أزِِفَ الصّباحُ ولمْ تَبِنْ… والموجُ يعْوي، والرّيـاحُ بلا وَطَنْ
يومانِ: لا نـــومٌ يـُـظلّـــلُ مــُقْلتيَّ، ولا صُــراخٌ أو ســــــَكَنْ
[ ثــــاوٍ على صخْرٍ أصمَّ وليتَ لي قلبً][1] يُفتّتُه الشَّـجَنْ
لا دمــــعَ لـــي، وظننْتُ أنّ فِراقَهــــا طوفانُ دمعٍ من مِحَنْ
والبـــحْرُ نـــزْفُ دَمِي، وعــينايَ المُســـَمَّرتانِ جُرْحٌ لا يئِنّْ
يومانِ: يقبسُ موجُه من عطرِها، ويَضِنُّ هذا البحْرُ أنْ…!
أزِِفَ الصّبـاحُ ولـمْ تَـبِـنْ

قالتْ بأحْرفِها الصّغيرةِ: “أنتَ تُكْملُ غُنْوةَ الشّــــــطِّ البعـــيدْ”
“عيناكَ كالأصْدافِ: فيها وشْوشاتُ البحْرِ للقلبِ العَميدْ [2]”
“هيّا نقولُ حكـــــــايةً للـــرّمْلِ، نبنـــي قصْرَنا، ونُقيــمُ عيـدْ”
وتبعْتُهـــــا، والــرّيـحُ تمْزجُ في ضفائرِ عُمْرِها حُلْمي الوليدْ
وتشُــــــدُّني للبـــحْرِ ضاحكـةً، وأصْرخُ خائفًا: “لا.. لا أريدْ”
كانتْ عروسَ البحْرِ، تعْشقُ عمْرَه المطْويَّ في السّرِّ الشّريدْ
أزِِفَ الصّبـاحُ ولـمْ تَـبِـنْ

يومانِ مرّا: ربّما صــــــارتْ أميـــرةَ أغْنيــاتِ البحْرِ
أو لؤلؤًا.. أو ربّما صارتْ خشوعَ البحْرِ عندَ الفجْرِ
يومــــــانِ: والوقْتُ البليدُ يلوحُ للمذبوحِ مثلَ الدّهْرِ
وأظنُّ أنّي صرتُها: عينــــايَ نايُ الأمنيــاتِ البِــكـْرِ
ثغْري حُســــــامٌ حاســــمٌ، مُتألِّقٌ ببريقِ بَرْقِ الشّـِعْرِ
رُوحي ريـــاحٌ تقْلعُ الطّغيانَ، تصْفعُ قهْقهاتِ القهْرِ
أزِِفَ الصّبـاحُ ولـمْ تَـبِـنْ

كانتْ تُحبُّ اللهَ، والتـــــاريخَ، والوطــنَ المُعذّبَ، والجِــــــراحْ
لا تنْحنـــــي، لا تعْرفُ الصّــمْتَ الغبيَّ، ولا يُزلزلُها الصّيــــاحْ
بَرِقَتْ لليلِ الخائفينَ الصّــــــامتينَ وزيّنتْ ثـــوبَ الصّبـــــــاحْ
وســـــخرْتُ من إيمانِها: “لِمَ ترْكضينَ وحيدةً ضدَّ الرِّيـــــاحْ؟”
“كوني معي”.. قالتْ: “أنا كالبحرِ شُطآني تُحاصرُها الرّماحْ”
“حرّيّتي مَوْجـــي، ولو أخْمدتُـــــه كلُّ المعانــــي تُســــــتباحْ”
أزِِفَ الصّبـاحُ ولـمْ تَـبِـنْ

يومـــانِ مرّا: لمْ تُبارحْ رُوحيَ المطْعونةُ الجسدَ السَّقيمْ
كنّا بهذا الشّـــــطِّ نعدو ضاحِكَيـــْنِ وبينَ نجْوانــا نهيـمْ
وتعـــــانقتْ أرواحُنـــا وأَكُفُّنـــا، بَيْنَا يُبعْثرُنا النّســـــيمْ
وتشدَّني للبحرِ ضاحكةً، فأصْرخُ خائفًا: “لا.. لا أرومْ”
والبــحْـــرُ يجْذبُ ثـــوبَها، وتمدُّ كفّيــها إليَّ ولا أقـومْ
فــــي لحظةٍ مجنونةٍ مدّتْ وحوشُ البحْرِ أذْرُعَها تَزومْ
في البحــرِ غابـتْ لـمْ تَبِـنْ

أَزِفَ الصّبــــــــاحُ ولمْ… ولمْ… ماذا أرى يخْتالُ فوقَ الماءِ؟
نَبَضَتْ جَوَانِــحُ عمريَ المطْعونِ فــــي صدري بِدَفْقِ دمائـــي
بـــانتْ أخيرًا، ترتدي ثـــوبَ الزّفــافِ ووجْهُــها كســــــمائي
ومشـــــيْتُ كالمسْـــلوبِ، خُضْتُ البحْرَ فـــي ترنيمةِ الأضْواءِ
قالــتْ بعينيها: “أُحبُّكَ”، فابتدا عمْرُ الأماني، وابتديتُ غِنائي
وتشـــــدُّني للبحْـــرِ ضاحــكةً، فأُذْعِـــنُ باســــــــــــمًا لندائي
أزِِفَ الصّبـاحُ ولـمْ نَـبِـنْ

شعر بقلم/ محمد حمدي غانم
5-12-1999

________________________________________
[1] من بيت خليل مُطْران: ثاوٍ على صخْرٍ أصمَّ وليتَ لي قلبًا كهذي الصّخْرةِ الصَّمّاءِ
[2] العميد: المَشْغوفُ حبًّا.