إلى الشاعرة نازك الملائكة ..مئة ُ عام ٍ من الزَمهرير ! ..

مدارات أدبية لا تعليق »

شعر: عبد المنعم جابر الموسوي

حزينٌ مثلُ عُذق ِ النخلةِ المُعتلِّ بالثَمَر ِ
أهُشُّ الريحَ عن وجهي
أُداري الجُرحَ في نظري
أرى الأفلاكَ كلٌّ في مدار ٍ
وأنا مدارٌ طاعِنٌ في لُجَّةِ السَفَر ِ
أرى الغيماتَ كالنَغَماتِ هازِجَة ً
أرى الأمطارَ كالأشجار ِ عاريَة ًً
وأسمعُ دَبكَة َ النَسمهْ
وإنشادَ البُروق ِ
وبوقَ الرعدِ سيّافا ً يطاردُ لاهِثا ً نجمهْ
أرى الجوزاءَ والميزانَ
عند الجَدي ِ والعذراءِ في سَمَر ِ
أرى وجهَ الحبيبةِ
مَن رقى نهرَ الدموع ِ فصارت زورقا ً يجري
وجَسَّت وسط َ أهدابِ الثُرَيّا من مَفاتنها
تُداويها من اليَرَقان ِ بالسَهَر ِ
أرى الرائِحَ كالغادي يعانقُ نشوةَ الغابهْ
ويلعقُ لذ َّةَ النسرينْ
ليغرُزَ في الشذى نابهْ
أرى كبشَ المَجَرَّةِ جرَّهُ السرطانُ مُتَّهَما ً
فاشعُرُ بالتَوَجُّع ِ قاطِعا ً نَحَري
أهذا في الرياح ِ ونحنُ أهلُ الدار ِ
في لهو ٍ عن الخَبَر ِ ؟

حزينٌ مثلُ مَن ترَكَتهُ كواعِبُ الدُرّاج ِ
نصلا ً يائسَ الخَفَقان ِ بين الريح ِ والشَجَر ِ
أنا المُستشهدُ الجاني !
ومَن أسبَلَ جفنَ القلبِ كافورا ً لكَفّاني
وأسلمَ حُزمَة َ الأضلاع ِ قضبانا ً لسَجّاني
أنا الباني صُروحا ً ناطِحات ٍ
من حبيبات ٍ وأحزان ٍ وأوزان ِِ
أنا الشاربُ من نَهدِ السَراب ِ
حليبَهُ المختومَ بالكَدَر ِ
فَلِمْ أشدو كراعي البَدوْ
يُناغي الرملَ والرَمضاءَ مُنكَبّا ً على الوَتَر ِ ؟
وذا كأسي بلا شَفَة ٍ تمازِحُهُ
هشيمُ الجيدِ محنِيُّ التجاعيدِ
يلوذ ُ بمقعَدٍ ثَمِل ٍ كمُحتَظِر ِ
ألا ياضاربَ الناقوس ِ كالمجذوبِ بالحَجَر ِ
ترَفَّقْ ! ناسِكٌ يُضنيهُ هذا الجَلدُ وانتَظر ِ
إذا ماجَنَّهُ الدَيجورْ
ورَتَّلَ سورةَ القَمَر ِ

المانيا برلين
Jabirab1@yahoo.de

مفردات عالم ضيق / قصة

مدارات أدبية تعليق واحد »

طلبهم فلم ينكروه .
فتح لهم أبواب القلب فلم يسخروا منه .
باح بسره وهمه فلم يملوه .

كان اولهم الكتاب .
أحبه صغيرا .. فيه الحدوتة والدعابة والرسوم الملونة .
وأحبه كبيرا .. لأنه يكره قضاء ليلته وحيدا .
ومع الحبيبة الزوجة جاءت الصورة فاستقرت على مكتبه (ولم يأت طفل لتأتي صورته ) ، غادرته طفولية الملامح لتستقر كذكرى حزينه في مكانها على مكتبه .، وفي نفس الليلة سمع مناديا :

( اسكب دمعك حبرا ، والورق صفحة خدك)

فكان القلم والورق .

وهكذا اكتمل عالمه الضيق . كتاب ، وصورة الحبيبة، وقلم وورق .

ويمر زمن .. فيمل الكتاب ، ويستعصي عليه القلم ، ويكره الصورة الذكرى ، فيخرج يطلب الطريق .

في الطريق يتحاشى العيون ..
فمن غادر دنيا الناس مختارا أهانهم ، وعندها لا يمر بعين إلا وتجرده من ثياب الجسد فتطلع على حزنه اليومي ، وتعرية القلب رد لاهانة من غادر دنيا الناس مختارا .

يعود .. وقد عاد الكتاب أنيسا ، والقلم مستودع سر ، والذكرى أكثر جمالا من واقع يكرهه ، وانضم إلى الرفاق الأربعة زوج من عينين دامعتين .

شادي عبد العزيز

كانت جميلة / قصة قصيرة

مدارات أدبية لا تعليق »

أذكر ذلك اليوم و أنا صغير.. رأيتها تجلس هناك ..على رصيف حوش مدرسة علي مبارك الابتدائية المشتركة..وحيدة كانت..جميلة كانت..جذبني سحرها فوجدت نفسي أجلس بجوارها ..و أأكل معها ساندويتش الجبنة الذي تعده لي أمي يوميا..تجاذبنا أطراف الحديث..تحدثت عن أمها و أبيها..بينما تحدثت أنا عن أمي فقط..فأبي لا أعرفه..أعرف فقط أنه مات منذ زمن..يقولون شهيد شرطة..أخبرتني أنها لا تعرف أي شيء..تقول لأمها أنها تريد أن تكون طبيبة لأنها تريد ذلك..بينما تقنع أباها دائما أنها تريد أن تصبح صحفية مثله..تنظر إلي بعينيها البنيتين..عادية اللون لكنها تحمل سحرا غامضا..
-و انت عايز تبقى إيه لما تكبر يا أحمد؟
أجبت بارتباك:
-أنا؟..أنا كمان مش عارف..ماما بتقول لي عايزاك تبقى ضابط.
ثم بابتسامة كبيرة:-بس أنا لسة مش عارف.
أذكر أنه في هذا اليوم نشأت بيني و بينها علاقة ما..ليست حبا بالطبع فالحب لا معنى له بين طلبة في الصف السادس الابتدائي..بإمكانك أن تقول أنها مشاعر ألفة.

——–

مازالت جميلة
***
سنوات عدة مرت منذ دخلت المدرسة الإعدادية فالثانوية ..حياة ذكورية خالصة لا تخلو من مرح المراهقة و بهجتها..أحيانا كنت أتذكرها..أتذكر شعرها الأسود الناعم المفروق من منتصفه المنساب على رأسها بسلاسة حتى ينقطع عند كتفيها الصغيرين..أتذكر نظاراتها الطبية الكبيرة..كثيرا ما شجعتني في لحظات الضعف..كثيرا ما ساعدتني في دراستي الصعبة..كثيرا ما تخيلت كل هذا للحظات قبل أن أعود لألتهم الكتب..انتهت المرحلة الثانوية و لم يتبق سوى انتظار النتيجة..أن تقارب المئة في المئة فأمك لن تقبل بالطبع أن تلتحق بسلك الشرطة-خاصة أن جسدي لم يكن يسمح بهذا-..و لن تقبل أيضا أن تذهب إلى أي كلية أخرى بعيدة عن مدينتنا الصغيرة وتتركها وحيدة بلا رجل..لهذا وضعت الملصق على الاستمارة بثقة ورضا..طب طنطا.
******
مضت أيام قليلة في حياتي الجامعية..تعرف علي عدد قليل من الزملاء كالعادة..لم أحاول أن أتعرف على أحد بالطبع فهذا ليس مما يسهل عليّ أن أفعله..دائما ما يقولون أني غبي سمج..هذا هو التعريف الآخر للإنطوائية هنا .
******
للدهشة بالتأكيد علامات معروفة..الحاجبان المرفوعان..ملامح الصدمة المنحوتة بدقة..لسان أخرس..أنت تعرف تلك العلامات بالطبع.
-انت أحمد رشاد؟
التفت إلى مصدر الصوت..التفت إلى الوجه الأبيض النقي كالملائكة..يا لله..مازالت وجنتيها حمراوتين كثمرتي تفاح ..قلبها الصغير الجميل يضخ الدم دوما إلى وجنتيها في كل الأوقات..لحظات الخجل..لحظات الدهشة..أي لحظات..المهم أن تظل وجنتاها هكذا..
بالطبع لم اذكر لها اسمي..ملامحي تشي به كما تشي ملامحها باسمها..فنحن لم نتغير كثيرا مذ كنا أطفالا
-كريستين؟..ازيك؟
لم يكن ردي بحجم الموقف..لكني لم أجد إلا هذا لأرد به..أذكر أنه في هذا اليوم نشأت بيننا علاقة أخرى..لا هي ليست بالحب طبعا..اسمها أكثر ما يوضح لك ذلك..علاقة صداقة كانت.
******
ثلاث سنوات كاملة من الحديث..الحديث عن كل شيء..الدراسة و الأدب و البشر و الوطن..كل شيء..أذكر أني مرة كتبت فيها شعرا من الغزل طالبا منها ألا تفهمني (غلط)..و قد فعلت..فما بيننا ليس سوى صداقة في النهاية.
******
في نهاية السنة الثالثة حدث شيء غريب..بل مفجع إن شئت الدقة..كانت تودع الجميع..بمن فيهم أنا..سوى والدها أمره ليستقر في القاهرة و هي ستحول إلى القصر العيني لتكمل دراستها هناك..وودعتها على وعد باستمرار التواصل.
——–

ستظل جميلة
ايييييييه..مرت سنوات عديدة منذ رأيتها آخر مرة..أتتبع أخبارها بالصدفة من حين لآخر و أقابلها نادرا فنتذكر أياما مضت ..صحيح أني تزوجت مرتين كانت كل مرة أشد فشلا من الأخرى..صحيح أنني لم أنجب بعد لأني لم أرد لولدي أن تلده واحدة من تلك المأفونتين ..صحيح أنني أحتفظ بصورتها دائما معي..صحيح أنني تخطيت الخمسين بسنين قليلة..لكني لا أحبها..من قال هذا؟

أحمد جلال

خيانة / قصة قصيرة

مدارات أدبية تعليق واحد »

اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة رقيقة وسألها في بساطة:-
“لماذا أنت دائما حزينة”
باغتها السؤال فرفعت عينيها تحاول أن تفهم ما الذي يقصده..فأعاد السؤال على مسامعها وشعرت كأنه غرس خنجرا في صدرها ومنعها الألم أن تنطق ومنعتها كرامتها أن تصرخ وحاولت أن تنفي لكنها لم تستطع فقد فضحتها دمعة انحدرت في جرأة على خدها وأسرع هو يمسحها بمنديله وشعرت هي بالخجل لما فعله فأختنق الدم في وجنتيها ولفهما الصمت برهة
“أشعر بك فأنا أتألم مثلك…باليت زوجتي كوثر كانت في رقتك”
وأخذ يهمس ويهمس وهي شاردة لا ترد لكن حلما قديما دفن في صدرها كان قد بدأ يستيقظ.

