فتح قبرص والسلطان برسباي

مدارات تاريخية لا تعليق »

كما نعلم أن المؤرخين اصطلحوا على تقسيم دولة المماليك إلى مماليك بحرية (نسبة إلى نيل مصر) حيث اختار الملك الصالح – نجم الدين أيوب- الروضة (جزيرة الروضة التي كانت تقع وسط النيل) مقراً له (للماليك البحرية).
ومماليك الجراكسة أو (البرجية) نسبة إلى بلاد الجراكسة التي أتوا منها إلى مصر، أو برج القلعة التي سكنوا بجوارها واتخذوا منها ثكنات.
وفي عصر المماليك الجراكسة اتسعت رقعة الدولة الإسلامية إلى أن وصلت لجزيرة قبرص وأعالي الفرات وأطراف أسيا الصغرى.

خريطة دولة المماليك

حكم السلطان (برسباي)
نشأ كغيره من المماليك الذين جلبوا إلى مصر، تعلم تعليما شرعيا وتربى تربية خاصة على فنون القتال والحرب، والتحق بعدها بخدمة الحكام، وكغيره يرتفع إلى الحكم اعتماداً على ذكاءه وقوته.
كان مملوكاً للأمير (دقماق المحمدي) نائب (ملطية) ولقب بـ (برسباي الدقماقي) ثم أهداه أميره إلى السطان (برقوق) سلطان مصر، فأعتقه وجعله من أتباعه الأمراء، وهكذا تسير به الأيام حتى يتولى الحكم سنة (825هـ، 1422م) فيكون الثامن في دولة المماليك الجراكسة، والثاني والثلاثون في ترتيب حكام المماليك عامة ويلقب بالسلطان الأشرف سيف الدين برسباي.

فتح قبرص
فتحت قبرص (أكبر جزر البحر المتوسط تقع في أقصى شرقه) أكثر من مرة، مرة في عهد معاوية سنة (28هـ، 649م) حيث انطلق أسطول من الشام بقيادة “عبد الله بن قيس”، وأسطول من مصر بقيادة “عبد الله بن سعد” وتواجد في تلك الحملة جماعة من الصحابة، فيهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام ‏وأبو الدرداء‏ وشداد بن أوس رضي الله عنهم أجمعين.
ثم سنة (829هـ) وهي ما سوف نتكلم عنها.

ثم سنة 1573م على يد العثمانيين، ثم احتلها البريطانيين سنة (1878م)، ثم استقلت سنة (1945م) ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن وهي مقسمة إلى قسمين (قسم مسلم – تركي) و (قسم مسيحي – يوناني).

فتح قبرص والسلطان (برسباي)
كانت قبرص مركزاً للحملات الصليبية على موانئ المسلمين، ففي عهد ملك قبرص (بطرس الأول لوزجنان) قام بحملة على الأسكندرية سنة (767هـ، 1365م) فأحرق عمرانها وبيوتها وتجارتها وانتهكوا المساجد وعلقوا عليها الصلبان، وانتهكوا حرمة النساء وقتلوا الشباب والأطفال والشيوخ وذلك في خلال ثلاثة أيام كاملة، ثم كرروا فعلتهم تلك على طرابلس الشام سنة (796هـ، 1393م).
ولم يستطع المماليك وقف تلك الاعتداءات والحملات على الموانئ والسفن الإسلامية، كما لم تفلح محاولات السلطان (برسباي) لعقد المعاهدات بوقف هذا التعدي وذلك مع ملك قبرص المعاصر له (جانوس).
حتى تمادوا فاستولوا على سفينتين تجاريتين وأسروا من فيهما قرب دمياط وأعتدوا على سفينة محملة بالهدايا كانت متوجهه إلى سلطان العثمانيين (مراد الثاني).
فعزم السلطان (برسباي) على الحرب وقطع حملاتهم الصليبية وانتهاكاتهم المستمرة، وذلك خلال ثلاث سنوات تضمنت ثلاث حملات مهمة.
الحملة الأولى (827هـ) كانت صغيرة (كأنها كشفية) إلا أنها كانت ناجحة، فنزلت ميناء (ليماسول) بقبرص، وأحرقت ثلاث من السفن كانت تستعد للإغارة على الموانئ الإسلامية وعادت الحملة بغنائم كثيرة.
الحملة الثانية (828هـ)، كانت أقوى وأحسن تنظيما حيث تكونت من 40 سفينة اتجهت اولا إلى الشام ثم قبرص ودمرت قلعة ليماسول، وقتلت نحو 5000 قبرصي، وأسرت في حدود ألف أسير وعادت محملة بالغنائم الكثيرة.
وكانت الحملة الثالثة والأخيرة (829هـ) أهمهم، فقد كانت أقوى وأحسن تنظيما عن الحملتين السابقتين، وكان هدفها أقوى وأكبر وهو فتح تلك الجزيرة وادخالها داخل حدود الدولة الإسلامية، كانت مكونة من 180 سفينة معدة على أحسن ما يكون، واستسلمت ليماسول وتوغلوا إلى أن سقطت نيقوسيا عاصمتها وملكها أسيراً، وهكذا دخلت قبرص في سلطان الدولة الإسلامية التي طالما ما كانت تحاول محاربتها.
ورجعت حملة النصر إلى القاهرة تجر خلفها 3700أسير من بينهم (ملك قبرص جانوس)، الذي قبل الارض ما بين قدمي (برسباي) وطلب منه العفو واطلاق سراحه، فوافق على شرط أن يدفع مائتي ألف دينار فدية، وأن يتعهد بأن تظل قبرص تابعة لسلطان المماليك، ويكون هو نائب المماليك هناك، ودفع جزية سنوية، واستمرت قبرص تابعة لمصر حتى سنة (923هـ ، 1517م) التي سقطت فيها دولة المماليك على يد السلطان العثماني “سليم الأول”.

