تعذيب العقل
مدارات فكرية 1 سبتمبر, 2007
منذ فترة بسيطة قرأت عن تعذيب المواطن التونسي وليد العوني تعذيبا أدى به إلي فقدان عقله أو حسب التعبير الرسمي فقدان مداركه ! وهو نوع من الحوادث يتكرر وقوعه على امتداد الخريطة العربية.هكذا ثمة شخص اسمه وليد أو عبد الله أو رشدي، طويل القامة ، أو قصير ، متزوج أو أعزب ، فقد عقله بالتعذيب إلي درجة أنه لم يعد قادرا على استيعاب أو قراءة أو فهم كل ما يكتب الآن دفاعا عنه . وليس فينا من لم يسمع عن التعذيب بشتى الطرق ، لكن معظم وسائل الجلادين تستهدف في العادة بدن الإنسان ، يديه ، صدره ، ذراعه . أما الوقائع التي تعذب العقل فإنها أقل شيوعا، لأنها تستلزم أحيانا قليلا من الخيال ، والحرفية ، التي لا وقت لها . وتعذيب العقل عمل شيطاني قديم ، تعرض لأحد فنونه الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي في سيبيريا خلال اعتقاله ، حين كانوا يجبرونه على تقطيع كميات ضخمة من الشجر طيلة النهار ليلقي بها عند الغروب في مياه النهر. التعذيب هنا لا يتعلق بالجهد البدني الشاق المبذول ، التعذيب هنا يتجه إلي العقل مباشرة ، إلي تدمير الدعامة التي يقوم عليها وهي المنطق القائل بأن لكل عمل غاية ، وأن لحياتنا هدفا ، وأن لوجودنا وكدنا معنى . العقل يقول إنك إذا قطعت أشجارا طيلة النهار فذلك لأنك ستبني منها كوخا أو بيتا ، أما أن تعرق على قطع الأشجار لتلقي بأخشابها إلي النهر فهذا يعني أن العالم لا يحتاج إلي العقل ، دمره إذن ، وارمه بعيدا ، لأن الوجود بلا منطق . وحينما يكون جهدك كله عبثا ، يغدو وجود العقل والمنطق مدعاة للسخرية ، والاستهزاء ، وتدوي في أذنيك أقوى فأقوى رسالة الجلادين : امسح عقلك ، لأنك لست بحاجة إليه ، لأنه لن ينفعك لا في تفسير العالم ولا في التحكم به . وقد اكتشف العلم الحديث أن القلب الذي نتغنى به في الشعر والروايات ليس أكثر من مضخة للدماء ، وأن العقل هو حصن التفكير والمشاعر والطموح . وحينما تعذب العقل أو تدمره ، فإنك تعذب وتحطم التكوين الإنساني المميز والبلورة الخاصة المشعة بكل أعماق وأبعاد الشخصية . واكتشف العلم الحديث أيضا أن الموت هو موت العقل ، إذ يمكن استبدال الساق أو الكلى بأخرى ، ووضع شريحة زجاجية في العين المعتمة لترى من جديد ، وتغيير صمامات القلب أو القلب بأكمله ، وزرع كبد ، ورئة ، لكن كل تلك المعجزات لا ترقي إلي المساس بالعقل الذي يجري مليارات من العمليات في أقل من ثانية والذي مازلنا لا نستخدم سوى جزء ضئيل من قدراته . في هذا السياق أتذكر كتابا للدكتور عبد المحسن صالح اسمه ” ما هو الموت ؟ ” . يقص فيه تجربة أجراها العلماء على كلب لمعرفة ” ما هو الموت ” ، فيقول إن العلماء فصلوا كل أعضاء الكلب عن جسمه واحتفظوا خلال ذلك برأسه فقط حيا منزوعا من البدن ، ثم قاموا عبر الأنابيب بضخ المحاليل والدماء إلي الرأس المنزوع ، ففتح الكلب عينيه ، وتعرف إلي صوت صاحبه وأخذ يلعق يديه. العقل إذن هو الذي يصون الحياة والوعي والذكريات والإرادة بل وقلق الحب وهواجسه الرقيقة. وقد تم تدمير عقل وليد العوني المواطن تونسي ، في ظروف ، تشبه الظروف التي يتم فيها تدمير عقل الكثيرين على امتداد الخريطة العربية وبقدر سجونها . يختلف الاسم ، والسن ، وسمك أبواب الزنازين ، واللهجات ، وبدانة الزوجة ، أو هزال الحبيبة ، ولكن ثمة دائما إنسانا يفقد عقله وحده خلف أبواب موصدة .