في غرفة أخرى في شركة أخرى كانت هناك من تجلس في مقعدها وتستمع في سعادة إلى من يهمس لها
” صدقيني يا كوثر يا ليت الأقدار كانت جمعتنا من زمان ”

د.رانيا محمد حسن السيد
hmhdecember@gmail.com

طفل بحجم سؤال / قصة

مدارات أدبية لا تعليق »

كان شديد الارتباط بأبيه، لكن هذا الصبح أفاق من العويل والصراخ، ماذا جرى ؟
هرع من فراشه وهو يحك جفنيه المثقلين بالأحلام التي ظلت ملتصقة بخياله، وهي تلتبس بشيء من الحكايات التي قصها عليه أبوه قبل خلوده إلى النوم.
لا يدري ما وقع. أمه تذرف دموعها، وهي جاثية على ركبتيها، تسند رأس زوجها وتضمه إليها، تبكيه، تختلط أنفاسها بنحيبها. يقترب، يسرق نظرة من خصاص الباب. تنظر أمه إليه نظرة فيها شيء من الخاطر الذي لا يلوي على خير.
أبوه لا يتحرك، راقد، بل قل جامد. تضمه أمه إلى صدرها.
قالت: لقد مات من تعزّه كل يوم، ذهب الغالي يا ابني .يشرئب بعنقه نحوه، والعين ترمق هذا السكون الذي حل بالجسد.
أصبح البيت كسوق عامر بالمعزّين. نساء يلطمن وجوههن ورجال يحوقلون بالمصيبة التي حلت.
يرتكن الطفل في زاوية من زوايا البيت، وهو يرى هذا المشهد الجنائزي، الذي لم يألفه من قبل. لا ينبس ببنت شفة، لا يتكلم، غارق في سكون بارد.
السواد في كل مكان إلا من هذا اللباس الأبيض الذي ارتدته أمه.
تحوم حول خاطره أفكار، تحاول فك التغيير الذي خيم على المنزل.
أناس يدلفون ويخرجون، كلام، صراخ، همس، ولولات. وانطلقت الزغاريد التي تودع الفقيد. لا يفهم هذا الخلط. لقد ألف تلك النغمات الشجية التي تجود بها حناجر النساء إلا في الأفراح، والآن يسمعها في هذا المقام.
جنازة أبيه فيها ركب، يتقدمهم هو، يسير، ويلتفت إلى الوراء، ينظر صوب أمه وهي في عتبة الباب.
بعد أن أخرجوه من التابوت، ورشوه بماء الزهر، حفروا له حفرة وضعوه فيها، ودسوا عليه التراب، حفوا قبره بالسوسن والعوسج، وبعض أغصان الزيتون، يرى كل شيء، لكن لا يعرف شكل هذه الطقوس.
نفسه البريئة مليئة بغرابة الاستفسارات، لكن دون جواب.
يعود إلى البيت والصمت يعم أرجاءه، فراغ بمعنى الحزن. التصق بأمه، وهي تفرد شعر رأسه، وتبكي في خفوت.
قال: إلى أين ذهبوا بأبي ؟ سؤال بسيط بحجم القدر، لا تعرف كيف ترد عليه.
قالت: لقد ذهب إلى السماء مع الملائكة، إنه ينظر إلينا ويرانا.
قال: هل سيعود ليحكي لي قصة كما يفعل ؟
قالت: سيزورك ليروي لك كل الأحاجي.
استلقى في فراشه، وعيناه تنظران إلى سقف حجرته، يحملق في الصور المعلقة على الجدران، يتقلب، سئم، جفاه النوم. دون جدوى، ينتظر النزول المرتقب. يناجي ذاته، هل سيهبط من السماء ؟ هل أقوم لأفتح له النوافذ وأشرعها كي يفد منها ؟
تخيلات بمذاق السؤال. لا يستوعبها، ولا يستسيغها. غلبه النوم بعدما طال الانتظار والرجوع من الأعالي.
في الصباح كان يوم جمعة ذهب وأمه لزيارة قبر أبيه والترحم عليه، وتلاوة بعض الآيات. مقبرة بمقام البياض، ظل ساكنا يقلب بعض ما قالت له أمه، الأب في السماء! وهو في القبر!.
بعد رجوعه، خرج إلى عتبة المنزل تحت ظل كرمة. يرتب جميع الصور التي علقت بمخيلته، لكنه لا يستطيع تركيبها، تنفلت منه كل ما حاول سؤالها. يرى أمامه صبيانا يلعبون، ينظم إليهم. انتصبوا وقالوا ماذا سنلعب.
قال: لنجرب لعبة الموت.

إسماعيل واري ـ المغرب
Souari2001@Yahoo.fr

عيد للوجود / نص

مدارات أدبية لا تعليق »

بشير ونيسي
bacharsouf@yahoo.fr.com

1

هنا …
وحدي أنا
شهوتي
في كل شيء
نور ونار وماء.

2

هنا …
رمل
يبعث السماء.

3

هنا …
نخل
يرسم وقت التجلي.

4

هنا …
قبة
تعيد للوجود
سحره الأبدي.

5

هنا…
قمر
يمحو طوفان الليل.

6

هنا …
شمس
تشكل وطنا للملائكة والبراءة.

7

هنا…
روح
تمسح حصار العدم.

8

هنا…
جسد
يوشح اللحظة بالمجد.

9

هنا…
نفس
تطير حتى آخر المدى
تعبيء بالتنسيم الوقت.

10

هنا…
امرأة من رمل
تلبس اليقين بالشك.

11

هنا…
اسراءالرمل للنخل
والدم ملائكة مطر.

12

هنا …
شهيد بهمس الندى
له صدى
يبدل جحيم الفوضى
بجنات الثرى.

13

هنا …
في البدء
لم أزل قمرا
يطفيء جنائز الظلمة.

14

في الرمل
الذي غمر كل شيء
يركض الوقت
من حولي
يمور ..يدور
ولاشيء أنا
أنا هنا لا أنا

15

هذا أنا
أول الوجود
آخر ما تبقىمن الرمل
هذا أنا
وحدي
بلا جسدي
دمي داء
ما منه شفاء
دمي دواء لكل داء
آه ما أحلى وجهي
حين يلمس سدرة المنتهى.

آه سوف يظل
هذا الرمل يطفح بذاكرة الريح
ويخبيء الفناء في البقاء.

بشير ونيسي دارالثقافة الوادي سوف الجزائر

اشتقت إليك .. / نص

مدارات أدبية 5 تعليقات »

اشتقت إليك ..
وعذبني حنيني
اشتقت إلى همسك
اشتقت إلى دفئك
اشتقت إلى صمتك
إلى بسمتك
إلى عطرك
وحتى قلمك اشتقت أليه..

متى تعاود البوح وأنا أعود للإنصات..
متى ترد إلي جنوني حتى أعيش أروع اللحظات..
متى تعود حروفك لي كما كانت دائما..

إلى متى سأنتظرك يا جنوني ورشدي..
إلى متى سأنتظرك يا فلسفتي ومنطقي..
إلى متى؟؟
إلى متى؟؟

اعرف جيدا انك ان تخيب املي
وان عودتكِ حتما ستكون قريبه..
وكن واثقا بانك ستجدني بإنتظارك..

من وجدانيات الكاتب/ ماجد حميد الكحلاني/ اليمن- صنعاء

مغرورة مكابرة / نص

مدارات أدبية لا تعليق »

مغرورة ٌمكابرة
تخالُ وهماً أنها صارت منَ الجبابرة
وأنها المبادرة
وأنها تفعلُ ما تشاءُ وهيَ قادرة
كأنها استولت على عمّانَ في ” سلامِها ”
والقاهرة
وبالخليجِ العربيِّ ظافرة
كأنها في نزهةٍ مسافرة

مغرورةٌ مكابرة
تحلمُ بالسلامِ والتطبيعِ بعدَ كلِّ ما
أتت بهِ من الفعالِ الماكرة
كأننا صرنا بدونِ ذاكرة
كأنها لم تغتصبْ بغدرِها البلاد
لم تذبحِ الشيوخَ والنساءَ والأولاد
كأنها لم تحرقِ الأقصى ..
ولم تحرمْ من العبادةِ العباد
كأنها ما شوّهت تاريخَنا
في موطنِ الآباءِ والأجداد

مغرورةٌ مكابرة
قرصانُها يظنُّ نفسَه منَ القياصرة
يقودُ قطعاناً من المستوطنينَ
الفالتينَ كالذئابِ الكاسرة
تسوسُه عقليةُ السماسرة
تاريخُه فصلٌ من الإرهابِ والدماء
صبرا وشاتيلا استحالتا
عليهِ لعنةً حلّت منَ السماء
جرائمٌ لن تغتفر
ولعنةُ التاريخِ حلّت
ليسَ منها مهربٌ ولا مفر

مغرورة مكابرة
لكلِّ حقٍّ ناكرة
بلادُنا .. سهولُها جبالُها
وديانُها شطآنُها
محفورةٌ في الذاكرة
تظنُّ أنها غدت ناهيةً وآمرة
وأنَّ أرضَنا .. يهودا أصبحت والسامرة
شاءت أبت .. إنّا هنا
باقونَ فوقَ أرضِنا
بطولِنا بعرضِنا
كشوكةٍ في حلقِها .. في صدرِها .. في الخاصرة
حتّى يعودَ الحقُّ وهيَ صاغرة

مغرورةٌ مكابرة
مهما تمادت لم تزل
جموعُنا رغمَ العذابِ صابرة
عازمةً .. حازمةً .. مثابرة
ينسابُ كالدماءِ في عروقِها الإصرار
لا ترهبُ الإعصارَ ..
لا تغيرُ القرارَ ..
لا تهابُ لا تنهار
فلم يزل أطفالُنا .. أشبالُنا
نساؤنا .. رجالُنا
يمارسونَ لعبةَ الرصاصِ والحجار
ويزرعونَ الأرضَ كلما عدا عادٍ
على أوطانِهم .. بالنار

مغرورةٌ مكابرة
عاشت على وهمِ انتصارٍ من عقودٍ غابرة
في لحظةٍ من الزمانِ عابرة
لكنّها في عنفِها وعسفِها
وقهرِها وسرِّها وجهرِها
تعلمُ أنَّ شعبَنا الجبارَ ..
كانَ قاهرَ الجبابرة

