عن تجديد موسيقى الشعر
مدارات أدبية 1 أغسطس, 2007
موضوع محير.. أقف -كشاعر- على عتبته مفكرًا تتناوشني الاتجاهات أمام سؤال بسيط عويص: ما هي حدود التجديد في موسيقى الشعر؟
دار النقاش بيني وبين كثيرين من شعراء جيلي وأجيال أخرى في هذا، ووقعت على كثير من تجارب التجديد مثل تجارب بدر شاكر السياب وأدونيس وفاروق شوشة ومحمد إبراهيم أبو سنة وغيرهم. أحيانًا كان التجديد يأتي على مستوى تنويع البحور في النص الواحد لكن بحيث يختص كل مقطع ببحر معين ولا تختلط البحور في المقطع الواحد، وأحيانًا أخرى تختلط البحور في النص كله بلا فواصل مقطعية، وأحيانًا تدخل البحور المركبة (أي التي تتكون من أكثر من تفعيلة مثل البسيط والخفيف والطويل، بخلاف البحور الصافية التي تعتمد على تفعيلة واحدة مثل الرجز والكامل والمتقارب والخبب) في الشعر الحر وتتنوع فيها أطوال الأبيات وتظهر ابتكارات مختلفة وأخيرًا وليس آخرًا استخدام زحافات كانت تعد نادرة الاستخدام في بحرها و”تعودنا” على استبعادها.
هناك ما راقني من هذه التجارب، وهناك ما لم أستسغه موسيقيًا ودفعني إلى التساؤل: ما هي الحدود؟ وأين نتوقف؟
يناديني اتجاه الحفاظ على الموسيقى كما وردت عن العرب الأوائل فقط، فلا نستخدم ما تركوا من زحافات ولا نكثر مما قللوا منه، وساعتها يطل الاتجاه الآخر في وجهي، هل ستستعبدنا أشكال موسيقية بعينها دون تجديد؟ أليس من حقنا أن نضيف لمستنا؟ أليس شعر التفعيلة في حد ذاته خروجًا عن موسيقى العرب الأوائل من جهة ثبات طول الأبيات وثبات القافية؟ وهل يحق للمدعين بأن موسيقى الشعر الخارجية تصبح أحيانًا قيدًا على المبدع لأنها تلزمه بأشياء معينة وتحد من حريته، هل يحق لهم ساعتها أن يقولوا ما يقولون؟ أم أن الأطر الموسيقية التي نلتزم بها مثلها مثل كثير من الأطر التي يصير التخلي عنها فوضى، حيث لا فن بلا قواعد؟
حسنًا، دعونا نقول إننا لن نغلق باب التجديد؛ لكن.. إلى أي حد سنفتحه؟ وما هي ضوابطنا؟ هل سنسمح بتداخل البحور مثلاً؟ هل سنسمح بزحافات غريبة على البحر تغير من صوت موسيقاه وتموه الحدود بينه وبين البحور الأخرى؟ وكيف سنحكم، في خضم التفعيلات المتداخلة والزحافات الغريبة وعدم الالتزام بتواتر معين، على النصوص ساعتها بأنها موزونة أو مكسورة؟
قال لي بعض الشعراء الكبار ردًا على بعض هذه التساؤلات: إن قدم لي شاعرٌ تجربة موسيقية ترضي أذني فسأقبلها، بغض النظر عما خالفت من قواعد سابقة.
وفي نقاشات أخرى، تردد القول بأن التجديد لا مفر منه، وبأن الناس قسمان: مستمع عادي غير متخصص لن يلحظ التغييرات في الزحافات أو تداخل البحور مثلاً، لكنه سيشعر حتمًا باختلال الموسيقى عند حد معين يفقد معه الارتباط مع النغم نتيجة اختفاء التكرار (فالنغم جزء منه تكراري) أو فقدان الاتصال بوحدة النغم؛ ولهؤلاء، سيكون الحد الفاصل هو ما يحافظ على عدم انفصال هذا المستمع العادي وعلى الحد الأدنى من الموسيقى المحسوسة. أما القسم الثاني فهو المتخصصون والذين سيفهمون التغييرات (أحيانًا، حتى بالنسبة لهؤلاء المتخصصين، قد لا يتأتى هذا الفهم بالاستماع المباشر أو القراءة الأولى السريعة ولكن من القراءة الثانية أو الثالثة التي تسمح بتحليل موسيقي أدق)، وهؤلاء لا يجب القلق بشأنهم لأنهم يستطيعون إدراك ما قام به الشاعر من “ألعاب” موسيقية.
رغم إحساسي في كثير من الأحيان بأني كدت أصل إلى قناعة ما، فإني أعتقد أن هناك مناطق لا زالت بحاجة إلى تحديد أدق، وأظل أذكر قول لويس عوض، منذ زمن ليس بالقصير، بأن عمود شعر التفعيلة لم يتحدد بعد. وأرى أن هذا القول لا يزال قائمًا على قواعد صلبة لن تتزعزع بسهولة.
الشاعر/نزار شهاب الدين



آخر التعليقات