الأنساق الدلالية في القصيدة المتوحشة لنزار قباني
مدارات أدبية 13 ديسمبر, 2007مداخلة بعنوان : الأنساق الدلالية في القصيدة المتوحشة لنزار قباني
إعداد الأستاذتين : دندوقة فوزية و لحمادي فطومة
أعمال الملتقى الوطني الثاني ، الأدب و المنهج ، جامعة 8 ماي 1945 ، قالمة 2005

1- العنوان :
إذا تأملنا عنوان القصيدة وجدناه يمثل متاهة نصية، فخ ينصبه الشاعر للقارئ ليوهمه من الوهلة الأولى أن القصيدة تحمل كل معاني التوحش، لإغرائه بقراءتها، و تتبع معانيها، لذا جاءت العناوين الفرعية متشظية من العنوان الرئيس على الترتيب الآتي:
1- الحب الأبدي /2- الحب العابر /3- الحب المتوحش /4- الحب المستسلم / 5- الحب الأسطوري/ 6 - الحب الصـارخ/7- الحب الهــارب/8- الحب الجــارف.
إذا فقد تجلت صورة الوحشية بوضوح في العنوان الفرعي الرابع، فصور لنا امرأة متوحشة في حبها، في قوله:
أحبيني ..
بكل توحش التتر
بكل حرارة الأدغال
كل شراسة المطر
ولا تبقي و لا تذري..
و لاتتحضري أبدا ..
فقد سقطت على شفتيك
كل حضارة الحضر
و السؤال المطروح : هل سعى الشاعر فعلا إلى الحديث عن حب امرأة متوحشة في حبها ، أم أنه اتخذها رمزا لشيء أراده خفيا؟
بما أن مصدر الخلق ذو طبيعة أنثوية دائما ، فقد شبه الشعراء المرأة بما هو أصل في الحياة كالماء و الأرض …إلخ، و اتخذوها رمزا للحلم و المرام ، حتى أن المتصوفة يرونها رمز الأنوثة الخالقة للرحم الكونية ، و هي بوصفها كذلك علة الوجود و مكانه، و العاشق كي يحضر فيها يجب أن يغيب عن نفسه ، عن صفاته ، فيتجرد من كل ما يحمل من صفات ليثبت ذات حبيبته و يتوحد بها.
و هو ما جعل شاعرنا يتخذ المرأة رمزا للحياة و الوجود، و يوظف صورتها في حديثه بجعلها بؤرة القصيدة، فنراه في كل مقطع من مقاطعها يدعو هذه الحبيبة إلى مبادلته الحب بشتى الطرق و الأساليب؛ حبا جارفا أبديا، صارخا…
الحب المستسلم
القصيـــــــدة
المــــــــــرأة
الحب الصارخ
القصـــــيدة المـــــــــــــرأة
الحب الجارف
القصيــــــــــدة
المـــــــــــــرأة
الحب المتوحش
القصيــــــــــدة
المــــــــــــــرأة
الحب العابـــــر
القصيــــــــــدة
المـــــــــــــرأة
الحب الهارب
القصيـــــــــدة المـــــــــــــرأة
القصيدة المتوحشة
نحاول من خلال هذا المخطط أن نلخص مجموع الثنائيات التي تتجاذب في طرفيها القصيدة المتوحشة، حيث نجد الشاعر ملهما بامرأة تحمل حبا جارفا ، صارخا ، أبديا…امرأة اتخذها رمزا لأبعد من علاقة بين جنسين بشريين، لأن الحب القوي في قصيدته المتوحشة لا يجمع إلا بين الشاعر و تجربته الشعرية.
