البحث عن حلول قيمية/قراءة في ديوان ” لماذا أسافر عنك بعيدا؟ “
مدارات أدبية 1 نوفمبر, 2007قراءة الناقد/ علاء الجابري

الكتابة عن عمل قدّم له شاعر بتاريخ “محمد ابراهيم أبو سنة” وعلّق عليه أستاذ كبير، بقامة صلاح فضل تعتبر نوعًا من الدخول في رهان محسوم بالخسارة منذ البداية، ولكن ديوان “لماذا أسافر عنك بعيدًا؟ ” للشاعر نزار شهاب الدين يضع القلم في وضع الاستعداد، فتصبح السطور مثل سهم يفارق قوسه، أما أن يصيب، فتلك مسألة أخرى.
يضعنا الديوان: أمام تساؤلات عديدة، ليست في إجابتها أسهل من إجابة المحب الناطق في العنوان “لماذا أسافر عنك بعيدًا؟!” ولكن الديوان يحاول (ويكفي الديوان الأول أن يحاول!!!) أن يتلمس تأسيسًا للغو البراءة التي نرى طموح الشاعر إلى تأسيسها، ولكن هل تتسع الذائقة الحالية لتقبل هذه البراءة (لا يحتمل الوصف هنا أي ظلال، فهو وصف خالص)؟ هل يمكن لجبال الأوليمب أن تتسع لآلاف الآلهة كما فعلتها قديمًا؟ وهل يمكن لصوتٍ يغرد خارج السرب –كما يقولون- أن يدشن لرؤية جديدة منفلتة، وبخاصة أنه يولّي وجهه صوب “القيمة”، وقد أصبح فعل القيمة سوءة مشينة لدى الكثيرين.
نكاد نجزم أن نزار ليس من الشعراء المحككين، بتعبيرات القدماء، فنراه في أغلب الأحيان يستسلم للفكرة، تبهره فيقع في أسرها، فلا يلجمها باللغة، وهي أساس الشعر وذروته، والفكرة لدى شاعرنا أحادية النظرة في أغلب الأحيان (هل ترانا نضم أحادية النظرة مع البراءة؟) وهذا الامتلاء بالفكرة، جعل هاجس الشرح باديًا في بعض مقاطع القصيدة لديه، فتراه يعيد الدوران حولها، مع أن الشعر لمح تكفي إشارته
من مثل قوله
يا ولدي
رياضتان لا غنى للمرء عنهما
الجري والمصارعة
فلا تدري قيمة، أو إضافة يجلبها قوله بعدها
ما خاب من كانا معه
في هذه المعركة الطامحة
بدت هذه السمة متطرفة أحيانا، جنحت فيها اللغة في بعض المواطن صوب ما أسماه جابر عصفور بالشعر الشارح، ونقصد الشرح، ونقصد الشرح في المتن، بعيدًا عن شرح الهامش الذى لجأ إليه (راجع الديوان ص66، ص80)
أو تهبط لمستوى الكلام إلى درجة سيئة من النثرية
- أما أنا فغرير كان يهمس في خرائب الموت
- فتحت في كل هدوء وأدب
- لكنه أشار أيضا في هدوء وأدب للطابق الأعلى
** يحمل الديوان قدرًا كبيرًا من اليقين، دفع الشك بعيدًا، وتجاوز التساؤل، وهو على هذا النحو مفارق بامتياز لما نراه من روح التردد والشك التي تجتاح إبداعات الكثيرين من أفراد جيله، وليس هذا مدحًا بما يشبه الذن، أو غير ذلك من لافتات البلاغة القديمة، ولكن إعادة اللحن بتوزيع جديد أحياناً ما تكون ميزة رائعة وبخاصة حين يقع المبدع على “كشف” قديم، ليجسد التوحد مع أفكاره (بوصفه مظهرًا لليقين) وهو ما نراه من ميزة أسلوبية واضحة في استخدام الذات موقعًا للفاعلية والمفعولية في آن، وهو ما نراه عنوانًا للديوان بأسره من جهة كونه علاقة مع الذات تستنكف من الجدلية مع الآخر، وتمتلئ بكثير من ” الاستعلاء الشعوري ” يمنعها من ” الهبوط ” إلى “الناس ” فتفر إلى الجدلية مع الذات، وهو ما يفضي للانكفاء عليها:
أجثو أمامي، وأرجوني، أعاهدني
إن هذه الصيغة القديمة، التي يعيد الشاعر توظيفها متأثرًا بالشاعر الكبير أحمد بخيت والذى استعارها –بدوره- من الحلاج وغيره من المتصوفة، تعنون لفكرة الانكفاء، وتشخص الثنائية التي تمنع دخول طرف ثالث ولكنها ثنائية الإنيّ الآخر والتي تمنع دخول طرف ثالث، وهو ما ظهر في الديوان كله، حتى على مستوى العناوين (عاشق وضريح) (هو وهي)، …، ليدور الديوان حول أنا وأنت، أنا وهي، أنا وهو. تلك الثنائية التي منعت دخول طرف ثالث، بما يجعل انكفاء النص على هذا النحو الثنائي، مانعًا للدرامية في بعض المواطن وحاجزًا أمام بعض لمحات التأمل الجميل التي بدت في بعض المواطن الأخرى
أنا الذى لو شاء أن يقتلًني
يقتلُني
ثم أقر في الحساب أنني
قتلتُني
يظنني أظلمه
حاشاي أن أظلمني
أو قوله:
أنا من خالط اشتهائي نقائي
أدفن الطين في دم الطين.. أبرأ
لقد أفضت هذه النظرة إلى ما يجتاح الديوان من وصف ظاهري، دون استبطان للأمور، ونضرب مثلًا لذلك بقصيدة (ليلة العيد) فلا ترى فيها إلا نفسه والوصف الظاهري للأشياء (ضجة النورِ/تمتمات الدفّ/خطوة الشوقِ فوق أرض اللهفِ/ عزف قلبي.. يصبح الكون خلفي/ خوفي/قبضتي/كفي
***يقيم نزار تصالحًا مع القارئ، فلا يشاكس أفق توقعاته، ويبدو أن التحويل على حضور القارئ، والذي يبدو في الإهداء كان حضورًا موافقًا لما يعتاده القارئ الذى يريده شاعرنا، فلا يباغته، ولا يخرج على مألوفه ومعتاده في الإبداع، وهذا يرتبط بإحكام النهايات، وإنزال الستار بقوة في نهايات القصائد، فلا تدع النهاية فرصة لتساؤل.
