“أحمد حسن”

لا شك أن الكتابة عن ظاهرة (الجماعات الأدبية) التي انتشرت بشكل لافت في السنوات الأخيرة أمر ينطوي على قدر كبير من المخاطرة لأن أغلب هذه الجماعات يقوم على فكرة التجمع الاجتماعي السيكولوجي أكثر من كونه يتأسس على فكرة وحدة المنطلقات الإبداعية وتقارب المعتقدات الأدبية التي تنطوي على قدر مشترك في النظر إلى مفهوم الأدب ووظيفته في المجتمع ولغته المستخدمة وتقنياته المتداولة وهي أمور – لو طبقت – ستجعل المفهوم المتناول ينتقل من فكرة (الجماعة) إلى فكرة (المدرسة) فضلاً عن أن هذه الجماعات مازالت في طور التخلق لم تتضح لها بعد سماتها الأسلوبية المائزة وتقنياتها اللغوية الفارقة التى تحفظ لها مكانًا شرعيًا في تاريخ الأدب بما قد تحققه من منجزات جمالية مغايرة تكفل (للجماعة الأدبية) شرعية وجود في مشهد الإبداع المصري المعار, كما حدث في بداية القرن الماضي مع مدرسة الديوان وجماعة أبوللو.
ولكنني في الآن ذاته لا أرضى للنقد الأدبي أن يقف منتظرًا اكتمال تلك المشاريع الإبداعية لكي يقول كلماته الأخيرة بل عليه أن يكون الجناح الثاني المتمم لعمل الجناح الإبداعي حتى تضمن الجماعة الإبداعية قوة الذاتية والمراجعة الخارجية في أن مما يحافظ على سلامة الاتجاه ويحفظ شباب المبدعين من التشتت الذي لا يأوى إلى ركن شديد.

وفي هذا السياق سأحاول - قدر المستطاع - قراءة الإنتاج الإبداعي لـ (جماعة مغاميرالأدبية ) متكئًا على كتابهم الأول (عندما يتمرد الصدى)، وهو عنوان – على الرغم مما فيه من ظلال سينمائية مفارقة للواقع المتحقق في الإبداع – ينطوي على رغبة حقيقة في التمرد والانفلات من (سطوة الصوت) الذي يمثله الأدباء المشاهير بصنع مد موازٍ يقيمه الصدى الذي يمثله الأدباء المغامير، وبالرغم من وجود مفردة التمرد في العنوان التى تحيلنا إلى الحلم بالمجاوزة والتفوق فإن مفردة الصدى تحفظ لنا قدرًا كبيرًا من التوازن الذي يؤدي إلى مشاهدة بعض ملامح الآباء في وجوه الأبناء فليس الإبداع الأدبي خلقًا من عدم على غير مثال وإنما هو تطور طبيعي يتكئ على منجز السابقين ويطمح إلى مجاوزتهم في الآن ذاته.
وإذا غادرنا العنوان للتأمل في متن الكتاب فسنجد أنه يحوي بين دفتيه قصائد من شعر الفصحي وأخرى من شعر العامية تشكل نصف الكتاب بينما تشكل القصة القصيرة النصف الآخر.
وبالرغم من توزع الإنتاج الإبداعي بين ثلاثة مناحٍ إبداعية مختلفة فإننا نستطيع أن نلمح تراسلاً إبداعيًا في المضامين والرؤى التى تناولها الشعراء والقصاصون لكنها بالطبع ليست كل شئ في العمل الأدبي، وقد قال مالارميه “إن الشعر لا يصنع من الأفكار ولكن من الكلمات” مما يعني أن مناط التفرد لدى المبدع هو الصياغة المبتكرة التى تتحول إلى بصمة أسلوبية شديدة الخصوصية لا تخطئها العين المدربة، ولعل هذا ما جعل جورج بوفون يقول كلمته الشهيرة “الأسلوب هو الرجل.”
