هو :

لم يفهم من حديثها الأخير أي شيء . كانت غاضبة ثائرة أما هو فوقف ينظر بيعن بدا مما ارتسم على وجهه أنها لا تبصر . على لسانه عبارة واحد : ممكن تهدي وتعيدي من الأول بالراحة . لكنه يعلم أن مقاطعة كهذه كفيلة أن يشم بعدها رائحة احتراق الباب البعيد تضامنا معها .

ماذا حدث لكل هذا . تصرف بتلقائية كما تصرف في ذلك اليوم البعيد . لكن ردتي الفعل اختلفتا كثيرا . يومها كان الصمت الموشى بابتسامات لا تكتمل هو اللون الحاضر بقوة . أما اليوم فكل الألوان حمراء احمرار النار .

لقد تغيرت نفسه عنها . هكذا أحس ولم يدرك سببا . حاول الحفاظ على صورة الود لكن الصور تتلف سريعا إلا أن تكون صورة في مرآة لا تفارقها . فقرر أن ينهي الامر وينفض منه كفيه : لم أعد أراك كما كنت . ربما لرمد في عيني وربما لاختلاف الضوء الذي كنت أرى فيه و لعله اختلافها هي . لا يمثل هذا شأنا ذا قيمة ما دامت النتيجة واحدة عنده . لم تعد كما كانت ولأنه اعتاد حساب كل شيء فقد سار كما سار . إنها معادلة لم يتساوى طرفاها وانتهى الأمر .

سأله صديقه : وكيف فعلت هي ؟
صمتت . ثم ضحكت . ثم لم أعد أميز من حديثها شيئا . لكنني الآن أخفّ !!

هي :

صوته اليوم يأتي مختلفا عما اعتادته . لكنه يضرب لها موعدا وهي التي لم تره منذ أسبوع كامل . مازالت فرحتها بلقائه كما هي منذ أن التقيا أول مرة . مازال كل شيء فيه يعجبها . و يشعرها بتفوق أيضا .

وجاءها على مهل ليس في وجهه شيء من علامات الحياة . كأنه طبيب يحمل ذلك الخبر الواحد : احنا عملنا اللي علينا . فلا تطلبوا منا شيئا ، نحن لا نحيي الأموات .

شيء واحد تملكها . شيء واحد هو دواء الحياة لكل نفس ، كانت ترغبه بقوة لكن البكاء لا يصلح الآن ، ليس أمامه وهو الذي يرى الأمر أبسط من كأس ماء . ذوت في عينيه أيام و غاضت أنفاس وتبعثرت أحلام . ويبتسم كأنه الفاتح الذي يرفع الضرائب عن أهل مدينته !

ليس بيدها أن تعذره أو تغفر له . إن ما مضى ليس ملكا لها أو له . ماذا تفعل الأيام فيما تسمع . كيف يفسر لها هذا الأمر . وكل يوم توقَّف له ليمنحه السعادة التي كان يسعى إليها . ألم يقف لنا هذا القمر كثيرا . ألم يترك كل هذه الدنيا ليكون معنا . من يعذره منه إذا . من يعذره من الورد التي كان يحمله . من كلام كان يلفظه . لقد كان حقا يلفظه . الآن أدركت أنه لم يكن ينطقه كأنه أهل لسانه . بل كان يلفظه كأنه غريب داره .

ليس لها أن تغفر أو تصفح . إنها قيد غفران الزمان . إن غفر هو ارتاحت وإن بقي يحمل هذه الإهانة في حقه فهو الألم لها . لقد جرح بحديثه الزمان كله . لكن الزمان لا يتألم وقد علم منذ قديم أن هذا الألم إن لم يصب واحدة من بنات حواء اختنق ومات ولما كان موت الزمان أمرا يستحيل حدوثه فقد كان لابد من القربان . ولا بد من بنات حواء أن يكُنَّ هذا القربان .

الزمان :

ولا يزال ذلك الكائن يعبث في أوصالي لا يعلم أي شيء يفعل . ترك عينيه وأبصر بكل حاسة سواها . وترك أذنيه وسمع بكل شيء آخر . لم يعلم أن كل شيء هو في أصله له فاحتال ليحصل عما هو بين يديه فخسره و خسر نفسه .

ولم يتعلم !

محمد أحمد العدوي