لبنان وتهجير شعبه في مهمة اعتبرت من أصعب المهام الوساطية، التي نمّط أصولها(الديبلوماسية) لبنان/ والمقصود هنا(السيد جان عبيد)، لكن هذه مسألة أخرى، تسير على قاعدة إن أخطأ السيد، يُعاقب العبد ” وسيد هؤلاء هنا معروف” بما يتضمن هذا الإفتراء من مدّ غطاء تبريري لمن قصّر وأحجم من السياسيين اللبنانيين عن واجباته اتجاه شعب الوطن في العقود الأخيرة، هؤلاء الذين درسوا وعرفوا جيداً من منظور الإحتراف السياسي رعب المسيحيين المغذى بخبث مع بداية صعود المد الطائفي المغاير القادم من أواسط القرون (باحتمال فقدان لبنان لحدوده وخصوصيته) وانتشار لغط مفهومه المشوش منذ الخمسينات، فلعبوا على هذا الخوف وبرعوا فيه، بما رافق ذلك من هروع فئات لبنان السكانية إلى التغريب مع احتمال اندثار الموروث في ذاتية لبنان، وقد أدى هذا إلى غمر الشباب بالضياع ورغبة الإنخلاع والإنقلاع من الجذور، تطاولت مظاهره التقليد المحافظ الماروني والمسيحي لبناني والعربي، وتورطت في سديميته على الوجه الأخص القاعدة المسيحية الشعبية والتاريخية( انتقلت فيما بعد عدواها إلى بقية الطوائف)، بينما كانت المارونية السلطوية في القمة تجتمع وتتآلف مع الغير على طاولة التآمر من أجل ابتزاز المزيد ما آل إليه الوضع اللبناني..؟
* وربما مارس السيد (جان عبيد) في بدايات الشباب الصحافة، لكن ليس بهذر الكلام المتوج بالأسماء الملمعة أو بقصد تلميعها، إنما انسجاما مع ضرورة وجود المنبر لإسماع صوت محبي العطاء وللإرتقاء بالكلام إلى مقولات تستدرك مصائب الأمور قبل أن يسود الإنحطاط..؟
لقد كان المتنورون اللبنانيون(ممن خلعوا عباءة الطوائف وأحزابها والأفكار المعلبة في الأقبية)، يتطلعون في سنوات المرارة إلى وجه آخر غير تقليدي، يقودهم في المعارج الصعبة، لم تساهم في تركيبه العقد اللبنانية المتحدرة من زمن الدولة العثمانية ومراحل العثرات وبمعنى آخر وجه يتعالى على تزاحم الأزمات والأوجاع عارفا بجذورها ودروب الخلاص، وينحو إلى التقدم عبر المفهوم اللبناني (في الإرتباط العروبي والعدل المجتمعي والرقي الفكري)، منطلقا من الأسس المشتركة الأصيلة التي تنسج اللحمة لدولة لبنانية مأمولة، ترشف من رحيق الجداول بين الجبل والسهل حتى الشاطئ، تتوافق مع تطلع الفرد والعائلة إلى مستقبل، يسترشد بالمنهج العلمي الحديث من أجل الأمان والرخاء.
* وكان هذا التيار المتواضع، الذي رنا بكثير من الشوق والأمل إلى طوحاته، كان يتفاعل مع أزمات الستينات الخارجة من تحاريق لبنان الطائفية في عهد شمعون، ومزالق سياسة الأحلاف، وانتكاسة إنفصال الوحدة العربية الأولى والسنوات العجاف، وردود الأفعال الإيجابية والسلبية في نمو التيار العروبي واليساري في الشارع اللبناني المترافق مع انحسار وسكون النوازع الإنعزالية المفتقرة إلى وضوح الرؤية والمنهج في الشارع اللبناني، وصراع السياسات العالمية وذيولها الإقليمية على أرض لبنان كبوابة استراتيجية لبلاد النفط العربية وانطلاقة لاختراق الجدار السوري المحيط بالحدود الشرقية والشمالية.
