إن القارئ المدقق لكتب التراث اللغوي – ولا سيما النقدية منه- يلحظ أن الكاتب (القارئ) القديم كان يمتاز بالموسوعية أو الشمولية الثقافية والإحاطة التامة بفروع اللغة كلها من نحو وصرف وبلاغة.. إلخ وإن غلب عليه التخصص في جانب منها كما نجد عبد القاهر النحوي والبلاغي يمارس النقد في دلائل الإعجاز ونجد السكاكي البلاغي يمارس أو يعالج النحو في كتابه مفتاح العلوم، بل نجدهم (أي القدماء) لا يتوجهون إلى طلب علم آخر قبل اتقان العربية اتقاناً تاماً وكلنا يعرف كيف توجه سيبويه إلى النحو، وقد كان يطلب الحديث الشريف في بداية الأمر وحكايات كثيرة متشابهة.
ونجد النقاد الذين عالجوا النقد أو مارسوا نقد الأعمال الشعرية أو حتى حاولوا التنظير لها قد تناولوا جميع الجوانب اللغوية وغير اللغوية التي يحيل إليها النص ولم يقتصروا على جانب واحد ونصوا على ضرورة إلمام الكاتب بها إلماماً تاماً، كما نجد عند ابن رشيق وعند قدامة من قبل وعند القلقشندي في صبح الأعشى والسلجماسي بل إن التكامل يتضح أكثر ما يكون في كتاب سيبويه ولا أدل على ذلك من مقولة أحد الفقهاء “ظللت أفتي الناس في الفقه مدة أربعين سنة من كتاب سيبويه”.

ولكن مر العقل العربي (أقول العقل) بمرحلة جمود نتيجة عدة عوامل منها السياسي والاقتصادي وقد تلى هذه المرحلة مرحلة نهضة أو تنوير ثم ظهر ما يعرف بالتخصص في كل علم وتفرعت على كل علم فروع وجزيئات في عصر المعلوماتية والتفكيك حتى إننا لا نجد الرجل (العالم) يتخصص في جزئية صغيرة في فرع من فروع العلم، ورغم أهمية التخصص الدقيق وحاجتنا إليه فإن هذا التخصص قد أدى بنا –في علوم العربية على وجه الخصوص- إلى التشعب والتشتت أحيانا فنجد العروضيين لا يتكلمون إلا عن الوزن والضروة، وأهل اللغة يتكلمون عن الصواب والخطأ أو يصفون أنماط الجمل في النص وأهل النقد يتكلمون عن الرؤية والأيديولوجية وما وراء اللغة ولا نكاد نظفر بالقارئ الحاذق (الناقد) الذي يسبر لنا غور النص في شمولية وعمومية يتكلم عن اللغة ولا يغفل الوزن ويشير إلى الرؤية والصورة ولا يجهل معيارية الكلام وضوابطه إلا في القليل النادر ومن ثم كانت الحاجة الملحة والضرورية إلى علم النص الذي يحاول أن يمسك بزمام النص ويفسره ويتعرض لكل الجوانب المشكلة للنص، ولذلك نعود مرة أخرى إلى فكرة التكامل والتداخل بين علوم العربية من أجل تفسير النص وتحليله، ونحاول هنا إلقاء الضوء على فكرة التكامل والتداخل بين علوم اللغة والتي ظهرت لنا مرة أخرى بظهور علم النص الذي بتعبير فان دايك “علم متداخل الاختصاصات”.
ويعتبر علم النص الطرح البديل والأمثل لكل المقولات النقدية السابقة عليه ذلك لأنه يتناول النص في شموليته وكليته ويتكئ على البنية اللغوية كمنطلق أساسي وأولي لنصية النص، وكذلك يعتمد كل ما يحقق للنص نصيته من عوامل أخرى كالمتلقي والموقف أو السياق وإحالات النص الداخلية والخارجية وإعلامية النص وعلاقة النص بالنصوص الأخرى فيما يعرف بالتناص.
كل ذلك يتحقق فيما يعرف بمعايير النصية التي تحقق للنص نصيته، وهي تبدو للمتأمل فيها أنها تحاول أن تقيم سياجاً لغوياً وثقافياً وبيئياً حول النص وتحيط بعالمه كله لتفسره تفسيراً صحيحاً وجمالياً.
وهذه المعايير تتوزع على عدة محاور هي النص، ومستعمل النص، ومحيط النص كما يأتي:

السبك، الحبك النص.

القصدية، المقبولية مستعمل النص (منتجا أو متلقيا)

الإعلامية، المقامية، التناص تتعلق بمحيط النص الثقافي والسياق المادي للنص.

وتتمثل مهمة علم النص في وصف العلاقات الداخلية والخارجية للأبنية النصية بمستوياتها المختلفة وشرح المظاهرة العديدة لأشكال التواصل واستخدام اللغة كما يتم تحليلها في العلوم المتنوعة.
كذلك فإن نحو النص يمكن من تشخيص العلاقات التي لم ينظر إليها من قبل وهي علاقات فيما وراء الجملة بين الجمل والفقرات والنص بتمامه وذلك على المستوى المعجمي والمستوى النحوي (الصوتي، الصرفي، التركيبي) والمستوى الدلالي والمستوى التداولي.
ويعتمد نحو النص على القواعد وشاعرياتها الكامنة التي أشار إليها ياكبسون وعلى البلاغة ومقولاتها واستنباط الدلالة ومقولات أو إحالات خارج النص ومحيط النص الثقافي وسياقه المادي ويتم التداخل أحياناً كثيرة بين هذه الفروع مثل التكرار لدى النحاة والبلاغيين وعلاقات الاسناد والفصل والوصل وبلاغة العطف وهذا التداخل يفضي إلى التكامل.
وهكذا يعود بنا نحو النص إلى فكرة التكامل بين علوم العربية مرة أخرى.

الناقد والشاعر/ حسام جايل