الظاهرة السيزيفية في ديوان ” تعود أن تموت ”
مدارات أدبية 1 نوفمبر, 2007دراسة: كريم الصياد
لديوان (تعود أن تموت) للشاعر عادل محمد

ملخّص:
تعتمد هذه الدراسة المنهج الفينومينولوجيّ لتقصّي الماهيات الأساسية التي يطرحها الديوان ، وأعمّ هذه الماهيات هي”السيزيفية”العبثية ، تقوم الدراسة بوصفها في الخبرة الشعورية الفردية والجمعية تارةً ، ثم في خبرة الشاعر في ديوانه تارةً أخرى ، وتتناولها بالتحليل إلى عناصرها مع بيان انعكاساتها النصية في موضوع الدراسة ، وفي الختام يتم طرح بعض الأفكار الرئيسية عن مستوى الظاهرة والرؤية في عمل الشاعر .
كلمات مفتاحية:
المنهج الفينومينولوجي Phenomenological-الاستبطان Introspection –سيزيف Sisyphus -العبث The Absurd .
1-تقديم:
بعد صدور الديوان الرائع”تعودْ أن تموت” للشاعر المبشّر بما هو أروع”عادل محمد”يجب تخطي مرحلة الانطباعات والتصفيق والإعجاب المباشر ، ومن ثم التحول إلى الدرس المنهجي للنص ، لا سيما وأن الدرس المنهجي شكلٌ آخر من أشكال القراءة والتلقي ، قد يثمر عن خبرة مستجدة تحمل من الرؤى والدلالات ما يصعب اقتناصه من القراءة الأولى المباشرة .
والمنهج المستخدم هو المنهج الفينومينولوجي(الظاهرياتي) ، والذي يُستخدم للقبض على الماهيات عن طريق الوصف الموضوعي للخبرات الشعورية(1) ، وهنا تتحول معطيات النص إلى معطيات للشعور يتم وصفها اعتمادًا على خبرة الاستبطان Introspection المتولدة لدى معاناة الذات للموضوع ، واعتمادًا على الخبرة بين-الذاتية Intersubjective التي يمكن بالرجوع إلى علائقها الشبكية فهم معاني المعطى النصي بين الذوات في مجال الحس المشترك ، ومن ثم يمكن الانتهاء إلى معاني الماهيات الأساسية التي تتجادل معها أو تعاني منها أو تشعر بها الذات الشاعرة .
واعتمادًا على هذا المنهج يصل الدارس إلى جوهر بناء النص ، ومبرر خلقه ، وغايته التعبيرية ، ومرماه النهائي ، وهو منهج يفيد الدارس كثيرًا حين يتعلق الأمر بديوان من نوع”تعودْ أن تموت” ، فهو ديوان لا تحكم كتابته-وبالتالي قراءته-النزعة البنائية ، التي تركّز على الكل في إبداع وتلقي الجزء ، فلا يُفهم معنى القصيدة الفردة إلا (مع) مطالعة ما خلاها وما تلاها ، وهذه المعية معية زمانية يتم فيها فهم رؤية الديوان ككل في آنٍ واحد ، أي أن العلاقة بين قصائد ديوان من هذا النوع علاقة تزامن Synchronism ، في حين أن الديوان موضوع الدراسة واضحٌ من اللحظة الأولى أنه ديوان غير تزامني ، تحكمه نزعة التتابع Diachronism ، أي أنه من الممكن كتابة وقراءة كل قصيدةٍ منه على حدة في انفصالها عن أخواتها ، على أن الظن الغالب أن كل ديوان يتمتع-في شعور أو لاشعور كاتبه على الأقل-بوحدة نسيجية تم على أساسها إدراج قصائده وجمعها بالكيفية والترتيب الذين تظهر بهما في النهاية ، ومن هنا تأتي جدوى هذا المنهج بالذات الذي يكشف عن جوهر هذه الوحدة حين يسير عكس التيار ، في حركةٍ أشبه بالتمشيط .
