تتعثر في خطواتها كلما سمعت صوته يقترب. أنكفأت علي وجهها و جرت مرتعدة كي تنظف يدها و تغير ملابس المطبخ التي تملؤها رائحة الطعام. أخيرا وصلت بعد معاناة إلى غرفة نومهما. فتحت دولابها بيد مرتعشة فصوته الجَهْوَريّ يصلها من أسفل النافذة و هو يلقي بالتحية علي رواد القهوة المقابلة للمنزل.
_ أي فستان ارتديه له؟
بالأمس ارتدت له فستانا أحمر كان قد اشتراه لها في رحلته الأخيرة لمصر و رغم أنها كانت قد تعطرت له من العطر الجديد أيضا إلا أن مزاجه المعكر دون سبب تعرفه جعل ليلتها سوداء. كان غاضبا فحاولت أن تخفف عنه لكنه بدلا من أن يهدأ صب جام غضبه عليها و أوسعها ضربا متهما إياها بتجاهل مشاعره. مازال وجهها يحمل أثار يده لذا عليها أن تبذل مجهودا مضاعفا لإخفاء أي أثر حتى لا يعاقبها لأنها تتعمد إظهاره بقلـب قاس ٍ.
_ ترى ما حالتك اليوم؟
لقد تركها و نام كأنه لم يفعل شيء. لم يتناول معها لقمة علي الرغم من أنها ظلت طوال الأمس تعد له أشهى الطعام فقد عاد إليها بعد غياب شهرين لم تسمع فيهما أي خبر عنه سوى أنه بخير. تلك الجملة اليتيمة التي كان أخوه يلقيها على سمعها كلما أحضر لها احتياجاتها كل فترة من السوق، فقد كان ذهابها إليه من المحرمات التي فرضها عليها على الرغم من وقوعه في الشارع المجاور لهما.
مازالت تسمع حديثه مع رواد القهوة. ها هو صاحب المقهى المعلم مجدي يدعوه للجلوس و يقدم له الشاي.
_ الحمد لله سيتأخر قليلا.
حين خرج في الصباح لم تستطع أن تتبين حالته النفسية فقد كانت نائمة من شدة التعب. غادرت السرير و هي تشعر بآثار قبضات يده القوية التي هزمت رقة جسدها.
_ آه.
رغم كل ما حدث عليها أن تبدأ في إعداد مائدة جديدة و طعام جديد و ليذهب طعام الأمس الذي لم تذق هي الأخرى شيئا منه إلي الجحيم، فالمهم أن تعد له طعاما طازجا و إلا..
أخرجت فستانين أحدهما أسود مطرز اشتراه خصيصا لها حين كانا معا في الإسكندرية في شهر عسلهما حيث أخبرها يومها أن لونه مناسب جدا لبشرتها شديدة البياض و قوامها الملفوف. أما الفستان الأزرق فكان الأقرب لقلبها لكنها تعرف كم يمقته على الرغم من أنه اشتراه لها بعد إصرار والدتها عليه يوم كانوا يشتروا جهازها.
حاولت المفاضلة و هي تتذكر كلماته لها حين سألته في يوم عن سر تمسكه بشراء الفساتين لها و إصراره على ارتدائها بدلا من قمصان النوم:
_ اشعر أنك ِ تتقمصين دور المرآة الناضجة كلما ارتديتي الفساتين.
_ نعم.
قالتها بحسرة و نظرت في المرآة لتبحث عن تلك المراهقة التي وأدها حين تزوجها منذ عامين و هي ابنة الأربعة عشر. انسابت دموعها دون إرادتها و هي تتذكر كيف عاملها في ليلة عرسهما. تلك الليلة التي سمعت عن روعتها كثيرا لكن يومها فوجئت بالذل و الهوان.
سنوات من الطفولة مرت عليها و هي تسمع أن أجمل شيء في الدنيا أن تتزوج الفتاة بفارس الأحلام. و قد كان فارسها يطل عليها من بين صفحات الكتب و هي تدرس في المدرسة. شابا وسيما حنونا مثل أخيها الأكبر. لكن ما أغبى تلك الأحلام حين نفيق منها على الواقع. نعم.. هي فاقت من أحلامها على رجل في الخمسين من عمره. وسيم الطلعة قبيح الكلام كلما تحدث معها.
سرعان ما تذكرت أن عليها إعداد نفسها خلال دقائق قليلة لتستقبله كما يريد. وقع اختيارها أخيرا على فستان آخر من الأورجانزا اليلاه. كان رقيقا جدا و حزينا أيضا. ارتدت الفستان على عجل و تزينت و تعطرت و قبل أن تصل لباب الشقة لتستقبله .
_ ما تلك الرائحة ؟! الطعام؟!
جرت في اتجاه المطبخ لتلحق الطعام المحروق لكن صوت جرس الباب جمدها في مكانها. نظرت برعب لباب الشقة. لو تركته على الباب لنعتها بإهماله و لنالت ما نالته بالأمس ثم عادت و نظرت للمطبخ بقلق لأنها لو تركت الطعام المحروق و دخل و شم رائحته لكانت أيضا ليلتها كسابقتها. لذا حاولت أن تبحث عن أقل الحالتين سوادا.
.~.~.~.
انفجرت في البكاء و حاولت أن تتجه إلى باب الشقة لتفتحه لكن قدميها عاندتها و كأنها ربطت في قالبين من الحجر الصوان. أرادت أن تنطق لكن كلماتها ارتدت إلى حنجرتها قبل أن تخرج. أخيرا حسمت أمرها و اتجهت للمطبخ خوفا من احتراقه بعد أن زادت رائحة الغاز.
