بدأ الإنسان صراعه من أجل الحياة مع الرقص والصراخ والأغانى والرقى ومحاكاة مشاهدة الحروب التي يقصد منها أن تلهمه بقوة أجداده وانتصاراته على أعدائه سواء من الحيوان أو مظاهر الطبيعة كما كان يتوقع ، وبالطبع لم تكن هذه المظاهر تنتمي إلى الفن والذي لم يكن يحمل أي مسوغ لوجوده ، بل كانت تنتمي إلى عالم السحر ..
إنها جزء من واقع ميتافيزيقي غامض وعقيم لكنه منسجم مع الحياة…
حينما شرع البشر في نقش تخطيطات الحيوان على جدران الكهوف ، فإنهم كانوا يهدفون بذلك إلى حماية أنفسهم ، وحين قاموا بنحت أقنعتهم الأولى ، فإنهم كانوا يسعون إلى إضافة شكل على وجههم الداخلي أو إلى خصائص دورهم في الظاهر، أي أنهم يحاولون بذلك أن يفصحوا عن مظاهر غرائزهم الأكثر غموضا ..
فالغاية الأساسية لهذه المحاولات أذن لم تكن الفن
بل التأثير بصرف النظر عن الفن الذي يشتمل عليه الإنجاز التقني لهذه الفعال السحرية.
السلوك الإنساني إذن مؤلف من إيحاءات وأغان وإيقاعات ورسومات وأقنعة ومنحوتات ومختارات من العطور ؛ ورقى مصحوبة بالطبول والأجراس.
حالات من النشوة التي لا علاقة لها بالأدب بالمفهوم الأكاديمي والتقني ،
يبد أنها ترتبط كليا بالإنسان ..
الفن والأدب يكتملان في محاولة تقليد وإعادة خلق هذه الضروب من السلوك البشرى ،
ولو سألنا أنفسنا عن كيفية ولادة الفن والأدب في داخلنا وعن الشيء الذي نسعى بهما لإعادة خلقه فإننا بصدق سوف نميل للإجابة غريزيا ،
فحين تصل الفنون والآداب إلى حواسنا فأنها تقوم بإشباعها الواحدة تلو الأخرى ،
وعلى سبيل المثال فقد نكون مصابين بالصم ونتذوق الرسم ،
أو بالعمى ونتذوق الموسيقى والشعر ، بل إننا كثيرا ما نغلق أعيننا لنسمع بشكل أفضل ونندمج مع ما نسمع بشكل أفضل.
إن الحياة لدى إعادة خلقها من جديد على يد الفنان تصل إلينا بشكل متخصص وربما عبر حاسة واحدة ، وعلى العكس من ذلك الحياة الاعتيادية التي تتمثل العالم الخارجي بشموليته في وقت واحد وعبر جميع الحواس ، ليس ثمة عصب واحد فينا لا يؤشر نوعا من الاحتكاك،
وإذ يمسنا العالم الخارجي على هذا النحو فإننا نشعر في الوقت نفسه بكل الجوانب المختلفة لحياة داخلية :
ذكريات ماضينا ،
غليان دمنا ،
سيل لعابنا ،
طقطقة مفاصلنا ،
شدة تنفسنا
ولو ركزنا اهتمامنا على أي من هذه اللحظات في الحاضر التي يمس فيها العالم الخارجي باستمرار عالمنا الداخلي ، لأدركنا على الفور بأن وراء ذلك الخليط من الضجيج والمشاهد والأصوات البعيدة شيئا من الهمس الخفيف الذي يضفيه الحاضر المتغير أبدا على الصمت ..
نعم الصمت ..
هذه اللفظة التي توحي؛ بل وتبعث على الاختناق والخوف .
المدركات تملؤنا رعبا ويستبد بنا القلق وثمة طريق واحدة للنجاة من هذه الحالة الرهيبة
هي تحطيم هذا الصمت ،
لذا ننغمس في الكلام والضوضاء والنقاشات من مختلف الأنواع ،
إننا نحاول أن نحس بالحياة لنبعد عن الموت ،
وإذا كان الفعل غير كاف فإننا ننغمس في الانفعال ،
وإذا كان الشيء المحسوس في الحياة هو الحاضر ، فإن هذا الحاضر يقع دائما بين شئ لم يحصل بعد ، وشئ تحقق توا وفي حالة صيرورة دائمة ،
وإذا جاز التعبير فليس ثمة شئ حقيقي يكون خارج هذه اللحظة.
إن هذه الفكرة مخيفة بشكل ما ، وعليه فليس مستغربا أن نصرخ مكابرة لنغطي خوفنا ،
ووفق هذا المنظور فنحن في حاجة دائمة إلى الدراما كضرورة إنسانية لنعيش الحياة ..
فالحاضر هو الومضة السريعة الزوال والتي نحن انعكاس لها ولابد أن تمتلئ هذه الومضة بالحياة والصراع.
لو تسنى للإنسان أن يكون أداة جديرة بالفن فإنه سوف يكون خير وسيلة اصطناعية لملء حياة الحاضر؛ لابد من ترجمة الإحساس الذي يشعر به الإنسان في حياة الكون.
لابد من قذف الإنسان في الفضاء
الفرد في العالم ،
ولهذا تكون الدراما بالأساس صراعا بين الفرد والمجموع ،
بين القوة الخارجية والداخلية
ومن ثم يتحول هذا الإحساس حسب مزاجه أو روح الدعابة لديه إمّا إلى دراما ميتا فيزيقية
أو سماوية متناغمة ؛
ولأجل أن يطمئن نفسه فانه سوف يلجأ إلى هذا الصراخ أو الصفير
أو سرد حكايات أو أداء رقصات ..
وإذن فسوف يتبنى الإنسان نهجين من السلوك ، كلاهما تمليه عواطفه إمّا يحوله إلى شئ سماوي بوسعه أن يواجهه- تراجيديا-
أو يتظاهر بالتجاهل وينغمس في ضروب المتعة وتلك هي –الكوميديا –
وقد يزدهر الفن بانفصال الدينوي عن الديني
ويمكن إيجاز القول بأن الفن والأدب هما المصل الذي ابتدعه الإنسان للدفاع عن نفسه بغية التصدي للعزلة والركون للإنزواء، فهو يحقن نفسه بمصل المرض الذي هو الألم ليعيد العافية لنفسه.

بقلم/ محمود عبد الصمد زكريا
شاعر مصري
عضو اتحاد الكتاب
ج م ع - الإسكندرية