__________________

د / لطفي زغـلـول

شاعر وكاتب فلسطيني
عضو الهيئة الإستشارية
للإتحاد العام للكتاب الفلسطينيين
القدس / فلسطين
رئيس منتدى شعراء الفصحى في موسوعة الشعر العربي

“نفسي فداه” / نص

مدارات أدبية لا تعليق »

سلي من صار أبتر لا يطيب أفوق جداره دق الصـــــــــــــليب؟

أم الأنهار قد سالت دمـــاءاً وحول ضفافها دار النحـــــــــــــيب؟

أم الأطفال قد ذبحت جهاراً دمت من هول مصرعها القلــــوب؟

أم الكتب المقدسة استبيحت وفوق صحافها بالت لعــــــــوب؟

سلي قوماً وأحلاماً لعمـري أيرضي نبيكم هذا العجـــــــــــيب؟

سلي القلم الذي قد خط رسماً من المختار ويحك يجــــــــــيب

وكيف يجيب أقواماً ترامــوا إلى الشيطان يملأهم خــــــــطوب

وقد حمِلت رحابك يا صحافي من الآثام وامتلأت جـــــــــــــيوب

وقد حمّلت أوزاراً وكـــــــفراً وعــــــــــــــهد الله عتقك أن تؤوب

مــحـــمد عاش إنساناً يتيماً أمينا صادقاً في مــــــــــــــا يغيب

وما كذب الفؤاد ولا لالسانٌ ولا غشٍ ولا حــــــــــــــــــقد يخيب

وما خطّت يد الحاني كتاباً ولا قرأت عيونٌ مـــــــــــــــــــا يريب

وما نظمت يداه الشعر يوماً وما يدري القريض متى يطـــــــيب

وايم الله هذا من سببتم ويوم الدين تُكتشف الغـــــــــــــــيوب

وبين يديه قرآنٌ عجيب يقول الحق يهدي مــــــــــــــــــن ينيب

يضم الغيب يشفي من أتاه بقلبٍ صادقٍ لا يســــــــــــــــتريب

بنــو الدنمرك هلا قد فقهتم بأن حياتكم يوماً تــــــــــــــــــذوب

وفي الدار المؤخرة الحساب وفيها الكـــــــــتْب تنشر والذنوب

فـــــــــــــــإما النار تلفح ساكنيها وفيها الجسم يطويه اللهيب

وإمــــــــــــــــا جنة ليست بأرضٍ وفيها كـــل ما تهوى القلوب

ســـــــــلامٌ من لدى الباري عليه ومـــــني فليبلغه الحسيب

محمد عبده السيد العصفوري
الرياض

هل أنت كاتب قصة..أم حـَـكَّاء سَــمِج ؟

مدارات أدبية لا تعليق »

بقلم: عبدالجواد خفاجى

الحقيقة أن بعض الممارسين للكتابة القصصية والروائية يظنون أن مسألة الكتابة القصصية تتوقف على تقديم حكاية ما للقارئ ، واضعين كل طاقتهم الإبداعية رهن الحكاية المخترعة أو المختلقة أو كما يقال “المفبرَكة” .
ثمة حكاءون إذن يسعون إلى وضع الصفة الحكائية محل الصفة الأدبية . ومن ثم لا يجب مناقشتهم فى حقول الأدب، لا لشيئ إلا لأنهم كعامة البشر يحكون، فكل البشر لديهم القدرة على الحكي وعلى اختلاق الحكايا ، لكنما الأدب القصصى والروائى يتعلق بداية بالقدرة على تحويل المخيل السمعى إلى مخيل كتابى .. إلى نص .. وبغير النص الذى عماده اللغة لا الحكاية يجب ألا نناقش هذه الأعمال من الأساس، لكنما وفى الغالب نحن مضطرون إلى مناقشتهم طالما أنهم مصرون على الجلوس تحت راية المسمى الأدبي .
لكنما ويجب أن نحْذَر الدخول معهم فى مناقشات واسعة عالية، طالما تأكد لنا أن هذه التجارب لم تحقق أوليات التجربة الإبداعية واشتراطاتها؛ إذ المفترض فى هذه الحالة هو تحقيق الصدمة المطلوبة لهذه المنجزات الحكائية حتى نصل بهم إلى صحوة الحياة الأدبية / التوالد الإبداعي، والإنزياح عن الإرث المشترك إلى اللغة الخاصة.
ولعل هذا ما يجعلنا نقرر أن الانزياح هو الذي يحكم اللغة الأدبية بينما الدلالة الواقعية البسيطة أو حتى العميقة هى التى تحكم اللغات الوظيفية بوجه عام .
إن الأديب يعكس وعيه بالحياة من خلال اللغة وطريقة استخدامه لها لا من خلال الحكائية التى يمارسها .
وخضوعا لمنطق الحكاية التى لا نشك أنها عنصر من عناصر كثيرة تخص العمل القصصي أو الروائي فإننا مضطرون أن نعرج إلى التفرقة اللازمة بين الأحداث التى تنبني عليها القصة فى وجودها المستقل، قبل أن تتحول إلى عمل أدبي، وبين النص الأدبي باعتباره وسيطاً روائيا أو قصصياً له منطقه الخاص فى إعادة رصد هذه الأحداث من منظور زماني ومكاني مغاير، وثمة تفرقة أخرى بين المؤلف والراوية (السارد) … المؤلف له استقلاليته باعتباره مخترع للراوية (السارد) وإن شئنا الدقة خالق له، والمؤلف بالضرورة هو خالق لعشرات الرواة (الساردين) فى عشرات النصوص، ولكن استقلال المؤلف يجعله بمنأى عن الالتحام بالراوية ( السارد) .
من ناحية أخرى ثمة تفرقة بين القارئ الضمني الذي يتوجه إليه المؤلف بالخطاب لحظة الكتابة، وبين القارئ المفترض.. القارئ الضمني هو قارىء وهمي يتوجه إليه المؤلف بالخطاب لحظة الكتابة ، والقارئ المفترض يظل مفترضاً فى التاريخ وهو الذى يتوجه إليه الراوية بالنص، وهو قارئ حقيقي، هو من بيننا نحن جمهرة القراء المفترضين في التاريخ.
هذه التفرقة تبدو أولية وضرورية ومن دون الوعى بها سيصبح المؤلف راوية، والقارئ المفترض هو القارئ الضمني ، ومن ثم ستصبح الرواية أو القصة باعتبارها نصاً أدبياً مجرد حكاية يتوجه بها كاتبها إلى آخرين لا باعتباره أديباً، وإنما باعتباره ممارسا لتزجية الفراغ أو حكاءً مهمته تسلية الجماهير بدعوى توعيتهم ، ثمة زعم أن تتحول التسلية إلى عمل مؤثر يثَـوِّر الجماهيرأو يوعيها، هذا كلام من قبيل الهرطقة لأن الأديب ليس جماهيرياً من ناحية ومن ناحية أخرى الغرض يظل عبثياً؛ لأن المهرج يظل مهرجا فى نظرنا إليه.
الأديب أديب بلغته وإلا فلا .. إن إختيار لغة الرواية ليس أمراً ميسوراً .. إذ هل علينا ونحن نكتب أن نراعي مستويات المتلقين الذين نفترض وجودهم افتراضاً ما ، وذلك على مذهب الأدب التعليمى الذى يذهبه النقاد العرب التقليديون والمتمثل فى أن الأدب يجب أن ينهض بوظيفة تنويرية في المجتمع، وعليه أن يفيد الناس ويهذبهم تهذيبا ؟ ومع إننا لا نذهب هذا المذهب العليل، ومع أننا أيضا نقر بأدبية اللغة حين تنشط عبر نفسها، فإننا مع ذلك نميل إلى ألا تكون هذه اللغة عامية ملحونة أو سوقية هزيلة أو متدنية رتيبة، و إلي استخدام لغة شعرية ما أمكن، مكثفة ما أمكن ، موحية ما أمكن، تصنع الجمل القصار ما أمكن، وتكون مفهومة مع ذلك لدى معظم القراء الذين لن يكونوا بطبيعة الحال عمالاً أو فلاحين أوحتى معلمى المدارس . هذا من ناحية ،ومن ناحية أخرى يوم أن يتنازل الأديب عن دوره وعن لغته التى هى دوره ليتحول إلى رجل مخترع للحكايات مفبرك للأحداث، خاضع تماماً لمنطق الواقع ومستخدما لأية لغة للتوصيل لا التخييل، فبماذا يمكننا مناقشته غير أن نُخضِع النقاش لنفس المستوى، وننظر فى حكايته التى يفبركها لنحصي له ما سقط فيه من فجوات أثناء الحكاية وما فاته أن يسبر غوره أمام الصابرين من القراء .

**************
ومن المسلم به أن الحكم النقدي أو الرأي النقدي التقييمي يركز عند النظر في نصوص القصة القصيرة على أمرين اثنين .. أولهما التحقق أو التأكد من أدبية النص، أو إجراء المراجعات حول تلك الأدبية إذا كانت قائمة بالفعل؛ بغية تصويب مسارها، وهي عملية تتعلق باللغة وكيفية استخدامها وتوظيفها. وثانى الأمرين هو النظر في الجوانب الفنية للنص القصصي بغية التأكد من قيام شرط القصة القصيرة من الناحية الفنية، وكلا الإجرائين رغم شكليتهما في كثير من جوانبهما، إلا انهما لازمين لقيام العمل النقدي علي أساس سليم قبل الولوج إلا أي إجراء آخر.
ولنتوقف عند الأمرين كل على حدة ؟

أولاً : أدبية النص:

من المسلم به أن الخطاب الأدبي خطاب ” غير نفعي” بمعنى أن ما يواجهنا فيه دائماً هو الطريقة أو الكيفية التى ينبني بها الخطاب، وليس واقع ما يجرى الخطاب بشأنه.. ومن ثم فكل الموضوعات التى يناقشها الأدب تبدو أقل قيمة من الطريقة التى يناقشها بها.. وهذه مسلمة أولى.
الثانية : إن جميع المدارس الأدبية فى محاولة تعريفها للأدب رأت أنه قابل للتعريف ليس وفقاً لكونه خيالياً أو تخيلياً، بل لأنه يستخدم اللغة بطرق خاصة. ووفقاً لهذا التعريف يكون الأدب نوعاً من الكتابة يمثل ـ كما يقول الناقد الروسى “رومان ياكبسون” ـ عنفاً منظماً يمارس ضد لغة الحديث العادى، وإلى هذا ذهب كثير من الشكلانيين الروس، عندما حاولوا الانتباه إلى الواقع المادي للنص الأدبي ذاته، عندما رأوا أن الأدب تنظيم خاص للغة, له قوانينه، وبنياته وأدواته النوعية التى يجب أن تدرس فى ذاتها، بدل أن تختزل إلى شئ آخر.
فالعمل الأدبى ليس مركبة لنقل الأفكار، ولا انعكاساً للواقع الاجتماعي, ولا تجسيداً لحقيقة مفارقة متعالية .. إنه حقيقة مادية تلفت إلى نفسها، يمكن تحليل أدائه مثلما يمكن للمرأ أن يفحص ماكينة.. إنه مكون من كلمات, وليس من موضوعات أو مشاعر .
فى هذا الإطار يمكننا أن نتغاضى بضفة إجرائية مؤقتة عن المضمون الأدبى لننظر للعلاقة بين الشكل والمضمون من زاوية أخرى مثيرة للتساؤل :ـ هل المضمون هو الحافز للشكل .. أم أن الشكل هو تعبير عن المضمون؟ وللإجابة أقول :ـ لاشك ـ وبناء على التعريف السابق للأدب ـ أن المضمون هو مجرد فرصة مفيدة أمام الأديب لبناء المجاز، ومن ثم فكل مضمون يكتسب احترامه إذا كان قادراً على أن يظل حافزاً للشكل / المادة الأدبية / النص المعاين, الذي به يصبح الأديب أديباً , وبانهياره تنهار الصفة الأدبية عن النص وعن كاتبه.
ولاشك أن العمل الأدبى هو تجميع لعناصر مترابطة, أو وظائف ضمن نسق نصى كلى مثل : الجرس ، المخيلة , الإيقاع , بناء الجملة , الوزن , القافية , التقنيات الروائية والقصصية مثل وضعيات الراوية, الزمن, الشخصية,عناصر الدراما, الوظائف الحكائية وما إلى ذلك من رصد لكل العناصر الشكلية الأدبية, ولكن ما يفوتنا أن العامل المشترك بين كل العناصر هو نزع الألفة أو كما تُسمى “الإغراب” , فالشئ النوعي بالنسبة للغة الأدبية, وما يميزها عن أشكال الخطابات الأخرى هو أنها “تشوه” اللغة العادية بطرق متنوعة. فتحت ضغط الأدوات الأدبية تتكثف اللغة العادية وتتركز, وتلوى , وتمدد, وتنقلب على رأسها .. إنها لغة جُعِلت غريبة, وبسبب هذا الإغراب يصبح العالم اليومى بدوره غير مألوف فجأة.. الأدب إذن هو ما يجبرنا دائماً على اكتساب وعي درامي باللغة, ويجعل الأشياء أكثر قابلية للإدراك , ومن خلاله اضطرارنا للاشتباك مع اللغة بطريقة أشد عسراً ووعياً بها من المعتاد, ومن خلاله يتجدد ذلك العالم الذى تضمه تلك اللغة.
إننى ومن هذا المنطلق وبالتركيز على اللغة باعتبارها جوهر العمل الأدبى سأبدأ في طرح بعض النقاط الأدبية التي من شأنها أن تحقق أدبية النص:
1ـ لابد أن تتحقق صفة الإغراب عن طريق المجاز, وعن طريق الحيودات التى يصنعها الأديب عن اللغة الاعتيادية أوبمعنى آخر عن طريق الانزياح عن الإرث المشتترك إلى اللغة الخاصة للأديب. فثمة ما يقال : اللسان العربى ولغة الجاحظ . الأولى هى الإرث المشترك والثانية هى الخبرة الخاصة عندما تتعلق بالشخص والذوق والأسلوب والاختيار، والأخيرة تتعلق بقدرة الأديب على ممارسة التشويه المستمر للغة الخطاب العادى, وكل ما تعارف عليه الناس وألفوه من أنواع الخطابات الأخرى حتى وإن كانت خطابات أدبية شائعة.
والإغراب لم يكن أبداً في يوم من الأيام قاصراً على مذهب أو مدرسة أو جماعة بعينها على مدى التاريخ الأدبي كله، ولم يكن قاصراً على مذهب أو مدرسة أو جماعة بعينها على مدى التاريخ الأدبي كله، بل إنه سمة الأدب في كل عصر من العصور.
وقد يظن البعض أن كلمة حيودات عن لغة الاستخدام العادي تعني أن هناك لغة مخصوصة صالحة لتحقيق الأدبية، وأخري غير صالحة لتحقيقها ، ولعل هذا ما لا نقصده .. إن مقولة إن هناك ألفاظاً صالحة للأدب أو الشعر أو القصة، وألفاظاً غير صالحة مقولة قديمة ، انتفت منذ الأربعينيات؛ فكل المفردات صالحة للاستخدام الأدبي ، المهم هو التركيب ، ومناسبة اللغة بمستواها وطريقة بنائها للموقف الخاص الذى تستخدم فيه أو تعبر عنه، أو كما يقال في البلاغة التقليدية “مقتضى الحال” ، والأديب بحساسيته الخاصة يعرف ما هو المناسب من لغة وتعابير لمقتضى الحال، وربما هو القادر أيضاً على إرباك اللغة لحملها على التعبير عن موقف خاص.. ولعل الأديب وحده هو القادر كذلك على التوفيق بين المفردات توفيقاً جميلا أمثل للتعبير عن الموقف أو الحالة أو المعنى بطريقة جديدة ، ربما أن المتكررأحياناً هو الموقف المعبَّر عنه، لكنما يظل التعبير عنه بطرق جديدة مدهشة هو مهمة الأديب، وبصرف النظر عن كون اللغة مباهية بوجودها المادي، أو برصانتها، أو بضلاعتها القاموسية،أو غير مباهية، فقد تكون البساطة والتلقائية أحياناً هما الأنسب والأجمل لهذا الموقف أو ذاك من غيرهما.
وثمة ما يجب أن نؤكد عليه أن الإغراب لا يتحقق باللغة وحدها ، بل أحياناً يكون الموقف الذي تُستخدم فيه اللغة مساهماً معها في تحقيق صفة الإغراب، ولعل جهد المؤلف أو مستخدم اللغة هنا أنه بلغ من الذكاء مبلغ اختيار المناسب للمناسب، وصولاً إلى هدف بلاغي يبتغيه، أو إلى معني متسع يرتجيه. ولأضرب مثلا على ذلك : عندما نردد عبارة من عينة “هذا عبور مرعب” ونحن نشاهد فيلماً تسجيلياً عن عبور الجنود المصريين لقناة السويس يوم السادس من أكتوبر عام 1973، ربما أن هذه العبارة ـ التى لم تُبنَ على هيئة مخصوصة ـ رغم عفويتها لا تعتبر أدبية أو شعرية في هذا الموقف تحديداً، لكونها عبرت عن المعنى مباشرة، ولكونها اعتيادية في هذا الموقف ، وهي لهذين السببين واقعة ضمن الإرث المشترك من استخدامات لغوية .. لكنما لو ردد هذه العبارة طبيب أو طبيبة أمراض نساء أو جراحة ، في لحظة معاينة أيهما للآثار الدموية والتهتكات الشنيعة التي أحدثها عريس بعروسه ليلة الزفاف.. تُرى كيف يكون حكمنا على استخدامها؟.
إن استخدام العبارة في هذا الموقف الأخير ينطوي على توظيف دلالي مغاير ينشأ عنه إغراب لم يوفره استخدامها في الموقف الأول. فلفظة ” عبور” في الموقف الأول لم تتجاوز دلالة مواضعتها أو دلالتها الاصطلاحية .. أما في الموقف الثاني فثمة “إغراب” منشأه المغايرة بين “فض غشاء البكارة” و “عبور قناة السويس”.. غير أن العبارة في الموقف الثاني تنطوي على تصور خيالي لما حدث ليلة الزفاف على أنه اقتحام ، أو حرب، ومن ثم فالعريس هو العدو المدجج المقتحِم (بكسر الحاء) والعروس من ثم هي المقتحَم (بفتح الحاء) ، وهكذا تنشأ المفارقة عندما تحل العدوانية المستبعدة محل الحميمية المفترَضة ، وهكذا أيضاً يمكننا تصور فكرة التعشق على أنها اقتحام، وبداية الحياة الزوجية على أنها بداية حرب …. وهكذا قد تكتسب العبارة قدرة لانهائية على فتح هويس الدلالة ، والتأويلات المتسعة لمجرد أنها حققت إغراباً من خلال الموقف الذي قيلت فيه، وليس من خلال قاموسيتها أو رصانتها أو ضلاعتها أو ما شابه ذلك.

2ـ لابد أن تكون اللغة مكثفة، بمعنى محملة بأكبر قدر من الطاقة الايحائية والرمزية والدلالية والنفسية والرؤيوية فى آن، وليس بمعنى الاختزال والرشاقة والنحول ـ كما يفهم البعض ـ فذاك وإن كان مطلوباً إلا أنه ليس أكثر من مظهر خارجى للغة المكثفة.

ولكى يحقق الأديب هاتيك المواصفات لابد أن يكون قادراً على :