أطفئت البوتوجاز و فتحت الشباك ليخرج الدخان و تُخلص المكان من الرائحة الخانقة. ثم جرت و فتحت باب الشقة الذي كان الطرق قد زاد عليه.
_ الدخان يتصاعد من شباك المطبخ.
نطق بالجملة شابا في أوائل العشرينات كان واقفا أمام باب الشقة و قد استبد القلق به.
_ لابد أنه الساكن الجديد.
قالتها لنفسها و وجدت نفسها تنسي كل شيء في لحظة و تتأمل ملامحه. كان يشبه أخيها الأكبر. الشخص الوحيد في عائلتها الذي عارض تلك الزيجة و هددهم بالإبلاغ عنهم إذا ما زوجوها قبل الأوان. كان طويلا و أسمر مثل الشاب الواقف أمامها و الذي اكتسبت عينيه نفس نظرة عيني أخيها القلقة عليها بعد أن فشل يومها تهديده في إثناءهم عن الأمر.
ابتسمت من بين دموعها دون أن تشعر، فرد عليها الشاب بابتسامة خجولة. ثم انفجرت في الضحك علي نفسها، فقد كادت تقتل نفسها خوفا حين ظنته زوجها.
_ ما أجمل الضحك في غيابي؟
بهتت حين سمعت صوت زوجها يأتيها من خلف ظهر الشاب الذي ألتفت للخلف و تراجع مبتعدا عن مدخل الباب حتى أفسح لها الرؤية.
كان الشر محفورا علي ملامح زوجها.
_ لابد أنه يراني خائنة.
هكذا رنت الجملة في عقلها. فتحت فمها لتخبره بما حدث لكن نظراته القاسية ألجمتها فأطبقت فمها مبتلعة الكلام. توقعت أن يرفع كفه و يصفع الشاب علي وجهه ثم يوسعه ضربا لكنه أكتفي بنظرة واحدة جعلت الشاب يغرق في عرقه و يصعد السلالم مهرولا. أما هي فتراجعت للخلف و هي تتخيله سيوسعها ضربا كما تعودت منه كلما غضب لسبب ما. لكنه بدلا من ذلك أمسكها من ذراعها و سحبها خلفه و هو ينزل السلالم.
أخيرا قالت:
_ سعد. أنا لست خائنة. لقد كان الطعام….
_ شوش.
أرادت أن تصرخ لكن كيف؟! أتفضح نفسها بنفسها؟! حاولت أن تسير بمحازاته حتى لا تلفت الأنظار إليها و هما يغادران باب المنزل لكن ما أن أصبحا في الشارع حتى دفعها بعنف لتقف في منتصف الطريق بين القهوة و المنزل في مواجهته.
ألتفت رواد القهوة إليهما. إنها المرة الأولى التي يروا فيها تلك الغادة التي تزوجها الأستاذ سعد منذ عامين و أودعها ذلك المنزل. كان الكل يتفحصها كأنها جارية معروضة في سوق النخاسة. فتلك هي المرة الأولى التي يرونها في صورة امرأة، فالمرات النادرة التي خرجت فيها للشارع كانت مغطاة بالسواد تماما.
صرخ فيها زوجها بصوت أجش:
_ أنتي طالق بالثلاث.
فقدت بشرة وجهها لونها الأبيض و تحولت للون الأموات، و للحظة لم يتكلم أحد ثم أرتفع صوت المعلم صاحب القهوة و قد وصل إليه و أمسك بكتفه قائلا بعتاب و الرغبة في رؤيتها عن قرب تطل من عينيه:
_ كيف ذلك أستاذ سعد؟ استغفر الله العظيم.
نظر الزوج له كأنه سيصفعه و قال:
_ انتهى الأمر . ليس لها عندي شيء.
ثم نظر لها بازدراء و قال:
_ فلتجعليه يقوم بتوصيلك.
شعرت بآلاف الصفعات تنزل علي وجهها من جملته الأخيرة و كأنه لم يكتفِ بتطليقها بتلك الطريقة المهينة حتى يلوث سمعتها. الآن لن يجرؤ أحد على توصيلها حتى القطار لتعود إلى القاهرة حتى لا يحمل عاره معها. كم تشتاق للعودة للقاهرة؟ صحيح أنها لا تعرف كيف تواجه مصيرها هناك لكنها لا تستطيع البقاء هنا. لقد تحملت سنتين من الذل على أمل أن يتغير و يرق قلبه لها بعد أن فقدت أسرتها كلها في حادثة القطار الأخيرة.. لكنه كان يزداد قسوة و عنفا كأنه يعاقبها علي فارق السن الكبير بينهما، ففي كل يوم تزداد هي نضجا و يزداد هو ذبولا.
حين طلبت من أخوالها و أعمامها استقبالها يوم أن كانت مصممة على عدم الزواج به نعتوها بالجحود على تلك النعمة التي بين يديها فكيف تهرب من ذلك العز الذي يقدمه لها الأستاذ سعد صاحب السلطة و الجاه. أما الآن هي متأكدة أنهم لن يسمحوا لها بالوقوف عند عتبة شققهم بعد أن يصلهم خبرها و سيصدرون حكمهم النهائي عليها دون سماعها.
الآن لا أسرة و لا مال و لا مكان تأوي إليه بعد أن فقدت شقة والديها المتواضعة التي استولي عليها صاحب البيت. حتى التعليم حرمت منه بزواجها. الآن لم يعد لديها في الدنيا سوى ذلك الفستان الذي ترتديه.
لم تعلق علي كلامه. لم تصرخ أن ما يحدث لها ظلم. لم تدافع عن نفسها. لم تقل و ماذا عن علاقاتك النسائية التي أري أثرها كل ليلة في ملابسك. فقط نظرت له نظرتها الأخيرة و رحلت في صمت.

ايمان عزمي