امرأة الضرورة/ قصة
مدارات أدبية 1 سبتمبر, 2007يا بالع الظلال القادم من الكهف، أنا لم أقتل إنسانًا.
يا بالع الظلال القادم من الكهف، أنا لم أقتل إنسانًا.
كتاب الموتى ( الخروج إلى النهار )

.. ا .. ل .. ى .. و .. م..
… استيقظت من نومك سعيدًا.
هل تسخر منى؟ أنا أعرف جيدًا أنك لم تستيقظ من نومك سعيدًا و لكنك أوهمت نفسك بهذا الشعور. بدأ هذا عندما أخبرك الأسطى حتاتة بأنه قد أستيقظ يومًا فوجد نفسه سعيدًا و أستمر هذا الشعور معه لبضعة أيام حتى أختفى فجأة مثلما حضر فجأة. أريد أن أنبهك منذ البداية،….. لا تسخر منى أو حتى تقلل من قدراتى و ذاتى، فنحن لم نبدأ الحكي بعد و أنت تريد الكذب عليّ و عليهم. و لكنى لن أنيلك مرادك. فأحذر!
حسنا، فلنبدأ الحكي من جديد،…..
اليوم….. استيقظت من نومك و أنت تريد أن توهم نفسك بأنك سعيد، أمضيت يومك الإعتيادى، ثم عدت قبل صلاة المغرب من الورشة لتكتشف أن زوجتك الحبيبة غير متواجدة ببيتك، و أن طعامك الدافئ فوق طاولة السفرة.
أدرت المذياع ثم أنصت لسورة يوسف بصوت أم كلثوم. أشعلت سيجارة من علبة الكليوباترا و حاولت أن تتخيل أين زوجتك الآن؟ عند الجيران،عند أمها، فى السوق تتبضع؛ ترى أين هى؟ قررت أن تخلى رأسك، فأخرجتها من النافذة و ناديت على ابنك أحمد، توقف عن لعب الكرة ثم اقترب من البناية. فكرت:: أتسأله أين أمه أم تجعله يصعد للدور الرابع كي تسأله أين هى؟ قاطعك بهتافه أن صلاة المغرب لم تحن بعد؛ تغلب الإقتراح الثانى على الإقتراح الأول فى غفلة منه، فأمرته بالصعود.
حوقل المؤذن فجأة ثم زعق مؤذنا لصلاة المغرب. عند الشهادة سمعت خبط على الباب. أستغربت، لأن ابنك أحمد يحب النقر على الجرس منغما و لطالما نهرته بسبب فعله هذا. فتحت الباب فجاوبك السواد. امرأة ستينية منمنمة الجسد و الملامح، يتوسط وجهها الدائرى فم صغير كاللاقط و حسنة بنية على جانب خدها الأيسر قرب فمها؛ نظرت إليك، فحملقت بها.
هل أستبق الحوادث إذا نبهتك أنك لن تستطيع،….. مهما فعلت لن تستطيع، لن تستطيع نسيان الماضى، فما بالك بالآن.
الآن، فى تلك اللحظة الفارقة، تقف المرأة التى تألمت من طول انتظارها، فى تلك اللحظة رجعت حياتك عشرون عاما أو يزيد، فتذكرت كل شئ من الألف إلى الياء، أو هكذا تحاول.
وجهها الصلب كأحجار الأهرامات لم تتغير ملامحه و كأنه قد تجمد فجأة، بل و كأنه تمثال نصفى. هههههه، ها أنت قد بدأت فى التذكر. هل تذكر التماثيل التى كنت تحب أن تصنعها. هل تذكر أنك عندما هربت إلى القاهرة، دخلت كل المتاحف التى تستطيع أموالك التى سرقتها من أمك أن تدخلها لك. هههههه، ها أنت قد بدأت فى التذكر، أو لعلك لم تنس أبدًا. نعم….. أمك هى التى تخط قدمها اليمنى على عتبة باب بيتك.
أزاحتك ثم دخلت، أكتشفت أن السيجارة ما زالت بيدك كأصبع سادس، رميتها بسرعة على السلم ثم أغلقت الباب. قبل أن تخطو خطوة واحدة لداخل بيتك، دق جرس الباب، فتحته لتجد ابنك أحمد، وجهه المتساءل و المتعب و الناقم لم يجعل قلبك يرق، سألته عن أمه فأجاب أنها عند جارتكم أم قمر.
شمس المغيب قد أكلتها الذئاب الآن، حوقل المؤذن ثم زعق بإقامة الصلاة. عندما ألتفت إليها كانت تجلس على كرسى من كراسى السفرة. تحملق بعينيها الجامدتين إلى صينية المسقعة و علبة السجائر و شئ آخر لم تره منذ ما يقرب من عشرين عاما. جلست قبالتها و عيناك تحملق بالمقروطة التى وضعتها على طاولة السفرة. بدأت نظراتك تتسلق يداها، لتصل إلى وجهها، همست محاولا إخراج ابتسامة مستحيلة:
- كيف حالك يا أمى؟
هل كنت تنتظر منها جوابا حقا أم أنك تريد إيهامنا بيقينك بالرد؟ هل تظن أنها ستجيبك قائلة فى محبة أم فقدت رضيعها:
- الحمد لله يا بنى العزيز.
