الروسي..اليهودي..النازي
عبر تاريخ طويل من أفلام هوليود, اعتادت قاعات السينما أن تقدم الروسي في صورة القذر المحمر الأنف من أثر الفودكا, واليهودي متآمر بأنف معقوف, والنازي غول مفترس، إلا أن فيلم (العدو علي البوابات) من الأفلام الغير تقليدية التي كسرت حاجز الصورة الاعتيادية.
ما المغزى من جعل الروس أبطالاً، والنازي رحيماً، واليهودي الذي يقدم روحه في سبيل الواجب، الإجابة نقدمها في السطور القادمة..

مقدمة لا بد منها:
إخراج : jean – Jacques annaud
قصة:alain godrrd & jean – Jacques annaud
بطولة: فاسيلي زاتيسف jude law
دانيلوف Joseph fiennes
تانيا Rachel weisz
ميجور هونيج ed harris

لمحة تاريخية:
بداية ُ فالفيلم أُسس علي قصة حقيقية، للبطل السوفيتي (فاسيلي زاتيسف)، والذي ما زالت بندقيته حتى الآن محفوظة في متحف (ستالينجراد) كرمز لانتصار الأمة السوفيتية، إذن فهوليوود للمرة الأولي –تقريبًا– تخلت عن فكرة البطل الأمريكي الشجاع لصالح السوفيتي مدمن الفودكا، والأدهي أنها بعثت ذكراه من التراب وحولته إلي أسطورة يعرفها كل من شاهد الفيلم. أمّا الميجور (هونيج)، فهناك خلاف كبير حول وجوده، ولكن لا يوجد له أي أثر في السجلات الألمانية، وقيل أنه تم حذف اسمه لحفظ ماء وجه النازيين، وإن أشار(فاسيلي) في مذكراته إلي مواجهة وقعت بينه وبين قناص ألماني خارق استطاع أن يقتل أكثر من 400 سوفيتي ,واسمه(هانز تروفالد) وقيل إنه هو نفسه الميجور (ايرون هونيج) مدير مدرسة القناصة في (زوسن).

الروسي:
فاسيلي الحقيقي

يأخذنا الفيلم في دقائقه الأولي إلي عالم الاتحاد السوفيتي الجليدي، ومشهد لطفل صغير يتعلم القنص ببندقية عتيقة، وبجانبه جده الذي يرشده إلي طريقة قنص الثعلب قبل أن يهجم علي الحصان الأبيض الموضوع كطعم، هذا المشهد الذي يجزأ علي مدي الفيلم باحترافية بارعة.
بعد ذلك تنتقل الكاميرا إلي جحيم (ستالينجراد) والمعركة الدائرة بين الألمان والسوفييت، حيث يلقي (فاسيلي) في فوهتها دون رحمة، دون بندقية!!، نري قسوة الحرب حيث الجنود السوفيتيين يهاجمون في تشكيلات ثنائية، جندي يحمل البندقية والرصاص، والأخر يحمل رصاص بلا بندقية، ومهمة الأخير أن يدعو الله حتى يموت صاحبه لكي يأخذ بندقيته، السوفيت لا خيار لهم، أن يموتوا بأيدي الألمان أو يتراجعوا فيموتوا بأيدي الخطوط الخلفية للسوفييت، مشهد شديد القسوة، ولكنه يجعلك تتعاطف تلقائيًا مع الجنود السوفييت المغلوبين علي أمرهم في مشهد تمهيدي لتقبل الأتي، حيث أنك لن تشاهد البطل الأمريكي الذي يحمل علم النجوم اللامعة، بل ستشاهد بطلاً يحمل الشاكوش والمنجل. ولكن لا يفوتنا اللمحات القصيرة التي تعرض لها الاتحاد السوفيتي في الفيلم، فعندما كان صديق (فاسيلي) يروي له انه كسرت جميع أسنانه في المعتقل لأنه كان يدرس في ألمانيا قبل الحرب وعندما كانت معاهدة السلام سارية، ولكنهم اعتبروه جاسوسًا فقال له ( لم يكن هناك منجل، ولكنه كان الشاكوش فقط !).

