صاحب الحركة الاستهجانية الرافضة للحرب الأمريكية الفيتنامية وثورة الطلاب في أوروبا 1968م والتي أدانت هذه الحرب، رفضٌٌ لكل ما هو أمريكي، فظهرت توجهات كثيرة من قبل الفنانين داخل وخارج أمريكا رافضة لفن العامة - مثلا- على أساس أنه طراز فن أمريكي يعبر عن الثقافة الرأسمالية، وقد تبع هذا الموقف حدوث ثورة ضد كل المقاييس الراسخة في ذلك الوقت.

نتج عن هذه الأحداث حالة من التركيز على فردية الفنان، والذي تنامى عنده شعور بحاجته لأن يعود إلى ابتكار أعمال تقوم على فكرة الأصالة، وألا يكون له امتداد دون أصول أو جذور.

اتجه الفنان إلا محاولة استكشاف ما يمكن أن ينتجه الفن عندما يصبح محلا للبحث والجدل، فبدأت أعمالهم تبتكر لغة جديدة للتواصل والتفاهم للتعبير عن الأحداث.

ومع فكرة العولمة وسيطرة السوق العابرة للقارات أصبح الفنان يقدر دوره الهام في عملية التغير، فبدأ ينبذ فكرة الفنان المنتج المستقل الذي يقوم بإنتاج عمل فني محسوس ذو موضوع فيزيقي ينبغي أن يباع لتاجر لوحات أو أفراد أو مؤسسات.

يعلق الناقد (بيير ريستاني) على تغير علاقة الفنان بسوق الفن في نهاية القرن العشرين بقوله “يمر الفنان الذي نبذ المفهوم القديم للقطعة الفنية المتفردة أو الإنتاج المرفه للاستغلال الفردي، بعملية ابتكار يكون الفنان فيها أكثر تواصلا مع المجتمع ويهجر دوره الغامض الذي يلعب فيه شخصية الفنان الهامشي والمنتج المستقل” وعلى هذا أصبح الفنان في تلك المرحلة يرغب في الوصول إلى الجمهور من خلال إزاحة الحواجز بين فروع الفن ليصبح العمل الفني مجالا للتأمل العقلي وموضوعا للتساؤل فاستبدل الفنان إطار اللوحة بإطار الوجود نفسه ليصبح المشاهد جزءا من العمل الفني.

في تلك المرحلة أراد الفنان إعادة النظر في مفهوم اللوحة والحدود والقيم الفنية وعلاقة الأعمال الفنية بقاعات العرض والجمهور وتجار الفن، من هنا تغيرت قيم العمل الفني من كونه انطباعا بصريا ملموسا يستجيب لحاجات فكرية ووجدانية إلي نشاط ثقافي وفعل ناقد داخل المجتمع، فأصبحت الفكرة هي المهمة وليس العمل بحد ذاته وتم الخلط بين عدة أنظمة فنية من (نحت ومسرح وموسيقى وتصوير وفيديو وأداء جسدي) ليتحول العمل الفني بذلك إلي استعراض سمعي بصري حركي، فتعددت الأساليب وتداخلت المعايير وصار التجديد هدفا.

أدى هذا التغير في المفاهيم الجمالية للعمل الفني إلي نهاية السيادة الخاصة بالنظرية الشكلية والتجريد، حيث ظهرت اتجاهات أخرى في مقابل هذه الأفكار الفنية مثل:

الفن المفاهيمي Conceptual Art:

الذي تعلو فيه الفكرة على العمل الفني ذاته، لتصبح العملية الإبداعية مثل الفلسفة يسوقها الجدل ووضع التساؤلات ويصبح الفنان مثل الفيلسوف يطرح قضايا هامة حول وظيفة الفن وعلاقته بالمشاهد وذلك من خلال التركيز على فكرة العمل الفني ودورها الفاعل في إحداث جدل بين العمل والمتلقي له.

فن الأداء Performance Art:

والذي وسع من دور المدرك البصري والسمعي من خلال العروض المفتوحة والتي يستخدم فيها الجسد الآدمي.

فن البيئة Environmental Art:

الذي حدي بالفنان إلي التعامل مع الطبيعة ذاتها بموادها الطبيعية.

وكما كان للثورة الصناعية أثرها القوي على الفن بعد خضوع الإنسان لسيطرة الآلة، حيث أصبح مفهوم الحداثة أو المعاصرة قائما على مدى ارتباط الإنسان بمظاهر العصر، فقد استحوذت التقنية الحديثة والطابع العقلاني على الفنان حيث أحدثت أعمال (مارسيل دوشمب وكاندنسكي) حالة من التمرد أدى إلى حدوث فجوة بين المشاهد والعمل.
كما أعلن فنانوا ما بعد الحداثة رفضهم لتطرف الحداثة ودعوا إلي إعادة النظر في مفهوم التغيير -في حد ذاته- والبحث عن سبل تنمية الإبداع وتحريره من عدمية الحداثة ويتطلب ذلك في رأيهم:
- الانفتاح على الماضي والحاضر والمستقبل وما هو قومي وما هو عالمي.
- التحرر من النظرة الفردية والاتجاه إلي الموضوعية وتنوع الرؤى.
- الانتقال من عالم التعصب إلي عالم حرية التذوق.

فريدة الحصي