بقلم / فيحاء عزيز *

ديوان (الأمر) للشاعر كريم الصياد
ديوان الأمر

تقديم:
في زيارة سريعة لمصر حصلت على ديوان الأمر للشاعر كريم الصياد ، وهو طبقًا للسيرة الذاتية شاعر شاب من الجيل الألفيني الذي ما يزال إبداعه بطبيعة الحال موضعًا للسؤال كمًا وكيفًا ، وكنت قد قرأت على الشبكة العنكبوتية ما دفعني لقراءته على عدد من المدونات والمنتديات ، فلفت الديوان نظري إلى حد تخصيص جزء من وقتي ومجهودي(وهو ديوان ضخم متشابك)لقراءته مرة بعد مرة ، وإعداد دراسة أسلوبية عنه للأسباب الآتية:
أولًا:عنوان الديوان(الأمر)وقليلة هي ونادرة تلك الدواوين المعنونة بكلمة واحدة ، وبهذا التحدد بالألف واللام ، ورغم ذلك فنحن لا ندري أي أمر هذا ، فجسّد هذا العنوان ذلك الفراغ –إن جاز تعبير مثل هذا-وذلك التساؤل ، وهي سمة أسلوبية ستتضح لنا في خضم الدراسة.
ثانيًا:لوحة الغلاف الذي هو من تصميم الشاعر والتي تتضمن صورة الجنين ، وتوحي اللوحة ككل بفكرة الخَلق(الماء-السماء-الظلام)مما ربط تلقائيًا عنوان الديوان بالآية الكريمة{إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون}.
ثالثًا:تركيز الديوان على القضايا الإنسانية العامة كالحياة والموت والخلود والقيمة ، وهي سمة نادرة بدورها في أشعار الشباب في هذه المرحلة العمرية خصوصًا ، بل قل هي سمة نادرة عمومًا في الشعر العربي خاصةً حينما يتعلق الأمر بديوان بهذا الحجم .
رابعًا:خلوّ الديوان من شعرية المرأة والحب بالمعنى التقليدي ، قد نجد الأم ، والطفلة ، وقد نجد كذلك الحبيبة الخالدة التي هي طفلة بدورها ، لكن وحتى مع اتساع مجال التأويل لا يستطيع الباحث أن يعتبر موضوع الحب الشهير والغالب على الشعر العربي والعالمي موضوعًا رئيسيًا أو هامًا من موضوعات الديوان .
خامسًا:جمْع العمل بين الموسيقى ذات البناء الصارم الواضح والمعنى الحداثي الزائغ المراوغ ، فالغالب أن يكون الشعر ذا البناء الموسيقي النظامي تقليدي المعاني ، أو أن يكون متحررًا في كليهما .
سادسًا:النزعة الكليةHolismفي البناء ، فهو معمار فكري وأدبي تحكم ارتفاعه حركتا التطوير والتضفير ، يلقي بالأساس في القصائد الأولى ويطور الأساس إلى أوائل الطوابق ، ثم يطور الطوابق إلى طوابق أعلى وهكذا ، مع تضفير الخيوط الموسيقية والشعورية والعقلية معًا في نسيج متآلف صلد ، وهذه النزعة قائمة على مستوى القصيدة الواحدة كما على مستوى الديوان ككل ، وهي من السمات الأسلوبية النادرة ، فنحن قد نجد على مدى نصف القرن المنصرم العديد من الدواوين المترابطة ، ولكن أغلبها لم تتأسس لخدمة فكرة أو موضوع بعينه ، وإنما جاءت (مترابطة)بمعنى وجود خيط شكلي أو شعوري أو نصي يجمع شتاتها ، ومن الأعمال المنتشرة في مصر ديوان(العهد الآتي)لأمل دنقل ، وقد لفت نظري ما بين الديوانين (الأمر) و(العهد)من شبه في مسألة الأسفار ، غير أن صاحب الأمر واضح أنه فارق صاحب العهد في أسلوب المعالجة والأفكار والموسيقى والمناهل التراثية(رغم أننا سنجده مستفيدًا ومطورًا لآخر ما توصل إليه دنقل في موسيقى التفعيلة)ولكن رغم اعتماد دنقل على وحدة الديوان إلا أن مصدرها وحدة النص الأصلي(العهدين القديم والجديد)وليس الفكرة الكلية التي هي (خَلق الذات لذاتها) عند الصياد ، وما أزاد هذه النزعة وضوحًا عدم تأريخ قصائده بالشكل التقليدي ، وإنما بذلك الشكل المبتكر الذي يحاكي أوقات اليوم(نهار-ظهر-فجر-ليل-..) كأنما كُتبت القصائد متزامنة أو في يوم واحد .

