على الصغار الذهاب لأداء واجباتهم المدرسية فورًا؛ فإن كانوا قد انتهوا منها فأعتقد أن ثم سؤال قد نسوا الإجابة عليه، ثم إنه لا زال هناك الاستحمام، وترتيب الغرفة، وشرب اللبن، والالتزام بميعاد النوم.. أمور كثيرة لم تتم بعد.. المهم أن ينصرفوا عن حديثي هذا الآن لأي سبب؛ فأعتقد أنه لن يحوي شيئًا مهما بالنسبة لهم ..
الأمر بالغ السواد حقا، والخطب جلل.. أكره بعنف النظرة التشاؤمية للأمور ولهجة التنفير هذه، ولستُ بصدد تقديمها ههنا طبعًا.. لكنها مجرد نظرة واقعية لما يدور، ولا تعني بالضرورة أن بارقة الأمل مفقودة ..
لا شك أننا – في وطننا العربي– قد وصلنا إلى آخر نقطة من الممكن أن نصل إليها في القاع.. على كافة المستويات أو أغلبها.. في الحياة الفكرية، والثقافية، والفنية، والعلمية، والعملية، والسياسية.. بل وحياتنا العادية اليومية.. توجد إيجابيات كثيرة ولا شك في هذا، لكن الضوء كله مسلطٌ على الوجه المعاكس مما يعطي انطباعًا سيئًا ..
أسطولٌ من أوبئةٍ قد تفشّت فجأة في مجتمعاتنا.. ماسورة مجاري انفجرت على حين غفلة في غياب سبّاكنا الافتراضي الماهر، لو كان تعبيري دقيقا.. فهل سنضغط على أنوفنا كاتمين إياها هكذا لفترة طويلة بدون حتى أن نناقش بعضنا في أمر هذه الماسورة؟!
سمعتُ كثيرًا عن أناس قد اتخذوا من (عادل إمام) قدوة.. من (أدهم صبري) قدوة.. أو من الكيان الأعظم على الأرض: حبيبنا سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوة.. لكن ما يثير العجب والاشمئزاز معًا أن ثمة فئة من الناس قد تركت أغلب هذه النماذج الشائعة، ووجدت شيئاً بعينه في قوم (لوط) عليه السلام لفت انتباههم كي يتحمسوا ويتخذوا من هؤلاء قدوة..
هل تُعذبهم (ممارسة الحياة الطبيعية) إلى هذه الدرجة وتُشعرهم بالعجز؟ فيقررون بناءً على ذلك الانتقال إلى ملعب آخر يحترفون فيه؟!.. أمرٌ غريب..! مقزز..
أجل؛ أتحدثُ عن الشذوذ الجنسي في مجتمعاتنا العربية.. ومقالي هذا تقريبًا هو أول مقال أقرأه في هذا الصدد.. ربما هذا هو ما استفزني!.. هل نخشى إلى هذه الدرجة الدخول في صلب الموضوع فنصيب بنقاشاتنا هذا الأمر في مقتل؟!.. هل تُقيدنا حساباتنا ويُخرسنا الوقار؟!
كل من تحدث في هذا الأمر – حسب معلوماتي وقراءاتي– ينسلّ إليه على استحياء وبغير تصريح.. كأن يكتب مقالا عن (الشذوذ الجنسي في الأدب)، أو (الشذوذ الجنسي في السينما).. متعرّضًا بهذا لعملٍ بعينه أكثر منه متعرضًا لقضية خطيرة تنشب مخالبها في صدر عروبتنا ..
هذه الظاهرة المقيتة صار اجتياحها مستفزًا بشكلٍ مستفز.. صارت جزءً من نقاشاتنا اليومية. من دعاباتنا العابرة. من إعلامنا إللي ما يعلم بيه إلا ربنا..
الكارثة في هذا الأمر أن هذا النوع من الشذوذ يمثل نسبةً ضئيلة جدًا في الوطن العربي، وليس اجتياحًا مخيفًا كما يعتقد البعض ..
هذا يعني أنني هنا لا أتحدث عن ظاهرة الشذوذ الجنسي في الوطن العربي..