2-فكرة العبث(السيزيفية):
هي الظاهرة الأساسية التي يمكن رصدها لدى مطالعة هذا العمل تفصيلًا وإجمالًا ، وهي التي يمكن وضعها على قمة هرم الظواهر الباقية لو صُنفت الظواهر رأسيًا وهرميًا ، وهي البادية في عنوان النص”تعودْ أن تموت” ، إذن فالذات لا تموت ولا تحيا ، أو لا تحيا حتى تموت ، ولا تموت حتى تحيا ، والحياة من أجل الموت لا قيمة لها ، بالضبط كما أن الموت المتكرر للأبد مجرّد تناسخ لا معنى حقيقيًا له ، ليس نهاية سعي ولا تحصيل مسعَى ولا تصفية حساب ، “تعودْ أن تموت” لأنك من بعد الموت تموت ، “تعودْ” حتى تفقد إشفاقك منه ، ويصير كل شيءٍ لديك ككل شيءٍ لديك ، وهو إمعانٌ في العبثية ، وانطلاقٌ منها ، وإليها .
وتتحدد فكرة العبث في الشعور كما يلي :
أولًا : اللامعقول Non-rational : فنحن نشعر بأن العبثيّ هو اللامعقول أي: جامع المتناقضات ، الذي لا معني له ، الذي لا يقرّه عقل ولا عاقل ، المعبّر عن حالةٍ من اللامنطقية بأكثرَ مما يعبّر عن حالة القصدية في الفعل السلبي أو القرار الخاطئ .
ثانيًا : الضياع واللاتناهي Loss and Endlessness : فنحن نشعر بأن العبث ضياع بلا هدف ولا قرار ، حالة من الانقذاف كانحدار حجر من قمة جبل ، وهو اللاتناهي أيضًا ، فالنهاية Endتحمل معنى الهدف ، وفي اللاتينية Causa Finalis : هي العلة الغائية وتُترجم كذلك : العلة النهائية ، فبدون تصور محدد عن الهدف لا توجد نهاية للطريق ، فقط السير والتعب أو التوقف .
ثالثًا : القيمة السلبية Negative Value : فنحن نشعر أن العبث إشارة سالبة إلى كل ما يُشار له به من المعارف والسلوك ، وذلك في مقابلته مع المعقول أو المثمر ، فالعبثي لا قيمة له ، وما لا قيمة له تكون له قيمة سلبية بالمقارنة مع ما له قيمة إيجابية .
رابعًا : عدم النضج Immaturity : فنحن نشعر أن العبث شكل من أشكال الطفولة واتخاذ الحياة هواية أو أمرًا واقعًا دون تقرير مصير ، ونشعر في المقابل أن النضج حالة من القدرة عل اتخاذ القرار و على فعله ، وشعور بالمسئولية تجاهه ، وأنه حالة من احتراف الحياة وفهمها والاستفادة من خبراتها في اختيار المآل .
خامسًا : العدمية Nihilism : فكذلك نشعر بأن العبث حالة من الكفر بالقيمة والحقيقة ، ومن هنا يوجد مستويان للعدمية : الأول هو المستوى القيمي Axiological : لا فارق واقعيًا بين الخير والشر ، أو بين الحق والباطل ، أو بين الحَسَن والقبيح ، الثاني هو المستوى المعرفي Epistemological : لا فارق بين الحقيقة والوهم ، أو بين الواقع والزيف ، العبث حالة من تماهي القيم ، وتداخل الرؤى ، وعدم القدرة على الحكم أو الاختيار .
3-تجليات الفكرة:
تظهر الفكرة بطبيعة الحال في الديوان ككل ، ولكن التعبير العام عنها في ذاتها تم في ثلاث قصائد تجتمع من تحليلها العناصر السابقة ، وذلك فيما يلي :
1-3 : تعودْ أن تموت :
هذه القصيدة هي التعبير الأكثر بلاغة في الديوان عن (فكرة) العبث ، في حين أتت”سيزيف”معبرةً عن (موقف) العبث .
“تعود أن تكون لديك..ككل الأخريات لديك” ، تعود حالة من التماهي ، واللامبالاة ، والعجز عن تمييز الواقع ، “كأن العمر كان سدًى” فالعمر بلا هدف بعد ضياع الحلم-الحب ، وكل ما مضى منه صار بلا جدوى بعد أن ضاعت غايته ، “زرعتَ ربيعه عشقًا ليسقط في الخريف عليك” فهو عبث لا طائل من ورائه ، وكل ما يُخلق فيه يموت ، وكل ما ينمو ويصعد يسقط ، في حركة سيزيفية(أعلى أسفل أعلى أسفل…) ، “بعمرك كن حياديًا..”فما دام لا تمييز فلا فارق ، وما دام لا فارق هنالك فلا انحياز .
