ما يزال أدب الحداثة العربية متعثرًا في طريقه إلى المتلقي على أرضه ، وبين أبناء لغته ، بل صار كأنه لغة أخرى مستقلة لا سبيل لحل طلاسمها وفك شفراتها في كثير من الأحيان ، وما يزال أهم أعلامه لا يكاد الجمهور يعلم عنهم ألبتة شيئًا ، برغم غزارة إنتاجهم وتنوعه ، وطول العمر الإبداعي لهم من جهة ، ولحركة الحداثة العربية من جهة أخرى .

وتتعقد الأزمة كلما تكشّف المزيد من أبعادها تحت ضوء جديد في كل مرة يُعاد فيها النظر إلى هذه النقطة ، فإشكالية الهوة التي تفصل المتلقيreceptor عن الأديب لا مفر من دراستها في السياق الحضاري العام الذي هو ما قبل حداثي بكل مقياس ، والفرض الذي تنطلق منه هذه الرؤية تحت ذلك العنوان هو أن المذهب الأدبي قد سبق حضارته وعصره ، وصار أقرب إلى النبوءة prophecy من التعبيرexpression ، وذلك بعد افتقاده عنصر التزامنsynchrony مع المتلقي(التزامن المعرفي) ، ومع أحداث عصره(التزامن التاريخي) .

وربما أمكن الولوج إلى الإشكالية بقدر أكبر من النفاذية بعد ضبط الاصطلاحات ، فالحداثة modernism تطلق في الفلسفة على الفترة الممتدة بين1850و1950م في العالم الغربي ، وبشكل عام هي حالة المجتمع الغربي بعد ازدهار البرجوازية مرورًا بالحرين العالميتين ، وبداية الحرب الباردة(1)، أما من حيث البناء الفوقي الخالص فهي فلسفة المجتمعات الغربية في الفترة نفسها التي ارتأت التأكيد على الفاعلية الإنسانية طريقًا للتقدم والتطور ، واعتبرت مبدأها –العقل- وسيلة نقل الفعل من الخيال إلى الطبيعة ، ومبدأ السيطرة لأنه مصدر المعرفة النظامية غير المقيدة بنماذج إرشادية paradigms سابقة التجهيز ، أي أن هذه المرحلة الفكرية هي النقيض المباشر لفكر العصر الوسيط بتصوراته المسبقة ، وغائيته في التأمل والاستنباط(2) .

أما الحداثة في الأدب فاصطلاح يستعصي على التحديد الدقيق ، وعلى كل يبدو أن التركيز على الثوابت البنيوية للمذهب أقرب إلى استهداف الإشكال الأساسي مباشرة ، دون المرور بمحاولات التحديد الزمني المتعددات المختلفات(3) ، وربما أمكن تلخيص الحداثة العربية في الأدب بأنها الحركة التي نزعت إلى تغيير هيئة الكتابة بالمعنى الأشمل(من حيث الشكل والمضمون)في آن واحد ، تحت تأثير أزمات قومية جسيمة ، ووافد غربي أدبي وفكري عظيم الثراء ، واستهدافًا لغايات ثقافية وسياسية بعيدة المدى ، وذلك اعتمادًا على المبادئ الأربعة التالية :
1. الاعتماد على التجريب بديلًا عن البلاغة ، والتي تقتضي التقييم رجوعًا إلى الشكل الأسمى النموذجي(4) .
2. الاعتماد على تأثير العمل بديلًا عن المعنى(5) .
3. الاعتماد على الرؤية بديلًا عن الطرَب(6) .
4. الاعتماد في الكتابة على الإنتاجية في القراءة ، أي قدرة المتلقي على تأويل النص وإعادة إنتاجه ، وليس على (فهمه) له ، وبالتالي صار النص غير المفهوم ظاهرة لا تعكس خطأً في الإبداع بل في التلقي(7) .

وربما أمكن الاطلاع السريع المركز على هذه المبادئ مجتمعة في شعر محمد عفيف مطر ، وأدونيس ، فهما أهم من مثل الحداثة العربية في مقتبلها ومكتملها(8) ، وتتجسّم الأزمة حين يُتهم الأول بالغموض اتهامًا لا ينقطع(9) مع تجديداته الأدبية الأبدية ، أما الثاني فهو القائل بنفسه أن”الشعر الحقيقي لا يمكن أن يكون جماهيريًا”(10) .

وإذا أكمل المقال مداه في سياق البنية الفوقية تحديدًا ، لأمكن القول بأن سبب اتساع الهوة بين الأديب الحداثي وجمهوره - أو (لاجمهوره)- هو أن المجتمع العربي بكل تأكيد وإلى اليوم لم يمر بمرحلة الحداثة ، وما تزال بينه وبينها عدة قرون من السنوات الضوئية نظرًا لحالة التخلف الثقافي التي استفحلت واستشرت إثر الضغوط الفادحة داخليًا وخارجيًا على عقول المفكرين والمبدعين ، وذلك من خلال عدة مركبات يكفي أحدها لنسف المؤسسة الثقافية عن بكرة أبيها وتسويتها بالأرض في لحظات ، منها المركب السياسي والأبوي والذكوري والديني …إلخ ، ويكتسب التحرير الثقافي أهمية كبرى كآلية تحريرية بعد غلق أغلب السبل أمام الآليات الأخرى ، ويبدو أن الاتجاه المعاكس هو ما سارت فيه الواقعية العربية التي ركزت على التزام الأديب ، في مقابل الحداثة التي ركزت أكثر على استنارة المتلقي .

كريم الصياد
شاعر ومعيد بقسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة

الهوامش :
1. أوليفر ليمان(محرر): مستقبل الفلسفة في القرن 21 ، ت: مصطفى محمود محمد ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد301 ، ص142 .
2. آلان تورين: نقد الحداثة ، ت: أنور مغيث ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، بدون رقم الطبعة ، 1997م ، ص19 .
3. عبد الرحمن القعود: الإبهام في شعر الحداثة ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد 279 ، 2002م ، ص120 .
4. السابق ص140 .
5. السابق ص190 .
6. السابق ص130 .
7. السابق ص15 .
8. السابق ص227 .
9. حلمي سالم(إعداد وتقديم): شاعر مئذنة الدمع ، دراسات في شعر محمد عفيفي مطر ومختارات ، المجلس الأعلى للثقافة ، ط1 ، 2007م ، ص198 .
10. عبد الرحمن القعود: السابق ص129 .