من مدونة (كتاباتي)

يعرف المهتمون بالتنمية البشرية أن أسلوب تكوين الخبرات و الآراء في العقل البشري محدود. حين يتخذ المرء قراراً فإن العقل البشري يستطيع أن يضع في إعتباره خمس عوامل علي الأكثر و يهمل باقي العوامل المؤثرة في إتخاذ القرار، لذا قام الكثير من علماء علم النفس و اخصائيي التنمية البشرية بتطوير اساليب لتنمية التفكير كمحاولة للتغلب علي هذه العوائق الطبيعية الموجودة في العقل البشري. ربما كان اشهر هذه الطرق هي طريقة التفكير الجانبي Lateral Thinking و التي صارت فيما بعد تعبيراً ثابتاً في بعض قواميس الإنجليزية.

أيضاً عند تكوين الآراء و الخبرات في موضوع معين فإن العقل البشري حين يبدأ في إتجاه معين يستمر في هذا الإتجاه و يستمر كل ما يحيط به من ظروف و عوامل في تعميق هذا الرأي أيا ما كان – هذا في معظم الأحوال و ليس كل الأحوال.

لنأخذ موقفاً تخيلياً لتوضيح الفكرة. هناك شخصان، احدهما ملحد لا يري للدين أهمية أو ضرورة في الحياة و الأخر متدين يري أن الدين له قدسيته و لا يجب أن يتكلم في الدين سوي المتخصصين المؤهلين عقلياً و علمياً لهذا.

حين يأتي أحدهم بفتوي غريبة لا محل لها من الإعراب، فإن الملحد يري ان هذا ما يجنيه المرء من الدين و المتدينين، بينما الآخر يري أن هذا نتيجة عدم وجود ظوابط و معايير علمية و عقلية لمن يفتي. الموقف واحد و لكنه تسبب في زيادة إقتناع كل من الشخصين برأيه علي الرغم من التباين الرهيب بين الرأيين.

لذا من الضروري لكل شخص علي قدر من الذكاء و الثقافة أن يضع في إحتماله حين يفكر في أمر ما أنه قد يكون مخطئاً، و عليه أن يبحث عن رأي آخرين و يفكر فيه محاولاً الإنتباه الي النقاط التي غابت عن إنتباهه و لم يفكر فيها حتي لو بدا من الولهة الأولي أن رأي الآخرين غير سليم.

للأسف العقلية العربية تتعامل بمنطلق من هو علي “صواب المطلق”. الشخص ذو المنصب القيادي (سواء كان هذا الشخص رب أسرة أو رئيس شركة أو رئيس دولة) لا يهتم في المعتاد برأي الآخرين و لا يتشاور مع أحد في أي قرار يتخذه حتي لو كان هذا القرار سيؤثر علي هؤلاء الآخرين.

يذكر د. أحمد خالد توفيق أن هنري كيسينجر وزير خارجية أمريكا الداهية حين تولي منصب وزير الخارجية لم تكن له خبرة في التعامل مع العرب فذهب الي أحد اساتذة العلوم السياسية ليطلب منه تلخيص لوسيلة التعامل مع العرب، فجاءه بعد أيام بورقة فيها أسلوب إسمه السوق و الخيمة Bazaar and Tent.

نبدأ بشرح السوق. عندما تدخل سوقاً عربية لتشتري شيئاً فإن الباعة سيجادلونك في السعر كثيراً و سيقسموا بكل ما هو غال و ثمين أن هذا هو أقل سعر ممكن. إثبت علي السعر الذي تعرضه و في النهاية ستأخذ ما تريد بالسعر الذي تريده مهما بدا لك العكس في البداية. عندما تتفاوض مع العرب لابد أن تستمر علي رأيك و في النهاية سيقبلوا بما تريد مهما رفضوا في البداية.

الخيمة هي ما يهمنا و هي ما يتعلق بهذا المقال. حين تدخل قبيلة عربية لتتفاوض علي أمر ما ستجد الكثيرين ممن يجادلونك و يفاوضوك و كل منهم له رأي و إتجاه. لا تكترث لهم و إبحث بعينك عن أكبر خيمة في المكان. هذه هي خيمة شيخ القبيلة. إذهب اليه و قدم الهدايا و إكسب وده و أقنعه برأيك و في النهاية سيكون قراره هو القرار الذي يسود علي رقاب الجميع مهما تباينت اراء الآخرين.

ذكر مصطفي خليل رئيس وزراء مصر الأسبق و أحد أعضاء الوفد الذي شارك في مفاوضات كامب ديفيد أنهم لم تكن لديهم نية بالإعتراف بإسرائيل أو بالقدس عاصمة لها. كان في نيتهم أن يعيدوا الأراضي المصرية دون المساس بحق الفلسطينين، هذا هو ما أتفقوا عليه جميعاً قبل الذهاب الي امريكا.

عندما وصلوا الي أمريكا فوجئوا بالسادات اثناء المفاوضات يناقش الإعتراف بإسرائيل. لم يستشر شخصاً من الوفد المصري (الذي كان يضم اسماءاً سياسية لامعة مثل بطرس غالي و أسامة الباز) و إتخذ هذا القرار وحده تماماً، علي الرغم من أنها نقطة محورية و رئيسية في مثل هذه الإتفاقية و ظلت تؤثر في الحياة السياسية المصرية لعدة عقود حتي بعد موت السادات.

