في دارفور.. الكل متهم!
مدارات سياسية 5 ديسمبر, 2006
حين تقول الأمم المتحدة في إحدى تقاريرها (إن أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم تظهر جلية في منطقة دارفور غرب السودان.) فهل هي حقا هكذا؟ وهل لا توجد أزمات إنسانية أخرى، وهل ما يحدث في العراق، الشيشان، فلسطين، أفغانستان، وماحدث في لبنان…ألا تعد تلك الأزمات من الأزمات الإنسانية…
ولكن هذا ليس موضوعنا، موضوعنا عن أزمة دارفور..أين الحقيقة؟ وهل يعرف الجميع ماهي أزمة دارفور؟
دارفور عبارة عن إقليم تابع للسودان يقع في غربها، يقال أنه إقليم فقير، شن بعض المتمردين به هجمات فى أواخر 2003 على أهداف حكومية بحجة أن الحكومة لا تهتم وأنها تمارس سياسة قمع ضد الأفارقة السود لحساب السكان العرب.
ومنذ تاريخ بعيد وهذه المنطقة تحدث بها نزاعات كثيرة كشأن كل البدو والقبائل في كل مكان حول الأرض والمراعي الخضراء بين البدو العرب والسكان ذات الأصول الأفريقية.
متمردي دارفور هما (الجيش الشعبي لتحرير السودان) و(حركة العدل والمساواة) التي تنتمي بحسن الترابي (المعارض الأكبر في السودان) وذلك ضد ميليشيات (الجانجاويد) المتهمة بتطهير الإقليم من السكان ذوي الأصول الأفريقية.
والأزمة هنا هو أن الحكومة تظهر في ثوب العاجز في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى تهاجم المتمردين بضراوة فتظهر وكأنها ذات صلة بميليشيات (الجانجاويد) أو تمارس نفس ما يمارسه (الجانجاويد) في القضاء على السكان الأفارقة.
والأزمة الحقيقية (وهذا ما أراه) هو تدخل الأمم المتحدة وأمريكا في الأمر وتمثيلها للعالم على أنها أزمة إنسانية كبيرة وكأن الأمم المتحدة وأمريكا قضت على كل أزمات العالم ولم يتبقى سوى التدخل في السودان، أو أن قلبهما الكبير رق فقط لسكان دارفور دون سكان العالم أجمع، أو كأن الأطفال الفلسطينيين أو أطفال العراق أو لبنان أو حتى أطفال ليبيا الذين يموتون من الإيدز أو مجاعات العالم الأخرى لا تسترعي انتباهما؟!
مورست شتى الضغوط (منها فرض عقوبات) على حكومة السودان لوقف الأزمة لكن لم يظهر حتى الآن أي بوادر لوقف تلك الأزمة.
ويقال أن (الجانجاويد) تبيد الجماعات وتغتصب النساء وتشرد الأهالي ولا تفعل الحكومة شيئ سوى المزيد من العقبات في وجه المنظمات الإنسانية وعدم الرضوخ لأي تهديد أو فرض عقوبات، والآن تريد الأمم المتحدة إرسال قوات أجنبية لمساعدة الأهالي، وهو ما ترفضه جميع الأطراف (بما فيها السودان التي تعتبر هذا انتهاكاً لأرضها) التي تحث الجميع على إعطاء السودان المزيد من الوقت لإنهاء الأزمة.
(وتقول الأمم المتحدة إن إنقاذ أرواح أكثر من مليون مشرد بسبب الأزمة يتطلب 200 مليون دولار.)
(وتقول منظمة الصحة العالمية إن حوالي 10 آلاف شخص يموتون شهريا في دارفور بسبب العنف والأمراض.)
(وتأتي تصريحات جان ايجلاند منسق إغاثة الطوارئ بالأمم المتحدة أن بين ضحايا العنف والأمراض في أزمة دارفور آلاف الأطفال تحت سن خمس سنوات.)
والمشكلة أن الجميع يتشبث برأيه فالحكومة تريد أن ينزع سلاح المتمردين مع الجانجاويد في نفس الوقت وهذا ما يرفضه الطرفان.
