انتصار الغباء
مدارات حرة 1 سبتمبر, 2007

يخيل إليَّ أنَّ ثمة قوة حمقاءَ تدبّرها الآلهة وتسهر عليها هدفها الوحيد إقلاق منامي ! لماذا الآلهة تقف إلى صف الحمقى والبلداء باستمرار ؟ سؤال دائماً ما يثيرني ويستفز عقلي . عندما أرى غبياً أو أحمق أتذكرُ الآلهة واحداً واحداً وليس لي في هذا النصيب الوافر منها شيءٌ يقف إلى جانب ذكائي ورهافة حسي ويحاول أن يطفئ في رأسي كل الأسئلة المرهقة والمقلقة والجادة ؛ لأكون غبياً بامتياز.
تاريخ البشرية , كما يبدو لي , هو صراع مرير بين طرفين , ليسا هما الخير والشر – لكيلا نقع في إغراء اللغة المريضة – بل هما الذكاء والغباء , ويمكننا أن نفسرَ تاريخ البشر بناء على هذين الحدين تفسيراً مقبولاً نوعاً ما !
قد كان من الأَوْلى أن أقول إن الصراع كائن بين الهدم والبناء , بين الثبات والتغير , بين الانغلاق والانفتاح , بين الخرافة والعلم , بين الأسطورة والفلسفة …إلخ , ولكنني وجدتُ أن صفتيْ الذكاء والغباء أشمل وأكثر دقة ومتانة , بل إنَّ الحد الفاصل بينهما هو ذاته الحد الفاصل بين كل الأطراف الثنائية التي أشرت لها قبل قليل . فلو وضعنا حداً وحاجزاً لوجدنا أن الشر والهدم والجمود والأسطورة والخرافة ناجمة عن غباء مستفحلٍ في أغلب الأحوال .. أو فلنقل بلغة المناطقة إن كل أفراد هذه الحدود يمتازون بغباء شديد , وأفراد الحدود المقابلة لها هم أهل العقول الفائقة النبيلة .
نعم . إنه كائن غبيٌّ ذلك الذي لا يشعر بفداحة الشر الذي يرتكبه , بل إنه على العكس تماماً يكون مرتاح البال منسجماً مع غبائه الذي دفعه إلى الظنّ بأن الشر خير والخير شر .
ليس لدي تعريف جيد للخير والشر ولكن دراسة التاريخ وتأمل أحوال البشر والأمم جعلتني على ثقةٍ أنَّ الخير هو الذكاء الفائق وأن الشر كل الشر هو أن تظلَّ بعيداً عن استخدام عقلك وضميرك بشكل يومي ومستمر في كل بادرة تبدر منك وكل عمل يصدر عنك .
قد يكون الأحمق الغبي أو الجاهل الأمي طيبَ القلب و( شاطراً ) في عمله أو في فكِّ وتركيب الأجهزة الإلكترونية وفي اصطياد الأرانب والطيور المهاجرة , ولكنه ليس ذكياً ما لم يسأل نفسه هذين السؤالين :
1- هل أنا , حقاً , ذكي , وهل أكون غبياً دون أن أدري ؟!
2- وأما السؤال الكوني فهو الذي يطرحه الإنسان هذه المرة على أمته وشعبه ودولته كما طرحه من قبلُ على نفسه .. هل أمتي ذكية ؟ ألا يمكن أن تكون غبية دون شعور منا ومن معلمينا وقادتنا ومناهج التاريخ الوطني؟!
ولا يكتمل ذكاؤه إلا بعد جهدٍ وألمٍ وطول وقت يبذله في محاولة الإجابة عن هذين السؤالين .. أو بالأصح محاولة إيضاح السؤالين لعقله الذي اكتنفه النوم العميق وتمجيد الأنا تمجيداً أعمى .
ليس من الضروري أن يجدَ جواباً بقدر ما يجدُ جرأة وشجاعةً في تحمّلِ ألم السؤال وجبروته وفي القدرة , بالتالي , على دفعه نحو الأماكن الأكثر خطورة وقداسة وثباتاً .
إنَّ الإنسانَ الحقيقي ليقفُ دائماً في صف الذكاء ( الخير , العلم , العقل , الضمير الحي , ..) وأما الغباء فكل ما هو غير إنساني يقف معه , سواء أكان ( ما فوق الإنسان = الآلهة , المُثل , إنسان نيتشه …) أو ما دونه من فقراء ومساكين وبهائم وجمادات وأحجار .
لا أظنُّ أن أحداً من الأذكياء يقف إلى جانبِ المستبدين والقتلة والسفاحين , ولا بجانب الضعف والفقر والجهل والجمود والشر .