وسنحاول فيما يلي تحليل أهم السمات الأسلوبية التي اشتمل عليها الديوان ، وأجد في نفسي حاجة لأن أوضح أنني فكرت في تحليل أنموذج أو اثنين من قصائده خاصةً(أخبار الأيام الأولي)و(أخبار الأيام الثانية)و(مدرسة الخَلق)غير أني عدلت عن ذلك لحداثة عمر العمل ، والتي تفرض أن تكون أغلب الدراسات عنه في تلك المرحلة استكشافية تحتاج مسحًا أفقيًا مع بعض التوغلات الرأسية هنا وهناك ، وعلى كلٍ فسوف نحاول التركيز في المحاور الرأسية على تلك القصائد ضمن الحديث عن الخصائص الأسلوبية:

1- تجسيد الفراغ:
وهي ظاهرة الجمع بين الموضوعية واللاموضوعية على مستوى الديوان والقصيدة والصورة الشعرية والبيت الشعري ، وقد أسلفنا القول حول وضوح هذه الظاهرة في عنوان الديوان ، والآن نتحدث حول تمثلها على المستويات الأدق ، من الوحدات الأصغر فالأكبر لنعيد النظر في أمر الديوان ككل من هذه الزاوية ، وسنجد أننا نتحدث عن سمة ظاهرة للعيان والأذهان برغم تناقض المضاف والمضاف إليه في عنوان الفقرة !

المقصود عمومًا بتجسيد الفراغ هو القوة والوضوح الباديان في البناء الصوري والموسيقيّ على مستوى البيت والمقطع برغم خلوّ البناء من الموضوع المحدد في كثير من الأحيان ، ولننظر مثلًا :
” لما رأوني خارجًا
متكونًا
مما تناثر من فتاتْ
الرعب فرّق ما تجمّع من حشودْ
وتوقفتْ أحجار رجمي في الوريدْ
فحملتُ أكثرها ،
نظرتُ لصورتي في الماء تجمع ما تفرّق من بعيدْ
ورميتُ بالأحجار فاهتزتْ شتاتًا
في شتاتٍ
في شتاتْ “سفر الخروج:ص20 **
نلمح بل نتبين صراحة البناء الموسيقي الحسي الظاهر(فتات-حشود-وريد-بعيد-شتات) ، والتفعيلات متساوية العدد في البيتين: “الرعب فرّق ما تجمّع من حشودْ / وتوقفتْ أحجار رجمي في الوريدْ ” والطباق بين(وريد/بعيد)والترادف بين(فتات/شتات) ، هذا بالإضافة إلى صراحة البناء الصوري والذهني:من الفتات إلى الشتات عبر مراحل من محاولات التقريب والجمع(من حشود-في الوريد-من بعيد) ، بالإضافة إلى الحركة الفكرية- الموسيقية وهو التضفير الذي تحدثنا عنه أعلاه ، فهو يخرج ويتكون من الفتات ، فيفرق الرعب منه الحشود ، وتتوقف أحجار الرجم في الوريد ، وتجمع صورته ما تفرق من بعيد ، ثم يرمي بالأحجار فتهتز صورته شتاتًا في شتات في شتات ، أي أن الحركة على الترتيب:تكوين(أي تجميع)، تفريق ، تجميع ، تفريق ، هكذا كنبض القلب في هندسة فكرية وموسيقية وصورية رفيعة ، وحاسة بنائية متميزة ، ولكننا إذا تساءلنا عن المعنى وحاولنا إمساكه فر من بين أناملنا وتبخر بمجرد المسّ ، أو فلنقل أن المعنى هو تلك الحركة الفكرية-الموسيقية (تجميع/تفريق/…)كأن الشاعر يريد أن يقول:اجتمعنا وافترقنا ، أو:تجتمع الأشياء وتفترق وهكذا ، خاصةً لو ربطنا هذا بما ذكره من أن(كلٌ يتحول) ، و(كلٌ يتأول) ، وربما حركة التجميع والتفريق هي حركة النفْس(انقباض وانبساط) ، وحركة القلب(النبض) ، وحركة الكون(وجود وعدم) ، وبرغم هذه التأويلات يظل المعنى بمنأى عن وضوح وصراحة المبنى ، كأنما الشاعر يحاول القبض على حفنة من الفراغ .