ثم تقف لتحتضنك بكلتا ذراعيها ماسحة بيديها الصغيرتين على ظهرك و مقبلة إياك فى نهم و شوق يزيد على العشرين عاما، بل يزيد على سنوات عمرك بأكملها. ثم تقول لك و عيناها يملؤها الدمع:
- أهم شئ يا حبيبى أنك بخير حال و أنك تملك زوجة و ابن يملك أيدى جده.
هههههه. ها أنت قد بدأت فى التذكر، أم ترانا سنتخطى أبيك، أبيك الحاج خالد العبادى، أقوى و أشجع رجل رأيته أو حتى سمعت عنه، أشجع من عنترة و الهلالى. أتذكر….. أتذكر عندما عرفت كيف تكون الشجاعة واضحة كالتابوت! عندما وقف الحاج خالد العبادى أمام عائلة عكرش وحيدًا بالساحة المقابلة لجامع أبى بكر الصديق بقريتكم المجهولة هليوبوليس. وحيدًا.. كليث قتلت الأفيال قطيعه فألتهمته الضباع. كانت الشوم و العصى و الفئوس تنهال على أبيك الغارق بدمائه حتى أبواب الجنة. و أنت بعينيك التى يبلغ عمرها الخمسة عشر عاما تحملق بهم و كأنهم قد أفقدوك ذكورتك عندما فتكوا بأبيك.
الأب الذى لم يدافع عنه أى من مصلى جامع قريتكم، تركوه وحيدًا وسط العكارشة، لم ينجدوه، بل لم يكترثوا حتى بتأوهاته التى خرجت منه رغم محاولاته الجادة لقتلها فى المهد.
جريت لدواركم فلم تجد أحدًا. كان الجميع قد غادروا لرؤية جثة الأب. حملت ما أستطعت من نقود و ملابس تسترك من عريك ثم هربت إلى حارة خميس عدس بالقاهرة.
وقعت عيناك على الصورة المعلقة على الحائط خلف مجلس أمك، تأملت رسم برج بابل العملاق الذى يجمع بين السماء و الأرض، لاحظت لأول مرة سذاجة تكوين البرج الهائل الحجم مع الأشخاص المصاحبين له بنفس الرسم.
أردت أن تبتسم، لكنك رهبت يداها، أزاحت المقروطة جهتك، ثم تفوهت أخيرا بحزم و بصوت به بحة قد تناسيتها منذ زمن طويل:
- عليك بإتمام ما هربت منه منذ عشرون عاما.
و كأن الظلمة قد صرخت عندما نطقت، صرخت بضوء أبيض تجتاحه حمره مثيرة. أضافت ساخرة:
- هل كنت تظن أننى لن أستطيع العثور عليك؟
كنت تريد أن تخبرها أنها بالفعل لم تعثر عليك طوال عشرون عاما و أنه لابد من نسيان الماضى و أنك قد تزوجت امرأة هى لإلهة الحب أقرب و أنك قد أنجبت طفلا هو…… هو للجد أقرب.
و لكنك صمت و أنت تستمع للصوت الذى طالما أشتقت و حلمت به. صوت أنتظرته كالفرح و حاولت أستبعاده قدر استطاعتك كالموت، صوت جاءك من الماضى فلم يرحب حتى بتماثيلك الحية الجديدة – رابعة و أحمد –.
بعد أن غادرتك، أحاطتك المقروطة من كل الجهات، أخفيتها عن أهل بيتك و كأنها من ملحقات ماضيك المخفى عنهم و الرابض لهم.
ما أستغربته حقا فى يومك هذا هو أنك نمت بعمق حتى ما بعد الفجر بقليل، و أستيقظت فقط لأنك وقعت من فوق فراشك الواسع جدا و عندما طليت على الفراش وجدت زوجتك الحبيبة نائمة بأقصى الفراش من الناحية الأخرى.
صليت الفجر ثم تناولت المقروطة من مخبأها بالنيش الذى تعلوه صورة برج بابل. نزلت من بيتك لتجد السلالم قد نثرت عليها أوراق روزنامة يومية. تهبط من بيتك كهبوط آدم من جنته، لتجد قوالب طوب مرصوصة زوجين زوجين كمرمى بناه أطفال الحارة للعب الكرة، و عندما تنتبه أنك بدأت فى لعق أصابعك مرة أخرى، تخرج سيجارة و تشعلها.
كانت الشمس تحاول الولوج إلى حارة خميس المتمنعة، أوليت ظهرك للحارة و أنت تعرف جيدًا نتيجة محاولات الولوج تلك، فحارة خميس لا تستطيع الشمس الولوج إليها ابدًا.