* وكان هذا التيار يخطو للبحث عن من يلعب دورا متفهما رياديا ضمن إطارمتماسك لايجابيات مفهوم تآلف المنظومة اللبنانية؛ خارج شوائب الأزمات العاصفة والنزعات الخاوية، التي أدت حيثياتها اليومية إلى انغلاق هذا المفهوم عند حدود الحي والضيعة والسوق والمتجر،والتي أدت فيما ادت إليه على إفراز نوع من القيادات المُرتخية أسقط في يدها، فسيبت تصريف الأمور لزعران الشوارع ومواقف السرفيس والمراهقين والقوادين، الذين رأينا دورهم ودور أبنائهم الجلي وأسماءهم اللامعة على مدى عشرين عاما من الحرب العبثية اللبنانية، وقد رأى هذا التيار الواعي في واقع التعدد اللبناني:/سبيلاً إلى غنى الحوار والارتقاء وتجاوز الذات إلى الآخرين/ وإلى إمكانية فهم المرض الدوري، الذي ينتاب الفئات المختلفة ويجمح بها إلى العنف، وإلى حقيقة غائبة عن قيم الإتماء والتفاعل والإحترام لشعب، كانت تقف دائما على حدود احترام الطوائف، يمكن أن يساهم بإعادتها وتعزيزها منهج تربوي مسئول.
* لذا كان السيد(جان عبيد) كشخصية متميزة بأبعادها: في ذهنية هؤلاء المتنورين اللبنانيين والعرب- وهم من صفوة الشباب – مرشحا رئاسيا مأمولا في عتمة الواقع اللبناني والعربي، وهم لا يرغبون باستبعادهم عن المشاركة المواطنية في مجرى الأحداث بعد الآن، كما لا يرغبون في أن يستعيد زعران الحارات الأميون ولابسوا الجينز والياقات في المناسبات سطوتهم ودورهم في تخريب لبنان، وإن انتظموا في كتل وأحزاب، يمكن أن تتعدد تسمياتها في مسار لبنان..؟
* إن الحرب اللبنانية بعد سنوات الهيمنة والتخريب في الواقع المجتمعي اللبناني وحتى العربي، قد أفرزت عناصرا واعية ليس من السهل إلغاءها وإن تغيرت المسميات مثلا (المتنورون المحيطون بالعماد عون)، وهي تستعيد على طاولة البحث ما هو أمامها وفي ذاكرتها واقع الستينات وأوائل السبعينات وهرطقات سنوات الحرب عن صوابية قفزات القرود المدربة وإفتاءات القتل والسرقة باسم الصليب أو الهلال، وهي تبحث في الأسباب والنتائج وفي تركيبة البنى الإجتماعية والإقتصادية للبنان في توجه خلاصي عبر ورشة الدراسات الجديدة لترسيخ من وقع عليه الإختيار للنهوض، من هو قديس لبنان رغم سطوة الإحتواء.؟
* لذا فإن من يحاول العودة إلى خطاب تجاوزه الزمان، يرعى الكذب والغش والإدعاء لإعادة العجلة إلى الوراء سيلقى نفسه خارج الزمان والمكان ومهملا في الزوايا، وربما لم يستوعب هؤلاء المرتزقة من الكتبة ومنهم السيد شرارة دروس الأعوام العشرين وما قبلها، أم أنهم يستهينون بالعقول والقدرات، وأن الشعب قد استيقظ وارتقى في سنوات تحصيله إلى ما هو أرقى، ولم يعد يقبل الفساد، فليس من إمكانية للعودة إلى الصفروالدوران لإعادة التجربة والإختبار، فإن لبنان يتجه إلى تراكم معرفي يختزن ويختزل في خاصته من مخلصيه وقديسيه وأنبيائه،ولن تضيع من ذاكرته أسباب الجراح، وهو لا شك يستعيد الآن أسماء هؤلاء الذين تخلّوا أو غرّروا، والذين أوصلوا لبنان إلى الدمار، والذين بقوا زمنا دون وازع أو رقيب، يعتبرون لبنان إرثا إستثماريا وأبناءه خرافا تذبح في المواسم وبناته وأطفاله تباع إلى من شاء.
* إن لبنان قد نهض من رقدته وانعتق من قيده، وأزاح عن وجهه الحِجاب، وها هو ينطلق بأعين يقظة فاحصة، يخطو بثبات على الأرض ووجهه إلى الأمام، يرنو بفرح إلى صحيح الطريق الصاعد إلى أرز الرب على القِمم.
