عارف فكرى

” عندما تنظر إلى المستقبل فإنه يتغير ، ثم يتغير مجدداً “.هذه هي جملة بطل فيلم ” next” ، - والذى يدعى ” فرانك كاديلاك”أو ” كريس جونسون ” - العميقة والفلسفية ، والتى تلخص أحداث الفيلم ببراعة !

الواقع أن هذا الفيلم ينتمي إلى نوعية التنبؤ ، أو استبصار المستقبل ، ولا علاقة لها بالسفر عبر الزمن بشكل مباشر ، وهى خلطة كثيراً ما رأينا السينما الأمريكية تعالجها من خلال عشرات التيمات المحبوكة ، نظراً لخطورتها الشديدة ، وبعد ملل المشاهدين من آلات الزمن الخارقة ، والتى يبدو أن كل مواطن أمريكى يخبىء واحدة منها فى مرآب بيته!
أنت – ككاتب سيناريو – عندما تتعامل مع فكرة مائعة ومطاطية مثل فكرة هذا الفيلم عليك أن تحسبها بالقلم والمسطرة ، وإلا سيعجبك التكنيك ، وتتمادى …
فى الواقع هذا هو الخطأ العنيف الذى وقع فيه كتّاب السيناريو.
” فرانك كاديلاك “… ساحر من نوع خاص:
فى البداية يسحبنا تتابع التترات على خلفية ناعمة تمثل ساعة عملاقة ، مما يجعلنا نتوقع فيلماً جذاباً ، ويشدّ أنفاسنا ، ومع توغلنا فى الداخل- من خلال سرد البطل بصوته - نتعرف على حياة ” فرانك كاديلاك ” .. والاسم الأخير هو نوع من أنواع السيارات المشهورة ، وهو ينبئنا عن حب البطل لها !
يعمل كساحر محترف على مسرح بمدينة ” لاس فيجاس”.. لا ننسى هنا أنه يبدو مبتذلاً ، ورائحة التمثيل- لفقراته السحرية - تبدو واضحة ، وهذا ما جعل عميلة المباحث الفيدرالية ” فيرس ” تتثائب من الملل !
” فرانك ” لديه سرّ صغير ، وطريف ، وهو أنه يرى عبر المستقبل خلال دقيقتين فقط!
بمعنى أنه يعرف بالضبط ما سيحدث خلال الدقيقتين القادمتين ، وهى هبة ولد بها من غير أي سبب معروف ، وهو يستغلها جيداً فى القمار ، وغيرها من الأشياء الصغيرة التى تضفى على الحياة بهجة وسروراً …
قنبلة نووية ، وحبيبة تتحدى قدراته :
لكن هناك فتاة جميلة يراها دائماً دون أن يعرف السبب .. لماذا هي بالتحديد التى لا تنطبق عليها قاعدة الدقيقتين ؟!
هناك – أيضاً – قنبلة نووية فى مكان ما ، وبسبب موقف صعب وعنيف فى ملهى كبير ، يهرب ” فرانك ” تاركاً خلفه أدلة لا تدحض بأنه يمتلك هبة الاستبصار هذه !
إذن فعلى المباحث الفيدرالية أن تستعين به ، لكنه يهرب منهم بسهولة ، ويقرر التعرف على حبيبته تلك …
ولأنه يرى عبر دقيقتين ، تحدث بعض المواقف اللطيفة ، حتى يتوصل لخطة مناسبة ، وتصطحبه فى سيارتها ، لكى توصله …
وينتهى بهما المطاف فى فندق .