صباح بارد، فالمطر قد هطل طويلا بالأمس حتى ملأ النافورة المعطلة بميدان ليلة القدر. تذكرت ملمس زوجتك الحنون كأوراق الشجر و خد ابنك الرقيق و هو بعد طفل رضيع. أستقليت عربة أجرة إلى قريتك و بالطريق نمت و كأنك لم تنل كفايتك من النوم طوال الليلة الفائتة. حلمت أنك بقارب لا يتسع لغيرك تحاول أن تجدف بمجداف وحيد و لكنك عندما أنحنيت أكتشفت أن القارب رابض بصحراء لا نهائية. حاولت الخطو على الرمال، لكنك عندما وضعت قدمك عليها أكتشفت أنها قد تحولت إلى ماء، فسحبتها مرة أخرى. أشار عليك رجل قصير جدًا و بلحية بيضاء طويلة جدًا بأن تحمل القارب و تمشى به. نفذت قوله، وقفت على الرمال رغم محاولتك الفاشلة السابقة، حملت القارب ثم مشيت به كأنك طاليس يحمل العالم فوق كتفيه. فجأه ثقل القارب و وقع من يديك لتجده قد امتلأ بالماء.
عندما صحوت كان النيل الوسيع بيمينك بينما الجبال المنصتة و اللا مبالية بشمالك. أصابع الشمس تحاول اللعب معك، تضربك بين الحين و الآخركلما أنحنى الطريق. فكرت فى سراي العمدة رضوان عكرش و الغفراء الذين يحيطون به. فكرت فى المصطبة التى يجلس عليها بعد صلاة العشاء. فكرت فى جامع قريتك الذى يطل على سراي العمدة. تحسست المقروطة و ……. اصطدمت بالمقعد الذى أمامك بسبب توقف العربة الفجائى. عندما عدت إلى توازنك، رأيت جذع شجرة ضخم ملقى كحاجز للطريق. و عندما بدأ عقلك فى إستيعاب الموقف، كانت الرجال تحيط بالعربة كإحاطة الغفراء بالعمدة، أمروكم بالخروج فخرجتم من العربة ببطء و حذر.
… الآن، هذا الرجل الملثم أمامك سوف يلمسك، ليس مثلما كانت تلمسك أمك بالصفع أو مثلما كانت تلمسك زوجتك رابعة بالتقبيل. بل سيلمسك كرجل يلمس غنيمته التى سيخمسها مع عشيرته. سيسرق أموالك و ملابسك و ربما يتركك عارى مثلما تركت من قبل.
… الآن، هذا الرجل يقترب أكثر، أكثر مما يلزم، و العربة قد توقفت مضطرة بمنتصف الطريق بين حارة خميس عدس و قريتك هليوبوليس. بين رابعة و رضوان عكرش. بين….. و بين…..
… ا .. ل .. آ .. ن…
… ترفع المقروطة لتطلق رصاصة منها على الرجل الملثم لتدفعه المفاجأة قبل الرصاصة مترين للوراء نازفًا. يهرول نحوك عشيرته فيضربوك و يأخذون المقروطة منك. تقع على الأرض بين فقد الوعى و اللا وعى. تحاول الدفاع عن جسدك.. نفسك.. مستقبلك أو حتى حياتك. و لكنهم يأبون موافقتك على الحفاظ على أى منهم. تسمع أصوات الساخطين عليك من مستقلى عربة الأجرة، ناعتينك بالجنون و تلوك ألسنتهم شتائم تخص رجولتك. يوقفوك الملثمون بصعوبة بسبب تكسر أضلعك و عظام أخرى. يخرج أحدهم نصل فضى يلمع فى ضوء الشمس كبدر مكتمل قد أنقشعت عنه الغيوم فجأة. يذبحك و كأنه يلون بريشة خط أحمر على رقبتك. تقع على ظهرك فترى الغربان تقف على أشجار التوت العارية من ورقها، بعدها تلفت نظرك طائرة نفاثة تمرق السماء تاركة خلفها خط أبيض يتلاشى كلما أبتعدت عنه. تحاول أن تستحضر وجه رابعة، فيحيلك عقلك إلى وجه أمك الشاحب و الغير مكترث كصورة الرقم القومى.
محمد سيد عبد الرحيم



8 سبتمبر, 2007 على 4:12 am
السلام عليكم
العمل جميل جدا يا محمد فقد استمتعت حقا .
والمقدمه جميل ايضا .
سلام عليكم.
مغمور علي الطريق
24 مارس, 2008 على 8:32 pm
شكرا للعمل..
راقتني فكرة القصة رغم الاطالة القليلة التي تتخلل الحكاية..
كما اعجبني التمهيد(يا بالع الظلال القادم من الكهف، أنا لم أقتل إنسانًا.
يا بالع الظلال القادم من الكهف، أنا لم أقتل إنسانًا.)
اهنئك على’امراة الضرورة’…انتظر المزيد …شكرا