يتضح ذلك كسمة أسلوبية في القصيدة ذاتها”عيني تُفلت مني / تتحرر من رأس الإنسانْ / تتقافز فوق الأغصانْ / وتغني .! “ص23 ، فالبناء الموسيقي واضح(مني-إنسان-أغصان-وتغني)والذهني كذلك(الإفلات-التحرر-التقافز-الغناء) ، برغم خفاء المعنى أو شفافيته .

ونستطيع تبين ذلك في المقاطع التالية”فمعي اسخرْ / اسخرْ / وتبخّرْ / في كل فضاءْ / واسخرْ / اسخرْ / وتخنجرْ / كفضاءٍ / في كل الأشياءْ”المهرج ص36 ، ” الشمس تشعل مقلتي / تغلي بحيرات الشموعْ / في ظلمتي / كي تنطفي / كل العناصر في الدموعْ”المهرج ص 37 ، ومقاطع الألوان من(علبة التلوين):الأبيض والأسود-الأحمر والأخضر-الأصفر والبنيّ-الأزرق والبنفسج ، والمقطع الرابع من سفر الانعكاس ، وغيره ، ذلك على مستوى القصيدة والمقطع .

أما على مستوى القصيدة ككل فالأمثلة وافرة ، فقصيدة (المقدمات) مثلًا تقوم على فكرة الابتسار في انتظار التكوين ، ثم انتظار المكوِّن وهو الأم ، والأم ركيزة أساسية في العمل بأسره ، إذن فالقصيدة ببساطة ذلك النسيج الذي يبدأ من الشعور بالابتسار ثم الانتظار دون نتيجة أو نهاية ، وربما هو تعبير عن (هشاشة الوجود الإنساني)في كتابات الوجوديين ، والإحساس بالنقص البشري ، وعلى كل فالقصيدة كالعادة ذات بناء موسيقي وفكري واضح ، عن طريق القافيتين الأساسيتين(اللام والعين) مع بعض التنويع ، وتقسيم المقاطع طبقًا لأوقات اليوم(الفجر-الضحى-الظهيرة-الغروب-الليل) ، وبالتركيز على السجع الداخلي(ابتساري-انكساري) (انتظاري-اعتصاري) (مداري-انحساري) ، وهو وحده يشكل جزءًا كأنما هو قصيدة داخلية ، يبدأ بالابتسار والانكسار أي حالة (النقصان) وينتهي بالانحسار في المدار أي حالة (المحدودية) فالنقصان البشري علة المحدودية ومعلولها أيضًا ، ومن الطرف الأول إلى الأخير تستمر حالة الانتظار(في سبيل الكمال)وحالة اعتصار الذات(من أجل الاكتمال الجزئي) .

ورغم هذا التركيب على مستوى القصيدة والذي بلغ حدًا ركّب الشاعر معه قصيدة داخلية في جسد الأصلية ، إلا أن المعنى شديد الزيغ والشفافية واللطافة ، يكاد أن يختفي ، وأقول :يكاد لأنه هو حالة النقصان والمحدودية في التكوين ، مما فرض على القصيدة هذه المساحة الهائلة من الفراغ المعنوي .

