خوليو كورتاثر.. من أين يأتي التجديد؟
مكتبة مدارات 5 أبريل, 2007
لا أظن أن هناك من يختلف على أن الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر ( 1914- 1984 ) أحد أعظم كتاب القصة القصيرة. وقد فتشت طويلا عن أعماله مترجمة في كل أجنحة معرض الكتاب، ثم لدي أصدقائي، فلم أجد شيئا سوى كتابين صغيرين: الأول مجموعة باسم “كل النيران” ترجمة الصديق د. محمد أبو العطا صادرة عن شرقيات عام 1999، والثاني هو: “نهاية اللعبة” ترجمته الزميلة الأستاذة مها عبد الرءوف وصدر مؤخرا عن سلسلة جديدة هي “شرق وغرب” من مطبوعات أخبار اليوم. ما عدا ذلك لم أجد شيئا، سوى قصة، هنا أو هناك على مواقع ثقافية في الشبكة الالكترونية. ولقد أسدت الزميلة مها عبد الرءوف إلينا خدمة جليلة بالكتاب الذي قدمته بعنوان ” نهاية اللعبة “. لإدراك قيمة كورتاثر قد يكفي القول بأن كاتبا عظيما آخر هو خورخي لويس بورخيس صرح ذات مرة بقوله: “إنني أشعر بالفخر لأنني أول من نشر لكورتاثر”. ثمانية عشر قصة قصيرة، كل واحدة منها، تستوقفك، وتجبرك على التأمل، والنهوض لتذرع المكان الذي تقرأ فيه المجموعة وقد استولت عليك الدهشة والإعجاب. كان أول ما نشره كورتاثر هو مجلد شعري بعنوان “حضور” عام 1938، ثم تأهب ثمانية أعوام كاملة، دون عجلة، ليصدر أول قصة له بعنوان “المنزل المحتل”. والصمت الطويل بين المجلد الشعري وأول قصة يلفت النظر إلي أن الأدب لا يقاس بكمية ما يطبعه المؤلف، وليس تعجلا للنشر، أو التواجد، أو الظهور، ذلك أن الأعمال العظيمة كتبت في سنوات طويلة، كما حدث مع “دون كيخوت” التي ظل سرفانتس يكتبها على مدى أكثر من عشرة أعوام، ومع “المعلم ومرجريتا” التي كتبها بلجاكوف في اثني عشر عاما ووضع النقطة الأخيرة فيها قبل وفاته بأيام، ومع “الأنساب المختارة” التي كتبها جوته خلال ثمانية عشر عاما. وليس المقصود بكل ذلك أنه لابد من انقضاء فترة زمنية طويلة ما بين عمل وآخر، ولكن المقصود عدم التعجل بعد أن أوشكت غزارة ما ينشر على الدخول بنا إلي مرحلة: “رواية لكل مواطن”، و “كاتب لكل قارئ”. وتلفت قصص خوليو كورتاثر النظر بشدة إلي قضية أخرى هامة هي التجديد وهو ما يلهث وراءه الكثيرون – إن لم تكن الغالبية العظمى – من كتابنا الشباب. والتجديد عندنا ينحصر أساسا في الأساليب السردية، والحيل الفنية، والبناء الروائي، والتوليف، وباختصار يصب التجديد جهده كله في الشكل. ولكن قراءة قصص خوليو كورتاثر، ستثبت لنا حقيقة أخرى، إذ تتأتى جدتها ليس من الشكل على الإطلاق، لكن من المضمون، وتحديدا من الفكرة الأساسية للقصة. وتضم مجموعته المترجمة “نهاية اللعبة” قصة مذهلة اسمها “الوردة الصفراء” تصلح نموذجا لتوضيح ما أريد قوله. في تلك القصة هناك الراوي الذي يلتقي بشخص آخر في حانة، ويسرد عليه أو علينا حكايته ، وكيف التقى بشاب صغير جدا كان يشبهه شبها شديدا، فيتتبعه حتى يتعرف إليه وإلي أسرته، ثم يكتشف شيئا فشيئا أن حياة ذلك الشاب الصغير هي نسخة مع بعض التغيير الطفيف من مطلع شباب الراوي. ويقودنا كورتاثر تدريجيا إلي فكرته: أن البشر