وفى نفس الوقت الذى تتعقبه العصابة - لأنهم يتصورون بأنه مهم جداً للفيدراليين – وتقرر تصفيته ، تتعقبه المباحث الفيدرالية ، والتى تقنع حبيبته بأن ” فرانك ” مجنون ، ومن النوع الخطر ، وتطلب منها أن تخدره ، لكنها – وتحت وطأة انبهارها به – تعترف له بالحقيقة .
وهنا يهرب منهم ” فرانك ” بذكاء ، لكن ” فيرس” ، توقفه بحيلة أكثر ذكاء ، ويتم القبض عليه ، فى نفس الوقت الذى يتم فيه أسر حبيبته من قبل العصابة!!
إذن فقد تعقدت الأحداث ، ويهرب” فرانك” مرة أخرى منهم ، ليذهب إلى المكان الذى رأى فيه حبيبته - مستبصراً المستقبل - يتمّ تفجيرها ، ويساعد المباحث الفيدرالية فى تعقب أفراد العصابة ، وفى النهاية يقرر” فرانك ” أن هناك شيئاً غير مريح فى الموضوع ، قبل أن تنطلق القنبلة النووية ، وتسحق الجميع!
لابد أنك شعرت بالصدمة كما شعرت.. لا بأس.. لن تستمر إلا ثانية واحدة ، ثم نرى” فرانك ” مع حبيبته فى الفندق ، والمباحث الفيدرالية تحيط به ، والعصابة أيضاً … أى أننا قد عدنا لنقطة بداية الأحداث الفعلية .
لقد رأى المستقبل البعيد من خلال حبيبته ، التى لا يفهم حتى الآن كيف تتكسر عندها قاعدة الدقيقتين!!
ثم يقرر أن يتعاون مع المباحث من أجل البحث عن القنبلة مردداً ذات الجملة التى بدأنا بها حديثنا
“” عندما تنظر إلى المستقبل فإنه يتغير ، ثم يتغير مجدداً “.

التمثيل:

” Nicolas Cage” كان متألقاً كعادته ، حيث نرى الشاب الذى وهب قدرة غريبة ، فيستغلها خير استغلال ، وقد منحته ثقة طبعت شخصيته بطابع لا يمحى!!
فى الواقع كان مشهد تعرفه على ” اليزابيث ” – الممثلة ” Jessica Biel”- أكثر من رائع ، وانتزع منا الضحكات ، ونحن ننعت ” فرانك ” بالوغد!!
لم يكن آداء النجمة الشهيرة ” Julianne Moore” فى دور ” فيرس” جيداً بما الكفاية ، ولا أدرى لماذا ذكرتنى بالعظيم ” أنتونى هوبكنز ” فى الفيلم الشهير ” صحبة سيئة” مع الفارق طبعاً .. فقد أضفى ” هوبكنز ” على دوره رونقاً وبهاءً ، أما مع نجمتنا فالأمر يختلف للأسف!
لقد أدت دور عميلة المباحث الفيدرالية الصلبة ، والتى تتحرك من أجل خوفها على ثمانية مليون إنسان ، لكن بملامح جامدة ..
الواقع أن ” Julianne Moore” أثبتت قدرتها التمثيلية الرائعة فى الكثير من الأعمال ، ومن ثمّ فالخطأ هنا يقع على عاتق “Gary Goldman ” و” Jonathan Hensleigh” اللذين كتبا نصاً توهج فى مناطق ، وخبا فى مناطق ، بل ووصل إلى حد السخافة !!
مناطق لم يفسرها النص:
بأى منطق عبقرى يهرب” فرانك ” من المباحث الفيدرالية ، حتى لو كان سوبرمان ذاته ، لا مجرد شخص يمتلك هبة الاستبصار؟! ألا يوجد خوف أو احترام لتلك السلطة ؟!
إننا نشعر بأنه يتصرف على هواه ، لأن كاتبى النصّ أرادا له هذا ، دعكم من أن نصف الفيلم تقريباً يشرح لنا عبقرية ، ولمعان ، وقدرات ” فرانك ” قبل أن يدخلنا فى الموضوع …
ثم إن العصابة ذات بعد واحد ، فلا نعرف شيئاً عنهم ، ولما يتحركون هكذا ؟
كل ما نعرفه عنهم أنهم قساة مجرمون ، يريدون التدمير فحسب!
وهكذا لم نقابل إلا شخصيات باهتة تتحرك كقطع الشطرنج ، دون أن نشعر بحيويتها ، حيث التعميق مفقود للأسف !
ثم هذا المشهد الأسطورى الذى نرى فيه ” فرانك” يبحث عن حبيبته المختطفة ، عن طريق انقسام وهمى لذاته ، لذلك كان من الطريف أن نراه ينقسم لعشرات ” فرانك ” هنا ، وهناك ثم – المشهد لم ينته بعد- يقوم المجرم – والذى يصوب مسدسه إلى ” اليزابيث” – بإطلاق النار على ” فرانك ” ، وطبعاً يتفاداها هذا الأخير وكأنه يتوقع مكان كل رصاصة ، ولا أعرف أية قوة خارقة هذه التى تجعله يتفادى سرعة الرصاصة ذاتها ، فهو ليس” نيو” فى فيلم “matrix” ، حتى لو كان يرى خلال دقيقتين فى الزمن الآتى؟!!
ثم توجد نقطتان لم يوضحهما لنا كاتبى السيناريو :
الأولى متعلقة بقدرة الجسد البشرى .. فقد رأينا أن” فرانك ” واجه الموت أكثر من مرة فى المستقبل ، ومن ثمّ يواجه هو هذا عن طريق تغيير الحدث نفسه .. معلوماتى المتواضعة عن الإنسان أنه لو رأى حلماً يتلقى فيه مصرعه – كالسقوط من أعلى مثلاً – فإنه لو وصل للأرض فسوف يموت فعلاً فى الحلم والواقع من أثر الصدمة !!
لذا من رحمة الخالق أننا نستيقظ قبل ضياع الفرصة .. لكن الأخ ” فرانك “يتعامل مع الموضوع بمنطق المستمتع !!
فليكن .. سنتغاضى عن هذه النقطة مرغمين ، ونتحدث فى النقطة الأخيرة …
كان مشهد معرفة” فرانك ” أنّ ما مرّ به مجرد رؤية مستقبلية تتجاوز الدقيقتين ، والسبب يعود لحبيبته التى تريح رأسها على صدره ذى الشعر الكثيف – وهو مشهد يروق لـ” Nicolas Cage” كثيراً، وإن كنت لا تصدقنى فراجع قائمة أفلامه – فهو لم يوضح لنا لماذا تعدّ حبيبته استثناءًً للقاعدة ؟ صحيح أنها عقدة كانت جيدة جداً ، لكن سبب قوتها هو سبب ضعفها ، فلم يبذل القائمين على السيناريو جهداً فى إيجاد حبكة مقنعة لنا حتى نفهم!!
كانت المؤثرات المستخدمة ممتازة كعادة الأفلام الأمريكية ، وإن تمّ الإسراف فيها ” عمال على بطال ” ..
الموسيقى التصويرية عادية ، ولو اختفت تماماً فلن نشعر بوجودها .
المخرج “Lee Tamahori” كان متفوقاً فى السيطرة على العناصر الجامدة، لكنه لم يكن موفقاً – للأسف- فى السيطرة على العناصر البشرية ، وتوجيه ملامحها ، ونظراتها …
فيلم ” Nicolas Cage” الجديد كان مسلياً إلى أقصى حد ، وسيجعلك تقضى فترة مشدود الأعصاب ، تقف على أطراف أصابع رجليك ، مع كمية كبيرة من الفيشار !!
لكنه من النوع الذى لا تشاهده مرة أخرى ، لأنه ينزلق لمؤخرة ذهنك إلى الأبد !!

فيلموجرافيا :
اسم الفيلم : Next
سنة الإنتاج:2007
السيناريو : “Gary Goldman ” /” Jonathan Hensleigh”
الممثلون :
Nicolas Cage
Julianne Moore
Jessica Biel
Thomas Kretschmann
Tory Kittles

الاخراج : Lee Tamahori