ليس الذكاء هو العقل , فالعقل أحد أدواته الضرورية , بل الذكاء هو الخير الأسمى . الخير الأسمى الذي يغمرُ بفيضه وعطائه كل البشر بل وكل البهائم والأشجار والحشرات , إنه كالمطر الشامل ” الذي يعمُّ بنفعه أرجاء البلاد ” .
إنَّ الخيرَ الأسمى لا يعرف عرقاً ولا ديناً ولا حسباً ولا نسباً .. إنه مبارك كإلهٍ شهْمٍ كريمٍ , يحدب على أبنائه بالتساوي . فالذي يقصرُ الخيرَ على فئة من البشر دون أخرى هو في الحقيقة أكثر ضرراً وشراً من الشر نفسه ومن أصحاب الشر ! بل إن هؤلاء حازوا على صفة الشر الأكبر الحقيقي بسبب هذا العمل الوضيع .
إن أصحاب هذا النوع من الخير – وأسميه الخير المزيف أو الخير الكاذب – يحملون من الصفات السيئة ما لو قرنّاه بالشر المألوف ( الأصلي ) لأصبح هذا الأخير نوعاً من الخير وإن كان رديئاً !
إنهم إلى جانب الشر منافقون ومنحازون ومحرفون لمعنى القيم ومخادعون للناس ومزيفون لعقولهم وضمائرهم وباثون بينهم الكراهية والحقد لمن سواهم .
ومن التناقض أن أصحاب الخير المزيف أو الناقص أو الكاذب أو الجزئي يمتلكون قلوباً سوداء وحقداً رهيباً ضد من سواهم , في الوقت الذي يكونون فيه رحماء ولطفاء وطيبين مع بني جلدتهم أو جنسهم أو مذهبهم . وهذه الازدواجية الأخلاقية من أبشع الصفات التي يتحلى بها هؤلاء الأغبياء المتعصبون .
لا أدري كيف يصبح قلب أحدهم أبيضَ ويمسي أسود .. كيف ينقلب من إلهٍ إلى شيطان ومن يمامة إلى أفعى سامة ؟!!! وذلك في نفس اليوم بل وفي نفس اللحظة , بل وفي نفس ( الخفقة ) التي يخفقها قلبه ! هذا القلب المحتار المتردد بين الوحل والماء بين السواد والبياض بين الحب والبغض , إن قلوب هؤلاء البشر تترنح يومياً كالسكارى وما هم بسكارى .. وهذه آفة من آفات الخير المزيف .
لو كان يمتلك من الحكمة والعلم والعقل ( وهي من خصائص الأذكياء ) الشيء القليل ؛ لكان ذلك حافزاً له ليتقدم خطوة بعد خطوة نحو الضمير الإنساني الكلي , نحو ( قلب ) العالم . ولاكتشف , وهو يخطو فوق سلّم الذكاء , كم كان إنساناً رذيلاً حينما كان يظن أنه إنسان فاضل .
ليس العلمُ الذي أقصد أن تحتوي ذاكرتك على أكبر كمٍّ من المعلومات في هذا المجال أو ذاك .. بل أن تفكّر جيداً وبحذرٍ وشكٍّ كالعلماء الأفذاذ .. أن تنطلق مثلهم من نقطة بيضاء ناصعة البياض لكي تستطيع أن تمد رقعتَها إلى مساحات أكبر .. وهو العمل الذي لن تجيده مادمت غارقاً في السواد , متخبطاً في غابات الجهل وظلمات الغباء .
ما الذي جعل الأذكياء , رغم الصفات العظيمة التي يحوزونها , ينهزمون أمام جحافل الغباء ؟ لماذا ؟
هذا هو السؤال الذي أقلق منامي , ولم أجد له جواباً شافياً , فهل ثمة قوة حمقاء تدبرها الآلهة من أجل انتصار أتباعها ؟
آه !! ربما أنهم ليسوا أذكياء وإلا فلن يندحروا .. وربما أن الأغبياء أذكياء لأنهم انتصروا .
أمممممم ربما .. ولكننا لو غيرنا الأسماء وبدلنا المواقع , فسمينا الذكي غبياً والغبيّ ذكياً , فسأكون – دائماً وأبداً – في صف الأذكياء .. نعم . أنا القوة الضعيفة التي لا ترعاها الآلهة .
مقالي هذا موجه للأذكياء ولذا فأنا لست متفائلاً !
بقلم / سامي الراشد - الرياض



19 سبتمبر, 2007 على 1:37 pm
الاستاذ سامي
مقال رائع وعميق ونتمنى ان يأتي اليوم الذي ينتصر فيه الذكاء والعقلانية
شكرا لك