كانت جميلة / قصة قصيرة
مدارات أدبية 20 مارس, 2008
أذكر ذلك اليوم و أنا صغير.. رأيتها تجلس هناك ..على رصيف حوش مدرسة علي مبارك الابتدائية المشتركة..وحيدة كانت..جميلة كانت..جذبني سحرها فوجدت نفسي أجلس بجوارها ..و أأكل معها ساندويتش الجبنة الذي تعده لي أمي يوميا..تجاذبنا أطراف الحديث..تحدثت عن أمها و أبيها..بينما تحدثت أنا عن أمي فقط..فأبي لا أعرفه..أعرف فقط أنه مات منذ زمن..يقولون شهيد شرطة..أخبرتني أنها لا تعرف أي شيء..تقول لأمها أنها تريد أن تكون طبيبة لأنها تريد ذلك..بينما تقنع أباها دائما أنها تريد أن تصبح صحفية مثله..تنظر إلي بعينيها البنيتين..عادية اللون لكنها تحمل سحرا غامضا..
-و انت عايز تبقى إيه لما تكبر يا أحمد؟
أجبت بارتباك:
-أنا؟..أنا كمان مش عارف..ماما بتقول لي عايزاك تبقى ضابط.
ثم بابتسامة كبيرة:-بس أنا لسة مش عارف.
أذكر أنه في هذا اليوم نشأت بيني و بينها علاقة ما..ليست حبا بالطبع فالحب لا معنى له بين طلبة في الصف السادس الابتدائي..بإمكانك أن تقول أنها مشاعر ألفة.
——–
مازالت جميلة
***
سنوات عدة مرت منذ دخلت المدرسة الإعدادية فالثانوية ..حياة ذكورية خالصة لا تخلو من مرح المراهقة و بهجتها..أحيانا كنت أتذكرها..أتذكر شعرها الأسود الناعم المفروق من منتصفه المنساب على رأسها بسلاسة حتى ينقطع عند كتفيها الصغيرين..أتذكر نظاراتها الطبية الكبيرة..كثيرا ما شجعتني في لحظات الضعف..كثيرا ما ساعدتني في دراستي الصعبة..كثيرا ما تخيلت كل هذا للحظات قبل أن أعود لألتهم الكتب..انتهت المرحلة الثانوية و لم يتبق سوى انتظار النتيجة..أن تقارب المئة في المئة فأمك لن تقبل بالطبع أن تلتحق بسلك الشرطة-خاصة أن جسدي لم يكن يسمح بهذا-..و لن تقبل أيضا أن تذهب إلى أي كلية أخرى بعيدة عن مدينتنا الصغيرة وتتركها وحيدة بلا رجل..لهذا وضعت الملصق على الاستمارة بثقة ورضا..طب طنطا.
******
مضت أيام قليلة في حياتي الجامعية..تعرف علي عدد قليل من الزملاء كالعادة..لم أحاول أن أتعرف على أحد بالطبع فهذا ليس مما يسهل عليّ أن أفعله..دائما ما يقولون أني غبي سمج..هذا هو التعريف الآخر للإنطوائية هنا .
******
للدهشة بالتأكيد علامات معروفة..الحاجبان المرفوعان..ملامح الصدمة المنحوتة بدقة..لسان أخرس..أنت تعرف تلك العلامات بالطبع.
-انت أحمد رشاد؟
التفت إلى مصدر الصوت..التفت إلى الوجه الأبيض النقي كالملائكة..يا لله..مازالت وجنتيها حمراوتين كثمرتي تفاح ..قلبها الصغير الجميل يضخ الدم دوما إلى وجنتيها في كل الأوقات..لحظات الخجل..لحظات الدهشة..أي لحظات..المهم أن تظل وجنتاها هكذا..
بالطبع لم اذكر لها اسمي..ملامحي تشي به كما تشي ملامحها باسمها..فنحن لم نتغير كثيرا مذ كنا أطفالا
-كريستين؟..ازيك؟
لم يكن ردي بحجم الموقف..لكني لم أجد إلا هذا لأرد به..أذكر أنه في هذا اليوم نشأت بيننا علاقة أخرى..لا هي ليست بالحب طبعا..اسمها أكثر ما يوضح لك ذلك..علاقة صداقة كانت.
******
ثلاث سنوات كاملة من الحديث..الحديث عن كل شيء..الدراسة و الأدب و البشر و الوطن..كل شيء..أذكر أني مرة كتبت فيها شعرا من الغزل طالبا منها ألا تفهمني (غلط)..و قد فعلت..فما بيننا ليس سوى صداقة في النهاية.
******
في نهاية السنة الثالثة حدث شيء غريب..بل مفجع إن شئت الدقة..كانت تودع الجميع..بمن فيهم أنا..سوى والدها أمره ليستقر في القاهرة و هي ستحول إلى القصر العيني لتكمل دراستها هناك..وودعتها على وعد باستمرار التواصل.
——–
ستظل جميلة
ايييييييه..مرت سنوات عديدة منذ رأيتها آخر مرة..أتتبع أخبارها بالصدفة من حين لآخر و أقابلها نادرا فنتذكر أياما مضت ..صحيح أني تزوجت مرتين كانت كل مرة أشد فشلا من الأخرى..صحيح أنني لم أنجب بعد لأني لم أرد لولدي أن تلده واحدة من تلك المأفونتين ..صحيح أنني أحتفظ بصورتها دائما معي..صحيح أنني تخطيت الخمسين بسنين قليلة..لكني لا أحبها..من قال هذا؟
أحمد جلال



آخر التعليقات