سليم نقولا محسن
22 ديسمبر, 2007 على 4:22 pm
مبحث في الديمقراطية
étude sur la démocratie
سليم نقولا محسن
SALIM NICOLAS MOHSEN
ADR: SOUFANIEH- DAMAS
* هَلوَسَة المُعارَضَات الديمقراطية: تعَارُضٌ مع السلطة، أم اعتِراضٌ على الوطن ؟؟
L’hallucination des oppositions democratiques: contester le pouvoir ou s’opposer à la patrie??
* ليس الرفض للغرب (الأوروأمريكي) والإعتراض عليه وعلى جبهة قوى الإصطفاف المحلية والعالمية المساندة له والمروجة لطروحاته، هي مجرد استنتاجات منطقية، ترسخت في العقل الجمعي الشعبي العربي لحصيلة وقائع مأساوية مرحلية يمكن تجاوزها، بل هي نتيجة ممارسات تاريخية أنتجت الفعل المقابل، بما وطنت هذه من أوضاع كارثية في جوانب المنطقة أورثت تداعيات لا يمكن التشاطر بالقفز فوقها بالديمقراطية المُستجلبة، أو بإرجاعها إلى قدَرية غيبية يَجري إعادة إحيائها.
ولم تزل العقلية التي سيّرت القوى الإقتصادية العالمية العابرة للبحار في المدن التجارية المتوسطية أوائل القرن ال 11، بما حققت من ثراء، ومن ثم شركات الدول التجارية الهند الشرقية والغربية القرن 16، بما أسست من هيمنة لدول أوربا الشرق الأطلسي ، هذه العقلية الداعية لغزو العالم، لم تزل هي ذاتها وإن تطورت شكلا في قدراتها وأساليبها على مدى القرون التالية الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، إلى أن اتخذت منعطفا نوعيا خطيرا مع التطورات المستجدة والقفزات الحداثية النوعية وتقنياتها، التي تطلبتها أشكال العلاقات الإقتصادية الكونية الجديدة ومنظوماتها، ومن المؤكد أن الشعوب قد ارتقت في قدراتها التجابهية، وفي إيجاد مخارج وحلول لأوضاعها المتفاقمة تناسب الفعل، لذا فإنها ليست بغافلة عما يبيت لها من مساعي لتحطيم وحدتها المجتمعية وتفكيك بنيتها التقليدية المتوارثة بما تتضمن من شرائع وأعراف وتقاليد واللعب بكياناتها الإقليمية وكتلها البشرية وصولا لإزالة دولها الوطنية بالتآمر أو الغزو العسكري، لسوقها إلى القبول بالسوق الإقتصادية الكونية وشروطها وفرض منظومة إدارية عليها تربطها بها وتجعل من العالم وحدة إدارية، يصعب الفكاك منها لصالح المركز وإدارات التحكم بالرأسمال العالمي واستثماراته في مراكز المال المختارة والدول الكبرى، وذلك لزيادة إحتياطي الوفرة لديها على حساب تعب الشعوب وفقرها.
وإذا كان على شعوب الدول المصنفة في عتبة التخلف واجب إعادة النظر بمقولات المسلمات المتداولة في السياسيات ومدلولاتها المستجلبة اساسا من عالم الغير (الأورو أمريكي)، ومنها الديمقراطية والنظم وأصول الحكم، فإن هذا الغير بفعل إدمان السيطرة، قد ترسخت لديه مفاهيمه، وبات من العسير حتى على مثقفيه التطلع بعقل متزن منفتح إلى أصول مفاهيم التنظيمات الدولتية في مجتمعات دوله، فكيف بتلك المجتمعات المتهمة من قبله بالقصور والتخريب والهمجية والعنف وأصل كل شر، بل أنه قد أصّل طبيعتها وفق منظور فكري خرافي متماسك شكلا عمل عليه طيلة قرون، كان قد استله من أساطير المدونات التاريخية (خاصة الإسرائيليات) وصنّف على أساسه بشكل نهائي تلك الشعوب، بل صارت تلك المنظومة الفكرية عقيدة لديه غير قابلة للنقد أو المراجعة وعلى أساسها يبني ممارساته، وبات لازما عليه الحفاظ على بنيتها ومنطوقها لإبقاء تماسكه ولما تؤمن له من غطاء تبريري لكل الأفعال الوحشية بحق تلك الشعوب باعتبارها ممارسات تقتضيها الضرورة الأخلاقية.