إنما أتحدث عن ظاهرة: التحدث عن الشذوذ الجنسي في الوطن ..
إعلامنا، وأدبنا، ومزاحنا، ونقاشنا الزائد في هذا الأمر.. قد يكون سببًا رئيسيًا في اجتياح شيءٍ كهذا.. قد يكون سببًا في أن يقتلعنا جميعاً من جذورنا ..
إنها الحرية، وسماوات النقاش المفتوحة من جديد.. هذا الأمر الذي غدا لعنة تصيب الوطن العربي بجرح جديد مختلف في كل مرة.. فقديمًا: حقوق المرأة والمساواة.. واليوم: الشذوذ الجنسي.
عمارة يعقوبيان
أنا ممن يحبون كتابة (د. علاء الأسواني) إذا ما تغاضينا عن الجنس فيها.. لذا فقد أُعجبت به جدًا عند صدور رواية (عمارة يعقوبيان).. لكني أيقنتُ أن طامةً كبرى ستحدث عندما علمتُ أن هذا العمل الروائي سيتحول إلى فيلم سينمائي.. ولم يخب يقيني كثيرًا كما هو واضح..
انتقل هذا الأمر من مجرد عبارات مسجونة في المقال الفلاني، وكلمات متناثرة في الدراسة العلانية.. إلى صورة مجسدة علنية.. وليتها كانت للمثقفين فقط.. بل للعامة.. فعرف بها من لم يعرف قبلا.. وشاهدها من كان في شغف لذلك.. واستمتع بعلانيتها (أصحاب الكار) وسعدوا لذلك طبعًا.. وأصبحت حديث مصر كلها في هذا الوقت..
انتشارها – مهما عُرضت كشكل سلبي – قد يساعد هذه الفئة (المِثلية) في أن توقن أنها ليست وحدها.. يساعدها في أن تفكر بهذا الشكل: إنهم موجودون… إنهم كثيرون.. إنهم مؤثرون للدرجة التي تؤدي إلى ظهورهم في السينما والأدب والإعلام..
ربما يرسخ هذا الانتشار نوعًا من الشرعية في أذهان هؤلاء الناس إللي.. لا مؤاخذة..
هذا كله كي ترضى فئة معينة من الإعلاميين وينام ذووها قريرو العين.. إنهم متفتحون.. إنهم يناقشون حرية المرأة والشذوذ الجنسي ويتحدثون في الألوهية ويعرضون وجهات نظر الإلحاد.. إنهم متحضرون.. إنهم يتمتعون بحرية الرأي في هذا البلد..
هكذا تفكر فئة الإعلاميين المذكورة، ولا يدرون أن هذا البلد وشباب هذا البلد محكومٌ عليه بالانهيار والدمار بسبب إعلامٍ قد ضلّ ..
فـ إلى جمهور المثقفين في الوطن العربي قاطبة.. رجاء حار وعاجل: حياتنا الثقافية والفكرية لم تخلُ فجأة من كل أمور الكون التي علينا مناقشتها؛ كي يتسيّد هذا الموضوع – نتن الرائحة – قائمة اهتماماتنا ونقاشاتنا.. كفوا عن الدعاية له بشكلٍ غير مباشر، أو حَسن النية.. كفوا عن أن تُقحموه في أفلامنا وأدبنا وبرامجنا وإعلامنا عامة.. وها أنا أعترف بالخطأ الذي ارتكبته أنا وأمثالي عندما سخرنا من المواضيع التي شغلتكم لفترة.. مثل (ملامح الحداثة في كتابات البرجوازيين)، و(الرؤى المعاصرة في تداعيات الإبداع الافتراضي)..
عودوا لمناقشة هذه المواضيع المهمة رجاءً ودعوا موضوعنا الكريه هذا الذي لا يجدي نفعًا..
كيف بالله عليكم تهتمون به وتتركونا نعيش بدون مرطبات (الحداثة)؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الحياة من دون (برجوازيين يتداعون افتراضيًا) تُمثل ضربًا من الجنون!

أحمد صبري غباشي
Write4sunrise@hotmail.com