ولغة القصيدة ذاتها لغة محايدة ، لا انحياز لها ، مما يذكّر(بالغريب)لألبير كاموAlbert Camus (2) ، يتضح ذلك في عمليات إنكار الشبه ، وإسقاط قرائن التباين من جهة : (تكون/ككل) ، (أنها/أخرى) ، وكذلك جمع الضد والضد ، والمثبت والمنفي بشكل لا منطقي ولا معقول من جهة أخرى : (زرعتَ/ليسقط) ، (قد كان/سوف يكون) ، (سوف يكون/ما لم بينكم يكن) ، (الغافل/الفطن) ، (زفافها/غنِّ) ، (له/عليك) ، (أن تموت/لكي تعيش) ، (لكي تحب/ ولا تحب) ، وإن كان النص يلوّح بثغرة لكسر الدائرة العبثية في نفي النفي”تعود لا تكون لديك عادة” ، والظن الغالب أنه لم يقصد بها ذلك وإنما جاء بها الشاعر للمبالغة في إظهار التناقض ، في النهاية تُختم القصيدة بالبتر وتناثر النقاط .
وتتضح مما سبق عناصر(اللامعقول) و(العدمية) .
2-3 : سيزيف :
أسطورة سيزيف هي التجسيد الدراماتيكي لفكرة العبث ، وربما ظلت هي التعبير الأصدق والأشمل والأدق عنها من بين مجموع التراث الفولكلوري والميثولوجي العالمي ، لدرجة أن أدب العبث يُؤرَّخ لبدايته أحيانًا بعام 1942م ، عام صدور(أسطورة سيزيف) Le Mythe de Sisyphe لألبير كامو فيلسوف العبث الوجودي .
وهذه القصيدة على عكس سابقتها ، لم تُوظف لغتها لخدمة فكرتها ، فاللغة إيجابية فعّالة منحازة ، ولكنها وهي كل ذلك تؤكد على عبثية الحياة ، والمقصود هنا الحياة في المجتمع بمعطياته المباشرة والحاضرة ، فهي عبثية مجتمعية لا عالمية ولا إنسانية ولا ميتافيزيقية ، “للاحبيبة ، لاوظيفة ، لاسفَر” ، الشاعر على وفاقٍ مع القوى التي تحكم الكون ، وواثق مطمئن إلى وجود ناموس عام ينصلح به حال البشر ، غير أن الطريق انحرف بمجتمعه فحسب ، فالانحراف عنه أمر عارض غير جوهري ، والعودة إليه قد تكون ممكنة .
وتتضح في هذه القصيدة جميع عناصر العبث .
3-3 : صفراء اليمامة :
“يحدث أن أتضجر بالأشياء وبالإنسان” الضجر نتيجة التكرار ، والتكرار نتيجة الدوران في دائرة مغلقة ، وهو ضجر من كل شيء مع استخدام أسماء الأجناس بأل التعريف ، الطبيعة ذاتها تفقد معناها وتتحول إلى مجرد صور مكررة لا حياة فيها”يحدث أن يطلع القمر على أسراري ليس لشيءٍ إلا أن القمر جميل ، أن يختلق النجم طريق الصاري ليس لشيءٍ إلا أن النجم دليل ، أن تنساب الشمس على أسفاري ليس لشيءٍ إلا أن الشمس تميل”وهو تحصيل حاصل متكرر ، القمر جميل والنجم دليل والشمس تميل ، هذا مفروغٌ منه ، ذلك فيما يتعلق بالأفلاك رمز النظام والسيرورة بالحسبان ، ورمز الزمن فهي لغة الوقت بالنسبة للبشر ، كل هذا مع البحر والشاطئ والحبيبة والناس مسرحية كونية “عرْض الساحر كل مساء” ، وهي مسرحية لا جمهور لها ففقدت معناها”ليصفق عند الفجر إليكِ وهمٌ آخر” ، وهي مسرحية متكررة الهدف منها التكرار ذاته”ويعودون لهذا العرض..ويعودون لهذا العرض..”بلا نهاية ، وتختتم القصيدة بنقاطٍ خمس .
وتتضح ها هنا أغلبية العناصر العبثية ، فالمسرحية لا جمهور لها وهو تناقض ولامعقول ، والتكرار والدوران يدلان على اللاتناهي ، والضجر يُوحي بالقيمة السلبية للموقف ، والدوران والعرض السحري يوحي بافتقاد الهدف والعبث الطفولي وتفاهة العالم .
