(الحلقة الأولى)

منذ أن نادي الرب موسي قائلاً: “فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى”*, وحتى الآن تظل الديانة اليهودية شبه مجهولة الطقوس والتعاليم, مستعصية الدراسة إلا علي المتخصصين والمنقبين في أسفار الكتاب المقدس, ربما كان هذا راجعًا إلى أن الديانة اليهودية تعتبر مغلقة, فاليهود يعتبرون أنهم شعب الله المختار وأن دين موسي حكرٌ عليهم وحدهم وشرفٌ لا يناله إلا بني يعقوب. من هذا المبدأ يمكننا تفسير عدم انتشار اليهودية في شبة الجزيرة العربية مع أنها أقدم من الإسلام بكثير..
ما نقدمه هنا هو محاولة لفهم الدين اليهودي وطوائفه وطقوسه وتعليماته, ونقدمها علي حلقات إن شاء الله.

اليهودية.. النشأة.

حتى ظهور المسيحية ظلت اليهودية هي الديانة الوحيدة علي ظهر الأرض التي تدعو إلى عبادة إله واحد, كانت اليهودية واحدة من الديانات العديدة المنتشرة في ربوع الإمبراطورية الرومانية, وان كانت بقية الديانات وضعية تدعو إلي عبادة آلهة متعددة.
آلهة هي أحط أخلاقـاً من عابديها, بينما اليهودية دعت إلي عبادة (يهوه)؛ رب الجنود, باعث بركات الطاعة ولعنات المعصية, هنا كانت العقدة المسيطرة علي التكوين الفكري اليهودي؛ التفكير الذي يقول إنهم الشعب المختار من قبل الرب, ليبارك بهم العالم الضال, وأنهم الأمة الوحيدة التي أعطاها الرب وعدًا وميثاقًا وعهدًا مباركًا من جانب الطور الأيمن, هنا يجب أن نكون محايدين؛ فاليهود ظلوا ردحًا من الزمن الأمة الوحيدة التي تعبد إلهًا واحداً, وتحملوا في ذلك ما تحملوه من السبي والاضطهاد, مما جعلهم يشعرون بمدي تميز ديانتهم وتفوقها علي سائر الديانات, وكان من المفترض أن ينتهي هذا مع نزول المسيحية والإسلام إلا أنهم استكبروا وظلوا علي ما كانوا عليهم, ولكن ما هى دعائم اليهودية؟

المنزل:

المنزل اليهودي هو النواة الصغرى في الهيكل الديني اليهودي, المنزل هو المركز لممارسة الشعائر والعبادات, فيه يعلم كل أب أولاده الإيمان, فيه تحتفل الأسرة بعيد (الفصح) ويتذكرون بركات الرب عليهم إذ أنقذهم من ذل العبودية.

الهيكل:

في عهد الملك النبي (سليمان بن داوود) عليه السلام، بُنى الهيكل اليهودي في (أورشاليم), ويجيء بعد ذلك السبي الأول وفيه هدم الهيكل وأعاد (زربابل) بناؤه بعد ذلك، وأعيد بناء الهيكل مرة أخري علي يد (هيردوس) في سنة 21 قبل ميلاد السيد (المسيح) عليه السلام, وعلي حسب رواية (يوحنا) المعمدان فقد بُني الهيكل الأخير في 46 عاماً.
فقال اليهود: ” في ست وأربعين سنةً بُني هذا الهيكل, أفأنت الآن تقيمه؟ ” **

بإمكاننا أن نقول إن القدس كانت محرمة علي اليهود؛ فكانوا يجتمعون في الهيكل كمركز للشعائر والذبائح, كان هذا عنصرًا مهمًا في زيادة سطوة رجال الكهنوت, لكونهم مسيطرون علي المركز الوحيد للدين اليهودي, أيضا رئيس الكهنة كان يحظى باحترام عظيم, فهو الوحيد الذي يستطيع أن يدخل قدس الأقداس مرة واحدة في السنة.. كان الهيكل مركزا للحجاج اليهود الذين يأتون من أقصي بقاع الأرض لكي يحجوا ويدفعوا الضرائب من اجل الهيكل, كل هذه العوامل السابقة أدت إلى جعل الهيكل مركزًا للإيمان والتقوى والسيطرة, والأهم.. الفساد السياسي والمالي والإداري, من أجل ذلك صب السيد (المسيح) جام غضبه علي اليهود الذين جعلوا بين التقاة والرب سدًا من اللصوص, بل وسبهم أيضاَ كما جاء في مواضع عدة من الإنجيل.

المجمع:

المجمع بالأصل ليس مكانًا دينيًا، بل هو المعادل للهيكل, فبعد طرد اليهود من (أورشاليم) ومع بدء عصور السبي, احتاجوا إلى بديل للهيكل,؛ فتم إنشاء المجمع حيث تقام فيه الصلوات والشعائر, ويتم تفسير ناموس (موسي), ولكن لم يستطيع المجمع أن يحل محل الهيكل لعدم وجود مذبح ولا أقدس أقداس.
وجود المجمع كمنظمة علمانية أدي هذا إلى عدم ضرورة الاستعانة بكاهن أو (رباي)-(معلم) في اجتماعاتهم, وكان من الطبيعي في حالة وجود أحد الأحبار أن يطلبوا منه تفسير الكتاب المقدس, وكما ورد في الإنجيل: “وجاء إلي الناصرة حيثُ كان قد تربي, ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت ليقرأ, فدُفع إليه سفر إشعياء النبي, ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه روح الرب عليّ, لأنه مَسّحَنِي لأبشر المساكين, أرسلني لأشفي منكسري القلوب, لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمْي بالبصر, وأرسل المنسحقين في الحرية, وأكرز بسنة الرب المقبولة”***

في هذا الموضع طلب اليهود من يسوع أن يفسر لهم سفر النبي إشعياء, ومع تعدد المجامع كان لابد لكل مجمع من رئيس ومساعدين من أجل وظيفتين؛ إقامة الصلوات للرب وتعليم اليهود -وخصوصاً الأطفال- تعاليم اليهودية, وهناك إشارات تؤكد وجود مكتبات دينية في هذه المجامع, إضافة إلي وظائف أخري كبيت إقامة لليهود المغتربين, والبت في القضايا وتوقيع العقوبات..
“ولكن احذروا الناس,لأنهم سيسلمونكم إلي مجالس,وفي مجامعهم يجلدونكم”****

وبرغم علمانية المجمع إلا أنه يظل ذا قيمة كبيرة في التاريخ اليهودي؛ حيثُ بُنِيَ ما يقرب من 480 مجمع في (أورشاليم) وحدها رغمًا عن وجود الهيكل بها, بل إن الهيكل ذاته كان به مجمع لكي يجتمع القادة العلمانيين.
——–
*: [طه آية: (12)]
**: انجيل يوحنا, الإصحاح الثالث, العدد عشرين.
***: انجيل لوقا – الاصحاح الرابع – العدد 19,18,17,16
****: انجيل متي – الاصحاح العاشر – العدد 17

المراجع:
(محاضرات في مناهج الدين المقارن), د.(عائض القرني).
(الكتاب المقدس - العهد الجديد).
عدد من مواقع الانترنت .

محمد فوزي خلف