1ـ الاشتباك الدائم مع اللغة بشكل أكثر عسراً ووعياً بها، وربما لكي يكون مؤهلاً للاشتباك مع اللغة لا بد أن يكون مستعداً ـ بجانب الوعي ـ على بذل جهد الانتقاء والتوليف والجمع بين المفردات، وهو جهد مطلوب، وربما أساسي إذ لا يتعين الأسلوب الأدبي بمجرد الخبرة المباشرة وحسب، بل ثمة حساسية فنية باتجاه اللغة لدى الأديب يجب أن تُستحث للقيام بفعلها أثناء الكتابة، الأديب وحده القدادر على أن يجمع كلمة تمتُّ إلى الأرض وأخري تمتُّ إلى السماء من عينة ” شجرة” و “غيمة” ليعطي يعبيراً مثل:” غيمة شجرية” أو”شجر الغيم” .
أما عن الوعي فهو بالضرورة متنامي، ولكي يتنامى بحاجة إلي ري دائم ليس بالاطلاع والتمرس وحدهما، وإنما بالنية المسبقة علي هجر كل ماسبق أن استخدمه الآخرون من تعبيرات في مثل هذا الموقف الذي هو بصدد التعبير عنه، حتى وإن كانت تعبيرات أدبية راقية.. إن مثل هذه النية المخلِصة ستكون دافعاً للخلق على غير مثال سابق ـ كما يُقال ـ أو على الأقل دافعا للبحث عن جديد نسبياً.
2ـ استخدام اللغة استخداماً سليماً وفق قواعدها على الأصعدة النحوية والصرفية والدلالية واللغوية والإملائية , وأن يكون قادراً على تنظيم الشكل الكتابى وفق آلية معينة يستخدم فيها علامات الترقيم وكافة الأدوات الأخرى, يدخل من ضمنها البنط الكتابى وحجمة ويدخل من ضمنها هندسة البياض والسواد فى الصفحة ، وتحضرني هنا مقولة ” إن الأديب الجيد هو الذي يخدم اللغة بشكل جيد ، لا الذي يستخدمها بشكل جيد ” وأري أن كلا الطريقين مسدودان أمام من لم يسيطر بعد على قواعد الاستخدام الصحيح للغة .
3ـ أن يضع فى اعتباره أن هناك سمة نوعية فارقة هو معنيٌّ بالضرورة بها لحظة أن يبدأ فى إنتاج النص، وهي سمة نوعية أسلوبية ورؤيوية تتوقف علي طريقته في التعامل مع اللغة، إذ عليه أن يبني اللغة بطريقة مخصوصة ، عندما يعرف متى يقدم ويؤخر عند بناء الجملة أو العبارة ، وعليه أن يعى كيف يأتي المجاز كثيفاً، وكيف يأتي التعبير رشيقاً، غنياً بالدلالات ، وغير ذلك عليه اللجوء إلى التعبير التصويرى والرمزى والإيحائى عن المعنى أو عن الحالة أوعن الموقف ، ليس هذا فحسب بل أيضاً أن يكون قادراً على تحقيق الإيجاز المطلوب، وعليه أن يتوقف عند كل كلمة ، أوعبارة ، أوتفصيلة حدت ليسأل نفسه سؤالاُ مهما : تري لو استغنينا عن هذه أو تلك هل سيتأثر المعنى؟ فإذا كانت الإجابة بـ” لا ” فعليه أن يتخلص من الترهلات إذن .. وغير ذلك لابد أن يضع الأديب في اعتباره أنه معنيٌّ بالتعبير عن حالة سديمية، أو عن رؤية غائرة ، وليس عن معانٍ واضحة، أو سطحية، أو محددة جبرياً على عادة الأفكار والمعاني العلمية، مثلما أنه ليس معنياً بالتعبير عن رؤية اعتيادية، أو عن موقف اعتيادي ، وليس ناقلاً لما يألفه الناس، وليس بنفس الطريق التى يعبرون بها وهم يلوكون الأخبار والحكايا .. إننا بحالة ما لسنا على استعداد لأن نتوقف عند محطة كاتب يَدَّعي ـ مثلا ـ أن لدية قصة قصيرة عن حرب أكتوبر بين الجيش المصري والجيش الاسرائيلي في سيناء عام 1973، ثم نفاجأ أنه لم يزد عما تناقلته الدوائر الإعلامية و السياسية و العسكرية أو حتى عما يتناقله الجنود العائدون من الحرب .. لاشك أنه أديب مخيب للآمال إذ يستهلك وقتنا فيما خبرناه، وربما بأكثر من خبرته، غير أن الاشكالية ليست في أنه قدم حكاية ألفناها وخبرناها أكثر منه أو أقل ، الاشكالية تكمن في : ما الذي يريد الوصول بنا إليه من وراء الحكاية تلك ، وهل هذه الرؤية المستهدفة تقع أيضاً في إطار خبراتنا الاعتيادية ام أنه يصعد بنا إلى منطقة رؤيوية جديدة لم نألفها من قبل؟.

فيما أظن أنه بغير ذلك تنتفى عن الأديب خصوصيته كمنشىء باللغة، وكرائي ، وكرؤيوي ، ومن ثم يصبح كل خطاب يقدمة إعتيادياً, ومن ثم فكل كتابة يقدمها تقع بالضرورة خارج الكتابة الأدبية .

*******

ثانياً: الجوانب الفنية للنص القصصي

1 ـ القصة كعمل درامي:
لقد تطور فن القصة في خلال القرون الثلاثة الماضية حيث وصل في عصرنا الحاضر إلى ما يُسمى بالقصة الدرامية، ولا شك أن القصة ذات الطابع الدرامي هي أرقي أنواع التعبير القصصي المعاصر ، والدراما تعني ببساطة الصراع في أي شكل من أشكاله ، والتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذي لا يسير في اتجاه واحد ، وإنما يأخذ دائماً في الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة، وأن كل ظاهر يستخفي وراءه باطن، وأن التناقضات ـ وإن كانت سلبية في ذاتها ـ فإن تبادل الحركة بينها يخلق الشيء الموجب، ومن ثم كانت الحياة نفسها إيجاباً يستفيد من هذه الحركة المتبادلة بين المتناقضات.
وإذا كانت الدرما تعني الصراع ، فإنها تعني أيضاً الحركة من موقف إلى موقف مقابل، ومن عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور متقابلين، ومن فكرة إلى وجه آخر من الفكرة ، وهي موضوعياً ـ أي الدراما ـ تتخذ مادتها من الحياة ، وربما لهذا يقال : إن الحياة في طبيعتها درامية .. طبيعة بناء الحياة في مجملها قائمة على هذا الأساس الدرامي، فلا غرو أن تتمثل الدراما في كل جزئية من جزئيات هذا البناء، وأعني مفردات الحياة ذاتها. وربما لهذا يقال إن التفكير الدرامي تفكير موضوعي إلى حد كبير حتي عندما يكون المعبر عنه موقفاً أو شعوراً ذاتياً صرفاً. وعموماً فإنه ليس من السهل أن يتحقق الطابع الدرامي في العمل القصصي ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الدرامية الموضوعية الأساسية وأعني بها الإنسان والصراع وتناقضات الحياة ومفارقاتها.
وبجانب خاصيتي الحركة والموضوعية اللتين تميزان التفكير الدرامي هناك خاصية اساسية هي التجسيد ، إذ لا يأتلف التفكير الدرامي ومنهج التجريد؛ لأن الدراما أي الحركة لا تتمثل في المعنى أو المغزي ، وإنما تتمثل فيما يؤدي إلى معنى ومغزى، وأعني الوقائع المحسوسة التى تصنع نسيج الحياة ، ومن ثم كان التفكير الدرامي هو التفكير بالأشياء، أي مجسماً لا تفكيراً تجريدياً، ولهذا فإن من سمات العمل القصصي الدرامي أنه يعني بالتفصيلات الحية والجوهرية.
ولذلك فإن طبيعة العمل الفني الرامي ينظر إليها من جانبين، الفني والرؤيوي معاً، إذ لا يمكن أن يكون التفكير دراميا والنتج الفني غير ذلك، والعكس أيضاً صحيح، ولا يمكن أن يكون التعبير درامياً مالم يكن الدافع الأول للكتابة يحمل في ثناياه بذوراً درامية.
فمن حيث الرؤية فإن الفنان في إطار التفكير الدرامي يدرك أن ذاته ليست معزولة عن بقية الذوات الأخرى في العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي ـ ومهما كان استقلالها ـ ليست إلا ذاتاً مستمدة من ذوات تعيش معها في عالم موضوعي تتفاعل معه ، وهو ينفتح ببصيرته على دراما الحياة في مسيرة سعيه الدؤوب لرصد الأشياء وفهم الحياة على التناقض الذي يتمثل في أبسط جوانب الحياة قبل أن يكون في أكثر الجوانب تعقيداً. وهو ـ أي الفنان ـ في حالتي الصراع ورصد المتناقضات ، و المفارقات قادر على أن يقدم إلينا إنتاجاً درامياً من الطراز الأول، إذ يستطيع أن يقيم بناء فلسفياً يفسر لنا الحياة والأشياء تفسيراً خاصاً. ، ومن ثم ـ وفي إطار التفكير الموضوعي ـ لا يمكن للفنان أن يصب شعوره أو فكره إلا في إطار البنية الدرامية العامة للحياة.
ولذلك يقال إن من طبيعة التفكير الدرامي أنه لا ينظر في اتجاه واحد ، ولا يتوقف عند السطوح ، ولا يقول ما قيل من قبل ، ولا يقول ما قيل دون معاناة، وكما قال الدكتور عز الدين اسماعيل في معرض حديثه عن النزعة الدرامية : ” إننا في عصر لم تعد فيه السطوح الملساء تستثيرنا، لكثرة ما استثارتنا من قبل ولم تعد الأنوا وحدها تبهرنا، ولم يعد الظلام وحده يخيفنا، ولكن حين يجتمع النور والظلام يكون البهر والخوف” ، وربما أن المثل القديم ” إنما يظهر الشىء ضدُه” قائم أساساً على تصور الفكرة بين نقيضين، هكذا يمكننا أن نقرر أن النبرة الوعظية المباشرة ، والخطاب الممهود المسطح،الذي يؤثر السلامة فوق السطوح الملساء، لم يعدا لهما موضع في الخطاب العصري الدرامي، ربما لأنهما فقدا جدواهما على التأثير، لمجافاتهما طبيعة الحياة من جهة ، ومن جهة أخرى لأن إنسان العصر لم يعد من السذاجة التي تجعله بحالة ما يتأثر بخطابات لا تتماهي مع طبيعة الحياة المتصارعة، بمفارقاتها، وانهياراتها المتلاحقة، وحركيتها التي لا تريم. وربما لهذا يقال: لا تسطح ولا استواء في العمل الدرامي، والفنان المنهمك في فهم الحياة لا يمكن بحالة ما إلا أن يكون صاحب نزعة درامية مسيجة بالوعي الشمولي، وإن وعي الفنان هذا هو ما يحميه دائماً من التسطح والإبتذال والتفاهة، وربما لهذا يقال أيضاً : إن السارد (الراوية) المطمئن غير مقنع وغير منطقي وغير مؤثر، إن اطمئنانه يجعله منفصلا عن الواقع المضطرب الذي يتصارع من حوله، ولذلك يقرض عليه اطمئنانه كثير من التمهيدات والتهييئات قبل الدخول إلى الحدث، كما يعطيه سلطة السيطرة على الزمن ، فنراه يوقف الدراما ويعطل الحركة أحيانا ممارساً ثرثرته حول الحدث، وحول أفعال الشخوص وتصرفاتهم، وهو غير مقنع لأنه في عالم اللايقين يمكنه أن يدخل إلى رؤؤس ونفوس الشخوص لينقل لي بدلا عنهم كيف يسعرون الآن، وفيما يفكرون.
ومن حيث الفن فإن للتعبير الدرامي وسائله في النص القصصي الكثيرة، منها ما نلمسه من عناية بالتفصيلات الحية والجوهرية والتى من خلالها تتجسد رؤية القاص، فمهما يقال إن الدراما متجسدة في الحياة ، فإن اكتشافها رهن برؤية الفنان عموماً.، ما نلمسه على مستوى الحدث من صراع بين النقائض، وفي الحركة والحركة المتقابلة بين الأفعال وردود الأفعال، وسائر المقابلات التى تغزى الدراما، ، وعلى المستوى التعبيري ما نلمسه فى اللغة من مقابلات.بين الصور والمفردات، أوبين الجمل والألفاظ، أو المقابلات بين الأبعاد الداخلية للشخوص وخارجهم، ولهذا كان الحوار بنوعيه الداخلي (المنولوج) والخارجي (الديالوج) من عناصر المغذية للدراما في النصوص لو أحسن توظيفهما، ومن شواهد التعبيرالدراما أيضاً ارتباط اللغة بالموقف الدرامي الذي يعبر عنه الفنان، ولذلك من ضمن فنيات القصة الدرامية وجمالياتها أن تأتي لغة السرد الدرامي متوائمة مع الحدث ومع الشخوص وبيئاتهم ورغباتهم ومستوى تفكيرهم.
ولنا أن نتوقف ـ ونحن في طريقنا إلى الأسس البنائية للقصة القصيرة ـ عند السارد (الراوية) باعتباره صاحب السرد، وصاحب وجهة النظر القصصية ، وصاحب منظور القص الذي يمارس من خلاله رصد الأحداث، أو باختصار هو أداة المؤلف للتعبير عن الدراما.

