التلصص؛ صنع الله إبراهيم يضرب من جديد
من المدونات والمواقع 2 مارس, 2007من مدونة أحمد العايدي
![]()
تقيم مكتبة ديوان بالزمالك حفل توقيع للروائي الكبير صنع الله إبراهيم بمناسبة صدور روايته الجديدة ” التلصص” وذلك في يوم الأربعاء الموافق 17 يناير ، في تمام السابعة مساءً
(للتأكيد والحجز ـ ت : 7362578 - 7362598
.. الفنان الكبير نور الشريف وافق على القيام بالدور الأول في مسرحية ” اللجنة” ومعه الفنانة داليا البحيري، المسرحية من إعداد وإخراج الأستاذ مراد منير..
.. كما تحددت جلسة 2 فبراير للنظر في القضية التي رفعها صنع الله ضد الجامعة الأمريكية للدفع بإلغاء عقده معها ، أرجو أن يتوصل طرفا النزاع لحل سلمي مناسب.. والآن إليكم مجتزأ من رائعة صنع الله الجديدة “التلصص”
التلصّص :
1-
يتمهل أبي في مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده إلى فمه. يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين إلى أعلى. يتأكد من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء المطفأة من ركن فمه. ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل. يبسط أساريره لتتلاشى تجاعيد جبهته. يرسم ابتسامة على شفتيه. يقبض على يدي اليسرى. نتلمس طريقنا في ضوء الغروب.
نتجه يمينا نحو الفتحة الوحيدة للحارة. ندلف إلى الشارع الذي يعج بالمارة والحوانيت. بقالة الحاج ‘’ عبد العليم’’ ، شيخ الحارة. ينادينا:
- تفضل يا ‘’خليل’’ بيه.
يجيب أبي في وقار: حنمر واحنا راجعين.
دكان الخردواتي. يشع بالنظافة وتتصاعد منه رائحة الفنيك. باترينة زجاجية رصت داخلها قطع الشكولاتة والحلوى. أجذب يد أبي ناحيتها فينهرني الجزمجي. المقاعد المرتفعة و أسفلها ماسحو الأحذية. حامل الصحف في المدخل والراديو الضخم في المؤخرة. كوّاء الطرابيش. القاعدة النحاسية المستطيلة وفوقها القوالب النحاسية الضخمة. وأخيراَ الميدان.
الأنوار باهتة في لحظة أول الليل. صورة الملك مضاءة بالمصابيح. لافتات تهنئه بعيد ميلاده. لوحات الإعلانات السينمائية. فيلم ‘’الشاطر حسن’’ به قسم بالألوان الطبيعية. ‘’الفارس الأسود’’ بسينما ‘’ميامي’’ والترجمة العربية على نفس الفيلم. أشعر بلسعة هواء باردة أحسها في ركبتي المكشوفة بين حافة البنطلون القصير و الشراب الصوفي الطويل. يدي اليسرى دافئة في قبضة أبي القوية. الترام رقم 22 بعربتيه المكشوفتين ودككه الخشبية. أسابقه مع الأولاد من جهة اليسار لنقفز إليه ونثبت بذلك قدرتنا على التهرب من الكمساري. أوشك أن أقع تحت عجلات الترام المعاكس.
نستقل العربة الثانية. يزنقني في الركن لأبدو أقل من سني. يستخرج من جيب الصديري ثمانية مليمات للتذكرة. نغادر في ميدان ‘’السيدة’’ الحافل بالأضواء. عربة ‘’سوارس’’. يجرها بغلان ضامران. يملأ الركاب دكتين متقابلتين ويقف بعضهم على السلم الخلفي. سوط السائق يلسع ظهر الحيوانين. عجوز سمينة تفترش الأرض خلف صينية من أعقاب السجائر. مكان ضيق في نهايته طاولة صغيرة يعلوها حاجز زجاجي. عجوز محني الظهر ذو لحية كثيفة. يخرج أبي ساعة جيبه المستديرة من جيب صديريته. يتفحصها العجوز بدقة ثم يضعها جانبا. يعطي أبي بعض النقود.
الشارع من جديد. بائع يانصيب علق أوراقه على الحائط. يخرج أبي ورقتين من جيبه ونظارة القراءة. يقارن أرقامهما بدفاتر البائع. يكمش الورقتين ويلقي بهما في الطريق. يشتري ورقتين جديدتين. واحدة باللون الأزرق والثانية بالأحمر.
