سيدة في الماء… تاريخ البشرية في قصة أطفال
مدارات سينمائية 5 ديسمبر, 2006
يبدو أن المخرج الشاب هندي الأصل (إم نايت شيامالان) مُصر على مفاجأتنا في كل مرة يقدم فيها فيلمًا جديدًا بفكرة فريدة, وربما صادمة لمفاهيمنا لأفلام (الفانتازيا) التي اعتدنا –هنا في مصر- أن ننفر من العميق منها ونجنح إلى الواضح الذي لا يقول جديدًا ولا يحوي مغزى أخلاقيًا ما.
لعل أنجح أفلام (شيامالان) في مصر والعالم العربي هو (الحاسة السادسة) الذي اعتمد على تيمة الأشباح الهائمة والتي لا تدري بعد أنها أشباح, مما جذب انتباه الجمهور الذي يحبذ هذه النوعية من أفلام الرعب السهل, أما الأفلام التي تلته كـ(الذي لا يُقهر) وحتى (القرية) لم تلق إلا قبولًا زهيدًا من الجمهور الذي يرغب في معظم الأحيان في مشاهدة فيلم مسلٍ يحوي بعض مشاهد الرعب وربما الجنس, ليستمتع به دون الدخول في مناقشات فلسفية وجدلية مع الذات أو مع الغير في محاولة لسبر أغوار الرسالة التي يريد صانع الفيلم إيصالها إلى الناس.
كان ذلك –للأسف الشديد- أهم عوامل عدم إقبال الجمهور على فيلم (شيامالان) الأخير (سيدة في الماء Lady in the Water -) الذي هو أقرب ما يكون إلى (حدوتة قبل النوم) التي اعتدنا أن نجتمع حول جداتنا حين كنا صغارًا لنسمعها.
(الحدوتة) هذه المرة هي محور أحداث الفيلم, والغريب والجديد فيها أنها من ابتكار (شيامالان) شخصيًا, حيث إنه ألفها ليرويها لابنتيه قبل النوم. يقول (شيامالان) عن هذا: “كان هناك حقًا مُسكِرًا لرواية الحكايات التي كانت تعتمد على الإيمان, وقلت إنني أريد أن أصنع فيلمًا يندرج تحت مظلة هذا الشعور.”, وهكذا كتب القصة وجمع فريق العمل وبدأ تصوير الفيلم مندفعًا خلف شعور لم يدر هو شخصيًا نهايته. وإذا كان غرض (شيامالان) هو صنع قصة رمزية فقد نال مرامه ببراعة؛ فقط في نظر هؤلاء الذين يفهمون.
يبدأ الفيلم برسوم متحركة شديدة البساطة تذكرنا برسوم سكان الكهوف في العصور الغابرة, وينبعث معها صوت رخيم يحكي قصة سكان الماء الذين كانوا على تواصل مستمر بسكان اليابسة, حتى ساقت عجلة التطور سكان اليابسة إلى تجاهل سكان الماء الذين انزووا في عالمهم, وإن بقوا على اتصال شبه خفي بأهل اليابسة, يحمونهم ويرشدونهم ويذودون عنهم أحيانًا عن طريق رسل يبعثون بهم إلى عالمنا, وكثيرًا ما لا يعود هؤلاء الرسل. وتستعرض الرسوم الطفولية صراعات بني البشر بين بعضهم البعض والدمار الذي حاق بالأرض, وربما يرمز هذا إلى ما تلا الثورة الصناعية إلى يومنا هذا من حروب لم تتوقف قط.
بعد هذا الاستعراض السريع, تنتقل الأحداث إلى مجمع سكني تقطن به أسر متعددة الألوان من أماكن مختلفة من العالم, فهناك الطالبة الكورية وأمها, والأسرة اليونانية ذات البنات الخمس, ومجموعة من الرفاق البريطانيين لا يفعلون شيئًا طوال اليوم سوى التحدث في هراء, ومؤلف لاتيني وأخته, وناقد سينمائي جاء من ولاية أخرى, وأب وابنه هوايتهما الوحيدة حل الكلمات المتقاطعة والألغاز, وشاب يمارس كمال الأجسام بشكل غريب نوعًا, هو تكوين العضلات في نصف جسده الأيمن فحسب! ورجل وقور لا يفعل شيئًا طوال اليوم إلا متابعة أخبار الحرب على العراق, وغيرهم. كل هؤلاء يرمزون إلى حلم اجتماع البشرية كلها في مكان واحد في سلام بدون قتال ونزاع لم يتوقف لحظة منذ فجر التاريخ. ويعمل على خدمة كل هؤلاء مدير المجمع السكني (كليفلاند هيب) الذي يلعب دوره (بول جياماتي) والذي يعنى بكل تفصيلة في المجمع بداية بأعمال السباكة والكهرباء وحتى قتل الحشرات الزاحفة!
(هيب) شخص بسيط يعاني لعثمة (تهتهة) في الكلام, إلا أنه يحب الثقافة, ومن الواضح أن له ماضيًا أليمًا يجاهد كي يدفنه في أعماق ذكرياته, فيغرق نفسه في العمل. وذات ليلة تخرج له من الماء الحسناء (ستوري) الآتية من (العالم الأزرق) والتي تلعب دورها الممثلة الشابة (برايس دالاس هوارد), التي عملت من قبل مع (شيامالان) في (القرية).