2 ـ السارد ووضعيته:
كثيراً ما تنتاب المرء منا رغبة أن يحكي لأصدقائه حكاية ما حدثت معه أو أمامه في الحقيقة، وهو يعلم أنه بمجرد أن يشرع في الحكي عليه أن يتحول إلي راوية، ومهمته واضحة هو نقل حكاية ما، حدثت حقيقة، لكنه حقيقة يتساءل: لماذا أنا راغب في نقل هذه الحكاية للآخرين؟ .. وعليَّ أن أجيب بيني وبين نفسي؛ إذ لابد أنني أهدف إلى توصيل رؤية ما من وراء الحكي، إذ ليس من المعقول أن يكون الهدف هو مجرد التسلية، أو حتي مجرد إعادة إنتاج الواقع الذي يراه ويشاهده الناس ويألفونه.. إن مجرد ألفتهم للواقع تعني أنني بالنسبة لهم أطرق المطروق، أو أعيد عليهم ما يخبرونه جيداً .. من ناحية أخري لابد أن أسأل نفسه: أين أنا من الأحداث التي سأرويها: أو بالمعني هل أنا مجرد مراقب من الخارج ودوري الآن هو النقل فقط،، أم النقل والتعليق والتعقيب على الأحداث، أم النقل فقط .. أم أنني حقيقة كنت مشاركاً فيها مثل بقية الشخوص، وهل أنا مشارك بدور أساسي أم كنت هامشياً في الأحداث، أم أنني حقيقة سأنقل أحداثاً لم أكن مشاركا فيها، ولم أكن أعي تماماً ما يدور ولكني سأنقل ما يمكن أن يكون قد وصلني منها علي قدر استيعابي .. باختصار علي الراوية أن يحدد وضعيته من الشخوص والأحداث .. السؤال الذي يمكنه أن أسأله لنفسه قبل أن أشرع في الحكي: من أين أبدأ ؟ لقد حدثت الأحداث في الحقيقة دفعة واحدة أو جملة مترابطة، وفي زمن مركب ( زمن القصة في الحقيقة) وعليَّ الآن أن أسلسلها في زمن آخر متسلسلة أفقيا حدثاً وراء حدث ( زمن القصة في النص) ، ثم أقوم بعملية الربط بينها حتي يستوعب المحكي له العلاقة بين جزئيات الحدث، إذن عليَّ أن أكون صاحب منظور قصصي معين يؤهلني لتشويه زمن القصة التى حدثت حقيقة؛ ليتسني لي عرضها بشكل آخر وفق تراتبية زمنية مختلفة.. من ناحية أخري أنا أسأل نفسي أيضاً : كيف أبدأ الحكاية .. هل سألتزم بمنطق حدوثها في الحقيقة أم سأبدأ وفق منطقي الخاص، كأن أبدأ من نهايتها ـ مثلاـ ثم أعود لاحقاً إلى البداية، أم أبدأ من المنتصف، ثم أرتد إلي البداية، وهذا معناه أنني لابد أن أكون صاحب منظور معين للقص يتفق مع وضعيتي التي حددتها سلفا، ويتفق مع وجهة النظر التي أمتلكها أساساً، وعلي أن أتساءل أيضاً هل أنا مجرد سارد للقصة، أم أنني في الحقيقة صاحب أسلوب قصصي مشوق وممتع ومتفرد ( مؤلف ) وعلى أن أفصل بين كوني مؤلفاً، وبين كوني سارداً، وربما أنني تراجعت أمام عملية القص إذا اكتشفت في لحظة ما أنني لست أهلا لأن ألعب دور المؤلف .. ومن جهة أخرى علي أن أسأل نفسي هل ما حدث فى الحقيقة يصلح لعرضه الآن كحكاية لها خاتمتها المنطقية، أو المفارقة؟، وهل لها مبتدؤها الممهود لاستيعاب وجهة النظر، وهل هي حكاية غنية بما يؤهلها لتغذية السرد بعناصر مؤهلة لصنع حكاية مشوقة ذات مغزى؟؟ .. ثمة اسئلة كثيرة إذن وسمة أدوار، ووضعيات ووجهات نظر ومنظور قص، وأسلوب سرد، ورؤية ما من وراء السرد، وفي النهاية ثمة مؤلف ناسج له سمة الأديب الذي يستطيع أن ينشيء باللغة وعليه أن يتسامي عن مجرد كونه سارداً إذ المفترض أن السارد من إختراعه، والمفترض أن السارد مجرد أداة من ضمن أدواته الأخرى.
لعلني بهذه المقدمة أكون قد مهدت للوصول إلى ما أقرته نظرية البويطيقا بخصوص دور السارد (الراوية) ووضعيته، وبخصوص التفرقة بين القصة كما حدثت في الحقيقة، وبين العمل القصصي.. وقبل أن أعرض لهذه الآراء أتوقف عند مقولة من عينة ما قرأناه ونقرأه عند المبتدئين وأحيانا غير المبتدئين وهم يضعون لافتة فوق النص تؤكد أن ” هذه قصة واقعية” دون أن يدركوا أن كلمة واقعية لا تعني أنها حدثت في الحقيقة، فثمة واقعي وحقيقي، الواقعي هو النقيض من الرومانسي، وهو أيضاً النقيض من السريالي، وهو النقيض من الأسطوري، ولا يعني ذلك حدوثه على وجه الحقيقة، بل يعني إلتزامه بالواقع على مستوي الرؤية، هو تصنيق رؤيوي فلسفي إذن، يجر إلي اشتراطات فنية عند الكتابة، أما الحقيقي فهو ما حدث بالفعل وما يمكن أن نقرأه في صفحات الحوادث في الجرائد، وما يجري على ألسنة الناس من حكايا حول ما فعلوه أو ما شاهدوه ، ومهما كان أسلوبهم، فإن ما يحكونه ليس عملا قصصياً، لأنه لم يجب عن كل الأسئلة التي سبق أن طرحتها، ولأن مهمة عرضه ليست مهمة الأديب / الفنان، فإعادة إنتاج الواقع ليست من الفن في شيء، الفنان هو من يفن، ولعل الإبداع أساسا ـ كتعريف قاموسي ـ هو الخلق على غير مثال سابق .
ولعل كل الدراسات التي تمت أو تتم على القصة القصيرة أو الرواية ، تبدأ من اعتباره عملاً سردياً، له سارد (راوية) وهو شخصية وهمية مخترعة لأداء دور معين، مثله مثل الكاميرا أحيانا في يد المصور عليه أن ينقل الأحداث بحيادية، إذن هو في النهاية أداةمن أدوات القاص (المؤلف) وله مستوى لا يتخطاه، أو بالمعني هو في إطار دوره يختلف عن المؤلف، ومن ثم له وجهة نظر ترتبط بوضعيته بالنسبة للشخوص والأحداث، وله مستوي معين من الفكر والثقافة في إطار دوره أيضاً، وهو مختلف بالضرورة عن مستوي المؤلف (صاحب آلاف الرواة أو الساردين عبر أعماله الإبداعية) لذلك يمكننا ببساطة اكتشاف سطوة المؤلف على الراوية ودوره عندما نجد أسلوب الراوية أعلي بكثير من وضعيته في القصة، وأعلي من مستواه الفكري والثقافي المفترض إذا كان من الشخوص ساعتها يمكننا التعرف علي مستواه من خلال حكيه عن نفسه ، ومن خلال سلوكه الفعلي ومساهماته في الأحداث، أو من خلال المعلومات التي يوفرها لنا عن نفسه، كأن نأتي بعامل في البلدية مثلا، ولم يتلقى تعليماً، ومن وسط فقير ثقافياً، ومادياً وحضارياً، ثم نجعله بطل القصة وراويها ، ثم نجعله يتكلم فى حواراته بلغة قاموسية رصينة ، ثم ننطقه بمنطق المثقفين، ثم نجري على لسانه حديثا يفيض فلسفة وتحليلاُ للواقع ، أو تتساقط منه عبارات تنم عن تخصصية علمية، أو تبحر فكري .. هنالك نكتشف أن المؤلف أعطى الراوية أجازة مفتوحة وبدأ يتحدث نيابة عنه، وهنالك نقول : لقد سقطت الأداة الأولي في يد المؤلف وهو الراوية ومن ثم لا عمل قصصي في الأساس، إذ بانهيار السارد (الراوية) ينهار السرد تماماً.

