(وادي الذئاب – العراق, Kurtlar Vadisi - Irak ) هو أحد الأفلام الشهيرة والمثيرة للجدل التي لم يسمع عنها الكثيرون في مصر وربما لن تُعرض هنا أبدًا, بالرغم من عرضه في عدة دول عربية منها الإمارات وقطر ولبنان,وبالرغم من أنه يتناول واحدة من أهم القضايا الحالية على الساحتين العربية والدولية, هي حرب العراق, ولعل أحدًا لن يشاهده هنا بالفعل, اللهم إلا هؤلاء الذين يستطيعون تحميله عبر شبكة الإنترنت, ككل الأفلام التي لم ولن نراها, وموضوع (شفرة دافنشي) لم يزل ساخنًا بالفعل!
تأتي أهمية الفيلم من أنه أول فيلم غير أمريكي –وربما أول فيلم على الإطلاق- يناقش احتلال العراق والبشاعات التي يرتكبها الأمريكيون هناك, الفيلم إنتاج تركي من إخراج (سردار أكار), مقتبس عن مسلسل تليفزيوني بنفس الاسم تم بثه في تركيا لثلاثة مواسم وتكلف إنتاجه حوالي 10 ملايين دولارًا, هي أعلى تكلفة لفيلم في تاريخ السينما التركية.
يبدأ الفيلم بحادثة حقيقية وقعت في (السليمانية) شمالي العراق في يوليو عام 2003 عندما اعتقلت القوات الأمريكية 11 جنديًا من القوات الخاصة التركية ومعهم 11 من المدنيين فيما عرف باسم (حادثة الغطاء), حيث اقتيد الجنود خارج مقرهم الرئيسي تحت تهديد السلاح ورؤوسهم مغطاة لتحجب عنهم الرؤية وتم احتجازهم لمدة 60 ساعة قبل أن يطلق سراحهم, وقد أدلى (دونالد رامسفيلد) لاحقًا باعتذار عن الحادث, إلا أن هذا لم يخفف من وقع الإهانة في نفوس الأتراك.
بعد ذلك ينتقل الفيلم إلى أحد الجنود الأتراك, (سليمان أصلان), وكيف شعر بخزي شديد بعد الحادث حتى إنه انتحر بعد أن كتب خطابًا إلى صديقه (بولات ألمدار) الذي يلعب دوره الممثل التركي (نيكاتي ساساماز), وهو ضابط في المخابرات التركية, يقص عليه ما حدث له ولرفاقه, وهكذا يقرر (ألمدار) أن يسافر إلى العراق مع مجموعة من زملائه, سعيًا إلى الانتقام من القائد الأمريكي الذي أدت أفعاله إلى انتحار (أصلان).
تدور الأحداث عمومًا في جو بوليسي مشوق, حيث يضع (ألمدار) وفريقه متفجرات في أساس فندق ويهدد بتفجيره ما لم يأتِ القائد (سام ويليام مارشال) -الذي يلعب دوره الأمريكي (بيلي زين) وهو من لعب دور خطيب (كيت وينسلت) في (تيتانيك)- إلى الفندق, فيذهب (مارشال) بالفعل, ليفاجأ بـ(ألمدار) يقول له إنه سيخرجه مع رجاله من الفندق مقيدين ورؤوسهم مغطاة كما فعل مع أصدقائهم من قبل وإلا قاموا بتفجير الفندق, ويركز الفيلم هنا على كيف يرفض (مارشال) ويحضر مجموعة من الأطفال العراقيين ويستخدمهم كدروع بشرية, مما يدفع (ألمدار) ورفاقه إلى التخلي عن مطلبهم, وفي مشهد آخر نرى (مارشال) يغير على حفل زفاف عراقي, متذرعًا بأنه يطارد المتمردين, ويحدث خطأ من أحد الجنود الأمريكيين يسبب ذعرًا عامًا أدى إلى فتح النيران على حاضري الزفاف, فيلقى معظمهم مصرعه بما فيهم العريس ويأمر (مارشال) بإرسال الناجين إلى معتقل (أبو غريب) ذي السمعة السيئة.