حين فوجيء الوفد المصري بهذا حاولوا التفاوض جانبياً مع الأسرائيليين بعيداً عن المفاوضات الرسمية. صعد بعض اعضاء الوفد المصري الي جناح الوفد الإسرائيلي في الفندق محاولين إقناعهم بالتخلي عن هذه النقطة في الإتفاقية و بالطبع رفض الإسرائيليون. أستطيع أن أتخيل منظر الأسرائيليين و قد فوجئوا بأعضاء الوفد المصري و هو يحاول أن يقنعهم بالتنازل عن النقطة التي وافق عليها رئيسهم لأنهم لم يعرفوا بها من قبل. لابد أنهم إستلقوا علي اقفيتهم من شدة الضحك بعد إنصراف الوفد المصري من الجناح الإسرائيلي من منطلق أن شر البلية ما يضحك.

لقد أحسن الأمريكيون البحث عن الخيمة في أثناء المفاوضات، و قد تصادف وقتها أن السادات هو من كان يجلس في الخيمة.

ملحوظة جانبية: أنا لا أناقش إتفاقية كامب ديفيد هنا. لا أريد لأحد المتحمسين أن يعلق علي الموضوع بأن السادات كان عبقرية سياسية لم يسبق لها مثيل أو أنه كان خائناً أحمقاً. أنا لا أناقش القرار و لكني أناقش كيفية إتخاذ القرار.

الأمر ذاته ينطبق علي إدارة الاسرة. الزوج الذي يتخذ القرارات دون إستشارة زوجته و الأهل الذين يتخذون القرارات لأبنائهم من منطلق معرفة مصلحتهم دون مراعاة تأثير هذا علي نفسية الإبن الذي سيفعل نفس الشيء حين يكون رب أسرة أو رئيس شركة أو رئيس جمهورية يوماً ما. حتي إن كان هذا الإبن طفلاً صغيراً فإن توجيه الأمر بفعل شيء ما دون مناقشة هذا الأمر و الإستماع الي رأي الطفل الصغير له تأثير مدمر علي شخصيته في المستقبل، فما بالك إن كان هذا “الطفل” في السادسة عشرة من العمر مثلاً؟ بعض الأباء في مجتمعاتنا المباركة يفرضون علي الإبن الكلية التي يختارها بل و ربما الزوجة التي يتزوجها من منطلق الحكمة و العلم و الصواب المطلق الذين يلمئون عقل الأهل و التي للأسف لم ينتقل منها شيء للإبن.

من ضمن النقاط التي تظهر فيها عقلية “الصواب المطلق” الأمور الخلافية في الدين. في القضايا الخلافية (مثل النقاب أو الغناء) لابد من أن تجد أحدهم يقول “أجمع العلماء الثقات علي كذا و كذا”. هو يؤمن بعدد من العلماء ممن هم علي “صواب مطلق” و بالتالي هؤلاء هم العلماء الثقات، و الآخرين هم علماء غير ثقات و لا يؤخذ برأيهم من الأساس و تعتبر القضية بالنسبة له إجماعاً إن أجمع عليها من يؤمن هو بهم حتي و إن كانوا شخصين إثنين. بشكل ما هو صاحب توكيل شهادات العلماء الثقات و هو يمنح هذه الشهادات لمن صادف هواه من العلماء بشكل أشبه بصكوك الغفران التي كانت توزع في العصور الوسطي. لم يجرؤ أي من علماء المسلمين العظام في يوم من الأيام علي أن يقول علي أي ممن يخالفه الرأي أنه عالم غير ثقة. للإمام الشافعي رحمه الله كلمة مشهورة هي “رأيي صواب يحتمل الخطأ و رأي غيري خطأ يحتمل الصواب” ولكن يبدو أن لدينا من هم أكثر تديناً و ذكاء من الإمام الشافعي.

أحد النقاط التي تحظي بالكثير من المناقشة في وسط المتدينين هي نقطة الشوري و هل هي معلمة أم ملزمة، و هي مناقشة اري أنه لا محل لها من الإعراب و لا داعي لها.

تعتبر الإدارة أحد العلوم التي تسمي Heuristic Science أو علوم دليلية. في الرياضيات مثلاً يمكنك أن تجد قواعد ثابتة لا تتغير لحل المشكلات. إن أردت أن تحل معادلة تفاضلية فعليك إتخاذ بعض الخطوات الثابتة التي تحدد بها نوع المعادلة و درجتها و بالتالي تحدد طرق الحل التي تصلح لها و تطبق طريقة منهم لتصل الي الحل.

في العلوم الدليلية لا يمكنك أن تضع قواعد ثابتة، و لكنك فقط تكتسب أسلوب تفكير تحاول أن تطبقه تبعاً لمقتضيات الموقف. لا يمكن أن يضع المرء خطوات و نقاط ليسير عليها في إدارة الأسرة أو إدارة شركة أو إدارة دولة، و لكن يتكون عنده أسلوب تفكير و ثقافة معينة في الإدارة. لا يمكنك أن تقول أن الشوري معلمة أو ملزمة علي الدوام، و لكن الأوقع أن تقول أن من يدير لابد أن تكون عنده ثقافة و نية الإستماع للرأي الآخر، و لابد من أن يكون مؤمناً بفكرة أنه قد يكون علي خطأ في وقت ما. إن قلنا أن الشوري ملزمة لما كان قطز قد طرد التتار لأن رأي المماليك وقتها كان تجنب الحرب. إن قلنا أنها معلمة فقط فلربما صارت خطوات صورية و في النهاية يتم إتخاذ القرارات بشكل فردي ممن هو علي “صواب مطلق”.

أتمني من أن نتخلص من اسلوب التفكير “الصواب المطلق” بدلاً من أن نجد أنفسنا دوما تحت رحمة الظروف التي تحدد من يجلس في الخيمة.

محمد عادل