عينا أمي / قصة
مدارات أدبية 7 مايو, 2007
تعلقت عينا جدتي الغاربتين بالوشاح السماوي الفسيح، وكان آخر ما قالته:
ـ يرى ابن آدم ما يريد.
أسبلت أمي جفنيها برفق، دون أن تذرف دمعة واحدة، لكنها أجهشت بالبكاء عندما انسكب صحن المرق من يَدِكَ، ولسع ساقي يوم موسم عاشوراء. هل تتذكَّر؟
أمضت أمي طيلة ذلك النهار تعد الغداء. ذبحت البطة وأعدت الفتة بالخل والثوم كما تحبها أنت، على أمل أن تعيد لك بهجتك المفقودة، مع المرض الذي أصابك، بعد انتقالنا لدارنا الجديدة وخلاصنا من دار جدي التي رغم وسعها كانت تضيق علينا، إذ كانت تستأسد فيها عمتي وتقتنص الفرص لتنكل بأمي، التي كانت مستسلمة في البدء ثم فاض بها الكيل، فتخطت أصوات شجارهما قلب الدار إلى الشوارع المتاخمة، حتى “أكل الناس وشك”.
بِعتَ قيراطي أرضٍ هما كل إرثك لأبيك كي تبني لنا داراً صغيرة ومستقلة. مازلت أتذكر وقوفك تحت صورته خافضاً رأسك تبكي بدون صوت.
صورة جدي كانت أول ما علقناه ببيتنا الجديد الذي نفذ المال قبل أن تكتمل حيطان حجرته الأخيرة. مازلت أسمعك تقول مجيباً على القلق المتربص بعيوني:
ـ تبقى “فرنده” نشوف منها العالم.
في تلك الفرنده صرت تقضي أغلب وقتك، تشرب الشاي وتشوي الذرة التي كنت تحبها كثيراً ثم عافتها نفسك كأغلب صنوف الطعام بعدما مرضت.
زهدتَ النوم، والأكل وأيضاً.. أمي التي وثبت تصنع بنفسها الأعاجيب. تدهن وجهها بمساحيق، كنتُ أراها تشبه في صخب ألوانها بيض شم النسيم، ولم أتخيل أني سأضعها على وجهي كل يوم كما أفعل الآن، كما راحت تلبس ثياباً عجيبة ذات ثقوبٍ واسعة كانت تذكرني بشِباك الصيادين، وذلك اليوم طبخت لنا بطة سمينة رفضتْ أن تطعمني كبدها قبل أن نجتمع حول الطبلية لنأكل.
خرجتُ حانقة إلى فضاء العالم فرأيتها.. المرأة التي تسكن قبالتنا وحيدة، تلك التي سمعت جيراننا يحكون أنها جاءت لتعيش في أمان أرضنا بعد أن خذلها خبث المدن، ثم راحوا فيما بعد يجزمون أنها تخاوي جنياً شارداً يجعلها تأنف محادثة الناس وتلبس ثياباً شفافة، غريبة، دون وجل.
هناك أيضاً من أكد أنها ممسوسة أو مجنونة فتحاشاها الجميع، حتى أمي.
كانت عيناي تتبعانها بفضول حين رأيتك في ذات اللحظة قادماً بخطوات مرتبكة وعنق ملتوٍ، هل كنت تتابع ظلها بعدما توارت وراء ضلفة بابها الموارب؟ “ظلها الذي بدا لي في تلك اللحظة طويلاً جامحاً، وخليقاً بأن يكون واحداً من الأشباح التي كانوا يخيفوننا بها لنكف عن الصياح” أم هل كنت تتابع ظلاً أبعد منها تعذر على قامتي القصيرة رؤيته في ذلك الوقت؟
الشيء الذي لن أنساه أبداً هو أنك حين بلغتَ الدار عبرتني دون أن تقول لي أية كلمة.. كأنك لم ترني.
وحالما نادتنا أمي وتراصصنا حول وليمتنا.. غص حلقك بأول رشفة من المرق وانسكب الصحن من يَدِكَ لاسعاً ساقي. انسحبت أمي إلى حجرتها حائرة، باكية، وبعدما ابتلعتُ ألمي وتبعتها رأيت حبات دمعها تتساقط بلون المرق.. فأحسستُ بالمرق الساكن داخلي ينسكب هو الآخر في تلك اللحظة.
رأيت أمي بعد قليل تحتضن طرحة أمها السوداء كأنها فقدتها تواً. بكت كثيراً ثم جففتْ دمعها وخرجتْ بجلبابها الأسود برفقة جارتنا العجوز. سمعتهما تتهامسان بأشياء عجيبة عن الشيخ الذي يفتح الكتاب ويكشف الخبايا.