المصادر:
الكثير من الكتب عن الدولة المملوكية
والكثير من مواقع النت

رانيا أحمد

هيس .. صفحة مجهولة من التاريخ

مدارات تاريخية لا تعليق »

التاريخ : 10 مايو من العام 1941 .. تقطع الإذاعة البريطانية برامجها فجاة لتذيع خبرا عاجلا ..

” من القيادة العامة إلي جميع وحدات الدفاع الجوي : اخترقت طائرة معادية المجال الجوي متجهة نحو (جلاسجو) ، ولم تتحدد هويتها حتى الآن ، ولكن يجب اعتبارها طائرة على أية حال طائرة معادية . الطائرة تواجه بعض المتاعب ، وعلى جميع رجال البوليس الانتباه والإبلاغ فور هبوطها مباشرة . انتهى ”

بالفعل حطت الطائرة المذكورة في الريف الاسكتلندي وخرج منها الطيار سليما ليجد وجها متحفزا لفلاح بريطاني ..

_ نعم . انا الكابتن ألفريد هورن . معي رسالة عاجلة للورد هاميلتون .

كان لذكر اللورد هاميلتون _ أحد أهم ساسة بريطانيا _ مفعول السحر ، فبمجرد أن أشرقت شمس اليوم التالي تم اللقاء بين الرجلين . سياسي بريطاني وطيار ألماني في زمن الحرب العالمية الثانية . اللقاء الذى حمل إلى اللورد هاميلتون إحدي أغرب مفاجآت الحرب علي الإطلاق . بدأ الطيار الألماني الحديث بتعريف نفسه ، وهو أغرب ما في الموضوع ..
” سيدي اللورد أنا رودلف هيس ”

لندرك حجم المفاجاة التي تعرض لها اللورد يكفي أن نعلم ان هيس كان النائب الأول لهتلر و الرجل الثالث في الرايخ (الدولة الألمانية) بعد هتلر وجورنج ، وكان المسؤول الأول عن وضع السياسة العامة للحزب النازي كما كان مسؤولا عن معسكرات التعذيب التابعة للجيش الألماني . أما عن صلته الشخصية بهتلر .. فكان هيس أقرب الأصدقاء إلى هتلر ، ورفيق سجنه ، وهو من ساهم في وضع الخطوط العامة لكتاب هتلر الشهير ( كفاحي ) ، بل إن هتلر نفسه كان شاهدا علي عقد زواج هيس كأحد أصدقائه .

ولم ينتظر هيس ان يفيق اللورد من المفاجأة الأولى فتبعها بالمفاجأة الأهم ..

” سيدي أنا رسول سلام من الفوهرر _ يقصد هتلر _ إنه يريد وقف الحرب ”

أفاق اللورد من ذهوله .. فأمر ..

” لابد من استدعاء مترجم فورا . لو صح ما فهمته فالأمر بالغ الخطورة . أعطى اللورد اوامره بتشديد الحراسة على (هيس) واتجه لمقابلة اهم شخصية في برطانيا في زمن الحرب .. (ونستون تشرشل ) نفسه .

لم يصدق ( تشرشل ) في البداية ما جاء به اللورد هاميلتون ، ثم تمالك أعصابه . أسئلة عديدة كانت تدور في ذهنه ..

” فلنفترض انه ( هيس ) حقا .. ماذا يريد ؟ ، ولماذا جاء بهذه الطريقة ، ولماذا لم تذع ألمانيا بيانا رسميا عن رحلته ؟؟ ”

حمل اللورد تساؤلات ( تشرشل ) إلي ( هيس ) في محبسه ..

بدأ هيس عرض قضيته ..

” لقد جئت شخصيا كي أقنع ( تشرشل ) أنه لا أمل أن تفوز بريطانيا بالحرب وأنه من الحكمة البدء بمفاوضات السلام . الجيش البريطاني طرد من أوروبا كلها منذ عام كامل ، وليست لديه القدرة على العودة . الغارات الألمانية على بريطانيا سوف تشتد . ستموتون جوعا”

عاد اللورد إلي ( تشرشل ) يحمل مطالب ( هيس ) في نقاط محددة ..