2- ثنائية (الحضور/الغياب) من خلال الأنساق الدلالية:
إذا تتبعنا القصيدة من بدايتها مرورا بأول بوابة من بواباتها تراءى لنا الفعل(أحبيني) الذي يدعو من خلاله محبوبته لتبادله الحب دون عقد و لا وثاق ، و هي الصورة الحاضرة التي يتوهم فيها القارئ أن الشاعر يخاطب المرأة بشكل مباشر ، في حين أنها تحمل صورة غائبة يتوجه فيها بهذا الفعل إلى محبوبة أخرى هي القصيدة ، أو العملية الإبداعية ، لأننا إذا تأملنا البنية الصوتية لفعل الأمر (أحبيني)وجدنا معناه محصورا بين صوتي(الحاء) الحلقية المهموسة التي تدل على العطف و الحنان، و (الباء) الشفوية المجهورة التي تدل على القوة و الاندفاع ، مما يجعل دلالته في مجملها مقترنة بضرورة تبادل الحب بكل الحروف و العبارات ؛ لأن الحروف العربية محصورة من حيث مخارجها بين الحلقية و الشفوية ؛ إنها الكتابة المتحررة من قيود الشعر القديم .و يؤكد الشاعر المعنى نفسه في الشطر الثاني من خلال قوله:
و ضيعي في خطوط يدي
أي ضيعي و توهي في خطوط كتاباتي، إنه بهذا يمارس لعبة اللغة على القارئ على حد تعبير “ريفاتير” ، فيوظف الميثولوجيا الشعبية المتمثلة في قراءة الحظ(الطالع) في خطوط الكف ، و كأن قدرها في هذه النتوءات و الخطوط ، إنه يحلم بعشق أبدي بينه و بين كتاباته ، (دوام الدفقة الشعورية).ثم يؤكد في المقطع الثاني الذي يقول فيه:
أحبيني ..لأسبوع ..لأيام ..لساعات
فلست أنا الذي يهتم بالأبد..
على طلبه المتمثل في رغبته في الحب ، لكنه يكتفي هنا بلحظات من حياته ، و هنا يظهر فعل الزمن الذي يفرض نفسه على الشاعر ، فتراه يقنع بالقليل من العمر دون أن يهتم بالأبد ، و هذا ما يشير بشكل واضح إلى لحظات الدفقة الشعورية التي تنتابه لفترات زمنية مختلفة ، دون أن تطول أو تتكرر ، إنه يعني شيطان الشعر الذي كان يتملك الشعراء القدامى في لحظات إبداعهم ، فها هو أبو النجم يقول(الرجز):
إني و كل شاعر من البشر شيطانه أنثى و شيطاني ذكر.
و تظهر صورة هذا الشيطان بجلاء عند نزار في قوله:
أنا تشــرين..شهر الريح
و الأمطار..و البرد..
أنا تشــرين..فانسحقي ..
كصاعقة على جسدي..
إنه يلح على حاجته لهذا الشيطان الذي سيسحقه، و يبعث الروح فيه ، لأنه يحيا خريفا تسوده الريح و الأمطار و البرد، و تتراءى لنا صورة شيطان الكتابة حتى تبلغ في توحشها توحش التتر الذين غيروا مجرى التاريخ العربي، و في هذا توظيف للعلامة التراثية التي يقابلها بجملة من صفات التوحش : حرارة الأدغال ، شراسة المطر ، الهلاك (لا تبقي و لا تذري)، و ذلك في المقطع:
أحبيني..
بكل توحش التتر..
بكل حـرارة الأدغال
كل شراسة المطر
و لا تبـقي و لا تذري
و هنا يستحضر الكائن النباتي الذي له أبعاده و دلالاته عبر صيرورة الجفاف و الجدب فعالم القصيدة يفيض مطرا ، و توالدا و تناسلا ، في حين أن عالم الشاعر الواقعي ساكن بارد ، فيلجأ للهروب إلى الكتابة الشعرية التي يجد فيها خلاصه من الجمود و السكون، و في هذا تمرد على واقع مرفوض ، منبوذ يجعله يدعو إلى الرحيل بعيدا عن أسوار مدينته التي تمارس بكل تعصبها و تخشبها فعل الكبت و التقييد ، إذ نراه يقول:
أحبيني..بعيدا عن بلاد القهر و الكبت
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت
بعيدا عن تعصبها ..
بعيدا عن تخشبها ..
و لا يكتفي الشاعر بتوظيف العلامة التراثية بل يتعداها إلى العلامة الدينية التي تسيطر على الأفراد و الجماعات بمختلف توجهاتهم ، و قد تمثلت في قوله:و لا تبقي و لا تذري ، إنه يريدها نارا متوهجة ، تضاهي نار سقر، النار التي توعد بها الله الكافرين في قوله:﴿سأصليه سقر ، و ما أدراك ما سقر ، لا تبقي و لا تذر﴾ .