بعد برهة من الوقت عادت منفرجة الأسارير، تحمل ورقة مطوية أخفتها تحت وسادتك وثلاثة أعواد من البخور صارت تشعلها واحداً تلو الآخر على مدار الأيام الثلاثة التالية ثم راحت تجمع الرماد المتبقي منها وألقته بالنهر صبيحة اليوم الرابع، وبقيت تراقبك من بعيد، وبقيت أنا أراقبها وأراقبك وأراقب جارتنا الغريبة وأشباح الفضاء البعيد.
شيئاً فشيئاً عاودتك بهجتك الغائبة، زغردت أمي حين ظنت أنك تعافيت، سكبت طست ماءٍ أمام الدار ووقفت تضفر شعرها المبتل أمام الشباك وتتلقى التهاني من جاراتنا الطيبات.
تعافيتَ أخيراً.. صرت تضحك وتثرثر وتنام. تأكل حتى لا تترك لنا ما يكفينا.. تضحك فنضحك، وننام. صرت أنام بملء روحي التي ظننت أنها تعافت من لوعتها بشفائك.
لكن تغيبك عن الدار تزايد بعد استلامك لعملك الجديد، بشكل مناوبات كانت تحتم غيابك نصف الأسبوع، فحمدنا الله على النصف الآخر وعلى كل شيء.
يوماً بعد يوم صرنا قلما نراك، حتى انقطعت عنا وتركتنا.
علقت صورتك أمامي لسنوات طويلة.. أكوم لعابي ثم أبصقه عليك كل مساء لأنك تركتنا في ليلةٍ بلا قمر، دون أن تخشى أن نسقط أو نتعثر.
كنت أستحضرك في نومي فتأتيني متلفعاً في هالة من ظنونٍ عذبتني سنوات طويلة، رغم أني لم أمتلك عليها دليلاً، لا يقين، لا شيء وجدته لديّ سوى بقايا كلمات ونتف عبارات، لم أجرؤ قط أن أصارح أمي بأني سمعت جيراننا الطيبين يصوبونها نحو أذنيها، عن هربك مع تلك المرأة.
تأتيني في نومي، فأصفعك كثيراً حتى تتخدر يداي وتغيب، فأبدأ بعدها البكاء، وفي الصباح أسير في شوارع لا تؤدي إلى مكان، وتحملني ميادين غريبة إلى شوارعٍ وعطوف وأزقة أكثر غرابة.
أضيق حدقتيّ عيني لأبحث عن وجهٍ أشبهه في سيل الوجوه المتدفقة بلا نهاية، حتى أنسى ملامحي، أتوه عن نفسي وأعود لأمي فأجدها تتحدث عنك كأنك كنت معنا منذ قليل.
احتجت سنواتٍ طويلة كي أنسى الطفلة التي كنتها.. كان لابد أن أنزع الزغب الأسود الذي يصل ما بين حاجبيّ كلما نما كي أمحو صورتك المنحوتة فيَّ وأمضي..
أخبرتني زميلتي في العمل أني قليلة الكلام، لم تصارحني بأنها لهذا السبب تبدو كأنها تخشاني، أما زميلنا الجديد فيشكو من أنه لا يعرف كيف يتحاشى الرصاصة المصوبة من عيني كلما تطلعت نحوه.
أنظر في مرآتي فأراك، صامداً ومتشبثاً بحبالي الصوتية؟ أو مارقاً من عيني هوساً متجدداً في الثأر، لا يطفئ من غلوه الأفكار التي تعبر برأسي حول مكروه ربما أصابك وجعلك تتركنا صاغراً، حتى الموت لن يكون عذراً لغيابك الطويل.
وحدك تعرف كم احتجتك وكم عانيت في عراكي مع ذاتي كي أكف عن انتظارك.
وحدك تجعلني أرى كيف لا أشبه أمي التي كلما رغبت في مشاغبتها أقول لها أنك لن تعود، عندئذ تنتفض وتثور، تؤكد لي أن هناك من “سحروا لك” وأن الله قادر على شفائك وإعادتك.
أمي التي مازالت نظرتها معلقة بالباب في انتظارك، مازالت أيضاً تترك لك نصيبك من فتة الخل والثوم التي تحبها، وتحفظ لك بقلبها مشاعر، ربما أنا بسببك لن أعرفها أبداً.
أمي التي حين أتهكم على شيخها الذي لا يجيد القراءة تغمض عينيها طويلاً وهي تتمتم بكلماتٍ مبهمة ثم تصيح فيّ غاضبة:
: اخزي الشيطان ونامي.
أغلق جفنيَّ على أبجديات الكتابة تخمش عيني وهي ترسم أمامي سؤالاً حائراً بلا جواب:
لماذا لا يرى ابن آدم سوى ما يريد!؟
******************************
عزة رشاد
روائية وقاصة مصرية
صدر لها:
ذاكرة التيه : رواية. دار ميريت 2003
أحب نورا.. أكره نورهان : مجموعة قصصية دار شرقيات 2005



12 يناير, 2008 على 5:04 am
شكرا على المواضيع الرائعه