بشارة الخوري / الأخطل الصغير

بشارة الخوري- الأخطل الصغير

رغم أن الأخطل الكبير (غياث بن غوث) لُقِّب بهذا لهجائه (الخطل هو كثرة الكلام الفاحش الفاسد)، إلا أن لقب الأخطل الصغير كان شرفًا كبيرًا لبشارة الخوري، فقد كان هذا دلالة على عذوبة شعره وتفوقه الباذخ.

عرفته صغيرًا محمولاً على أنغام وصوت محمد عبد الوهاب في “جفنه علم الغزل”، حينها طربت لهذه السلاسة المذهلة “ومن العلم ما قتل”، “كيف يشكو من الظما.. من له هذه العيون”، “إن عشقنا فعذرنا .. أن في وجهنا نظر”

وحين صدرت له مختارات في مكتبة الأسرة في مصر، التهمتها في جلسة واحدة ثم اكتشفت مأساتي، أن هذه المختارات لا تكفي. وظللت من يومها حتى وقت قريب أبحث عن أعماله الكاملة حتى عثرت عليها ذات ليلة في إحدى المكتبات في طبعة حديثة من دار الكتاب العربي، فعدت بها كغنيمة ولا أثمن.

على غلاف الديوان، لقب آخر وضعه له أحدهم. لقب “أمير الشعراء”. تعجبت، فعلى علو كعب بشارة الخوري وسبقه عصره في شعره إلا أن هذا اللقب قد منح إجماعًا لأحمد شوقي. إلى هذا، فإني أرى أنه رغم شاعرية الخوري المفرطة فإن شوقي يعلوه ويتفوق عليه بجدارة.

حين أتحدث عن شاعر أو أقرأ عن آخر، أحب أن تُترك لشعره المساحة الأكبر للحديث، وهذا ما سأفعله. سأترك شعر الخوري يخبركم عنه.

لاحظت، فيما قرأت له حتى الآن، أن أكثر قصائده لا تميل للطول كما كانت سمة عصره. القصائد الطويلة تجيء فقط في حالات معينة مثل السرد الملحمي أو القصصي، وفي هذه الحالات عادة ما ينوع الخوري القافية ويقسم القصيدة إلى مقاطع كما في قصيدته “مآسي الحرب”.

ولننظر إلى قصيدة “أترى يذكرونه” كنموذج لتكثيف الموقف في شعره رغم أن النسيج الشعري كان يحتمل الزيادة:

أتُرى يذكرونه أم نسُوهُ … هم سقَوْه الهوى، وهم أسكروهُ

عللوه فكان أقتلَ شيءٍ … ذلك الصد بعدما عللوهُ

عَمرك اللهَ هل عرفتَ فؤادًا … كفؤادي عليه جار ذووهُ؟

ليتهم يذكرون ليلة كنا … والهوى نحن أمه وأبوهُ

وعيون النجوم ترنو إلينا … ولسان الدجى يكاد يفوهُ

والنسيم الخفيف يلهو بثوبينا كطفلٍ أهلوه ما هذبوهُ

ورشفنا كأس الحميّا فباحت … بالذي في الصدور منا الوجوهُ

قلتُ أهواكَ يا ملاكي فردتْ … مقلتاهُ، لكن تلعثم فوهُ

هذا التكثيف أحد ملامح اختلاف شعر الخوري عن سمة عصره، فحتى أرباب مدرسة أبوللو ترى كثيرًا من قصائدهم تطول وتطول حتى لتزيد عن الحاجة، إلا ما رحم ربي.

أما الملمح الآخر الذي لم أكن أعرفه عن الخوري فهو أنه قد طرق باب شعر التفعيلة في أواخر حياته كما وقد كتب الشعر العمودي على هيئة شعر التفعيلة ناثرًا الكلمات على الأسطر كاسرًا شكل العمود المعروف.

أحد نماذج شعر التفعيلة عنده قصيدته “يا مجد يا فن”:

يا مجدُ

يا فنُّ

يا جنونْ

لم تُبقِ مني

الليالي

سوى

خيال خيالي

لا النحلُ

يرشف شهدي

ولا الفراشْ

وكان جيدي

وخدِّي

لها فِراشْ

أبَعْدَ ما

كان نهدي يروي

العطاشْ

أصبحتُ

أصبحتُ وحدي

يا مجدُ

يا فنُّ

يا جنونْ

أين الهوى

والفتونْ

والعصبة المعجبونْ

ونموذج لشعره العمودي المكتوب بشكل شعر التفعيلة في قصيدته “مرحبًا مصر” المكتوبة من بحر الخفيف:

مرحبًا مصرُ

مرحبًا

كل أهلٍ لك أهلٌ

وكل صدرٍ محلُّ

ليس تألو الرياضُ

أن توقظ الزهرَ

وأن تجمع الشذا

ليس تألو

لتريق الأريجَ

سكْبًا وتهتانًا

على وجه مصرَ

حين يُطلُّ

مرحبًا مصرُ

يا شقيقتنا البكرَ

ويحلو

ترديدُ مصرَ

ويغلو

نحن فرعانِ

ألَّف الشرق قلبينا

على الحبِّ

والحضارةُ أصلُ

معجزات الزمانِ

منكم

ومنا

زِنَّ جيد الوجودِ

والدهرُ طفلُ

هرمٌ

تجثم العظائم فيهِ

وسفينٌ

على البحار يُدِلُّ

ولم يكتف الخوري بذلك بل طرق شعر الومضة أيضًا، وهذا في قصيدتيه “صهٍ أيها الموتى” و “فليخجلوا” وكلاهما من بحر الطويل، وتطرقي لذكر البحر هنا ليس إلا للتنويه على أن الخوري ربما كان ينزع في مرحلة ما إلى كتابة شعر التفعيلة من البحور غير الصافية كما حدث بعد ذلك من شعراء عدة على سبيل التجديد منهم على سبيل المثال بدر شاكر السياب وأدونيس والفيتوري.

يقول الخوري في قصيدة “صه أيها الموتى”:

صهٍ

أيها الموتى!

ولو كان فيكمُ حياةٌ

لصِحتمْ

ملءَ هذي الحناجرِ

لقد منعوا الأنوارَ

عنكمْ

وأنصفوا

متى احتاج للأنوارِ

أهلُ المقابرِ؟!

وأختم حديثي بقصيدته الثانية “فليخجلوا” وهي تحمل الكثير من مأساتنا المعاصرة:

إذا

ما ضربتَ الكلبَ

يعوي

وربما تَقَحَّمَ مؤذيهِ

وعضَّ بنابِهِ

وفي الشرقِ

ناسٌ

لو سحقتَ رؤوسهم

لما نبسوا..

فليخجلوا

من كلابهِ!

الشاعر/نزار شهاب الدين