و يعود الشاعر مرة أخرى إلى الحديث عن القصيدة كطرف غائب مثلته صفة التوحش في قوله:
و لا تتحضري أبدا..
فقد سقطت على شفتيك
كل حضارة الحضر
فهو يبحث عن الفطرة و البساطة ، و يرفض التكلف و التنميق ، و كأنه يدعو إلى رفض الشعر القديم بشكله و صوره ، إنها دعوة صارخة لضرورة اتباع الشعر الحر الذي تقول فيه نازك الملائكة: “لقد وجد الشاعر الحديث نفسه محتاجا إلى الانطلاق من هذا الفكر الهندسي الصارم الذي يتدخل حتى في طول عبارته ، و ليس هذا غريبا في عصر يبحث عن الحرية ، و يريد أن يحطم القيود ، و يعيش ملء مجالاته الفكرية و الروحية”.
و يحافظ الشاعر على مسار واحد في اتخاذه المرأة رمزا للكتابة الشعرية ، فيلبس هذه الأخيرة صفات المرأة ، ليجسدها في صورة نحت ملامحها بإتقان ، فأبرز أنوثتها من شفتين ، و شعر وقدمين …إنه يخترق مناطق اللامساس ، فيستدعي القارئ و يشده إلى القصيدة ، عندما يصبغ هذه المرأة بصفات تزيدها فتنة و توهجا ، بينما يبقى أسير جموده و سكونه .
إنه يتلذذ بموته ، فيخاطبها قائلا : كوني كموت غير منتظر ، لأنه بموته يحيا مجددا على مذهب المتصوفة ، إذ يقول الحلاج : ( اقتلوني يا ثقافي إن في موتي حياتي) ، إنها قمة الحلول في الآخر.
و يوظف من جديد العلامة التراثية و الدينية المتمثلة في صورة الذئب ، التي تبدو في قوله : يهاجمني كذئب جائع خطر
إذ يستحضر قصة سيدنا يوسف عليه السلام للدلالة على صفات الذئب المتوحش ، و ذلك في قوله تعالى﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا تستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، و ما أنت بمؤمن لنا ، و لو كنا صادقين ﴾، إن الذئب دليل الذات الفردية التي تصارع الجماعة (المتمردة عليها) ، كما تتمرد قصيدة نزار على قصائد الشعراء الآخرين في أسلوبها و كتابتها ، إنه بهذا يسعى إلى احتلال مكانة مرموقة في قلوب الناس جميعا ، و بالخصوص بين الشعراء الذين كثيرا ما اتهموه في شعره ، كما اتهم الذئب بقتل سيدنا يوسف ، و هو بريء من دمه ، فقد يغير شعره ما بالكون كرياح عاصفة ، تماما كما تغير الأمطار بنية الجزر ، و لعله في قوله هذا يؤكد مرة أخرى على وحدته ، وانعزاله ، لذا فقدره مرتبط بالمرأة القصيدة :
أنا رجل بلا قدر
فكوني.. أنت لي قدري
و ما دامت هذه المرأة قدره فلا بد أن تكون مسلمة بحبه ، راضية به قدرا لها ؛ لتذوب الذاتان في ذات واحدة، فهو قدرها الذي يحتويها كما يحتوي الغمد السيف .ثم يدعوها إلى التخلي عن كل سلبية قد تشين حبهما (التساؤل، الخجل ، الخوف) ، من أجل أن تتسم بتناقضات تزيدها جمالا:
و كوني البحر و الميناء…
كوني الأرض و المنفى
و كوني الصحو و الإعصار
كوني اللين و العنفا…
التضاد التضاد
البحر الأرض الصحو العنـف
المنفى الميناء اللين الإعصار
التضاد التضاد
إنه يريد هذه المرأة كسفينة نوح التي حملت من كل زوجين اثنين ، لتضمن استمرارية الحياة ؛ إذا فهي الحياة بكل تناقضاتها .
