إن أول ما يلفت انتباهنا فور أن نطالع ديوان “الأمر” للشاعر ” كريم الصياد ” أن الذات كثيرًا ما تضع نفسها في جدلٍ دائمٍ مع العالم ومفرداته، وقد يكون السبب في هذا الطرح الجدلي أن الذات الشاعرة تعاني الاغتراب بين العديد من الثنائيات التي تشغل حيزًا كبيرًا من هذا العالم.
ولقد قصد الشاعر -حين اعتمد الثنائيات- إلى خلق أفضيةٍ عديدةٍ تهدف إلى تنوع الرصد الشعري وتَجَنُّبِ الانحياز إلى أداةٍ أحاديةٍ من أدوات الرصد. إنه يود أن يتجول ما بين الوعي واللاوعي، الزمان والمكان، الذات والموضوع.
بالإضافة إلى ذلك فإنه لم يختر أي ثنائية وما يقابلها فقط، وإنما انحاز إلى تلك الثنائيات الجدلية “الدياليكتية” إيمانا بالمبدأ القائل بأن الضد يُظهر حسنه الضد، وهي نزعة صوفية تأثر بها الشاعر، وقد ظهرت في قوله: الناس ناموا، وامّحوا/ حتى إذا ماتوا صحوا وقد خلق من خلال هذه النزعة الصوفية نوعًا من الرصد المغاير، ومن ثَمَّ يقوم بتحليل ما رصد.فعلى سبيل المثال لم يستوقفه الوجود “كمفهوم موضوعي خارجي” وإنما تغلغل برصده إلى الانسجام والاغتراب “كمفهومين ذاتيين داخليين”.
وسطوة الثنائيات هذه سوف تصل بالشاعر إلى أن يلجأ كثيرًا إلى ما يُسمى بالانزياح الشكلي والمضموني في آن. وذلك بسبب انسراب التوتر والقلق إلى الذات الشاعرة، ومن ثَمَّ إلى كل معارفها. والتوتر والقلق -وهما وجهان لعملة واحدة- هما سببٌ ونتيجةٌ لموقف الذات الشاعرة وجوديًا، فهما يدفعان الذات الشاعرة إلى أن تطرح رؤيتها المعرفية بطريقة متوترة وقلقة، فتعمد -بغرض الكشف- إلى الاستناد إلى رؤيةٍ تحليلية لمعارف الذات الشاعرة وموقفها الوجودي، مما يجعلنا في مواجهةِ ثنائيةٍ أخرى أعم وأشمل من ثنائية الشكل/ المضمون، وهي ثنائية الذات/ الموضوع وما بينهما من توتر وقلق.
وقبل أن نعرض إلى كل ثنائيةٍ -على حدة- بالتحليل نود الوقوف أولاً عند عنوان الديوان، إذ أن للعنوان أهمية بالغة التأثير في السياق التحليلي. وهو أول مفتاح أسلوبي يقوم بتكثيف المحتوى كما يقوم ببنائه وتفكيكه في آن. علاوة على أنه يعد أحد المؤشرات النصية الدالة، وهو علامة إجرائية تهدف إلى مقاربة النص. وكما عبَّر عنه “جيرار جينيت” فهو عتبة النص التي نستطيع من خلالها أن نقوم باستكناه بنياته التركيبية والدلالية والرمزية.
فعنوان الديوان هو “الأمر” بأل التعريف. وقد انطبع العنوان بطابع تقريري. وللوهلة الأولى يظن القارئ أن هناك أمرًا ما محددًا قد انكشف للشاعر، وأتى الشاعر بدوره ليكشف للقارئ عنه. فوق ذلك فإن “الأمر” في ثقافتنا الإسلامية له الكثير من الدلالات التي تُعظِّمُه، ففي القرآن الكريم كثيرًا ما نقرأ قوله تعالى: قُضِيَ الأمرُ وإلى الله تُرجعُ الأمور، وقوله تعالى مخاطبًا رسوله: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. وقوله تعالى: حتى إذا فشِلتم وتنازعتم في الأمر…، كما أن الأمر يأتي بمعنى الملك والحكم، والملوك والحكام هم أولو الأمر والأمراء.