وبناء عليه من الممكن أن يتساءل متتبعي الشأن السياسي عن جدية هؤلاء الذين يتعاطون السياسة من موقع المعارضة الديمقراطية عبر تقلباتهم المتناقضة بما يعتقدون، وبما يمارسون وقد بلغوا حدود التقمص والتماهي الإستعراضي المضحك للمظهريات الغربية، وقد حسبوا كسياسيين على شعب المنطقة بفعل الصدفة أو التلميع الإعلامي، أو إن كان لديهم مشروع سياسي ما، يعملون بموجبه لإنشاء دولة الوطن، فمن الملاحظ بأنهم قد توارثوا المقولات السياسية عن نظم الدول وأشكال الحكم والممارسات المعمول بها من الدولة العثمانية، التي كان قد تسلل إليها كما إلى غيرها في أزمان الضعف فكر العصرنة الأوروبي التخريبي، منذ أواخر القرن الثامن عشر، والذي لا يختلف في جوهره عما هو جديد، الذي أدى في نهاية الأمر إلى تفكيكها.
لذا من الطبيعي أن لا نجد أغلب هؤلاء، حتى منذ ما قبل العهد الإستقلالي وقد قصّروا عن فحص وبيان أمور ما يخص مجتمعاتهم وآثروا النقل والتقليد، سوى طلاب سلطة بارعون في رفع تلاوين يافطات الشعارات حسب مقتضى الحال والصراخ، وينحصر همهم في التخابث والمماحكات الكلامية العقيمة، وتخليق الإشاعات الرخيصة وصنع المؤامرات لإزاحة السلط السائدة في دول مجتمعاتهم للحلول مكانها واستلام مقدرات الدولة وأنشطتها لحسابهم الخاص كل حسب قدرته.
كما أن من الطبيعي أن ينحوا الأفضل من أمثال هؤلاء إن حسنت النية لديهم، والخلاف مع السلطة على السبل المثلى لبناء دولة الوطن إلى التقابل الحواري المشروع الهادئ أوالصاخب والإحتكام إلى الشعب، أما إذا كانت السلطة قوية صاحبة مشروع سياسي ويتوافق بقاؤها مع إبقاء التوازن بين فرقاء شعب الوطن لبناء مشروع دولة الوطن، فغالبا وحالة هؤلاء السياسيين كما تبين، فسرعان ما ينقلبون إلى وظائف تزينية أو إلى أدوار مقابلة(معارضة) هي متممات للعبة السلطة في الحكم وبالإتفاق معها مثال( حزب الوفد المصري من زمن فؤاد إلى الملك فاروق الأول).
مما يستدعي هذا مشروعية التساؤل عن حقيقة الأحزاب ومبررات وجودها ووظائفها في الوطن وفي منطقة لم يزل يمارس أغلب سكانها أنماط الإنتاج المعاشي المحدود المرتبط بالحرفة والأرض ورأس العائلة المالكة أوالطائفة، ونظامها السياسي ذي طابع سلطاني، وإن حوّرت هذه الأنماط أو تقولبت مع أشكال متواضعة من النمط الصناعي بنقل مكان العمل وطبيعته من الأرض إلى المصنع وآلته، وبما أدت تبعا إلى سلبيات برواج أعمال غير مشروعة احتكرت الثروة صاحبت تورم جهاز الدولة: كالسمسرة، و النهب المباشر وغير المباشر للمال العام أو الوساطة المُحتكِرة لأنشطة الدولة، بمعنى آخر فإن مجتمعا، تنعدم فيه الطبقات الإقتصادية المنتجة السائدة إقطاعية رأسمالية أو عمالية، وتتأرجح وضعية ثراء شرائحه وأفراده ومكانتهم تبعا للإنتماء التسلطي وليس الإنتاج الإقتصادي، وتسود فيه الطبقة الوظيفية غير المنتجة التابعة والخادمة للدولة المالكة للمجتمع، فإن طبيعة هذه الدولة الإقتصادية وشعبها لا يمكن أن ينتجا الأحزاب بمفهوم الدولة البورجوازية وتبعا النظام الديمقراطي، وهي في أفضل الأحوال لها شكل الدولة السلطانية، ويمكن أن تنتج حزبا واحدا هو حزب السلطان، مثال دولة نابليون الثالث في فرنسا أواسط القرن 19.