هذه السمة ليست عرضية ، بل هي وثيقة الصلة بعمل الشاعر ، فمشروع خَلق الذات المخطط له في الديوان هو دائمًا وأبدًا (حالة شروع) أي صيرورةbecoming واضحة في (سفر التكوين) و(الخروج) خاصة مقاطع الخبب ، مفردة(الفراغ)أيضًا واردة صراحة في (تجسدات نصفية)ص87″ثم كان الفراغ وكان وكان الفراغ” ، و(مشاهد داخلية)ص119″الفراغ الفراغ بتجويفها يحتشد” ، و(باخع نفسي على آثارهم) ص127″امتطى ظلي انحنائي في الفراغ” ، والحفرية السادسة من (حفريات الجنس البشري) ص143″لأملأ كل الفراغ المصاحِب” ، وواردة من حيث المرادفات والمتعلقات أيضًا مثل(الفضاء) في (سفر أخبار الأيام الأولى-المهرج) ص36 ، و(مشاهد داخلية) ص119 ، ومثل(جوف)في الحفرية الثامنة من (الحفريات) ص149 ، و(اللاشيء) في (سفر التثنية) ص30 ، وما يصاحب ذلك ويترتب عليه من تجارب شعورية قاسية كالضياع والتماهي والخوف والشعور بالغموض فلا يبقى بعد ذلك سوى الذات التي تخطط لخلق ذاتها في ما يشبه عملًا تخريبيًا”لأخطط للأعمال التخريبية”ص187 .

إذن فالشعور بالفراغ شعور بنّاء ، هو الذي يؤذن بتفرد الذات وقدرتها الخلاقة ، ومشروع الذات الذي هو أبدًا حالة صيرورة لا يظهر فيه شيء محدد فهو فراغ هو الآخر ، وبين الفراغ في المشعور والفراغ في المشروع يصير (الأمر) هو أمر الخَلق ، وأمر حصار الفراغ وصياغته وقراءته والقبض عليه .

2- الخطاب حول الخطاب:
من أوضح السمات الأسلوبية ، وقد اعتمد عليها الشاعر خاصةً في قصيدتيه(سفر الانعكاس)و(دائرة الخَلق) ، والمقصود بها كتابة النص حول نص أو مجموعة من النصوص ، فسفر الانعكاس كما هو واضح عملية(عكس)للأسفار السابقة(التكوين-الخروج-التثنية-الأخبار الأولى –والثانية)لكنها ليست عملية بسيطة ، ليست كذلك مع انطوائها على عمليات الامتصاص absorptionوالادمصاص adsorptionوالتفكيك وإعادة التركيب وإعادة الاستعمال بأشكال مغايرة ، من أجل الوصول إلى معنى معاكس أو معنى شامل مركب من الجزئيات بعد تفكيكها ، ولضيق المساحة سنكتفي بنموذج(سطح الماء) الأول من سفر الانعكاس ، فهو انعكاس لقصيدة سفر التكوين في الديوان نفسه وقراءة لها ، ينتهي منه الشاعر إلى نبوته للأشياء بدلًا من التوقف عند مستوى الصيرورة في سفر التكوين ، ثم يأتي مقطع(سطح الماء)الثاني ليغرق في الماء بدلًا من معجزة السيرعليه ، فهو رفض أو استبعاد للمعجزة التقليدية وإيمان بالبشرية وزهوٌ بها وأملٌ فيها ” لكنْ معجزتي غرقي..)ص91 .

أما قصيدة (دائرة الخَلق)ففيها تأويل وقراءة لقصائد الديوان كلها ، فعناوين مقاطعها هي ذاتها عناوين الفصول المرقمة باللاتينية ، وتنتهي بعنوان الفصل الأخير(دائرة الخلق)لتوحي بالتكرار اللامتناهي ، وهي فهرس عكسي ، فالعناوين تنازلية من المابعد إلى الماقبل ، بل إن المعالجة تسير معكوسة على مستوى المقطع منها ، بحيث يتم عكس جميع الفصول-المقاطع وبالتالي القصائد المتضمنة في الفصول بشكل هندسي بديع ، بل إن الفكرة ككل( القصيدة-الفهرس) من أهم علائم الأصالة والجدة التي تقررها ضرورة الاستقامة البنائية .

نلمح هذه السمة في قصائد أخر ، فقصيدة (سفر التثنية) تبدأ بمقطع على هيئة المقال الصحفي ، لتتخذ القصيدة بعد ذلك هيئة التعقيب عليه من عدة زوايا ، وإن كانت معالجة أقل ثراء وخصوبة مما سبق ، وعلى كل تمثل هذه السمة حال الشاعر حينما يتكلم ذاته ويفكرها ، حين(ينعكس)على ذاته ، وحين(يدور)حولها .

