قراءة من كتاب (أنا المصري) للإستاذ جمال بدوي

كنتَ تراه بجلبابه البلدي وطاقيته الوقور، و(اللاسة) الحرير تحيط برقبته، متصدرًا أبرز مكان بالمقهى، يعرف كل صغيرة وكبيرة عن سكان حارته وكأنه دائرة معارف مصغرة.. يتوافد عليه أصحاب الحاجات يطلبون وساطته في مشاجرة، أو تقسيم تركة، أو الشهادة على عقد زواج، أو لضمان محتجز في التخشيبة.
ومثلما كان لكل طائفة شيخ ينظم شئونها، ويحافظ على تقاليدها، ويرعى مصالح أتباعه، ويحاسبهم إذا ارتكبوا ما يستحق العقاب، كان هناك شيخ النجارين وشيخ النحاسين، حتى العميان كانت لهم طائفة ولها شيخ، فقد كان لكل حارة شيخًا.. ويكاد يكون نظام شيوخ الحارات موازيًا لنظام شيوخ الطوائف؛ أحدهما يقوم على مقر السكن، والآخر على أساس الحرفة، بل في بعض الأحيان كان يجمع شخص واحد بين مشيخة الحارة ومشيخة الطائفة، مثل الشيخ حجاج محمد الذي كان شيخًا لطائفة البرادعية (صناع برادع الخيول والبغال والحمير)، وفي نفس الوقت شيخًا لحارة الدراسة.
وقد بدأ نظام مشايخ الحارات -كما يقول جمال بدوي في كتابه (انا المصري)- مع نشأة مدينة الفسطاط، حيث كان اسمه (عريف)، وهو الشخص الذي يعرف كل شيء عن الخطة (الحارة كما سميت في الفسطاط).. وفي القرى كان نظامٌ مشابه ٌ يقوم به شيخ القرية، أو شيخ البلد كما عرفناه.
يقول (أندريه ريمون) في كتابه (التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية) -ترجمة (زهير الشايب)- عن السلطات الرسمية لمشايخ الحارات، إن الحارة تخضع لسلطات شيخها الذي يعاونه نقيب أو أكثر، ولا نستطيع أن نعرف دور شيخ الحارة على وجه الدقة، فقبل سفر (بونابرت) إلى (سوريا) دعا شيوخ الحارات لحفظ الأمن في البلاد، إلى جانب التزاماتهم مثل: إحصاء الأنفس، ومنذ ذاك الحين صاروا ضامنين للأهالي، ومسئولين عن حفظ أمن الحارة المصرية، ولما فكر المصريون في عمل إحصاء لحالات الولادة والوفاة، اعتمدوا على مشايخ الحارات بمعاونة من القابلات (الدايات - جمع داية) واللحادين (الحانوتية).
ويمكن وصف شيخ الحارة أنه وصلة بين السلطة والرعية، وبحكم إتصالهم المباشر بالأهالي فقد لعبوا دورًا إداريًا، مثل دعوتهم للاشتراك في تصفية تركات بعض الناس، مقابل عوائد (خدمة) بنسبة 2% او 3% من مجموع التركة.
لكن كيف صار شيخُ الحارة شيخًا لها؟!
بين سكان الحارات ظهر بعض أصحاب الكفايات والقدرات الشخصية والاجتماعية، هيمنت شخصياتهم على زمام الأمور وحل المنازعات، ففرضوا أنفسهم على السكان ولفتوا الأنظار إليهم لتختارهم الطائفة التي ينتمون إليها ليصرفوا أمورها.. ولما كان لقب (شيخ) هو المتبع للدلالة على الاحترام، فقد أسبغوه على مشايخ الحارات.

أحمد محمد عبيد