إذن فإن أمر هذا الديوان جدُّ خطير، إذ أن الشاعر وضع نفسه في رهان صعب، وذلك لأنه سوف يتحدث في شيء يرجع إلى ثابتٍ دلالي عند القارئ، والشعر لا يرجع إلى ثابت. وبذلك نظن أن الشاعر قد وقف عند ثنائيةٍ أخرى، ولكنها في هذه المرة تخص الرؤية والتناول الشعريين. فالمادة التي استهدفها الشاعر مادة تراثية وثابتة في المقام الأول، لذا فيجدر به أن يُعيد تشعير هذه المادة وفق تناولٍ حداثي.
وإذا انتقلنا إلى عنوان القصائد بالتحليل -بعد معرفتنا بأهمية العنوان- فإننا سنلحظ أن أغلب قصائد الديوان لها عنوانان: أحدهما إجمالي جامع، والآخر تفصيلي تخصيصي، فعلى سبيل المثال نرى القصيدة التي تم عنونتها بـ “سفر التكوين”لها عنوان تفصيلي آخر، وهو “مادة رحمية”، كما نرى القصيدة التي تم عنونتها بـ “سفر الخروج” لها عنوان آخر وهو “مادة أرضية”.
وبعد أن نفرغ من أمر العناوين نجد أن الشاعر قد أولى اهتمامًا خاصًا بحالة الجنينية التي تتصدر الغلاف والقصيدة الأولى من الديوان “المقدمات”. وحالة الجنينية تلك التي يترصدها الشاعر نراها تمثل عنده الخلاص المتجسد في عدم الانحياز لأية فكرةٍ بشرية، ليس هذا فقط. وإنما حالة الجنينية تجعل الشاعر لا ينتمي لا إلى البشر ولا إلى الآلهة ولا إلى الأحياء ولا إلى الأموات. وذلك باعتبار أن الجنين هو الخلقة التي لم تكتمل ولم تظهر ملامحها بعدُ. ففي قصيدة “سفر التكوين- مادة رحمية” يقول الشاعر:
تحملني لأصيرْ/ وأنا طورًا طورًا في التحويرْ/ أتأمل بشرًا لا يدرونْ/ أن هناك شخوصًا مثلي/ ليسوا آلهةً أو بشرًا/ ليسوا أمواتًا أو أحياءْ.
وتفضيل الشاعر لحالة الجنينية تلك تجعله في مأمن من أن يتعرض إلى ما يتعرض إليه من نزلوا إلى الحياة، وعن هؤلاء يقول الشاعر في قصيدة “سفر الخروج- مادة أرضية”:
كانت سويعات الحياة تفر منهم في جنونْ/ وتشوّهتْ أشكالهم في كل ماءْ/ كانت غيوم نهاية الأشياء تلتهم السماءْ/ وتقطّر المطر المسوَّد في العيونْ.
إذن، فإن الجنينية تعبر عن موقف ضدي من الحياة، وهو موقف وجودي يتغلغل داخل جلِّ قصائد الديوان. إذ أن هذا الموقف الوجودي يجعل الذات الشاعرة في تصد دائم لما يطرحه العالم عليها من ماهيات قلقة، فكثيرًا ما يناقش الموت والحياة وما بينهما من حيوات صغيرة تؤثر في بنية الإنسان الوجودية: ففي قصيدة “سفر التثنية” يقول الشاعر:
يؤلمني في الموتْ/ عريي أمام الناظرين قبل تكفيني/ لا ثوبَ يخفي عورتي/ ولا الدماء تكفيني.
ثم يستطرد بعد ذلك في القصيدة نفسها قائلاً:
تؤلمنا حياتنا بلا سماءْ/ وموتنا بلا سماءْ/ وضحْكنا بلا سماءْ/ بكاؤنا بلا سماءْ/ تؤلمنا السماءْ/لكي نفرّ دومًا من سماءٍ../ لسماءٍ../ لسماءْ .!