جميعا يعيدون إنتاج أنفسهم وصورهم، ومن ثم فإنهم جميعا بشكل ما خالدون. الرواي هو الوحيد الشخص الفاني، الزائل، لأن خللا حدث في دورة الزمن جعله يلتقي بصورته مبكرا، أي خلال حياته وليس بعد موته. أقول ليس في القصة شيء خاص جديد من ناحية الشكل، لكنها تكتسب جدتها كلها من الفكرة الجديدة أو التي سبق لها أن خايلت بعضنا ثم انزلقت من الوعي دون أن نتوقف عندها. معظم قصص كورتاثر تقوم على فكرة جديدة، وليس على حيل جديدة. وإذا تكلمنا بصراحة أكثر، فإن كل أساليب التجديد التي نلهث خلفها، لا فضل لأحد منا في ابتكارها، فكلها صدى لأصوات عالمية راسخة في الأدب. وليس من المعيب أن نتأثر بالآخرين، لكن عندما يقتصر التأثر على حدود الشكل تظهر المشكلة، وبعبارة أدق: المأزق. وأتساءل، أو أفكر بصوت مسموع كما يقولون: لو أن أحدا تخيل صحراء شاسعة، وبها كتيبة من مائتي وخمسين جنديا، ضلت طريقها في الرمال، بلا سلاح، أو ماء، أو طعام، ثم واجهت الموت بقسوة ووحشية؟ ألا يصلح ذلك مادة لعمل أدبي؟ ألا يكون ذلك جديدا بقدر ما هو استجابة لأفكار وضرورات اجتماعية في الواقع المحدد؟. سيظل المحرك الأول في عملية تجديد الأدب هو المضمون، وسيظل المضمون، أي الأفكار والظواهر الاجتماعية الجديدة المتغيرة هي الملهم الأول لأي تجديد. وقد مر الأدب في عهود مختلفة بمراحل كان جهد الأديب كله ينصب على تجديد الشكل، ولم يكن ذلك يعني سوى أن التنافر بين الكتاب والمجتمع عميق جدا، لأن التناقض الاجتماعي عصي في الواقع الفعلي على الحل، وعصي على التعبير الأدبي. هي أسئلة على أية حال، أثارتها في نفسي من جديد، وبقوة، المجموعة القصصية “نهاية اللعبة” للكاتب العظيم خوليو كورتاثر. لا يبقى سوى تقديم الشكر للأستاذة مها عبد الرءوف على ما بذلته من جهد، وعلى أنها قدمت لنا شيئا جديدا، ولم تترجم ما سبق ترجمته عشرات المرات.
***
أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com



5 مايو, 2007 على 11:30 am
جميل ما كتبت .. صراحة هنا لك القليل من الترجمات الى العربية لخوليو كرتاثر و اغلبية الترجمات الموجودة حاليا اما ترجمت عن الانجليزية او الفرنسية .. و قد عملت منذ مدة على ترجمة احدى افضل اعماله و اروعها عن الاسبانية و انا حاليا اضيف اللمسات الاخيرة على المخطوطة لاتقدم بها الى الناشر… ان صعوبة كرتثار تكمن في تلاعبه بالكلمات و اللغة ان كاتب متمرد بكل ما تحمل الكلمة من معنى… انه يخلط ما بين اللغة الفصيحة و العامية.. و كتاباته غالبا ما تحمل معنى اخر عند قرائتها جهرا… انه كاتب زئبقي…
مع خالص الود
عبد الله توتي كاتب و مترجم من المغرب
17 مايو, 2007 على 11:48 pm
تعرفت على كورتازار فى اواخر الثمانينات عبر ترجمة عظيمة للراحل محمد عيتانى فى سلسلة ادب الشعوب من خلال مجموعته التى لاتنسى(الاسلحة السرية) . فى هذه المجموعة العبقرية قصة اظن ان من سيقرأها ستظل تعيش تحت جلده وهى قصة (خيوط العذراء)التى استلهم انطونيونى منها فيلمه الشهير(بلو أب ).فالى الراغبين فى الكتابة وترك بصمة فى الادب اقرؤا الاسلحة السرية يرحمكم الله .