إذن عندما نشرع في السير فى دراسة وضعية /وضعيات السارد فى علاقتها ببنية النص يجب أن نفرق بداية بين القصة كما حدثت أو تحدث في الحقيقة وبين العمل القصصي / النص باعتبار الأخير وسيطا قصصياً / خطاباً 0
ثمة فارق كبير إذن بين النص القصصى والقصة أو الأحداث الحقيقية قبل أن تتجسد فى نص0 إذ تُرى أحداثا ينظر إليها على أن لها وجوداً مستقلا عن أية وجهة نظر معينة تظهر من خلالها الأحداث فى العمل القصصي / النص. ويُنطر إليها على أن لها خصائص الأحداث الحقيقية التى لها وجود فعلي ، والأحداث فى وجودها الفعلي يمكن أن تحدث جملة ” فى لحظة واحدة ” لكنها فى الخطاب القصصى تأتى بكيفية ما وفق نظام زمنى أفقي تراتبى قد يستغرق مساحة زمنية طويلة لذلك يمارس السارد( الراوية ) كافة صلاحياته – باعتباره صاحب الخطاب القصصى وصانعه- فى تشويه هذا الزمن الأفقى ليربكه ويجعله قادرا على استيعاب الأحداث بشكل أو بآخر، وربما يترتب على هذا الإرباك والتشويه الزمنى أن العمل القصصى ربما لا تظهر فيه العلاقات بين حدث وحدث بشكل يتفق ومنطق الواقع أو منطق حدوثها فى الحقيقة أو حتى ترتيبها.
والسارد وهو يقوم بهذا الفعل لا يقوم به اعتباطاً وإنما يتم الأمر وفق منظور معين أو وجهة نظر معينة 0هذا المنظور أو وجهة النظر هو الذى يحدد وضعية السارد مكانياً وزمانياً بالنسبة لشخوص قصصه .
والحقيقة ان وضعية السارد تثير مشكلات منهجية عدة ، يتعلق بعضها ببنية النص وبعضها الآخر يتعلق بالقيم المبثوثة فى النص ، وبعض ثالث يتعلق بالعلاقة بين النص والمؤلف ، وبعضها يتعلق بأسلوب السرد ، وبعضها يتعلق ببنية الزمن القصصي، وبعضها يتعلق ببنية المكانية في النص.
ولقد حدد ” تزفيتان تودوروف ” وضعيات أو تجليات السارد فى النص فى ثلاثة أصناف:
السارد أكبر من الشخصية القصصية أو الروائية (الرؤية من الخلف)وهو ما يسمي بالسارد العليم الذي يبدو أعلي من شخوصه .
السارد مساوٍ للشخصية ( الرؤية مع أو الرؤية المصاحبة) وهو أقرب إلى الكامرا الذي عليها أن تنقل الأحداث بحيادية.
السارد أصغر من الشخصية ( الرؤية من الخارج أو الأمام) وفيها تبدو معلومات السارد أقل من شخوصه، كأن ينقل مثلا قصة من داخل المناجم ، وهو لتوه يدخل منجما لأول مرة في حياته.
ولقد كان القصاص والروائيون التقليديون لايعرفون أو لا يكادون يعرفون إلا مايسمى في تقنيات السرد بالرؤية من الخلف، حيث الراوية المسيطر على الحدث والشخوص يعرف كل صغيرة وكبيرة ويسمح لنفسه بالشروح والتعليق على الأحداث ، وربما أعطي لنفسه حق السخرية من الشخوص، ويسمح لنفسه أيضاً للدخول إلى جوانيات الشخوص وينقل ما في ضمائرهم، ونفسياتهم، وربما يمارس بعضاً من التعليق عليها وشرحها باعتباره عليما بكل شيء، ولذلك يبدو سرده ملئ بالثرثرة، وبالفجوات غير الدرامية أي الخالية من الفعل ورد الفعل ، أو الأحداث، فيما يحتل وحده مساحات كثيرة من السرد، بعيدا عن صلب الأحداث.
هذا بالنسبة للسارد ووضعيته .. أما عن القصة القصيرة كعمل نوعي له سماته الفنية المحددة التي تجعله عملا فارقا عن الأجناس الأدبية الأخري ومهما قيل أنه يستوعبها أو يتماس معها، ومهما قيل أن الحدود سقطت بين العرق والجنس واللون ، فإن كل ذلك يأتي من باب التقارب والاستيعاب وليس من باب القضاء على النوعية.
إننا لا نستطيع أن نلغي تاريخ الأدب ونظرياته والمنجز فيه من أعمال فنية، ولكن علينا أن ننطلق منها لا عليها، هذه واحدة، الثانية لكي أنطلق منها لابد أن أعيها أولاً، ومهما يقال إن الفن هو التجاوز أو اجتياز المحددات التقعيدية ـ ولعل هذا صحيح ـ يبقي شرطنا ـ في مضمار الفن ـ أن الخروج على الفن لابد أن يكون بفنٍ أيضاً .
ولعلني أكون ممهدا بذلك لعرض ما اتفقت عليه المراجع الأدبية في مجال القصة القصيرة كعمل نوعي .

3 ـ الأسس البنائية للقصة القصيرة :

والحقيقة إن النقاد عبر التاريخ الأدبي الحديث ومنذ بزوغ القصة القصيرة في منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن ـ اختلفوا فى تعريف القصة القصيرة ، وذهبوا مذاهب شتى، ومع ذلك فإن محاولة تعريف القصة القصيرة تعريفاً جامعاً مانعاً لم يُكلل بالنجاح، ولعل تقريب مفهوم “الشكل” وتقاليده، عن طريق مقارنته بالرواية التى تشاركه في بعض الملامح والقسمات، يصبح أكثر إقناعاً وتيسيراً ـ لتقبل خصائصه ومميزاته ـ في محاولة السعي من أجل التعريف والتحديد.
إن القصة القصيرة هي أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر، لأنها انتقلت بمهمة القصة الطويلة أو الرواية من التعميم إلى التخصيص، فلم تعد تتناول حياة بأكملها، أو شخصية كاملة بكل ما يحيط بها من ملابسات وظروف وحوادث كالرواية. وإنما اكتفت بتصوير جانب واحد من جوانب حياة الفرد، أو زاوية واحدة زوايا الشخصية، أو تصوير خلجة واحدة من خلجات النفس الإنسانية، تصويراً مكثفاً يساير روح العصر في إيجاز وبكلمات منتخبة، تؤدي إلى جلاء حقيقة واحدة، أو تحديد رأي معين، أو نقل انطباع خاص.
فإذا كانت الرواية تتناول قطاعا طولياً من الحياة، فإن القصة تتناول قطاعا عرضيًّا . وإذا كانت الرواية أقرب إلى التوغل في أبعاد الزمن، فإن القصة القصيرة أقرب إلى التوغل في أبعاد أبعاد النفس.

وعليه يمكننا أن نحدد الأسس البنائية للقصة القصيرة:

لما كانت القصة القصيرة تُعدُّ من أصعب الأشكال الأدبية، فإن نقاد هذا الفن الأدبي، يحاولون وضع مجموعة من المقومات والمبادئ ، تشكِّل أسسه البنائية الفنية، حتى يَتَرَسَّمها كل من يريد الإبداع في هذا المجال، ومنها:
ـ مبدأ الوحدة:
إنه جوهري وأساسي من أسس بناء القصة القصيرة فنيًّا، فالقصة القصيرة يجب أن تشمل علي فكرة واحدة تعالج حتى نهايتها المنطقية بهدف واحد، وطريقة واحدة، وهذا المبدأ هو ما يميز كلَّ قصة قصيرة جيدة عن غيرها، إذ إن طبيعة القصة القصيرة لا تسمح بعناصر مختلفةٍ تدخل في نسيجها ، وما نلاحظه في كثير من القصص الحديثة من خروج عن مبدأ الوحدة هذا هو في الحقيقة ليس خروجاً، فكثيراٌ ما نلاحظ ثمة تشعب بوسائل فنية إلى ماضي الشخصية عن طريق الفلاش باك ” الاسترجاع” ، أو إلي اجتاز اللحظة القصصية إلي الأمام عن طريق الاستباق، أو الحلم، أو التداعي الحر، أو ما شابه ذلك من وسائل من شأنها الخروج بفنية ما عن اللحظة القصصية، إلا أن ذلك لا يعد خروجاً ما دام يتم وفق مع وجهة نظر الراوية ومنظور القص عنده، وما دام خروجه مبررا فنياً لتدعيم اللحظة القصصية نفسها.
وربما المثال الذي دائماً ما نعطيه كتطبيق عملي علي هذه الجزيئة ، وهو مثال افتراضي على أية حال : نفترض أننا بصدد كتابة قصة قصيرة عن حادثة تصادم سيارتين ، فإن مهمة السارد من حيث تطبيق مبدأ الوحدة هي تصوير أو رصد لحظة التصادم نفسها، أما لو نظرنا إلى وجهة نظر السارد الكامنة وراء عملية الرصد وربما دافعه إلى الرصد سنزهل.
هو سارد متابع فقط ، وأراد أن ينقل لنا حادثة التصادم هذه من خلال وجهة نظر محددة تتفق مع رؤية ما يعتنقها، ولتكن مثلاً: ” فتِّش عن المرأة وراء كل جريمة، أو حدث حتى لو كان حادثة تصادم سيارتين ” .. هذه الرؤية ستظل دافعه إلى عملية الرصد، وهي السبب الجوهرى من وراء نقله الحادثة، وهي على أية حال هي رؤية خاصة بالمؤلف، ولكن المؤلف اخترع لها ساردًا ينوب عنه لنقلها أو يعبر عنها من خلال نقله لحادثة التصادم تلك .. إذن العملية ليست مجرد إعادة إنتاج الواقع، وليست مجرد رصد حادثة من شأنها أن تسلي القارئ أو السامع، وليس لتزجية الفراغ، وليس للحديث عما يمكن أن يكون متوقعاً عن أحداث السير وتزاحم السيارات أو مخالفة قواعد المرور أو ما شابه ذلك مما يعرفه الناس من أحداث اعتيادية.
لهذا هو مضطر ـ بناء على وجهة نظره تلك أن ينتقل بالكاميرا ( عين السارد) ، مودعاً المشهد الآني (التصادم وما فيه من تحطم ودماء وفرقعات وقتلي) إلى ماضي كل شخصية على حدة؛ لينقل لنا معتمداً على “الفلاش باك” لقطات من حياة السائق الأول الذي كان شارد الذهن، لأن امرأته ليست جميلة ، ولكنه تزوجها دون قناعة منه خضوعاً لثقافة البيئة القروية الريفية القبلية التي قد تُلزم ابن العم أن يتزوج من ابنة عمه درأ للعار الذي لابد أنه سيلحق القبيلة لو أن ابنة عمه ظلت هكذا دون رجلٍ ، أو مطمعاً للرجال. ومن ثم فإن هذا السائق بوضعيته تلك غير قنوع بامرأته ، ودائماً يروغ ببصره إلى النساء في الشارع ، ومن ثم كان من المنطقي أن يصطدم يوماً ما بالسيارات المارقة وغير المارقة في الطريق.
السائق الثانى وهو ثري .. و سوف يتطرق إليه السارد أيضاً عن طريق “الفلاش باك “إلى لقطات من ماضي حياته ، وهو على أية حال متزوج من امرأة جميلة جداً، تزوجها دون إرادة أو رغبة حقيقية منها، خضوعاً لرغبة أسرتها في تزويجها من هذا الثري، ومن ثم لم تكن حياتهاما مظللة بالمودة والوئام وكانت كثيرة التمنع والتدلل، والمطالب ، كثيرة الأوامر ، استطاعت أن تسيطر عليه وتسلبه قراره في بيته وحياته برمتها، وكان رغم هذا صبورا عليها، غير أنه لم يجد منها ما يرضي رجولته وذاته كرجل، ومن ثم هرب منها إلى الخمر، وأمسى واضحى يعاقرها حتى لأنه أدمنها، ومن ثم كان يقود سيارته وهو مخمور.