لكن منعا للإلتباس تجدر الإشارة إلى أن أوجه الشبه بالحالة السلطانية للدولة الفرنسية آنذاك، قد حدث بعد أن تقلصت مقومات جمهورية الطبقة البورجوازية المتعددة الرؤوس الوارثة لدولة الملك والإقطاع، إذ كانت تعارضها طبقة فلاحية واسعة لها طبائعها المتوارثة ومصالحها، إلى جانب طبقة عمالية في المدن تتجه إلى البؤس كانت قد نضجت معالمها ومطالبها وأوضحت رؤيتها وإيديولوجيتها، ومع ذلك فالطبقة البورجوازية التي كانت تتوزع أنشطتها الإقتصادية بين التجارة والسمسرة والمشاغل الحرفية والصناعة والمضاربات وتقودها المصارف، كانت قد استطاعت عبر مسيرتها الإقتصادية الطويلة، أن توضح معالم التقسيمات الطبقية في المجتمع وانقسامه إلى طبقات ومطالب كل طبقة فيه، مما أتاح ذلك الوضع الفرصة لنشوء الأحزاب وفاعليتها أساس الجمهورية، ومع ذلك ففي دولة مثل فرنسا كانت على قدر من التطور وتمتلك مقومات دولة الجمهورية أستطاعت فيها حالة وحشية يقودها رأس مال المصارف، أن تغيّب فاعلية كل هذه الطبقات في الحفاظ على الجمهورية والحؤول دون وصول سلطانية جائرة، ذلك بعد أن استبدت حاجة هذا الرأسمال إلى الجهاز الوظيفي للدولة وإلى مؤسساتها للعمل لصالحها بما يتجاوز مصالح الطبقات والشرائح المكونة للدولة، فلم تتوانى عن تخريب الدولة وإفساد طبقتها الوظيفة لاختراق قوانينها والتلاعب بها وتسييدها على الدولة والمجتمع بتواطؤ مع الأمبراطور صاحب الدولة.
وبالمقارنة فإن الوضع الإقتصادي الذي عايشته المنطقة كان يختلف نوعا عما كان سائدا في الدولة الفرنسية، ولا وجه للمقاربة معه، إذ كان ولم يزل يتبع منطق الطوائف في سائر أنشطته الإقتصادية الفلاحية والحرفية والورَشية والصناعية والتجارية والوساطية، حتى بما يخص مجال استغلال احتكارات الدولة للثروات الطبيعية بما فيها العمل الوظيفي، كما أن شرائح المجتمع العاملة في هذه المجالات، لم تتوضح معالمها الإقتصادية ولا طبيعة التكوينات الأخلاقية الإجتماعية الناشئة، كما لم تتطور هذه إلى طبقات يمكن على أساسها أن تتحدد طبيعة انقسامات المجتمع، لذا بقيت مطلبية أنشطتها وحقوقها ومرجعياتها أسيرة لحدود الطوائف التي نشأت عنها وبقيت تحميها وتضمن حياة أفرادها، وبالتالي إلى استحالة نشوء أحزاب على الطريقة الغربية، لذا نرى أن ما نشأ من أحزاب مطلبية سياسية في المنطقة، إنما كان أغلبها من باب المظهرية والتقليد، سرعان ما استبدلت مرجعيتها ومسيرتها من المبدأية المعلنة في أدبياتها بالسيد البديل للطوائف أو الوريث لها.