4-تحليل الفكرة إلى مركّباتها(مركّب الـ-سيزيف):
هذه الفكرة الأساسية المسيطرة على الديوان إنما تتركب من عناصر أربعة :
1. الصخرة: التي يدفعها سيزيف في صعوده ، فتهبط كلما صعد بها .
2. الجبل: الذي يصعده بالصخرة على قمته .
3. سيزيف ذاته: الذي حُكم عليه بهذا العذاب الأبدي .
4. زيوس: الذي عاقب سيزيف بهذا على خطاياه .
ويجري تحليل ذلك كما يلي :
1-4 : الصخرة :
الصخرة هي الحلم : “هل حان يا سيزيف للحلم الحجر أن يستقر؟” ، “يصرخ الحلم الصغير ، يشد طرف ثياب أمنيتي” ، “يمر العام تلو العام تفقد بشرتي شيئًا وتفقد رغبتي أشياء ، أقاسم حلميَ الحلوى وفرحًا زائفًا ودعاء” ، “ويبكي حلميَ الجالس” ، “لا شيء إلا الحلم إلا الحلم إلا الحلم..” ، “العيب في الأحلام أم هذا الجبل؟” ، صعودٌ وسقوطٌ آبدان .
الصخرة هي الحب : “الحب لا يبقى إذن ما دام لا يكفي الرمق ، الحب كالفكر الذي إن لم يجد سطرًا أبق” ، “ستعيده للأرض آلهة البشر للاحبيبة..” ، “إني أحبكِ غير أني حين تعتزمين خطوكِ نحو قلبي يستدير بيَ المطاف” ، “أقسمت بعدكِ لن يُرى حبٌ جديد” ، “تعودْ أن تموت لكي تعيش لكي تحب ولا تحبـ ..” ، المحب واللاحبيبة ، خطوات الحب واستدارة المطاف ، الحب واللاحب .
الصخرة هي الوطن : “وطنٌ يعلم أهله أن يكرهوه” ، “وجهها المنثور فوق قصيدة الوطن” ، “يا بني كفى تهاجر” ، “هل سل منه الدمع موت زهيرةٍ بفم الفرات ، أو انتهاك الورد في أرض الخليل ، أو ارتعاش الأَرز بين شقيقتين هما على وشك الخطر؟” ، الوطن الذي علم الكراهية لأبنائه ، فهجروه ، ولا يسل منهم دمعًا انتهاكه .
هذه الأعباء السيزيفية هي التي يدحرجها الشاعر صاعدًا ، الحلم والحب والوطن ، فيعود كلما صعد إلى واقعٍ مرير ، وقلبٍ كسير ، واغترابٍ دائم .
2-4 : الجبل :
الجبل طريق الشاعر ، وللشاعر طريقان بلا ثالث : العمر ، والشعر ، وكلاهما جبل ، فالعمر سبيل مضجر”ثمة وقت أضجر فيه من الأيام وليس لشيءٍ..إلا أن العمر سبيل” ، وهو بلا جدوى ولا غاية”كأن العمر كان سدًى” .
والشعر سبيل ضالّ ، فالشاعر يصرخ ويظل الكل على حاله”يحدث أن أتكلم أن أتكلم أن أتكلم دون جواب” .
والشاعر في عمره وشعره ، في حياته وإبداعه يدفع بالحلم والحب والوطن ، ويحاول الفوز بأحدها ، لكنها ترتد في النهاية إلى البداية ، فيسير العمر به وهو لا يسير”وأنا لا أمشي” ، ويتكلم”دون جواب” .