وبعد أن يحاصر القلق تلك الذات الشاعرة تلجأ إلى من هو أصلب عودًا منها وأقوى على مواجهة الأسئلة الوجودية والإجابة عليها، وأول من يلجأ إليه الشاعر هو الأم التي تساعد الذات الشاعرة على إكمال كل شيء، وذلك لأننا نظن أن الأم هي أصل كل شيء، كما هي المنبت الأكثر ضمانًا وإليها ترجع كل الأمور ..
ففتحتُ عيني كي أراني في ابتساري/ كالجنين مُكسّرَ الأعضاء أنهض في انكساري/ ثم أترك راحتي في كف أمي../ تكتملْ .!
كما نلحظ أن الأم تشارك الذات الشاعرة عشق النور والخوف من الظلام؛ ففي قصيدة “المقدمات” نرى الشاعر يقول:
الظهر أشرق كوكبًا/ يجري إلى الصالونِ/ يلعب في نواحيهِ/ يضيعْ/ فوقفتُ أرمق صورتي،/ أكملتُ -فيما أستطيعْ-/ شكلَ الكيان المرتَجَلْ.
أما في قصيدة “لا آلهة ولا بشر” نرى الشاعر يقول:
أمّي العذراءْ/ لا تمشي فوق الأرضْ/ أو تحت سماءْ/ تعشق حبات النور/ ْتخشى الظلماءْ/ والظل المقرورْ.
ولعل عذرية الأم توحي بصفة ما تنسحب على الابن/ الشاعر. وأول ما تستدعيه عذرية الأم من دلالات أن الابن قد يكون مسيحًا يتحمل خطيئة البشرية ويلقى مصير من أتى للبشرية بالإيمان، ولكن الشاعر لا يأبى إلا أن يكون أكثر إيمانًا بالمفارقة، وتكون معجزته هي الغرق لا النجاة، يقول في قصيدة “سفر الانعكاس”، في النص المعنون بـ “سطح الماء”:
معجزتي أني أغرق في الماءْ/ ما جاء نبيٌّ إلا ومشى فوق الماءْ/ لكنْ معجزتي غرقي.
بالإضافة إلى ذلك فإن صورة الأم تستدعي من الصور التراثية الصورة الأقرب إلى مساندة الأبناء وتحمل الآلام من أجلهم، وبذلك كان من الطبيعي أن يتم استدعاء صورة خديجة بنت خويلد في تلك الحادثة الشهيرة التي قامت فيها بمساعدة محمد بن عبد الله حين نادى دثرورني مرتعبًا من هول ما رأى في غار ثور، ففي قصيدة “سفر أخبار الأيام الثانية- الأمر”:
أمدّ يدي من ظلام المخاوفْ/ كي تناولني يدها،/ أو تدثرني برداءْ/ فأرى مخلبي/ تتقاطر منه الدماءْ.
ثنائية الذات /الموضوع وعلاقتها بالمعرفة:
أما بالنسبة إلى البنية المعرفية التي تحتفي بها الذات الشاعرة فيتم طرحها -على طول الديوان- على مستويين نقيضين، فتارة نرى الذات الشاعرة تفتقد تلك البنية المعرفية، وتارةً نجدها تُلقي علينا معرفتها المطلقة بأمر من الأمور..
ففي الفقرة المعنونة بـ “الأجراس” من قصيدة السفر الناقص” -ولنا أن نقوم باستكناه ما يحمله العنوانان من دلالات- نرى الشاعر يقول:
وحدي أنقّب في الخفاء عن الظهورِ،/ وفي الظهور عن الغيابْ/ فقط الدموع بلا انتحابْ/ فقط الدموع تعيد للعين التي نظرت إلى غدها التماعاتِ الثقةْ.
ولكننا حين ندقق النظر في أمر تلك المعرفة نجدها ذاتية في المقام الأول مغرورقة بالدموع. وحين يطمح الذاتي إلى أن يقف مع الموضوعي وقفةً متساوية ليكونا في المنظومة المعرفية كفرسي رهان نرى الذات الشاعرة لم تأخذ موقفًا ذرائعيًا من تلك البنية المعرفية، وحين تحاول الإجابة عن أمر ما فإنها تقف حياله صامتةً، ففي المقطع الرابع من الفقرة نفسها من قصيدة “السفر الناقص” يقول الشاعر:
صحت : اصمتوا، فلتصمتوا،/ لكن_وقبل الصمت_لا تنسوْا جميعًا/ أنني….!