وفى هذا الإطار من الممكن أن نشير إلى تفاوت مستويات الموهبة الأدبية لدى المغامير - وإن كان أمامهم الكثير الذي ننتظره منهم بصفة عامة – فهم لايشكلون نسيجًا متسقًا في مستوى الصياغة اللغوية وتوظيف التقنيات الأسلوبية بل نجد تفاوتًا واضحًا لعله يرجع إلى التمرس والمعايشة الطويلة للإبداع لدى الجيل الأكبر في الجماعة الذي يمثله في الشعر حسام جايل (الذي يعده محمد إبراهيم أبوسنة الأب الروحي للجماعة والأحق بالتنظير لها) وأحمد عبيد ونزار شهاب الدين
(وأحمد الحضري و أسامة مصطفى وإن كان لهما قصائد تفوق كثيرًا ما نشراه في كتاب المغامير) وهناك شاعران مبشران من الجيل التالي ننتظر منهما الكثير هما محمد طلبة وعادل محمد.
وإذا انتقلنا إلى النماذج القصصية فسنجدها على درجة كبيرة من النضج بصفة عامة إذا قورنت بالنماذج الشعرية لا سيما لدى هناء كامل وهبة خيري وطارق رمضان.
والقصائد – بشكل عام – تقع في مرحلة التمفصل بين المدرسة الرومانسية والمدرسة الواقعية حيث نجد أصداء رومانسية في قصة (مابين السابعة والسابعة) لرضوى عادل التى تعبر عن تجربة رومانسية ولدت في ظل نعومة رمال الشاطئ وإن كانت القاصة تعقد توازيًا متقنًا بين الوعي التشكيلي والوعي السردي؛ ونجد تلك الأصداء لدى حسن أمين في قصته (انزلاق) من خلال الصراع الطريق الذي يعقده برهافة بين (العاشق والمجنون) اللذين يرفدان لاحتدام الصراع الداخلي لدى البطل الوحيد للقصة وفى قصيدة أسامة مصطفى (ذبح على الشريعة الرومانسية) نجد أيضًا فكرة التمفصل بين الرومانسية التى تتجلى فى العنوان وطبيعة الموضوع المطروح وصياغة الرؤية و الواقعية التى نلمحها في محاولة تحديث الصياغة بإدخال بعض منجزات الحضارة الحديثة لكن الرؤية تظل قديمة لم تفعل أكثر من استبدال رسائل المحمول بالرسائل الورقية دون تحديث حقيقي في الرؤية يشي بتأثير تلك المنجزات على طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة.
يقول أسامة مصطفى
ذبحتك لا دم تروينه تاريخي به
فلتصدقيني … كيف أنتقمُ
من استيطانك المصبوب في صدري كما الأسمنتْ
من المحمول
إذ كل الرسائل منك تأبى الموتْ صـ 15
لكننا في نماذج أخرى نلمح محاولات دءوبة للتجذر في بنية المجتمع الواقعية.
بالرغم من كونها تتكئ على تيمة رومانسية تمثلها عاطفة الحب التى تعالجها هناء كامل في قصة (تحت نافذتي) التى تدور حول شاب تعود أن يلتقي بفتاته تحت نافذة البطلة التى تقوم بدور مزدوج في النص القصصي فهي تقوم بدور الراوي الذي يرصد الأحداث بضمير المتكلم وفى الوقت ذاته تشكل أحد أطراف الصراع الرئيسية في القصة في مشاركتها في الأحداث وتبادل الإيماءات والنظرات مع الشاب مما يؤذن بشتعال الصراع الداخلي لديها والذي عبرت عنه في سياق من تحولات العاطفة (الشماتة، التعاطف، الحب، الندم) وكأن القصة في النهاية تجسيد لبيت صلاح عبد الصبور:
ما أضيق الفراغ بين الحب والأشفاق والضغينة

ونستطيع أن نرصد ملمحًا آخر يتحرك في أدباء جامعة مغامير وهو الإحساس بوجود قهر من نوع ما تمارسه قوى مختلفة سياسية واجتماعية تتفاوت بين أشكال القمع الحقيقية والرمزية تؤدي إلى وجود خلل في المنظومة الأجتماعية يعيق الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي بأشكاله المتنوعة ويؤدي إلى غياب الحوار الخلاق ويفصح عن عيوب دفينة في نسق القيم في مجتمعنا المصري الراهن وفى هذا الإطار نستطيع قراءة قصيدة أسامة مصطفى (اللعنة) التى تنطلق في إدانة الحاكم - الطاغية والشعب - الورق وبالرغم من الإدانة المزدوجة فإن القصيدة لا تبشر بنهاية لهذا الوضع الراهن:
ما تبقى منكَ أخبرني
صوتك المشروخ ؟؟ ها ؟؟ كيف اختنقْ
خطية عصماء تلقيها على شعب ورقْ
يحترقْ صـ 17
…………………..