3-4 : سيزيف :
هو عادل ، الشاعر ، الطبيب(ص113) ، معادلة هي قانون الديوان ، هو الإنسان المتأمل الملول الضجِر ، الحالم بلا نهاية وبلا حلم ، والمحب بلا حبيبة وبلا حب ، الشاب الذي شاب قبل الأوان”وفتى تمدد فوقه الشيب العجوز لكن فتى” ، رجل يخاف الضوء”إني أخاف ، نعم ، أخاف الضوء” ، المتنكّر في حالة انقسامه وانفصامه”حاول أن تبدو رابطة العنق الما يربطها متقنة قدر الإمكان” ، “هو كان يجلس كابتسامته ، ما زال يتقن دوره الشبحي لا أدري لمَ ؟ وإلى متى؟..هو لا يجيب ولا يغيب” ، والمتوحد مع موضوع حبه”سلمى..أنا !!!” وفي استعماله ضمير الأنثى : “ما زلتَ تخذلني أمام أنوثتي..” ، هو الذي يعاني ذلك العذاب العبثي ولا يدري ما خطاياه ، ويتمنى الموت لزيوس”أم هل سنسمع أن زيوس انقتل؟”
4-4 : زيوس :
هو حصيلة النص النهائية ، هل هو القوى الغاشمة التي تحكم عالم الشاعر على العموم؟هل هو الطاغية السياسي المتجبّر؟ربما ، “سيزيف هل يبقى يخادعه الأمل؟ أم هل سنسمع أن زيوس انقتل؟” ، لكن الشاعر يوجه الإدانة بعد ذلك بوضوح:”ولمَ استكان وفيه أصل النار؟” وهو استدعاء آخر للتراث اليوناني حين أعطى بروميثيوس البشر سر النار ، المُدان هو الإنسان”من كان يحلم بالصعود ويرتقي ستعيده للأرض آلهة البشر” والجاني هو المجني عليه .
ومن هنا (قد) تنكسر دائرة العبث ، على العموم يتحول الشاعر هنا إلى موقف الإدانة المجتمعية ، ويخرج من الذاتي إلى الموضوعي ، ومن الوصف والتقرير إلى الشهادة والرغبة في التغيير .
5-مستوى الظاهرة(خاتمة):
ينبغي التأكيد في الختام على ثلاث نقاط:
أولًا : أن عادلًا يصف ويعاني ظاهرة سيزيفية مجتمعية تخص مكانًا وعصرًا وجيلًا بشكلٍ محددٍ ، فهو لا يستخدم لغةً إنسانية ، ولا يعتمد طريق الوصول إلى رؤية كونية ، فهو على التخصيص يقول:”للاحبيبة ، لاوظيفة ، لاسفَر” مما يحيل إلى جيل متعين بمكانه وزمانه وظروفه ، ويقول:” هل سل منه الدمعَ موتُ زهيرةٍ بفم الفرات ، أو انتهاكُ الورد في أرض الخليل ، أو ارتعاشُ الأَرز بين شقيقتين هما على وشك الخطر؟”مما يشي بنزوع قومي ، ذلك رغم الذاتية المسيطرة على الديوان في الأغلب .
ثانيًا : أن نقده لهذه السيزيفية وإدانته للجناة في عمله تجعله أقرب إلى ما يمكن تسميته بالواقعية الأخلاقية Moral realism ، التي تقوم على النقد الخُلقي عن طريق تعرية الواقع والإدانة المباشرة والكشف عن طبيعة الخطيئة ، والتي هي ذلك التماهي بين الإلهي والإنساني”ستعيده للأرض آلهة البشر” ، وبين الجاني والمجني عليه ، وبين الخير والشر في نفوس البشر ، وفي واقع المجتمع .
ثالثًا : أن الشاعر في تمرده وشعوره بالعبثية ليس على خصام مع القوى الكونية والطبيعية ، فهو متمرد اجتماعي لا ميتافيزيقي(ما ورائي)(3) ، هو يؤمن بوجود طريق للفضيلة والحق والجمال ، ويحاول دفع قارئه للصعود إلى قمته .
ولعل الملاحَظ-والتحليل على مستوى الرؤية-أن تساؤلات الشاعر جاءت منكمشة لا تغطي مساحات التساؤل المعاصرة الشاسعة ، وحتى إن بدا الشاعر مطمئنًا إلى حقائق وحلول مسبقة فهذا يحتم عليه أن يقف موقفًا مضادًا من الطرف المناوئ ، وأن يثبت جدارة وجهة نظره بالاعتقاد ، وهذا ما أدى إلى تقليل عمق الرؤية لحساب الإحكام الشكلي ، فتوقف النص عند مرحلة الوصف والتعبير عن المعاناة الذاتية –وأحيانًا-المجتمعية دون مرحلة التفسير والنفاذ إلى أس الأزمة ، “ولمَ استكان وفيه أصل النار؟”فأزمته أنه استكان وهذا معلوم من حاله بالضرورة ، ولكن الشاعر يسأل سؤالًا بلاغيًا أكثر منه حقيقيًا ، فيقف عند مرحلة التعبير عن الأزمة دون مرحلة التساؤل الحقيقي عن علتها ، هذا على مستوى العمق في الرؤية .