إن الذات الشاعرة لا تقوم بعقلنة بنيتها المعرفية عن طريق نقد الفكرة أو تفكيكها، (وذلك لأنها تؤمن في قرارة نفسها بأن المعرفة الأسمى هي معرفة الذات بالموضوع)، ولكن حينما تقوم الذات بإخضاع بنيتها المعرفية تلك إلى الموضوعي Objective فإنها تكتشف فراغه، ولكنه ذلك الفراغ الذي يسطو ويحكم من سطوته على الذاتي Subjective فيفقده يقينيته ويصيبه لا بقلق وجودي وهو سمة أساسية من سمات الذات الشاعرة، وإنما يصيبه بالخواء وانعدام القدرة على الإجابة عن أمر من الأمور، يقول الشاعر في قصيدة تجسيدات نصفية:
كل شيءٍ يذوب يقلّ، يقلّْ/كي يضيق الفؤاد بما رحبهْ/ ثم كان الفراغ، وكان/..وكان../ الفراغ يبوح بما حجبَهْ/حين أبصرت شيئًا به، لم يكن هيَ .. لا../ لم يكن هيَ../ بلْ ….!
لم تعد الذات الشاعرة قادرةً على الاحتفاظ بكينونتها حين تكون في مواجهة مع الواقع، وبذلك فإن امتلاك المعرفة أو فقدانها لم يعد ميزةً في حد ذاته، وإنما الميزة الحقيقية تتجلى في تجربة الوجود نفسه، يقول الشاعر في قصيدة يوم الظلام:
قلتُ إن الظلام سيأتي،/ ونبصرهُ../ من شروخ السما../ يتسرّبْ/ ثم يقطر فوق البيوتْ/ حين يأتي أموتْ/ أتغرّبْ/كنت أول من قص للناس عنهُ،/ وأول من أبصر الشرخَ،/ أول من غاب فيهِ.
وفي حالة خضوع الذاتي لما هو موضوعي قد تصاب الذات بما يُسمى بالعدمية، تلك العدمية التي تجعل من الاحتفاء بالمعرفة ضربًا من المًحال. ولكننا بقليل من التدقيق نرى أن الحصول على المعرفة ليس عدمًا مطلقًا، فالعدمي لا نستطيع أن نصفه إلا بالعدمية، وذلك لأنها -أي العدمية- لا تمتلك صفة فيزيائية تحددها وتصورها، فالعدمي ليس له مكان ولا زمان في الوقت الذي حدَّد فيه الشاعر المعرفة بأنها بعيدة. ففي النص الرابع من حفريات الجنس البشري يقول الشاعر:
بصرف النظرْ/ عن سطور القصيدْ/ وما استغرقتْه كتابته من سهرْ/ أقول بدون مزيدْ :/ أيا ناظرًا لا تهم بصرف النظرْ/ تعلمْ حقيقة أن جميع الذي يستحق مشاهدةً/ سيظل _ومهما اقتربْتَ_بعيدًا، بعيدًا/ بعيدْ .!
وفي النهاية نود أن ننوه عن أننا شعرنا خلال قراءتنا للديوان بقليل من التداعي الذي ظهر في بعض القصائد والذي نظن أن سببه هو قلق الذات الشاعرة من أن تُهمل شيئًا أرقَّها ولم ترصده، هذا على النقيض من أن القافية قد جذبت الشاعر بإيقاعاتها المقيدة فقيدت المعنى وبترت الحالة الشعرية، وأفقدت الصوت قدرته من أن يمنح الحالة والمعنى صورتهما الحقيقية. ففي قصيدة “سفر التثنية” يقول الشاعر:
هذي محابر الأقدار تنسكبْ/ تثور، تغتربْ/ ثم تقرُّ، تركدُ/ وتنتفخْ.
وحبذا لو قال : تنسكبُ بضم الباء ليمنح الكلمة حركة الحدث.

الشاعر/ محمد منصور