وتقرر العروس (ليلى) الانتقام بتفجير نفسها, ولكن الشيخ (عبد الرحمن), الذي يلعب دوره السوري العظيم (غسان مسعود) الذي لعب باقتدار دور (صلاح الدين) في (مملكة الجنة), يقنعها بأن هذه العمليات تخالف الشريعة الإسلامية, فتعدل عن قرارها.
وتتوالى محاولات (ألمدار) ورفاقه لقتل (مارشال), وكانت آخرها عندما لغموا (بيانو) كان ملكًا لـ(صدام حسين) واستأثر به الأمريكي لنفسه, إلا أنه ينجو ويدور قتال أخير يلقى فيه مصرعه أخيرًا وتستشهد فيه (ليلى).
أثار الفيلم جدلًا كبيرًا بسبب تصويره لأفعال العسكريين الأمريكيين الوحشية وبعض الشخصيات اليهودية المسؤولة عن عدد من جرائم الحرب, الحقيقي منها والخيالي, كالطبيب اليهودي الأمريكي, الذي يلعب دوره (جاري بوسي), الذي ينتزع الأعضاء البشرية من الأسرى العراقيين كي يبيعها إلى الأغنياء في (نيويورك) و(لندن) و(تل أبيب) من أجل زراعة الأعضاء الحية, وتسببت هذه الشخصية في اتهام الفيلم –كالعادة- بمعاداة السامية, حيث ربطوها بالطبيب النازي (جوزيف منجيل) الذي يشاع أنه كان يجري التجارب على الأسرى اليهود في معتقل (أوشفيتز) في (بولندا) إبان الحرب العالمية الثانية.
ويأخذنا الفيلم كذلك إلى مشاهد في معتقل (أبو غريب) ويصور لنا الأعمال الوحشية التي ترتكب ضد الأسرى العراقيين هناك, ومما لا شك فيه أن الفيلم لاقى معارضة صاخبة في الولايات المتحدة وتعرض بطلاه الأمريكيان إلى الكثير من الانتقاد وحتى السخرية, بعكس تقبل الألمان والهولنديين للفيلم الذي أعجبهم إلى حد كبير.
وعن تقبل الأتراك للفيلم, يقول رئيس الوزراء التركي إنه شاهده مع أسرته في عرض خاص قبل عرضه رسميًا وأعجبه كثيرًا, أما رئيس البرلمان فيقول إن الفيلم رائع وسيدخل التاريخ.
ويقول كاتب السيناريو (بهادير أوزدينر) ردًا على الذين أعربوا عن تخوفهم من تقبل الأمريكيين للفيلم, بالذات بعد المساعدات التي قدمتها أمريكا لتركيا في انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ومعارضتها للأكراد: “الفيلم سياسي حركي, وربما 60 أو 70 في المائة مما حدث على الشاشة يحدث في الحقيقة” وأكد أن تركيا وأمريكا حليفتان, ولكن تركيا تريد أن تبعث برسالة إلى صديقتها, مفادها أن الحقيقة مُرة وأن ما يحدث خطأ.
أما المخرج فقد قال إنه كان من المفترض أن يفتح الفيلم حوارًا بين الأديان.
على أية حال, قد نتفق أو نختلف مع الفيلم, ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن الإخراج كان جيدًا للغاية وأن الأبطال –سواء الأتراك أو العرب أو الأمريكيين- كانوا بارعين في أداء أدوارهم, وهذا يؤكد بالفعل أن السينما التركية ليست كلها من نوعية (أزرق أزرق) التي نراها في دور العرض التي تعرض ثلاثة أفلام في الحفلة الواحدة, بل إنها قادرة على إنتاج فيلم ناجح يتبنى قضية مهمة بتكاليف متواضعة مقارنة بالسينما الأمريكية باهظة التكاليف.

ولا عزاء للسينما المصرية!

هشام فهمي