أما على مستوى الوحدة فيها فهناك قليل من التناقضات ، أبرزها”تعودْ لا تكون لديك عادة”نفي النفي ، والذي يعكس القضية إلى أصلها الذي أتى الشاعر ليعكسه أساسًا .
أما على مستوى الجدّة فالرؤية في الغالب جاءت لتقلل مساحات التباين ، وتطرح الأبعاد المتعارف عليها للعالم ، فالنظرة للمرأة مثلًا-وهي من أهم موضوعات الديوان-جاءت تقليدية في قصائد (دعني أخونك ، دعني أخنك ، دعني أخونك) ، وهو ما يتضح بالمقارنة مثلًا مع التصور الكوني للمرأة لدى نزار قباني ، والتصور الأمومي لها لدى محمد عفيفي مطر الذي صورها أرضًا وطبيعة ومنشأ ، إن النظرة أيضًا إلى الأزمات القومية تسير في ركب شعرية المقاومة وتؤكد على خطر الاستكانة ، وهو ما لم يبرز خصوصية المعالجة ، هذا وقد جاءت بعض القصائد مجددة في الرؤية ، مثل”صفراء اليمامة” التي مارس فيها الشاعر مَسْرحةَ الكون للدلالة على عبثيته ، و”فأبين أن يحملنها” التي يعقد فيها الشاعر مقارنة بين الشجر والناس .
المستوى الرابع الذي يمكن من خلاله تحليل رؤية الشاعر هو مستوى النقد ، والواقع أننا نميل إلى أَنْسَنَة الخطاب دون الانكفاء على الحدود القومية ، فالقهر في كل مكان ، والشجر حين يتعاطف يتعاطف مع كل بني جنسه ، ولن يفرق بين زهيرةٍ على الفرات وأخري على المسيسيبي ، خاصة بالنسبة لديوان اتخذ طريق النقد الأخلاقي لا السياسي .
وفي النهاية أتمنى ألا يكون قارئ عادل هو صخرته ، كما لا أتمنى أن يظل شعره جبله ، أدعوكم بكل حماس لمطالعة هذا الديوان ففيه من الصدق الشعوري والإحكام البنائي ما يمكنه أن يمتع القرّاء والشعراء على السواء .
كـريم الصياد ، أغسطس 2007
الشاعر والمعيد بقسم الفلسفة ك الآداب ج القاهرة
الهوامش:
1. لمزيدٍ من التفاصيل يُرجع في هذا مثلًا إلى: محمود زيدان : مناهج البحث الفلسفي ، دار الأحد ، بيروت ، 1974م ، ص73 .
2. لمزيدٍ من التفاصيل يُرجع في هذا إلى : إديث كيرزويل : عصر البنيوية ، ت: جابر عصفور ، دار آفاق عربية ، بغداد ، 1985م ، ملحق المترجم ص 268.
3. اصطلاح (المتمرد الميتافيزيقي-الماورائي) لألبير كامو : ” التمرد الماورائي هو الحركة التي يثور بها إنسان ما ضد وضعه…إنه ماورائي لأنه ينكر غايات الإنسان…العبد يحتج ضد الوضع المخصص له ضمن حالته ، أما المتمرد الماورائي فيحتج ضد الوضع المخصص له كإنسان…ليست المسألة بالنسبة إلى كليهما مسألة إنكار ، ففي كلتا الحالتين ، في الحقيقة ، نجد حكمًا قيميًا باسمه يرفض المتمرد الموافقة على وضعه الخاص”الإنسان المتمرد ، ت: نهاد رضا ، دار عويدات ، بيروت ، 1983م ، ص32 .



27 فبراير, 2008 على 1:26 am
ديوان رائع بكل المقاييس كان لي شرف اقتنائه من معرض الكتاب الدولي بالقاهرة وانا في رحلة هناك
لن اجد كلمات تصفه فهو فعلا فوق الوصف.
تحياتي
27 فبراير, 2008 على 5:38 pm
رائع شكرا لك
23 أبريل, 2008 على 11:44 pm
هذا الديوان يعجز الإنسان عن التعبير عن ما فيه من معان ،،
أتمنى أن تذكرنى عادل ( مى نبيل )