صف من باعة الأشياء القديمة وماسحي الأحذية. كوم من النظارات القديمة فوق جريدة على الأرض. البائع يرتدي نظارة طبية مكسورة من المنتصف وملحومة بقطعة بارزة من الصفيح. ينحني أبي ويقلب بين النظارات . يختار واحدة ويطلب مني أن أرتديها. أضع النظارة فوق عيني وأتطلع حولي. أجرب نظارة أخرى. ثالثة بيضاوية في إطار رفيع من معدن مذهب. أشعر بتحسن في الرؤية. يفاصل أبي في ثمنها. يشتريها.
أرتدي النظارة وأتبع أبي حتى دكان عطارة. يشتري قرفة وفلفل أسود مطحون وقرنفل. أرى الآن بوضوح.
مرة أخرى في عربة الترام المكشوفة. نصعد القمرة الأخيرة المسقوفة التي تحوي دكة واحدة موضوعة بعكس الاتجاه. نمر كالسهم بمحطة اختيارية خالية. ينبعث الشرر من السنجة. أضع يدي على نظارتي خوفا من أن تطير. ندلف إلى ميدان ‘’الظاهر’’. سينما ‘’فاليري’’ الصيفية مغلقة. أمي في فستان ملون.رأسها مغطى بإيشارب حريري يحيط بوجهها. في قدمها حذاء بكعب متوسط الارتفاع مقفول من الأمام. لونه أزرق مع أبيض. تجلس في مقعد بذراعين من القش. أهم بالجلوس فوق فخذيها فتبعدني عنها. يأخذني أبي بين ساقيه. يمر بنا بائع في جلباب نظيف علّق في ذراعه سبتًا مغطى بالقماش. يشتري أبي لكل منا سميطة بالسمسم. يعطينا البائع معها شريحة من الجبن الرومي فوق ورقة في حجم الكف.
تتأرجح العربة يمينًا ويسارًا. يضمني أبي إليه ليحميني من الهواء البارد. أنكمش في حضنه. تغمرني رائحته المشبعة بدخان التبغ. أقاوم النعاس. أود أن أقوم لأدير يد الفرملة وأرى أثرها على دائرة التروس أسفلها. أتمنى لو أجد نفسي في الفراش. فوق مرتبة على سجادة حجرة ‘’المسافرين’’ إلى جوار الخادمة. الغرفة مظلمة وبابها مفتوح تبدو منه الفَسَحة. شعاع من ضوء المصباح الكهربائي لغرفة الطعام. الخادمة تغني مع الراديو: ‘’يا أبو العيون السود’’. ينطلق صوتها خافتا قريبا من أذني. يدها تعبث بشعري وتتحسس جلد رأسي. تنتهي الأغنية فتحكي لي قصة الشاطر حسن. تتحول المقاعد القابعة في الظلام إلى جبال وجياد وقصور. يرضع الشاطر حسن من ثدي الغولة فتقول له : ‘’أخدت قطّة من بزي اليمين بقيت زي ابني سماعين. وخدت قطة من بزي الشمال بقيت زي ابني سليمان’’.
2-
يبطئ الترام عندما يشرف على الميدان. نغادره ونعبر الطريق. يتوقف أبي عند الجزار. ضخم الجسم ذو شارب رفيع شديد السواد. يرتدي جلبابا أبيض ملوثا ببقع الدماء. يطلب أبي رطلاً مشفيًا يصلح لعمل ‘’كمونية’’.
يشمرالجزار كمي جلبابه كاشفًا فانلة صوفية يميل لونها إلى البني. ينقل البصر بين قطع اللحم المعلقة في خطاطيف. ينتزع إحداها. يلقي بها فوق ‘’أورمة’’ خشبية مستديرة. ينهال عليها بساطور عريض. يستبدله بسكين قصيرة يفصل بها اللحم عن العظام. يرفع قطعة من اللحم في الهواء أمام عيوننا. يطلب منه أبي إزالة الأختام والشغت. يضع القطعة في كفة الميزان النحاسي. ينقلها إلى الأورمة الخشبية. يتناول سكينا طويلة ذات نصل لامع. يقطعها أجزاء متساوية.
يستفسر أبي عن صحة أبيه المعلم ‘’نصحي’’. يقول إنه لم يره من مدة. يتحاشى الجزار النظر في عيني أبي. يقول: الحمد لله.
أتسلل من جوار أبي. ألف حول الأورمة. يقرّب الجزار اللحم من حافتها. يبدأ في لفه بالورق الرمادي السميك. يزيح بيده قطعة فتسقط على الأرض. يتجاهلها. أريد أن ألفت انتباه أبي. لكنه يأخذ لفافة اللحم وأتبعه إلى الطريق.
أذكر له ما رأيت. يضحك ويقول إن الجزارين هكذا. ولا فائدة معهم. يكفي أنه يحصل دائما على القطعة التي يريدها. يقول إنه يتعامل مع أبيه منذ عشرين سنة. يأتيه خصيصًا من المنزل الذي ولدت به ‘’نبيلة’’ في شارع ‘’البراد’’.