ثم يوظف التمة الأدبية (ألف) التي تدل على التعدد و الكثرة ، و قد انتقاها الشاعر لما لها من مرجعيات تاريخية مختلفة (ألف ليلة و ليلة) (ليلة القدر خير من ألف شهر) …و كأنه عدد مقدس ، يريدها الشاعر متعددة مثله في صورها ، و أساليبها ، و كأنها قبلة لجميع الحضارات و الديانات ، رافضا أن تكون في صورة واحدة صافية واضحة ، لان الجمال يكمن في الغموض ، إذ يقول :
أحبيني بألف و ألف أسلوب
و لاتتكرري كالصيف ..
إني أكره الصيف
ثم يدعو في موضع آخر:
أحبيني ..و قوليها
لأرفض أن تحبيني بلا صوت
و أرفض أن أواري الحب
في قبر من الصمت
أحبيني عن بلاد القهر و الكبت
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت
بعيدا عن تعصبها
بعيدا عن تخشبها
أحبيني .. بعيدا عن مدينتنا
التي من يوم أن كانت إليها الحب لا يأتي..
إليها الله لا يأتي..
يدعو إلى الإعلان عن العلاقة بينه و بين القصيدة ، فكان وحيا أمره أن يدعوها إلى الإفصاح (كما الأنبياء ) ، لأنه أراد أن يبلغ رسالته ، و يرفض أن تبقى حبيسة ذاته و أوراقه ، لكنه يؤكد على أن حبه محكوم عليه بالموت ، لذا يجب أن يفر به من مدينته التي تحارب هذا الحب(صورة الرسول عند هجرته من مكة إلى المدينة ) و إن نحن تأملنا المقطع الآتي:
أحبيني .. و لا تخشي على قدميك
سيدتي ..من الماء
فلن تتعمدي امرأة
و جسمك خارج المــاء
و شعرك خارج المــاء
فنهدك بطة بيضاء
لا تحيا بلاماء..
وجدناه وظف العلامة التراثية المتمثلة في قصة بلقيس مع سيدنا سليمان عندما كشفت عن ساقها، و تتأكد الصورة و تتضح في قوله (لا تخشي على قدميك من الماء) ، فارتبط الحب عنده بالحب و الخصب و النماء.
نخلص من كل ما سبق إلى أن الشاعر قد أكثر من توظيف العلامة الدينية ، فتراه يذكرنا مرة بهجرة الرسول ، و مرة بقصة سيدنا سليمان مع بلقيس ، و أخرى بحادثة يوسف عليه السلام…و كأنه يريد أن يعلن أنه الشاعر النبي الذي أوكلت له مهمة إصلاح ما في الأمة من اعوجاج ، فهو بهذه القصيدة يرمي إلى إحداث النقلة في الكتابة الشعرية العربية.



6 يناير, 2008 على 5:23 pm
كلام جميل و مُتَخيَّلٌ بعيد الغور،لا يحيا الاّ في مخيّلة الكاتبتين…اذا اعتبرتمونا عربا ـ و نحن كذلك ـ و نفهم لغتنا ،فما يقصده الشاعر قريب أبعدتموه،إن هذا الكلام هو غيمة داكنة وارت القصيدة من حيث أُريدَ بيانها. ان هذا دليل على أن النقد الادبي أصبح كلام كهان أو قراء كفوف.
يستطيع أي انسان عربي ان يستنكر وضع تلك العلامات الخاطئة على النص لتوجيه القراء الى التعمية ،و سوقهم قهرا الى مشهد اعدام الشاعر،و القصيدة ،والقراء ,و….ولا يبقى الا الناقد لوحده في ساحة خالية.
عذرا ،فلم أستطع أن أتحمل هذه القراءة التي شوشت المعنى المفضوووووووووووووووووووووووووووح.
24 يناير, 2008 على 4:38 pm
أشكر الأستاذتين على هذا الخيال الواسع و أقول لكل قارئ ما يرى، فإن رأت الأستاذتان أن القصيدة أعمق من أن تكون هرطقات جنسية فهذا من بعد نظريهما و لي منهما كل الدعاء بالتوفيق
30 أبريل, 2008 على 11:04 am
أشكر لأخي لبيانه ما كنت أقصده،فقوله:”…فان رأت الأستاذتان…” نعم،نعم…رأتا ولم ير الشاعر(النبي؟!على حدّ قولهما)…