لكن تعذيب العقل ونفي دوره لا يجري في السجون وحدها ، بل إنه يجري على نطاق المجتمع بأكمله أكثر بملايين المرات مما يتم وراء قضبان . وحينما تصبح الفوارق بين الدخول ضخمة إلي هذا الحد الذي نراه ، يعجز العقل عن تفسير ذلك ، وحينما يصبح من يحتكرون الحديد والأسمنت وغيره سادة المجتمع من دون عرق أو سبب ، بينما لا يساوى كدح الشرفاء شيئا ، وحينما يبنى البعض قصورا خيالية في طريق الإسماعيلية والبعض مازال ينام على الأرصفة، وحينما يبرز كل شخص عديم الكفاءة ليتحكم في شئون الثقافة، وحينما يصمت الأدباء ويتكلم أشباه الكتاب ، وحينما تحل بالرشوة والعلاقات كل ما لا يحل بالطرق الشريفة ، وحينما تربح الراقصة بهزة وسط واحدة أضعاف ما يربحه عالم على مدى حياته كلها ، وحينما ، وحينما، وحينما ، فإن ذلك الواقع يصبح نوعا من التعذيب المستمر للعقل الذي لا يستطيع لا فهم ولا تفسير كل تلك المفارقات والفوارق ، وهو تعذيب ينقل لٌٌلإنسان رسالة واحدة : امسح عقلك ، لست بحاجة إليه ، لأنه غير نافع لا في فهم العالم ولا في تفسير أحواله ولا في التحكم به .
***
أحمد الخميسي
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com



31 أكتوبر, 2007 على 4:55 pm
بسم الله الرحمن الرحيم…
أستاذ أحمد…الحقيقة أن المقال يحمل من الهم و القلق على الإنسان ما تحمله الجبال من أوتاد لكي يظل استقرار الأرض بشكل متوازن…و بشكل لا يحدث خللا في السير العادي لدورات الأرض…؟لأن الإنسان بدون عقل كالجبل بدون وتد أو كالعمارة بدون أساس…و إذا ما تم تخريب أو تعذيب العقل هوى البنيان من أساسه…و هذا بشكل أكيد…و ما قلته عن التعذيب سواء داخل الأسوار أو خارجها هو من بين الأسس التي أفقدت الإنسان حسهه المنطقي في استعمال عقله بالشكل الصحيح أو السليم…و الأمثلة التي ضربت لذلك كافية لكي يبدو الخلل واضحا في سلوكيات بني جلدتنا من بني آدم…
و لكن هناك مثال استشهدت به لتبين أن العقل و الرأس شيء واحد…أو بلغة أكثر دقة أن العقل في الرأس و ليس في موطن آخر…و التجربة على افتراض صحتها و حقيقتها ليست دليلا على وجود العقل في الرأس…لأن الإنسان ليس من نوع الحيوان و ليس من جنسه…فتجربة الفعل و رد الفعل التي قاموا به العلماء على الكلب ليست دليلا على وجود العقل في الرأس…فليس كون أن الإنسان و الحيوان يشتركان في بعض الغرائز…فهذا يعني أنهما متشابهان في كل شيء …و أن مجموعة الخصائص هي واحدة بالنسبةللحيوانات و بالنسبة للإنسان…فهذا مع كامل احترامي تضليل لحقيقة مفادها أن الإنسان ليس حيوان ناطق أو حيوان كاتب أو حيوان ضاحك أو حيوان عاقل…فالحيوان له إدراك و ليس له عقل…فالإدراك يتم عن طريق الحواس…و مركز الحواس يوجد في المخ…و المخ يوجد في الرأس…لكن لا يوجد العقل في الرأس…لأن للعقل خصائص لا يتوفر عليها الحيوان…و منها السؤال و التساؤل و طرح العديد من الأسئلة التي لا تؤرق إدراك الحيوان…و لا تهمه لا من قريب و لا من بعيد هل تم توزيع الثروة بشكل عادل؟ أم هل صمت رمضان إيمانا و احتسابا؟ فالعمليات العقلية ليست هي العمليات الإدراكية…لأن الإدراك هو محاولة الحفاظ على التكيف و العيش في البيئة التي يتحرك فيها الكائن…فالإدراك مرتبط بالحواس…و الحواس هي أدوات لنقل العالم الخارجي لعرضه على العالم الداخلي..و نقل ما يأمر به العالم الداخلي للعالم الخارجي حتى تتحقق رغبة معينة أو يتم قضاء حاجة ضرورية…فالنباتات التي تتفتح مع شروق الشمس تستجيب عن طريق حواسها للعالم الخارجي لتقضي حاجتها المنبثقة من العالم الداخلي…ثم تنكمش عند المساء استجابة للعالم الخارجي…و هكذا دواليك…أما بالنسبة للإنسان فإدراكه يتجاوز ما هو حسي لما هو مجرد…يتجاوز التهامل مع العالم الخارجي بالغريزة…فيحلل و ينتقد و يقوم بالعديد من العمليات العقلية…التي لا يمكن الحسم في مكان تواجدها انطلاقا من هذه التجربة…
فالإنسان الذي تم تنويمه مغناطيسيا…و شحنه بالعديد من الأوامر لتنفيدها عن طريق الإيحاء أو بشكل أكثر تطورا في الوقت الحالي…فهل يمكن القول بأن هذا الإنسان تصرف و هو في كامل قواه العقلية؟
و للحديث بقية إن كان لا زال في العمر بقية…و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
23 ديسمبر, 2007 على 2:57 am
مقالة جيدة يا أستاذ أحمد..تحياتي.