تبدأ شهرة (فاسيلي) بعد اقتناصه لوحدة نازية أمام عيني (دانيلوف) اليهودي، الذي يستخدم كل نفوذه ومعارفه ليجعل من (فاسيلي) بطلاً قوميًا فذًا في محاولة لدعم الروح المعنوية للجيش السوفييتي المنهار في (ستالينجراد)، تتوالي الأحداث ويبعث النازيون الميجور (هانج) مدير مدرسة الرماة الألمان إلي الجبهة السوفيتية من اجل قتل (فاسيلي), في الوقت الذي يتورط فيه (فاسيلي) في علاقة حب مع (تانيا) اليهودية -أيضًا- التي يعشقها دانيلوف (صانع مجده) ,هنا يبرز سؤال مهم، اذا كان الهدف هو التكلم عن البطل السوفيتي (فاسيلي)، لماذا نراه يهرب طوال الفيلم من النازي، ويفلت منه كل مرة بالحظ فقط ؟، لماذا(فاسيلي) ذو الأخلاق الشريفة يحب (تانيا) وهي معشوقة صاحبة؟، لماذا يقضي الميجور ليله في التخطيط، بينما يقضيه (فاسيلي) في حب (تانيا)؟، أسئلة كثيرة قد نعرف إجابتها إذا تعرضنا للشخصيات المحورية الأخرى .

اليهودي:

يظهر الضابط اليهودي (دانيولف) عندما تنقلب سيارته التي كان يحاول بها توزيع المنشورات في أرض تخضع للنفوذ النازي، ويقترب من الموت كثيرًا ولكن (فاسيلي) هو الذي ينقذ حياته، ومنذ هذه اللحظة تبدأ صداقة وطيدة بين(دانيلوف) و(فاسيلي)، ويأخذ (دانيلوف) علي عاتقه صنع أسطورة(فاسيلي)، تتوالي تضحيات (دانيلوف) بلا انقطاع، بدءا من مغامرته بتوزيع المنشورات، وتصعيد (فاسيلي) بأقصي استطاعته، حتى تأتي اللحظة الحرجة بظهور اليهودية (تانيا)،

نجد أن (دانيلوف) يهيم ب (تانيا)، و(تانيا) بدورها تهيم (بفاسيلي)، بينما (فاسيلي) لا يدري هذا، تتشابك الأحداث ويظهر الخيط الرومانسي الدرامي هنا، حيث تصارح (تانيا) (فاسيلي) بحبها، بينما يصرح (دانيلوف) لـ(فاسيلي) بحبه لـ(تانيا) ورجائه له كي يساعده علي هذا، وهناك مشهد حميمى يجمع ما بين (فاسيلي) و(تانيا) لا داعي له, المشهد هنا لا أراه إلا من زاوية واحدة، اليهودي الذي يضحي دائما بكل ما يملكه من أجل صديقه الروسي (بإمكاننا أن نقول أنه يمثل العالم الحر في هذا الفيلم) وحين تجئ اللحظة التي تتوجب المساعدة –وليست التضحية– من جانب الروسي، نجد أنه خانه بكل بساطة، وبلا مبرر، ولكن حتى اللحظة الأخيرة لا يتخلى (دانيلوف) عن أصدقائه فهو يُهرِّب(تانيا) من (ستالينجراد) إلا أن قذيفة مباشرة تصيبها, وعندما يعجز (فاسيلي) عن اصطياد الميجور (هونيج)، يقدم (دانيلوف) نفسه هدفًا واضحًا للميجور كي يستطيع(فاسيلي) تحديد مكانه، المدهش أن (دانيلوف) فعل هذا بناء علي إحساس بالذنب، أي إحساس بالذنب؟، لا ادري!، هل يكون خطأه القذيفة التي أصابت(تانيا)، أم أنها محاولة لإظهاره في صورة الشخص المثالي المُضحي –وهو اليهودي- دائما من اجل الوطن والأصدقاء ..