3-الكلية الموسيقية:
يحتفظ البناء الموسيقي بطول عمل الشاعر بصفة الوحدة العضوية الموسيقية ، وهو يبدو مستفيدًا هنا من أمل دنقل خاصةً ، لكن من الواضح أنه يباينه من بعض الزوايا ، ويفترق عنه أحيانًا ، ويطور عمله في أغلب الأحيان ، فالموسيقى لا تأتي لصاحب الأمر كتفاعيل وقوافي ، فيما يبدو تأتيه كبناء كامل على هيئة موسيقى المقطع ، فالوحدة الموسيقية عند الشاعر هي المقطع وليس التفعيلة أو البيت ، ففي جميع مقاطع الديوان بلا استثناء نجد نسيجًا واحدًا عبارة عن قافيةٍ ما ، يتم ترصيعها من الداخل بقوافي فرعية ، وقد يشمل النسيج الأصلي القصيدة كلها كما هو واضح في(دائرة الخلق)مثلًا ، كذلك تترتب التفاعيل من حيث النوع والعدد بشكل محدد ومتكرر بما يسمح باستخراجه والعثور من ثم على بنية موسيقية ، فلنقارن مثلًا بين المقطعين هذين من قصيدة (المهرج):
(1) (2)
فمعي اسخرْ فمعي اخرجْ
اسخرْ اخرجْ
وتبخّرْ وتبرّجْ
في كل فضاءْ كشجيرات التفاحْ
واسخرْ واخرجْ
اسخرْ اخرجْ
وتخنجرْ وتحشرجْ
كفضاءٍ تفاحًا
في كل الأشياءْ في حلق الألواحْ .!

نجد بناءً واحدًا مع اختلاف المعنى ، بل وحركة فكرية واحدة مع ترتيب الأفعال والأسماء وأشباه الجمل ، ولنقارن بين المقطعين التاليين من فصل(أيام القيامة):
“في الطريق المشققْ/كنت أمشي وأخلقْ/صرختي/ثم أطلقها للبعيدْ/فترفرف ثم تعود لصدري ../وترشَقْ .!”ص103
” في الطريق المفخخْ/كنت أمشي وأصرخْ/حين أبصرته ينتهي للمغيبْ/إذ صرختُ تزلزل من أسفلي ../وتشرّخْ”ص108

ويبدو أن الشاعر استهدف محاولة التوصل إلى بنى تفعيلية تحكم الهيكل الموسيقي من التماهي والذوبان في مبدأ(وحدة التفعيلة) ، وإن هذه الموسيقى ذات البنية المحددة لم تأتِ اعتباطًا في عمله ، ففي المقطع الذي حللناه فيما سبق من (سفر الخروج)نجد الحركة الفكرية-الموسيقية متناغمة لإفادة معنى النبض ، أو الإيحاء به بالأحرى ، أما في قصيدة (المهرج) فالحركة الفكرية تخدم معنى التمرد بتكرار الفعل المجزوم الصارم(الأمر):(اسخرْ/اخرجْ) ، ثم الفعل الثاني الذي يفيد الهرب عن طريق التميع تارةً(وتبخّرْ) ، ويفيد الهرب عن طريق التنكر تارةً أخرى(وتبرّجْ) ، أما أشباه الجمل فهي المجال الذي يتم فيه فعل الهرب(في كل فضاء) و(كشجيرات التفاح)ثم تكرار فعل الأمر وصولًا إلى فعل الاعتداء الإيجابي(وتخنجرْ)و(وتحشرجْ) ، ثم الحال(كفضاء)و(تفاحًا)والمجال مرة أخرى(في كل الأشياء)و(في حلق الألواح) ، وهو توظيف لأركسترا التفعيلة والقافية والبنية النحوية والصرفية وتقطيع الأبيات .

إذن فالموسيقى الكلية تظهر من حيث كلية النسيج والبنية التفعيلية ، ومن حيث كلية العناصر المستعملة في هذه البني كما سبق .

