محمد أحمد العدوي

http://ataleofadays.blogspot.com/

فصل في حكاية . او حكاية في ذاته .. أو مجرد كلام

الرشيدة قرية صغيرة لا يذكر التاريخ مولدها ، ولا يعلم أحد من الذي تركها وحدها هنا ورحل فكبرت بهدوء حتى أصبحت تضم بيوتا لا تزيد عن الأربعين ، لا تصل إليها إلا عن طريق ترابي لم يرصف وعلى مد ذراعه الأيمن يصحبه جدول الماء الذي يرويها وعلى ذراعه الايسر تمتد بسط خضراء متعاقبة حتى تلتقي بالسماء ، وهو ظليل في بعضه بأشجار الصفصاف ذوات الشعور المسدلة ، لم يعرف هذا الطريق سيارة إلا سيارة لطفي باشا وكانت أول سيارة تطؤه وآخر سيارة أيضا . أقرب سيارة تبلغك القرية تقف بك عند أول هذا الطريق .

بعد الفجر لا يفارق عبد الحي المسجد حتى تطلع الشمس يخرج إلى فدادينه الثلاث التي آلت إليه بعد قانون الاصلاح الزراعي يجلس هناك يرقب الفلاحين إن كان هناك عمل او يرقب زرعه وهو يكبر حتى إذا انتصف النهار عاد إلى بيته يرتاح حتى الغروب ثم يختلف إلى زرعه يحكي له حتى ينام . لم تختلف له عادة منذ خمسين سنة ، وإلى اليوم وهو يطرق باب الثمانين لا تزال قدميه وعصاته قادرتين على حمله إلى هناك .

لم يكن الضباب قد انكشف ولا يظهر من الدنيا إلا البياض وأشباح حياة مختفية . ربما مترين فقط هي كل المسافة المرئية أما ما سوى ذلك فحياة كالحلم ، تنعدم تفاصيلها . وما كان في نفسه يشبه ما كان يراه أمامه ؛ لم تعد الأرض تدر ما يكفي نصف أيام العام . أبناؤه لا يكفون يطلبون مع أن اصغرهم يعمل وله دخل يكفيه وأولاده . يحيى لم تعد حوالاته تصل ، هكذا تقول زوجته وهو يريد أن نكمل له بناء بيته . سعد عليه ديون كثيرة وإبراهيم لم يفلح ولده في المدرسة فتقدم لجامعة خاصة ومنى ابنتها أصبحت عروسا ولا تملك تجهيزها .

ترك المسجد وسار كما اعتاد إلى أرضه . يحفظه هذا الطريق ، كل شجرة هنا تسلم عليه في كل رواحة وغدوة . قديم جدا هذا الطريق ، من أيام الباشا . يبدء عند المسجد حتى تقطعه أرض رفض ملاكها يومها أن تشق بطريق فانعطف الطريق إلى جهة الشرق قدر نصف كيل ثم عاد . حتى الطرق كانت تنعطف لأصحاب الأرض ، لماذا إذا عندما أصبحنا نحن ملاك الأرض لم ينعطف لنا طريق . كل الطرق التي ولدت بعد ذلك ولدت عمياء . أو أننا أصغر من أن يرانا طريق . خلف هذه الشجرة كانت أول قبلة له ، شمس هو اسمها ، وشمس هو نورها ، يغسل كل ركن في نفسك . وعلى رأسها منديل كغمامة حانية ، لازال لحن ضحكتها معلقا في أغصان هذه الشجرة .

أمتار حتى لاحت له سنابل الأرز في حقله . تهتز جميعا كأنها في حفل راقص . وحده اجتماعهم هو ما يحفظ لهم أعوادهم الضعيفة ، هو ما يجعلها قادرة على الوقوف . كان الضباب قد ارتفع قليلا وبدا الأفق الأخضر يتكشف بهدوء . تسعمائة ألف هو ثمنك الذي عرض عليّ ، لم أجمع منك عشر هذا الرقم . بل لو جمعت كل ما خرج منك ما بلغ النصف منه . لماذا كنا نحلم أن نمتلكك ما دام عطاؤك ضحلا هكذا . يقولون إن عطاء الأرض أشياء غير الطعام والمال ، وماذا يفيد أي شيء سوى الطعام والمال . أخبروني أن الذي يريد شراءك لديه مصانع فواكه و خضراوات يصدرها للعالم . لماذا عندما تطعمين سوانا يزيد عطاؤك ؟! يدفعون أكثر ؟! يأكلون أكثر ؟! يعرفون كيف يأكلون ؟! أم يعرفون لماذا يأكلون ؟!

أعلم أني سأموت عنك قريبا . سيستأثر بك يحيى وزوجته ، ستبكي منى كثيرا ، وسيعنفها زوجها دوما ويطالبها أن تطلبك من أخيها ، لن يأبه سعد مع حاجته ، لا شيء يربطه بهذا المكان ولا حتى أنا .ماذا علي إذا لو أفقدك لنربح جميعا .

كل هذا الأفق ملكه رجل واحد كنا يقيس أملاكه بالمحطات التي يفق فيها القطار حتى يقطعها ثم ملكه أربعون بيتا ثم هو الآن لتسعين ومئتين ..
.
ثم أنت كما أنت لا وفاء فيك لاحد .

- لا تتم أبدا -