أحسب أن معرفتي الطويلة بصديقي وأخي الشاعر أسامة مصطفى، والتي ترجع إلى عهد المنتدى الأدبي بكلية الهندسة جامعة القاهرة، أحسب أنها أتاحت لي رؤية بانورامية لمسيرته الشعرية. بدءًا بأول ما سمعت له وكانت قصيدة تتغزل في مخرطة والزيت المنساب على أطرافها، وانتهاءً بآخر قصائده “عفوًا، خذ مكاني”. وما بين تلك الأولى وهذه الأخيرة تدرج أسامة في سلم الإبداع دون أن يتخلى للحظة عن صدقه، مازجًا إحساسه المرهف بلغته البسيطة الواضحة بالموسيقى التي يحرص عليها دون إفراط؛ ومتماسًا مع ملامح حياته اليوميه والهندسية. فإن كانت قصيدة المخرطة الشهيرة قد استضافت ورشة الميكانيكا من بيئة دراسته الهندسية بالكلية فإن قصيدته الأخيرة قد استضافت الحاسوب والهاتف. نفس الأمر نراه في أولى قصيدتيه في كتاب جماعة مغامير الأدبية “عندما يتمرد الصدى” التي تحمل ذلك العنوان البارع “ذبح على الشريعة الرومانسية”. انظروا معي للمقطع الذي يقول فيه:

((
ذبَحْتُكِ، لا دمٌ تروين تاريخي بهِ!!
فلتصْدُقيني.. كيف أنتقمُ؟؟
من استيطانك المصبوب في صدري كما الأسمنتْ
من المحمولِ
إذ كل الرسائل منكِ تأبى الموتْ
أنا إذ كنتُ…
حسب أنني إذ كنتْ
))

هذا التتابع الرشيق للصور المبتكرة، على كثرتها “لا دمٌ تروين تاريخي به”، “استيطانك المصبوب في صدري كما الأسمنت”، “كل الرسائل منك تأبى الموت” وعلى قصر المقطع يضعنا أمام شاعرية لا شك فيها.

ويشفع أسامة هذه الصور بختام بارع للمقطع يتكئ على الحذف الموفق “أنا إذ كنت” تاركًا لنا فضاءً لا نهائيًا من احتمالات خبر كان أو ناقلاً فعل الكينونة من النقص إلى التمام ليعبر عن مجرد “الكون”.

وإن كان هذا المقطع قد شدنا في سياق الحديث عن ملامح الحياة اليومية التي ترد في قصائد أسامة، فلا أحسبه سينسينا مقطع استهلال القصيدة الذي يدخلنا ببساطة وبراعة مدهشتين إلى قلب الموضوع من خلال خمسة أسطر شعرية فحسب تبدأ وتنتهي بـ “كما كنتِ” مؤكدة سيطرة فعل الكينونة الماضي على القصيدة، وهو ما جعل من المناسب جدًا بل والمنطقي العودة إلى نفس جملة البداية في خاتمة القصيدة في استدارة ارتدادية تقلب المعنى الأول لتؤكد انهزامية المحب الأثيرة.

أما في قصيدة “اللعنة”، فأول ما يلفت النظر هو موسيقى النص. تأتي السطور الشعرية قصيرة بل ومبتورة أحيانًا، فكثيرًا ما نرى تفعيلة “فاعلاتن” تبتر قبل اكتمالها لتتحول إلى فاعلان “ما تبقى لك إلا صولجان”، “أوقف النبض اللعين”، أو فاعلن “صاحب البرد، البللْ”، “لا تمل” أو حتى فاعْ “أطفئ النيران”. وفي الحقيقة، فإن أكثر أسطر هذه القصيدة تتبع نفس النهج.
تشترك هذه الموسيقى المبتورة لتمثل، مع بقية عناصر النص، حد نصل قاسٍ بارد. وتتوالى أفعال الأمر القاسية التي تشبه الحكم باللعنة المؤبدة “أوقف النبض اللعين”، “صاحب البرد الملل”، “احترس من كل شيء”، اختبئ من غدر ظلك” وتتضافر هذه الأفعال مع وصف صاحب الصولجان الذي وقعت عليه اللعنة أو ما تبقى منه “صوتك المشروخ”، “لحية المجذوب”، “عيون صدئة”، “عروق كالمصائب”.

ويظل الشاعر مخلصًا لهذا النسق الحاد في طول القصيدة التني تنتهي سريعًا كضربة سيف الإعدام من خلال عبارة “أنت أيضًا لن تموت”

هاتان القصيدتان تمثلان التوجه الأخير في شعر أسامة مصطفى الذي يعتمد عامة على العبارات المكثفة والصور المتجددة والقافية الحاضرة والموسيقى المسموعة دون ضجيج وعدم الميل لإطالة النص كما كانت قصائده السابقة.

الشاعر/ نزار شهاب الدين

ذبح على الشريعة الرومانسية

كما كنتِ
و لا تتملقي حضني و لا شفتي
أنا من روعة الذكرى و قسوتها
تعلمت اشتقاق العمر من ترنيمة الموتِ
كما كنتِ

ذبحتكِ .. لا دما تروين تاريخي به!!
فلتَصْدقيني .. كيف أنتقمُ ؟؟
من استيطانكِ المصبوب في صدري كما الأسمنتْ
من المحمولِ ..
إذ كل الرسائل منكِ تأبى الموتْ..
أنا إذ كنتُ ..
حسبي أنني .. إذ كنتْ

إذا ما ردد الموجوع آهته على صدر الندمْ
و ثلج الحس يتلو صفحة الذكرى على باقي العدمْ
و شيء ما يسمى دقة القلب استلزته انتشاءات الصممْ
فلا تتسائلي عنه ..
ابحثي عنا ..
نعمْ
حنانيكِ..
المليءُ عقيدة بالثأر .. أنت عليه ما هنتِ..
يئن طريقه المسكون بالأيامِ..
“ماذا تفعلُ..”
“اصمت أنتَ..”
“دعنْي..”
“لا..”

كما كنا …
و انت ابقي .. كما كنتِ..

أسامة مصطفى
1-12-2005

اللعنة

ما تبقى لك إلا صولجان
أطفئ النيران
و اختبئ من غدر ظلك
و احترس من كل شئ
أوقف النبض اللعين
صاحب البرد … الملل
لا تمل

ما تبقى منك اخبرني
صوتك المشروخ؟؟ .. ها؟؟ .. كيف اختنق؟
خطبة عصماء تلقيها على شعب ورق
يحترق
بلدة الموتى و أكوام العرق؟
و بقايا من دموع الطفل .. في نفس الطبق..

ما تبقى فيك إلا ما تبقى
لحية المجذوب
معطف يبدو كأثواب العناكب
و فؤاد عششت فيه الخرائب
و عيون صدئة
و عروق كالمصائب

ما تبقى… ما تبقى؟
في ضمير الليل كابوس تمنى أن يموت
لا يموت
و أنت أيضا

لن تموت

أسامة مصطفى
2005