4-الكلية الموضوعية:
يتميز عمل الشاعر بأنه لا يكتب القصيدة ، ولكنه يكتب الديوان حين يكتب القصيدة الواحدة على انفرادها ، فالديوان يبدأ بالفهرس لينتهي إلى الفهرس ، ويبدأ بـ”في الفجر عادت نار روحي تشتعل”كأنها انطفأت ثم اشتعلت في حركة توحي بالتكرار وينتهي بـ(دائرة الخلق)وبعبارة”وأظل أعود”ص188 ، وهو في هذا يعيد تأويل ومعالجة ما كتبه في سفر الانعكاس ودائرة الخلق وغيرهما في دوائر أصغر ، الفكرة الرئيسية في الديوان كما قلنا هي(مشروع) خلق الذات وحالة الشروع اللامتناهية ، أي الصيرورة الدائمة والتي يمكن التمثيل لها بدائرة ، برغم رفض الشاعر للدوران”إني أكفر بالدوران”سفر التكوين-ص13 ، إذن فالدائرة هي المحيط الدلالي الذي يتحرك فيه الشاعر والديوان .

وعلى مستوى الديوان كذلك نجد أنه قد تم التأريخ لقصائده بأوقات اليوم ، وكذلك يبدأ الديوان بالمقدمات التي تنقسم مقاطعها طبقًا لأوقات اليوم من الفجر إلى الليل ، كأنما هي النبع وبؤرة الإشعاع ونقطة التناهي التي يتفرع منها الزمان والمكان .

أما على مستوى القصائد المفردة فإننا لواجدون السمة ذاتها بالقدر ذاته من الوضوح ، ففي علبة التلوين يصف الشاعر عبث الطفلة(نور) أو عبث النور(الطفولي) بالألوان لخلق لوحات يسرح فيها الخيال ، وتتهافت على معالمها الذات الكاتبة ، فبالرغم من طول القصيدة إلا أن وحدتها الموضوعية تظهر في صياغة كل مقطع من مقاطعها .

علينا أيضًا أن نلاحظ أن قصائد السفر الناقص غير كاملة شكليًا في أحيان كثيرة(انظر ص77،83،85،87) ، أما مقاطع سفر الانعكاس فهي انعكاس للأسفار السابقة .

خامسًا:جدل السمائي والأرضي:
وهي سمة واضحة في أغلب قصائد الديوان التي يتكرر فيها الجمع وأحيانًا التجاور بين المفردات اليومية التقليدية الطبيعية(الزجاج-النوافذ-الصالون-معدتي-سلك الهاتف-ممرات-تتصل)والمفردات الماورائية(روحي-الشفوف-الخلود)كما في قصيدة(المقدمات) ، كذلك(سفر التكوين)من الأمثلة القوية على هذه الظاهرة في ختامها”أسبح في الفورمالين”ص17 ، وقد صُدمت بدايةَ بهذا الجمع ، لكني إذ أكملتُ القراءة وجدتني أصعد بمعنى ما من هذا المزج وهو هذه السمة ، فالمجال الشعوري للشاعر ليس مجردًا خالصًا ، كما أنه ليس ماديًا مصمتًا ، والأقرب إلى الاعتبار أن الشاعر يحاول أن يوظف المعتقد الماورائي في الأرض ، أو أن يعيد النظر إليه من منظورات مادية .

وهذه السمة أزعم أنها توضح السمة الرئيسية للديوان(خلق الذات بالذات)أي الثورة الإنسانية ، بإعطاء المعاني الماورائية ملامح طبيعية إنسانية ، وهو ما نراه في الأسفار ، فالأسفار ليست أسفار الإله ، بل الإنسان ، التكوين هو تكوينه والخروج هو خروجه..إلخ .

ويبدو أن الشاعر هنا استبدل بالثورة الوطنية أو القومية الثورةَ الذاتية لتحل محلهن في تصور وجودي واضح لا يغفل الأبعاد المادية الواقعية للعالم .