إن هذا التعامل المفرق في الرفق جعله لا يخرج عن اللامتوقع (بتعبير يوري لوتمان) وهو يرتبط بمعالجة اللغة وإحداث المفارقة أو استغلال قيمة الحذف وهو المثال الذي نضربه، حيث تظل مفارقة اللغة الشعرية لغيرها مردودة بالأساس إلى انحسار فكرة المعنى الواحد، المعنى الذى يمكن حبسه في الشبكة منذ الرمية الأولى، كما أمكن حبسه في قالب الوزن، غير أن انفتاح المعنى يجعل القصيدة تقرأ القارئ، تمامًا كما يقرؤها هو. وانفتاح المعنى الذى نراه –بصيغة أكثر تواضعًا- واحدًا من أبرز مميزات اللغة الشعرية، لا يعني لا نهائية المعنى، أو القابلية المطلقة للتأويل، فليس هناك نصوص بشرية لا تبلى، ولكن افتقاد انفتاح المعنى- من جهة أخرى- يصبح مثلبة كبيرة، حين يكون المعنى بارزًا، لا يحتاج إلى معاودة قراءة أو تأويل، ولعل إشفاق الشاعر على قارئه جعله يتنازل عن الحذف في أغلب القصائد ليخرج قصيدة كاملة بلا ثقوب تزينها، برغم ما يبدو في هذا التعبير من تناقض ظاهري.
ومن العجب أن مغادرة نزار لخانة الاكتمال جعله –في بعض المواضع- يكتب، ويبدع، من مثل قوله:
يغفو على ربتته الدمع.. الأنين.. المقت
أو يقول: لكنني لمحت نبضه الرهيف مرة
حين أنحني في ألم فانفكت العروة
أو يستخدم مفارقة جيدة:
كيف ضيعت في الوقوف حياتي
وحياتي من سجدة الروح تبدأ ؟!
أو قوله: كيف كنت إذن أنشد الدمعة المستحيلة في الأعين الخاملة
أو يتعامل بشاعرية فائقة مع إعادة تشكيل قصة سندريلا في القصيدة التي تحمل العنوان ذاته أو يستخدم النحو لإنتاج الدلالة حين يقول: أنا من خالط اشتهائي نقائي.
إن قصيدة ” لماذا أسافر عنك بعيدًا؟ ” برغم الضعف البادئ في مطلعها تنطوي على قوة في البناء، وبخاصة في المقطع الأوسط منها، يتوازي مع جمال البناء في قصيدة ” القطار ” والتوازي الدقيق بين مقاطع القصيدة بأجزائها الثلاث، ولكن شاعرنا يؤوده الاستمرار، ويشده ما يظنه ولاءً للتراثن ويجذبه –برغم استسلامه للدفقة الأولى- حصارات من أعراف وتقاليد، فيزن ألفاظه بميزان الذهب، ولو أطلق سجيته لأبدع، وتخلى عن هيمنة التشبيه الذى يجتاح الديوان، وهو يقوم على ما نراه في الديوان من روح المظهر الخارجي أو البحث عن علاقة التشابه بعيدًا عن الاستعارة التي تقوم على التكافؤ، وهو –التكافؤ- لا يتاح لصاحب الرؤية الأحادية، والحماسة البريئة لأفكاره ومعتقداته دون شك أو تساؤل.
ربما يفهم البعض هذه السطور أنها جاءت من منطلق أن “الدين بمعزل عن الشعر ” ولكن سطورنا تحاول فتح الجدلية والاستفادة منها أمام نفس شعري جميل، ليستفيد منها (من الجدلية) طبعه الرقيق في مواصلة صنعة الشعر المرهقة، فليس يكفي أن تكون روحًا مرهفة وسط عواء الآخرين، وليس يكفي أن تكون إنسانًا رائعًا وسط إبداع صلب، وليس يكفي الحسّ بديلًا عن الصنعة.
إن الصنعة قد ترفع الباطل، وكذلك فإن قلتها قد تخفض الحق.



آخر التعليقات