وتتهم الحكومة السودانية أمريكا أنها تستغل الأزمة بطريقة غير أخلاقية بسبب قرب الانتخابات الرئاسية في أمريكا، وأن الحكومة السودانية تقوم بحل الوضع أحسن مما تقوم به الولايات المتحدة في العراق، وأن أحسن الحلول لحل الأزمة هو أن يقوم الإقليم بإدارة شؤونه بنفسه (وهذا بالطبع ليس حلاً إنما كارثة)
وتتهم الحكومة السودانية كل من أمريكا وبريطانيا انهما يريدان تحويل السودان إلى عراق آخر وهذا ما ترفضه!
ماذا يقول السكان؟
(ويعترف مواطن السوداني بأن أحداً لا يعرف حقيقة ما يجري على أرض الإقليم البعيد. هناك من يقول الحكومة على حق، وهناك من يدينها مستنداً إلى تحركها المتأخر بعد التهديد الدولى بالتدخل، أما قادة التمرد فلا نعرف عنهم شيئاً، من أسمائهم إلى توجهاتهم وأفكارهم، ويتفق الجميع على أنهم بعيدون عن حقيقة ما يجري هناك.)
ويقول أحد التجار( دارفور بدأت بعد أن أوشك الجنوب على الدخول فى السلام، والسبب هو أن الغرب لا يريد أن يتحقق السلام فى البلاد، فالسودان موعود بثروات وكنوز تجعل منه مطمعاً، من الزراعة إلى الذهب والنحاس. أي دولة كانت بريطانيا تستعمرها، تركت فيها بذوراً للشر، ويسقونها الآن حتى تنبت، والسودانيين غير مهمتمين كثيراً بالقصة، ولا يتحدث هنا عن دارفور، إلا أوساط الشريحة العليا من المثقفين، لكن المواطن العادى بعيد عنها، بسبب تعتيم الإعلام المحلي، وأنا أتابعها من الإعلام الخارجي، رغم أنه يبالغ في تغطيته)
ويقول آخر(سمعت عن الأزمة من فترة كبيرة، وأعرف من والدي أنها بلد جميلة وناسها من المسلمين. لكن هناك ناساً من اليسار، ولا تسألوني ماذا تعنى الكلمة، لا يريدون السلام، وبعد أن رأوا السلام يقترب من الجنوب، أرادوا أن يفتحوا باباً جديداً للمشاكل. ليس عندهم قضية، لكن أمريكا ودولاً أخرى من الخارج تساعدهم)
وآخر كان والده في الجيش السوداني يقول (الوالد يحكي لي عن أعمال وحشية وأشياء فظيعة تحدث هناك، لكن كلها تدابير من الخارج. أما الانسان السوداني العادي فهو بعيد عن دارفور، كل واحد مشغول بنفسه.)

ومع أن هناك قوات سلام تابعة للاتحاد الافريقي إلا أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة تصر على التخطيط لإرسال قوات تابعة لها!
هناك أزمة غذاء وفقر في دارفور يموت على أثرها الكثير من السكان (هذه حقيقة ولكنها قديمة جدا أقدم من تاريخ اندلاع الأزمة) فأين كانت المنظمات الإنسانية من قبل؟ كل ما زاد هو العنف والقتل بجانب الفقر ونفاذ موارد الغذاء والخدمات الصحية، فمن لم يمت جوعاً حصدته نيران المتمردين والميليشيات والحكومة ومصالح الآخرين.
وفي النهاية هل تتحول دارفور إلى عراق آخر؟ وماهي المصلحة الحقيقية وراء تدخل الآخرين في الأزمة؟ ولما لا يتكاتف الجميع على تقديم المعونات والموارد اللازمة أثناء انشغالهم بفرض عقوبات أو قضاء الوقت في تبادل الاتهامات؟
والأحداث مازالت جارية…
رانيا أحمد
(أقوال السكان من موقع البي بي سي)



آخر التعليقات