سادسًا:دراما البناء الموسيقي والعقلي:
تحدثنا عن سمة الفاعلية التي للبنية الموسيقية في تجسيد الحركة في (سفر الخروج)والتمرد(المهرج) ، ونضيف هنا أن هذه الفاعلية تنطوي على حدث أو حكي Narration ، فهناك (ما يحدث) وهو الـ(ما تحكيه) العناصر الموسيقية في تقطعها واتصالها وتوازيها وتداخلها وظهورها وغيابها ، لترمز إلى هذه الحوادث : التقطع والاتصال والتوازي…إلخ ، ولضيق المساحة أكتفي بمثال واحد ليس من سفر الخروج ، ولا المهرج ، بل من سفر الانعكاس:” أغرق في الماءْ / معجزتي أني أغرق في الماءْ / ما جاء نبيٌّ إلا ومشى فوق الماءْ / لكنْ معجزتي غرقي / غرقي حتى عنقي / ذوباني / ذوباني في عمقي / ليعود الماء شفيفًا بنقاءٍ.. / بنقاءٍ.. / بنقاءْ” هذا المقطع يركز بالتكرار في القافية على عنصرين:(الماء والنقاء) كلٍ ثلاث مرات ، وبينهما ثلاثة أبيات(غرقي-عنقي-عمقي)في حركة توغل رأسية مادية ومعنوية ، (الغرق-الغرق إلى العنق-الوصول إلى العمق) ، مما يوحي بالذوبان فعلًا لنصل إلى النقاء عن طريق استعمال العناصر الإيقاعية(الماء ثلاث مرات-التوغل الرأسي عبر ثلاث مراحل- النقاء ثلاث مرات) ، فالموسيقى ذاتها حكّاءةNarrative ، وليست مجرد لحن مصاحب للموقف .

أما دراما البناء العقلي فهي الأهم ها هنا ، نظرًا لملاحظتنا أن الشاعر لم يستعمل ذلك البناء للإفصاح عن أفكاره فقط ، بل عبر به دراميًا عن نشأة أفكاره وتطورها ومصيرها ، وهذا ما يبدو على نطاق الديوان ، فهو يبدأ بتخليق المجال الدلالي(وهي سمة جزئية أخري):أوقات اليوم-ثم معالم المكان(البيت)في المقدمات ، وهنا استطاع الصعود من نقطة التناهي كما قلنا إلى إيجاد الأبعاد ،(الزمان-المكان)ثم ينثر المدلولات في طبقات ثم طبقات بالتدريج عبر قصائده(سفر التكوين-الخروج…حتى المهرج)ويُرسي الأساس الفكري في لغة إقرارية بينة أكثر صراحة وأقل غموضًا من بقية الديوان بعد ذلك ، وهذا الأساس هو(الصيرورة-النقصان-المحدودية-صراع الفرد والحشد في سفر الخروج-التأويل والتبديل اللامتناهيان-التنبؤ بنهاية العالم الكارثية في سفر التثنية-الحنين إلى الأصل السمائي للإنسان في القصيدة نفسها)لتكون هذه هي الأفكار الرئيسية للديوان على امتداده ، وبعد هذه القصائد(يحدث)انهيار البناء العقلي في (المهرج) وهو الصراع الأول بين الخير والشر-قابيل وهابيل-الإنسان والشيطان ، وتظهر الماسأة الكبرى والانحدار إلى مصير الخطيئة ، ثم تتخلق الذات الفردية في هذا الصراع في(سفر أخبار الأيام الثانية-الأمر)ونلاحظ عملية التخليق في المقاطع الستة الأولى منها موازية بالفعل لمراحل تخليق الجنين(المضغة-العين-تلاحم الخلايا وكسوتها للعظام-الشرايين والأوردة والدماء والقلب-اكتمال الهيكل والنضج)ثم الميلاد الذي تعقبه المفاجأة:فالجنين مشوّه”أقلب وجهي المشوه كل مساء ..”ص65 ، وهو تشوه مجازي بالخطيئة والسقوط ، بعد ذلك تصمت الأسفار جزئيًا في (السفر الناقص) لتنعكس في(سفر الانعكاس) وهو إعلان الثورة وقمتها ، ثم ينهار البناء العالمي(كما تنبأ في سفر التثنية) وذلك في (أيام القيامة)تلك اللوحات التشكيلية المعبرة ، ثم تبقى الذات لتتأمل في عالم ما بعد الكارثة(ما بعد المحرقة)حيث تطفو الأجساد ، وترقص الغصون رقصتها الساكنة ، وتهجر الطيور بلاد الموتى ، لا تبقى إلا الحفريات ، وهي نصوص مختلفة ، تظهر فيها شخصيات الأم-الأخ-الإله بقوة ، في حين يأتي(نفخ الغبار عن منكري الإعصار)ليختم الصراع بالسيطرة التامة للذات على الأرض والمصير”من ثم تخلو لي الزعامة”ص173 وعدم خشية الموت”قلقي تحول ساعةً كيلا تؤخرني الحياة لثانيهْ/عن ملتقاها”ص177 ، واستعمار(النظام)أو الكون في (مستعمرة)ص178 ، وتأتي دائرة الخلق لتعيد تلخيص القصة بشكل معكوس لتعود في النهاية على البداية وهكذا إلى الأبد .