النازي:
عندما طلب قائد الجيش الألماني شارة التعريف الحديدية من الميجور (هونيج) حتى لا يتعرف عليه السوفييت في حالة قتله وتكون فضيحة للجيش الألماني قال له الميجور:

“أيضًا خذ شارة الاستحقاق الحربية هذه، مُنحت بعد الوفاة لملازم أول من قسم المشاة رقم 116 الذي سقط هنا في غضون الأيام الأولي للمعركة، كان ابني!!”
كان هذا إنصافًا خفيًا للنازيين، ففقد الابن في معركة واحتفاظ الأب بشارته يعطي لمحة إنسانية كبيرة، يعطي إيحاءً بأن النازيين ليسوا وحوشًا ضارية، بل أيضا هم أباء ضحوا بأبنائهم في سبيل ما يؤمنون به، كان هناك صبي روسي يستعين به الميجور لمعرفة أخبار(فاسيلي)، وبرغم أنها كانت سقطة درامية أن يستعين ضابط كبير من دولة عظمي بطفل صغير، إلا أنها كانت –أعتقد– في سبيل إظهار مواطن الإنسانية في النازي الذي كان يحنو علي الطفل بصدق حقيقي، ويهديه قطعًا من الشيكولاته، ولم يعذبه أو يتكلم وهو يعقد حاجبه كما يظهر النازيين في الأفلام، وحتى عندما أتضح أن الطفل الصغير يخونه لصالح(فاسيلي)، وبرغم أن الميجور شنقه علي عامود مرتفع حتى يستفز (فاسيلي)، إلا أن أحساس (هونيج) لهذه الخيانة لم يكن الدهشة أو الغضب، بل الحزن الممزوج بالصدمة، كان يتجه بالصبي إلي المشنقة وهو يضع يديه علي كتفه بكل مودة وحب!!، فقال للصبي: “أنا لا أتحامل عليك يا(ساشا)، لقد فعلت شيئًا في غاية الشجاعة، لقد اخترت معسكرك وأنا احترم هذا, ولكنه ليس معسكري، أنا وأنت جنديان، أنا وأنت أعداء، أعتقد أنك تفهم هذا، أنا غاضب منك لأنك أجبرتني علي فعل ما يجب فعله” ولكن ما المغزي بإظهار النازي –العدو التقليدي– بهذه الصورة، هل هي معادلة حتى لا يفوز الروسي- العدو التقليدي– أيضًا بكل الإعجاب؟، أم أنه إنصاف لكل الجوانب، نجد أن (فاسيلي) يهرب من النازي طوال الفيلم بلا انقطاع، وفي كل مرة يهرب بالحظ فقط، (هونيج) ميجور متأنق بادي الثقة بالنفس، بينما

(فاسيلي)جندي بائس متسخ الوجه والملابس، تتوالي الإيحاءات بلا انقطاع بدءًا من دقة القناص النازي المبهرة وضعف (فاسيلي) بجانبه، وحتى قصة الحب بين(فاسيلي) و(تانيا) بينما النازي كل تركيزه في العملية، ربما كان هذا كله يعود إلي أداء (ايد هاريس) المعجز، ولكن هذا لا يفسر مشهد النهاية الضعيف جدًا، يقولون في هوليوود: “إذا كنت تريد أن يعشق المشاهد الأخطاء ثلاثة أرباع الفيلم فاجعله يمقتها في الربع الأخير)، أي إذا كنت تريد المشاهد أن ينبهر بالنازي فاجعله يمقته في أخر الفيلم، ولكن النهاية جاءت عن طريق أن قدم (دانيلوف) نفسه طعمًا للنازي، فاقتنصه (هونيج)غير عالم انه ليس (فاسيلي) ثم خرج ليتأكد من مقتله، فوجد (فاسيلي) يصوب له بندقيته، ثم بوم ! طراخ !، سقط النازي مضرجًا في دمائه !

أما أن الفيلم قدم صورة متوازنة لجميع الأطراف بصدق أو أنه كره أن يفوز السوفييت بالكعكة وحدهم، أو هكذا أعتقد…

محمد فوزي خلف