ننتقل إلى حانوت اللّبّان. نشتري سلطانيتين من المهلبية. نعبر الميدان مرة أخرى. نتمهل أمام عربة تحمل كومًا عاليًا من الفول الحراتي الأخضر. يسأل أبي عن الثمن. يشتري رطلا. نتجه إلى شارعنا. دكان الخردواتي مغلق. يقول أبي إنه يغلق عادة عند صلاة العشاء.
نلج دكان البقال. الحاج ‘’عبد العليم ‘’خلف مكتب في نهاية الدكان تعلوه صورة كبيرة للملك. نحيف في معطف ثقيل، بني اللون،فوق جلباب من الصوف. حول رقبته كوفية بيضاء وفوق رأسه طربوش. تصدر عنه كل لحظة سعلة مبتسرة. ينهض واقفًا ليصافح أبي. يبدو أبي قصيرًا إلى جواره. يضع مشترياته فوق المكتب ويجلس على كرسي بجواره. أقف بين ساقيه. أمامي على الحائط لافتة بخط يد ركيك: ‘’الشكك ممنوع والزعل مرفوع’’.
يوجه أبي التحية إلى ‘’سليم’’ الواقف خلف منصة البيع. يرتدي جلبابًا فوقه معطف أصفر يشبه معاطف السُعاة والفرّاشين. فوق رأسه طاقية صغيرة من الصوف. وجهه شديد الشحوب. يرد التحية بصوت خافت بارد.
يقول ‘’عبد العليم’’: الواد ‘’عباس’’ جاهز. تحب ينقل العفش بكرة؟
يومىء أبي برأسه موافقا: إياك ميكونش اتبهدل من السمنة والزبدة.
- لا إطَمن. أنا كنت حاطط حاجتك على جنب.
ينادي: ‘’عباس’’. إنت رحت فين؟. إوعى يكون راح يشرب الهباب اللي بيأربعه.
يظهر رجل أسود حافي القدمين في مدخل الدكان. عيناه حمراوان. يرتدي جلابية وطاقية قذرتين. تنبعث منه رائحة منفرة. يتحرك في بطء.
- تنقل باقي عفش ‘’خليل’’ بيه من المخزن بكرة الصبح.
يتمتم عباس: مش فاضي.
يقول ‘’عبد العليم’’ في حسم : دول كنبة وكرسيين وترابيزة.
يلتفت لأبي: ولقيت لك واحدة كويسة ساكنة قريب. تنضف وتطبخ وتاخد بالشهر.
-كام؟
-إديها جنيه.
يسأله أبي عن ساكن الغرفة المجاورة لنا. يداعب ‘’عبد العليم’’ شاربًا رفيعًا. يقول إنه كونستابل في البوليس.
- متجوز؟
-لأ.
يطلب أبي من ‘’سليم’’ عشر بيضات وخمسين درهم جبنة وخمسين درهم حلاوة وعلبة شاي ‘’الشيخ الشرّيب’’ وقطعة صابون ‘’نابولسي’’ وأخرى داكنة اللون للمطبخ.
يسأله ‘’سليم’’ بوقاحة: على النوتة؟
يومئ أبي بالإيجاب.
يفتح ‘’سليم’’ نوتة طويلة ويسجل فيها الطلبات. يحذره أبي: البيض طازة ولا ممشش؟
-طبعا طازة. عندنا كمان زبدة جاموسي.
يهز أبي رأسه بالنفي ويطلب رطلاً من السمن البلدي.
يسأل ‘’سليم’’ بنفس اللهجة : معاك حاجة تحطه فيها؟
- لأ.
يصيح به أخوه: حطه في برطمان قزاز.
يجمع لنا مشترياتنا في كيسين من الورق يضمهما أبي إلى صدره. نغادر الدكان. أطلب منه أن أحمل أحد الكيسين. يرفض قائلا إنه سيقع مني. كتاب المطالعة. ‘’سرحان’’بين البيت والغيط.يضع البيض في جيوبه فيتهشم. يحمل الخروف بين ساعديه فيعجز عن السير. يجر البطة بحبل فتختنق . نتجه إلى الحارة. أسأله لماذا لم يشتر الزبدة. أحبها بالعسل الأبيض أو الأسود. وأحب ‘’المورتة’’ التي تتخلف عن تسييحها. يقول إن ‘’سليم’’ يحشو كوز الزبدة بالملح ليغش في الوزن. وإن أخاه الحاج ‘’عبد العليم’’ حذره أكثر من مرة بلا فائدة.