إذن فالديوان يجمع-فيما يجمع-بين الغنائية والدرامية ، ولكن بشكل مختلف قطعًا عما نعهده في الشعر القصصي أو المسرحي أو الملحمي ، فالفكر والموسيقى هنا هما ما يحكي ويُحدث هذه الدراما التي يقوم بها الأبطال-الأفكار ، ولم تعد اللغة الشعرية هنا مجرد وسيلة تستعمل لحكي الحدث ، بل هي التي تحكيه”ويلي أنا لو لم أفر بجثتي من فوق أسوار الحروف القارئة”المهرج-ص46 .

ودائرة الحدث هي دورة حياة الفكرة(النشأة-النضج-الانهيار)وهكذا ، وكما قلنا فالنشأة هي تخليق المجال الدلالي في القصائد الثلاث الأولى ، وربما كان النضج هو(سفر التثنية)التي يصل فيها التقرير والخبر حدًا يشاكل فيها الخبر الصحفي والمقال العلمي(من صفحة الحوادث-من الصفحة العلمية) ، ثم يحدث الانهيار وتوابعه في(المهرج)وما بعدها ، ونلاحظ اختلاف النصف الأول من الديوان(المقدمات والأسفار)عن النصف الثاني في اللغة ، وطول القصائد ، وبعض معالم البناء الموسيقي ، وهو ما يعطي الانطباع بوجود نقطة تحول دراميةTransformation .

ختام:
لا يسعني إلا أن أقدّر ذلك العمل في النهاية مع كم المبتكرات الفكرية والأسلوبية والجمالية التي يحتويها ، ويمزج بينها ببراعة برغم أنه الديوان الأول .

تبقى بعد ذلك-وهو أمر طبيعي-بعض نقاط التساؤل والغموض : لماذا استبعاد المرأة؟ ولماذا هذا الشعور بالشيخوخة قبل الأوان؟ وإلام ترمز الغضون-ص146؟ ولماذا الصراع مع الأخ بالذات(المهرج-الحفرية الأولى)؟ وما العلاقة الإشكالية مع الأم؟ وما طبيعة العلاقة الإشكالية مع الإله(سفر التثنية-المهرج-الحفرية العاشرة)؟ والعلاقة المريبة الفاوستية مع الشيطان(المهرج-سفر الانعكاس)؟ وما سر الكراهية التي يضمرها الشاعر للجنس البشري(ما بعد المحرقة-نفخ الغبار)؟

أسئلة كثيرة تفرضها طبيعة الديوان الإرجائية ، واتساع مساحاته التأويلية ، وتعقد بنيته ، وكبر حجمه ، وتعدد أصواته ، أرجو أن تنال من اهتمام الباحثين المصريين مثلما نالت من اهتمامي ووقتي واطمئناني لبعض(الأمور) .

ثقتنا في شعراء مصر ونقادها لا تنقطع أيها الأعزاء .

فيحاء عزيز
باحثة في النقد والبلاغة
جامعة دمشق
سبتمبر2007

—————————————————————
* باحثة في النقد والبلاغة-جامعة دمشق

**كريم الصياد: الأمر-دار اكتب للنشر والتوزيع-القاهرة-2007 .