على أن ما يجب أن ينقله السارد من ماضي الشخصيتين لا يجب أن يكون بأية حالة مثلما عرضت أنا بشكل مباشر هنا، بل عليه أن ينقله بأسلوب الكاميرا التى تنقل أحداثاً ووقائع يستشف منها القارئ ما قيل هنا بأسلوب مباشر.
وعليه بعد أن يمارس ما مارس من ارتدادات نحو ماضى السائق الأول والثاني أن يعود إلى لحظة التصادم التي من المفترض أننا لازلنا متوقفين عندها، إذ هى اللحظة القصصية الريئس، ونحن المعنيون برصدها، وهى وحدها التى سننقل من خلالها رؤيتنا السالفة.
لنعود إذن إلى لحظة التصادم وقد تجمهر الناس حول الواقعة والسيارتين المحطمتين، والدماء السائلة ، وسط لغط الناس وحواراتهم التى قد لا تعنينا فى لحظة القص كثيرا، وأنما الذي يعنينا أن تتوقف كاميرا السارد أمام امرأة جميلة جدا تمرق عبر المكان بجوار السيارتين.. ومن دون أن تعبأ بمعاينة الحادث كان الناس المتجمهرون معنيين بتفرسها، وفيما كان السارد مركزاً كاميرته عليها غابت، وربما أن في تلك اللحظة كانت روح أحد السائقين قد خرجت، فيما كان الثاني يحتضر وعينه كغيره من الناس تتابع تلك المرأة المارة.. لتنتهى القصة وقد استطاع السارد( الراوية) كسر مبدأ الوحدة والخروج منه بفنية ما تتعلق أو تتفق مع وجهة نظره، واستطاع من خلال تركيزه على لحظات معينة وأحداث بعينها أن ينقل إلينا رؤيته، وإن كان من خلال رصده لحادثة السير أو التصادم بين السيارتين، ولا يستطيع أحد من الراصدين لفنيات القصة ان يتهمه بكسر مبدأ الوحة/ وحدة الحدث ، ووحدة اللحظة القصصية، مع أنه حقيقة كسرها، وهكذا هو الفن دائما، التجاوز عن محددات الفن بذات الفن.

ـ مبدأ الثكثيف :
القصة القصيرة هي الفن الأدبي الشديد التركيز والتكثيف والموضوعية، وما دامت القصة القصيرة تعالج موضوعا واحدا، أو فكرة واحدة، أو موقفاً محدداً، أو جزئية من جزئيات حياة شخصية ما، ويتلقى القارئ أثرها ككل، وفي الحال، وبسرعة أيضاً، فإن عنصر التركيز يلزم أن يكون مقَّوماً من مقوماتها الإيجابية الخاصة بها.
غير ان البعض يعي التكثيف في القصة على أنه الاختزال، والاختصار، والتلخيص.. والحقيقة إن هذا الفهم هو وراء ما نقرأه من قصص دائما تبدو كالفرخة بغير لحمها ، نعم تبدو القصة هيكلا عظمياً، أو في تشبيه آخر مثل ” شاسيه السيارة” عندما نصوره وحده ونقدمه للناس تحت شعار: ” هذه سيارتكم الرشيقة”!! .
لالا .. الأمر يختلف .. هناك تكثيف علي مستوي اللغة بالاستغناء عن غير الدال من مفردات ترد في العبارة، وبناء العبارة وفق مبدأ مهم في البلاغة العربية ألا وهو الإيجاز، وكذلك استخدام لغة مكتنزة بالايحاءات والتصويرات المشفة عن معاني كثيرة ومتسعة.
وهناك تكثيف يتم على مستوى الأحداث والحوارات يُستغنى فيه عن غير الدال من حوارات، والتمهيدات ، والوصف الحسي غير الخادم، والذي لا يمت بشدة إلى الحدث، أو إلى لحظة التنوير في القصة ، أو لا يشف عن رؤية ما، أو جانب من الرؤية ،والاستغناء عن السفاسف والتوافه من التفاصيل الصغيرة غير الدالة، وغير المؤثرة والبديهية، وكذلك الكفُّ عن تدخلات الراوية وتعطيله للحظة الدرامية وتوقيفه لعملية القص من اجل أن يبث في القارئ قيماً معينة وتعليقات وشروح وتفسيرات وكأنه يقود قارئاً غبياً، أو لكأنه بصحبة قارئ ضرير وسط مجاهل غابة متشابكة.

ـ تفاصيل الإنشاء :
وهو ما انتهينا إليه في الجزئية السالفة ، حيث أن تأكيد مبدأي الوحدة والتكثيف يتطلب عناية خاصة بتفاصيل بناء وإنشاء النص القصصي ضماناً للإحكام الفني، وعلى هذا فالتفاصيل يجب أن تكون جزءاً من البناء الكلي ، وإلا اعتبرت ثرثرة وتزيداً. وأصبحت عالة على الحدث والشخصية ، ومشتتة للأفكار، وصارفة لانتباه القارئ وتركيزه وتشتيته فيما لا طائل من ورائه، وربما اضحى كل ذلك طعناً في جماليات القص، وموقعاً في الملل.
وسنتوقف فيما يخص تفاصيل الإنشاء عند :
أ ـ ما يتعلق بالشخصية:
ويشترط فى القصة القصيرة ــ إذا ما تعددت فيها ” الشخصيات ” لسبب ما ، أن تكون جميع شخصياتها فى التحام تام ، وتوافق كلى . فتبدو كل شخصية كما لو كانت منسوجة فى الأخرى حتى تتحقق للأثر وحدته، ولا تحتاج القصة القصيرة إلى الجرى وراء شخصيات ثانوية ، كما أن الوصف الطويل للشخصية ، قد أصبح زائدا عن اللزوم .

بـ : ما يتعلق بالحوار:
وقد تشمل القصة القصيرة ” حوارا” ، وقد لا تشمل أى حوار على الإطلاق، وإذا وجد “الحوار” فإنه ينبغي أن يكون عاملا من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية وثقافتها وبيئتها وطرق تفكيرها أو طريقة معيشتها أو ما شابه ذلك من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية، أو يكون كاشفاً عن تطور الحدث ، أو تجلية النفس الغامضة ، أو إيضاح الفكر المراد التعبير عنها ، علي أن المنولوج الداخلي يعد أيضاً من ألوان الحوار، ويسمي في هذه الحالة المناجاة.. أو التناجي ، ويمكن أن يسترسل السارد في المناجاة ويشكل منها لحمة أساسية من لحمات السرد ، خاصة في القصص التي تعتمد على تيار الوعي.
تــ : ما يتعلق بالصراع :
و” الصراع ” أصبح بمثابة العمود الفقرى فى بعض القصص القصيرة ، وقد يكون ” الصراع ” خارجيا ، أييدور خارج الشخصية ، فى البيئة أو المحيط ، وقد يكون داخليا، أى يعتمل فى أعماق الشخصية من الداخل . وهو فى الحالتين لابد من أن يكون ذا قيمة ، وغير مفتعل، حتى يمكن تقبله ، وليبلغ تأثيره فى النفس .
ثــ : ما يتعلق بالتشويق :
كما أنه يجب أن يكون ثمة ترقب وتلهف من جانب القارئ . وهو ما يجعاهم يشترطون فيها أن يكون ” التشويق ” أساس المتعة الفنية فيها ، وللتشويق عناصر كثيرة منها تعليق الحدث على سبيل المثال ، منها إلتقاط عناصر جمالية من واقع أو بيئة وتوظيفها ضمن البنية النصية ، منها المفاجأة ، وكسر توقعات القاريء .. منها الحبكة الجيدة ، وأسلوب السرد المكثف ولغته السلسة بسماتها الأدبية والفنية التي تمتع القاريء، وغير ذلك كثير .
جــ : ما يتعاق بالصدق :
يضاف إلى ما سبق ” عنصر الصدق ” بمعنى أن يكون القصة القصيرة صادقة مع الواقع الذى تقدم إليه، أي أن تكون كل عناصرها وأجزائها وتفصيلاتها مقنعة عند اختيارها، بمعني ألا تكون الأحداث مفبركة ، أو متسمة بالسذاجة، أو متناقضة، أو مجافية طبيعة وواقع الشخوص.

المراجع :
1 ـ في نظرية الرواية ( بحث في تقنيات السرد ) ـ د. عبدالملك مرتاض ـ سلسلة عالم المعرفة( الكويت) العدد 240 ديسمبر / كانون أول سـنة 1998 م
2 ـ الفن القصصي في الأدب العربي ـ د. محمود حامد شوكت ( مصر )
3 ـ فجر القصة ـ يحيي حقي ـ دار المعارف ( مصر)
4 ـ القصة المصرية وصورة المجتمع الحديث ـ د. عبالحميد إبراهيم ( مصر )
5 ـ القصة القصيرة والرواية بين جيل طه حسين ونجيب محفوظ ـ دز يوسف نوفل
6 ـ القصة وتطورها في الأدب العربي الحديث ـ د. مصطفي على عمر ( مصر)
7 ـ الكتابة خارج الكتابة ـ عبدالجواد خفاجي ـ ورقة بحثية ضمن كتاب أبحاث المؤتمر الأدبي لأقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي بالمنيا / أبريل 2002 ( مصر ).
8 ـ القصة القصيرة في محافظة سوهاج نقداً وتقييماً ـ ورقة بحثية ضمن كتاب أبحاث مؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيد الصقافي بالمنيا سنة 2000 م ( مصر )
9ـ استضافة النص ـ عبدالجواد خفاجى ـ ورقة بحثية ضمن كتاب ( أبحاث الاحتفالية الثقافية / الحركة الأدبية في الوادي الجديد ) ـ أكتوبر 2002 م ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ( مصر )
10 ـ بويطيقا الرواية ـ السيد إبراهيم ـ مجلة القاهرة العدد 173لسنة 1997م صـ 20
11 ـ وجهة النظر في الرواية ـ بوريس أوسينكس ـ ترجمة: سعيد الغانمي ـ مجلة فصول ـ المجلد 15 العدد 4 شتاء 1997 م ص 256
12 ـ النزعة الدرامية ـ الدكتور عز الدين إسماعيل ( ضمن كتابه : الشعر العربى المعاصر)ـ المكتبة الأكاديمية / القاهرة

عبدالجواد خفاجى
2 / 2 / 2002 م
Khfajy58@yahoo.com


© 2007 مجلة مدارات.  جميع الحقوق محفوظة