ما تبقى؟ ما تبقى
في ضمير الليل كابوس تمنى أن يموتْ
لا يموتْ
أنت أيضًا
لا تموتْ صـ 18
وممن الممكمن أن نرصد (سلطة القهر المتنوعة) التى تشكل في تقديم متن يعكس (الصوت) الأكثر خفوتًا وانغمارًا ونلاحظ أن هذا الهامش يحاول كما أسلفنا أن يتمرد على المتن ويحاول أن يلفت إلى حضوره باستمرار معبرًا عن رغبته في تغيير شكل المشهد الأدبي المعاصر وعلى وتر قريب من الوتر نفسه يعزف محمد سيد في قصته (لوحة نحاسية محددة بخط أسود غليظ) والتى تدين من طرف خفي قهر الضابط لجنوده في أثناء أدائهم الخدمة العسكرية والمعاملة التى يراها غير لائقة والتى يترتب عليها انسراب الحكم من بين قبضة مجتمع قائم على القمع وعدم التواسق (ممثلاً في إحجام البطل عن الزواج من عبير ابنة الضابط وهجرته إلى أمريكا).

وفى قصيدة لمياء ياسين يتحول القهر إلى (إرث) اجتماعي متوارث تتنقل تعاليمه بين أجيال النساء فيما يشبه الكهانة المتوارثة التى تنطوي على صياغة الأوامر المحذرة من عالم الرجال/الذئاب دون محاولة تبني المواقف القائمة على الحوار المتكافئ والثقة المتبادلة التى تؤسسها حساسية اللحظة الراهنة بالرغم من أن الشاعرة قد غلفت هذه التحذيرات بالخوف الغريزي للأم على ابنتها:
أبنيتي فلتحذري
كل السفين يصابُ
كل الرجال على الدروبِ
ذئابُ صـ 37
وتعتبر قصة (هم) لطارق رمضان النموذج الأبرز لرصد أشكال القهر المختلفة التى يراها البطل ممتدة على هيئة خيوط مشدودة تحركها أصابع صـ 123 حيث يراها تشد العصفور السياسي والمغنية والأب مجسدة بكل أشكال القمع الفوقية التى يسمعها الضمير (هم) المتسلل كفيروس من رأس النص الى جسده والمنفتح على دلالات شتى لا تنتهي وتنتمي للآخر بالمفهوم الواسع الذي يمارس سطوة على الأنا الذي يستشعر إزاءه بضرورة التمرد كما يقول القاص في آخر قصته:
تنتابه فجأة نوبة عصبية فينظر لأعلى لن أكون أداة أتسمعون؟ أنا لست لعبة !!! صـ 126
وكأنه تجسيد لصوت المغامير عموماً في فكرة التمرد لكن النية وحدها لا تصنع أدبًا متمردًا.
وإذا كانت النماذج السابقة قد اكتفت برصد أشكال القهر المتنوعة ونزع بعضها إلى الإدانة الصارخة فإن نزار شهاب الدين يحاول تجاوز دائرة الرصد والإدانة للدخول في بؤرة التساؤل والحوار في قصيدته (لماذا أسافر عنك بعيدا؟) [وهي عنوان ديوانه الصادر حديثًا] ويشي العنوان الرومانسي بمراوغة يستشعر معها القارئ أنه سيقرأ قصيدة تنتمي للحق العاطفي لكنه ما يلبث أن يدرك عند قراءته قضية أن ضمير الأنثى سيتحرك ليدل على الأنثى/الوطن ومن خلال التساؤلات للشعرية المتلاحقة التى تتواشج مع السرد الشعري المتتابع سندرك أن نزارًا يتحاور مع تيمة القهر المتفشية في أصلاب السلطة السياسية فاصلاً بين فكرة السلطة وفكرة الوطن لذلك فهو يحاور الوطن في عتاب لا يخلو من قسوة وفى قسوة لاتخلو من حب بحيث لا يجعل موقفه الشعري يذهب به من أحد الطرفين إلى الآخر وإنما هو يفتح أبواب الآمل في الغد على مصراعيها بالرغم من وعيه بكل السلبيات المحدقة بمستقبل الوطن.