(ستوري) تحاول العودة إلى وطنها, ولكن كائنًا وحشيًا هو مزيج من الذئب والحشائش يدعى (السكرانت) يحول دونها ودون العودة, ولا يقدر على منعه إلا ثلاثة كائنات تدعى (التارتوتيك) إلا أنها لا تظهر أبدًا على طريقة (جودو) الذي لا يجيء.
تتوالى الأحداث ويسعى (هيب) –بشهامة نادرة, هي رمز آخر إلى الفروسية التي أصبحت عملة نادرة, إن لم تكن منقرضة في زمننا هذا- خلف اللغز الذي سيؤدي حله إلى عودة (ستوري) إلى وطنها عندما يأتي النسر ليحملها إليه.
لابد أن الكثيرين قد لاحظوا أن كلمة (ستوري) تعني (قصة), والأحداث تسير كلها بالفعل على وتيرة القصة بجميع أشكالها, فهناك تقديم لشخصيات قد تبدو ثانوية ولا تلعب دورًا في الأحداث, هناك إرهاصات, هناك بداية ووسط ونهاية, هناك عقدة وحل للعقدة, كما أن هناك حبكة درامية. كل هذه من المقومات الأساسية للقصة, حتى إن (هيب) في سعيه إلى تجميع أجزاء اللغز لتكوين صورة متجانسة يستعين بالناقد السينمائي الذي يشرح له عناصر القصة, وفي نفس الوقت يستعين بأم المهاجرة الكورية (يونج سون) التي تحكي له المزيد والمزيد عن أسطورة (النارف) أو حورية البحر, فيبدأ في البحث عن (المترجم) و(النقابة) و(الحارس) و(المعالج) الذين ما إن يجتمعوا في ظروف معينة, تستطيع (ستوري) العودة إلى ديارها, إلا أن (شيامالان) يلوح إلينا بخبث في أحد مشاهد النهاية بأن القصص لا تسير دائمًا على وتيرة واحدة, حتى لو خالف هذا قواعد القصة. الغريب أن كل هؤلاء لا يدرون شيئًا عن حقيقتهم, والأغرب أن (ستوري) نفسها لا تدري أنها أميرة الحوريات.
وأخيرًا في مشهد درامي مؤثر أجاد (شيامالان) إخراجه كالعادة عندما يصل الفيلم إلى لحظة الذروة, يتكاتف الجميع للذود عن (ستوري) المذعورة, ويكتشف الجميع حقيقتهم الغائبة عن أعينهم, ويأتي (التارتوتيك) الذين طال انتظارهم ليصدوا هجوم (السكرانت), ومن ثم يأتي النسر ليحمل (ستوري) إلى وطنها, بعد أن تركت أثرًا لا يمحوه الزمن في نفوس الجميع.
ويبدو أن (شيامالان) إذ ابتكر هذه الحكاية قد تأثر كثيرًا بحكايات عرائس البحر اللاتي كن ينقذن البحارة في الأساطير القديمة, ولكن هذه المرة عروس البحر تنقذ العالم بأكمله, حيث إن الرسالة في مجملها تحاول أن تقول إن التغيير الحق يأتي من القلب ومن معرفتنا لذواتنا ومن مقدرتنا التي نحاول –كبشر- أن ننساها على أن نحب بعضنا البعض, كل هذا وفي الخلفية نسمع أخبار الحرب لتذكرنا بقسوة عالمنا وضراوته.
رسالة جميلة قدمها (شيامالان) بشكل بسيط, وإن عابه غموض بعض النقاط وتركها دون تفسير, وتركنا نخمن أشياء عدة في النهاية, لنجد أن الحاصل الأخير لا يساوي نتيجة المعادلة التي حاول تقديمها. والجدير بالذكر أن هذا أول فيلم لـ(شيامالان) يقوم فيه بدور إحدى الشخصيات الرئيسة, ولا يكتفي بدور شرفي كما فعل في أفلامه السابقة, وهي شخصية المؤلف (فيك) الذي سيغير كتابه وجه العالم, ويرى بعض النقاد أن هذا دافعه غرور (شيامالان) الشخصي, ولكن من يدري؟ ولا يجب كذلك أن ننسى الموسيقى التصويرية التي أبدعها (جيمس نيوتن هوارد), الذي تصلح موسيقاه الحالمة لتكوين سيمفونية مستقلة.
(سيدة في الماء) فيلم يطرح قضايا لم تُحسم في صورة قصة أطفال عبر عدة خيوط متشابكة على اختلاف ألوانها, وكل شخصية لها أهمية كالأخرى بحياتها وأهدافها ودوافعها. إنه فيلم خفيف يجعلنا ننسى –ولو مؤقتًا- الوحش الجائع الذي ينتظرنا خارج الباب… تمامًا كما فعلت الرسوم على جدران الكهوف.
ولست أجد خاتمة للمقال أفضل من العبارة التي قالها الكاتب الصحفي (عادل حمودة), وهي إن حكايات الأطفال تحمل على بساطة أسلوبها وبراءة حكاياتها بين سطورها من الموعظة والحكمة والنبوءة ما لا نجده في أمهات كتب الفلسفة والسياسة والاستراتيجية, فعلينا إذن أن نأخذ الحكمة منها.
هشام فهمي



26 يناير, 2008 على 4:53 pm
انه اجمل موضوع