نتمهل في مدخل الحارة المظلمة. نخطو في بطء.ضوء خفيف من خصاص الأبواب الخشبية للبلكونات. شيش بلكونة المنزل المقابل لنا مفتوح. لكن المصراع الزجاجي مغلق والستائر مسدلة خلفه. نتعثر في مدخل المنزل. نصعد الدرجات القليلة المتآكلة. باب شقتنا المظلمة يمين السلم المؤدي إلى الطوابق العليا. إلى اليسار فجوة غامضة تؤدي إلى مخزن البقالة. أتجنب النظر نحوها.
يناولني كيسًا وهو يقول: إمسكه كويس. يفك أزرار المعطف ويزيحه جانبا. يبحث عن المفتاح في جيب سترته.يدس المفتاح في قفل الباب ويديره. يدفع الباب. أتشبث بمعطفه. ندخل في حذر.
يردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. يفتش بيده حتى يعثر على مفتاح النور. يلتمع الضوء الضعيف من مصباح كهربائي متسخ يتدلى من منتصف السقف. يطل المصباح على صالة بها مائدة طعام مستطيلة. نقف أمام باب حجرتنا المجاور للباب الخارجي. يستخرج أبي من جيبه مفتاحًا آخر. يتقدمني إلى الداخل. يضيء النور.
يضع كيسه فوق المكتب. أهم بوضع كيسي بجواره فيسرع بتناوله مني. يضعه بنفسه. أجلس فوق حافة الفراش الحديدي الكبير. إلى يميني باب البلكونة الصغيرة المغلق. أمامي الدولاب الخشبي المائل. يعتمد على ثلاث كرات خشبية في حجم الرمان أسفل ثلاث زوايا. ضاعت كرة الزاوية الرابعة أثناء النقل فوضع أبي قطعا صغيرة من الخشب مكانها. والنتيجة أن الضلفة اليسرى لا يمكن اغلاقها بإحكام وتظل مواربة. إلى جوارها مشجب خشبي ثم باب الغرفة. إلى يساري المكتب مضغوطًا بين السرير وحائط الباب.
يخلع معطفه ويعلقه في أحد سواعد المشجب. يتبعه بسترة البزة. في عروتها قطعة مستديرة من البرونز كتب عليها ‘’الجلاء’’. يضع طربوشه فوق قمة المشجب. تنكشف رأسه الصلعاء التي يحيط بها شعر يغلب عليه اللون الأبيض. يضغط فوقها طاقية من الصوف الوبري في لون الجِمَال ذات حواف عريضة مطوية إلى أعلى. يظل بالصديري الرمادي الصوفي ذي الزراير الخشبية. يرتدي روبه البني ويزرره بحبل رفيع أحمر اللون. يلف حول رقبته وصدره لفاعة عريضة من نفس قماش الطاقية.
أفك رباط حذائي وأضعه بجوار الباب. ألبس قبقابي محتفظًا بالجورب. أخلع البزة وألقي بها فوق ظهر كرسي المكتب. أضم إليها القميص والبلوفر. أرتعش من البرد. أرتـــدي البيجامة وفوقها البلوفر. يتناول كيسًا من القماش من فوق المكتب ويستخرج منه رغيفًا من الخبز الملدن.
يقفز صرصور صغير أسود من الكيس.أتراجع بعيدا. يسألني إذا كنت أفضل الجبن أو الحلاوة. عيني على المكان الذي خرج منه الصرصور. أقول إنني لست جائعا. يلح علىّ أن آكل لأقاوم البرد. أكرر إنه لا نفس لي. يقول: أعمل لك بيض بالعجوة؟ أهــز رأسي نفيا. يعيد الرغيف إلى الكيس.
القاهرة .1948 جيش الاحتلال الإنجليزي ينتقل إلى قناة السويس. الأحكام العرفية مطبقة. الجيش المصري يدخل فلسطين بعد إعلان دولة اسرائيل. الغلاء ومغامرات الملك النسائية هما حديث الشارع. مظاهرات الطلبة واعتصامات رجال الشرطة والممرضين. الاغتيالات السياسية ومحاكمة أنور السادات. قنابل الإخوان المسلمين ومطاردة الشيوعيين. أم كلثوم في حفلتها الشهرية بمسرح الأزبكية. أغاني محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وليلى مراد وأسمهان. أفلام يوسف وهبي وحسين صدقي ومحمد فوزي وتحية كاريوكا وسامية جمال. على هذه الخلفية تدور دراما صغيرة لصبي في التاسعة من عمره وأب في الخامسة والستين محورها السعي وراء دفء المرأة.
صنع الله إبراهيم



آخر التعليقات