يقول نزار:
وهل تأذنين
إذا ما اختلفنا فعاتبتُ قلبك
ألا أزج بقبو النجاسةْ
وألا يساق بني لسوق النخاسةْ
متى ؟؟؟
لا تمدي يدَا
أشيري بطرف خفي
وسوف أمد يدًا و يدًا و يدَا صـ 46
وفى دائرة التساؤل يقف أيضًا محمد طلبة أمام (البحر) في قصيدته (البحر بيضحك) ليجذبه من دائرة الوعي الرومانسي المنتمي إلى الكون إلى بؤرة الوعي الواقعي المنتمي إلى التاريخ ومواجعه الاجتماعية الأليمة متناصًا مع الأغنية الشهيرة ومعيدًا (تأويلها) في صياغة غنائية محببة للأذن لكنها تفتقد إلى العمق المطلوب وإن كانت تشي بتلقائية شعرية صادقة ويقول فيها:
البحر بيضحك ليه؟!!!
مبسوط ومزأطط ليه؟!!!
بيغني ويرقص ليه؟
طب مش بيصرخ ليه!
الخوف ما قطعش طريقه
الجوع ما لمسشي بريقه
الظلم ضلامه ماحلش
على موجه ونشف ريقه؟!!! صـ 77
وإذا انتقلنا من دائرة التساؤل سنجد أن بقية النماذج الإبداعية تبدت فيها تيمة القهر ببعديها الحقيقي والرمزي من خلال مواقف سلوكية غير مباشرة يصنعها أبطال القصص والذوات الشاعرة المتحركة في بنية القصائد كما نرى في حضور الجنسي باعتباره موازيًا للإحباط و القلق و الشعور بالمرارة والفقد والفراغ لدى طارق رمضان في قصة “تجاعيد” ولدى إبراهيم عادل في قصته “للخلف سر” وتيمة الفقر وأزمة التفاوت الطبقي لدى كريم فراج في قصة “الوليفة” وتيمة الغربة والحلم بحضور البطل لدى وليد خطاب في قصة “بالطو زيتي” والرغبة في إعادة تأويل الموروث وفقًا لحساسية العصر الراهنة كما نجد لدى القاصة الموهوبة هبة خيري في(سندريلا)
وفى اصطناع تيمة الخوف من الضوء لأحمد الحضري في قصيدة (زنزانة) وعادل محمد في قصيدة (رجل يخاف الضوء) وإن كان صلاح عبد الصبور قد سبقهما في تأصيل هذه الحساسية في قصيدة عيد الميلاد عام 1954:
ياليل يا جرحي ومصباحي وأفراحي وكني
أبعد رماح النور عني
وسنجد أيضًا أن المواقف السلوكية المناهضة تتبدى لدى هبة الشرقاوي في إدانة المحب المتسلط ولدى هبة رفعت في إدانة المحب المتردد.
ويتخذ أحمد عبيد موقفًا مغايرًا من حيث تمجيده لفعل الأستشهاد الذي ينفض عن كاهل المجتمع وطأة القهر والتخاذل في آن وهو في قصيدته “عروسة” يتراسل مع الوجدان الفلسطيني الذي يقابل الشهيد بالزغاريد والأفراح لانه يكون في عرس من أعراس وليس موتًا عابرًا لا قيمة له ولا أهمية على حد قول رجاء النقاش.
وحانت لحظة الفرحة
ولفت وسطها بحزام
تزين خصرها الوردي تحلي مرارة الأيام صـ60
وإذا كان أحمد عبيد يكرس لفكرة الأستشهاد باعتبارها نموذجًا للغربة الجسدية فإن حسام جايل ستجلى في إبداعه نموذج المتغرب المرتحل دومًا المكتوي بلواعج العشق والشعر والوطن والمجسد للغربة الوجودية:
تغرب في الغائبين عن المدى
بلا عددْ
شيئان يخشى من هواهما
هما
نبيذ الهوى وعشق ذلك البلدْ صـ 21