ومما سبق يمكن أن يخلص لدينا: بأن لا وجود للأحزاب السياسية المطلبية في المنطقة على النمط الغربي، تلك الممثلة لتقسيمات المجتمع الطبقي، وإنما شبه تجمعات طائفية، وأخرى إن وجدت هي امتدادات لنفوذ الدول الخارجية الطامعة، أما غير ذلك فوهم لا حقيقة له. ؟
إلا أن ظروف الوضع الدولي والصراعات الناشئة بين الدول النافذة آنذاك، تلك المرتبطة بمسار سياسة إقتصادياتها ومصالحها، والتي كان من نتائجها تفكيك الدولة القديمة العثمانية وفق توازناتها القووية وتقسيم أراضيها، صنفت ورسمت حدود الدول الإقليمية والقطرية وأنظمتها ودساتيرها وخطط إداراتها المستقبلية، بما يتناقض مع مصالح شعوب تلك الدول، كما عملت أيضا على إفقار شعوبها ضمن آلية الإستعمار، مما أتاح الفرصة لشعب منتج مستقر ذي حضارة إلى أن تنمو لديه نزعات مطلبية لاسترداد الوطن وإنشاء دولة الوطن، أنتجت أحزابا وطنية إستقلالية مناضلة لتحقيق مطلب إسترداد الوطن وإنشاء دولة الوطن شرّعت من خلاله استخدام أشكال الكفاح الوطني بما فيها مشاريع استعادة وحدة الأرض المقسّمة وشعوبها لرفع قدراتها في المواجهة والبناء (الإقتصادية والدفاعية والاستراتيجية) بغية إتاحة فرص مستقبلية أوفر لصنع مجتمع متقدم حر بصيغ الجمهورية.
ووفق هذا المنظور فمن الممكن أن تستمر أشكال الأحزاب السياسية التي فرضت ذاتها على الساحة الوطنية الكفاحية على اختلاف رؤيتها ومنهجيتها، المتعايشة والمقابلة والمعارضة للسلطة المتشكلة على أرض الدولة المرسوم حدودها: من أجل مصلحة الوطن مرورا بحرية المواطن، هذه الحرية التي تضمنها وتؤمن تحقيقها صيغة المواطنية المشاركة بقرارات السلطة في دولة الإنتاج المستقرة، وهذه الحرية لا ترتبط شروط ممارساتها بالديمقراطية كنظام سياسي له أسباب نشوئه، فالحريات الفردية والحقوق الطبيعية للفرد هي حقوق تكفلها الشرائع والقوانين ولا يجوز المساس بها .
بينما من تسمّي نفسها معارضة ديمقراطية وإن تعددت مسمياتها وشعاراتها الملمّعة، فلا يمكن الإعتماد على حراكها وعلى ظاهرتها لتأكيد وجودها كضرورة بغياب الظروف الموضوعية الإقتصادية والشعبية والوطنية المنتجة لها، وإنما يرتكز وجودها واستمراره على برامج مهامها المرتبطة عادة بالقوى الخارجية الممولة لها، هذه المهام الساعية إلى تخريب الوطن، بما تضفي على هذا الوطن المدمج بالدولة والسلطة والشعب من مقولات تحريضية تدعي عليه فيها وعلى عقائده: بالتخلف وبأنه أصل كل العقبات الحائلة دون تمكن شعبه الغافل المقهور من الإزدهار لأنها حائلة دون ارتباطه بالسوق العالمية وإدارات دولها أصل كل أمان وتقدم وثراء؟ كما ادعاء ما سُمي معارضة عراقية المُتشكلة قبل الغزو والمُمَولة من دول الغزو، والتي بَرَرت الغزو وهللت له من أجل ديمقراطية غريبة لا أسس لها، أدت إلى ما أدت إليه من فوضى الداخل وتدمير تعب أهالي العراق ونهب ثرواته.
لذا نلحظ بأن تحالف هذه الجماعات الهامشية( المسماة معارضة ديمقراطية) في داخل كل وطن، عادة ما يكون مع شراذم النهب والفساد المُتعيشة على هدر خزينة الدولة وسرقة الشعب والرهان على الفوضى وانفلات القانون فيه، لمزيد من نهب الدولة عبر ضعضعة دولة شعب الوطن المُستقرة وإنهائها إن أمكن، لصالح هؤلاء وللأجنبي، لذا فليس من المستغرب أن لا يرفّ جفن لهؤلاء، كما الذين تورموا إلى أكثرية في لبنان: أمام كل ما حدث ويحدث من الويلات الجسام؟؟!!
سليم نقولا محسن