أولا .. تسيطر ألمانيا علي أوروبا كلها ومستعمراتها في افريقيا ، وفي نفس الوقت تسيطر بريطانيا على مستعمراتها وراء البحار .

ثانيا .. استقالة ( تشرشل ) و تعيين رئيس وزراء جديد يثق به هتلر ويستطيع التفاهم معه .

كانت مطالب ( هيس ) صعبة تكاد تدخل في نطاق المستحيل ولكن بالرجوع إلي تاريخ الاحداث نجد أن بريطانيا في مايو من العام1941 كانت في موقف حرج . فقد سيطر هتلر على أوروبا تقريبا . بل إن الطائرات الألمانية دكت أراضي بريطانيا بأكثر من 900 ألف طن من القنابل ليلة القبض على ( هيس ) . وبتحالف ( هتلر ) مع
( موسوليني ) في ايطاليا تعاظمت قوة هتلر وتضاعف الخطر النازي . لقد كان ( هيس ) يتحدث من موقع القوة وكان عرضه _ رغم خطورته _ يعرض فرصة لا تعوض لوقف نزيف الدماء في حرب كادت ان تدمر العالم المتحضر … فرصة تحتاج من ( تشرشل ) أن يتخلى عن عدائه السياسي لألمانيا و عدائه الشخصي لهتلر ، ويفكر في مستقبل وطنه .. بريطانيا .

وبينما يصارع تشرشل أفكاره كان هيس يخفي مفاجأة أخرى اتضحت بعد الزيارة بأيام ثلاثة . مفاجأة قلبت الأحداث مرة أخرى .تتضح المفاجأة في مذكرات ( هيس ) الشخصية التي نشرت بعد ذلك ..

” كانت مبادرة فردية مني دون علم الفوهرر . كنت مقتنعا اننا سنهزم حتما لو لم نتحالف مع بريطانيا في مواجهة الاتحاد السوفييتي ، ولكن لم يكن مفيدا لهتلر أن يعلم بنيتي حفظا لماء وجه ألمانيا ، فلو نجحت في مهمتي فأنا موفد من هتلر لانهاء ويلات الحرب بين ألمانيا وبريطانيا ، و إن فشلت أتحمل انا الفشل وحدي ”
(ترجم بتصرف عن الألمانية )

وعلى الجانب الألماني كان الموقف أيضا غامضا . لقد وصل خبر اقلاع ( هيس ) بالطائرة وحيدا إلى ( هتلر ) بعد اقلاعها ب 4 ساعات . كانت مفاجأة لهتلر ولكن كان عليه انتظار موقف بريطانيا من الزيارة ليتخذ قراره . مضت الأيام الثلاثة الأولى دون أخبار ، وهو ما ضاعف من قلقه . فكر …

” هل سقط ( هيس ) في البحر ؟ . هل أسقطته مدفعية بريطانيا المضادة للطائرات ؟ . هل يحاول البريطانيون الآن الحصول على معلومات سرية منه ”

و كان الاحتمال الأكثر خطورة أن يصل الخبر الى حليفه ( موسوليني ) في ايطاليا ، فيتصور محاولة ألمانيا عقد صلح منفرد مع بريطانيا من وراء ظهره . الاحتمالات متعددة ، والأجواء مشحونة ، ولا أخبار في الأفق . صحيح أن ( هيس ) رجله وصديقه ولكن ألمانيا فوق الجميع ، وبعد تفكير أصدر هتلر بيانا رسميا ..

” يعلن الحزب الوطني الاشتراكي ( الحزب النازي ) رسميا أن عضو الحزب ( رودلف هيس ) كان يعاني المرض النفسي لسنوات طويلة .. الأمر الذى أدى إلى منعه من الطيران ، ولكنه استطاع _مخالفا للتعليمات _ حيازة طائرة والاقلاع بها إلى جهة مجهولة ، و نخشى أن يكون قد وقع فريسة للهلوسة ”

بالبيان السابق تخلى ( هتلر ) عن نائبه المغامر ، وكتب نفس البيان الصفحة الأخيرة في حياة ( هيس ) كرجل حر . البريطانيين لن يتفاوضوا مع رجل أعلن رئيسه اختلاله عقليا ، وبالتأكيد لن يسمحوا بعودة النائب الأول لهتلر إلى ألمانيا في زمن الحرب . لقد أصبح ( هيس ) أسير حرب في يد أعدائه . وفي مقابل البيان الألماني .. صدر قرار ( تشرشل )

_ يعامل السيد ( هيس) معاملة أسرى الحرب على أن يتبع وزارة الحربية لا وزارة الداخلية .
_ يجب أن يعزل في مكان مناسب ، وتبذل الجهود لدراسة حالته العقلية وإمكانية الحصول منه على أي معلومات تفيد الامبراطورية في حربها ضد ألمانيا .
_ توفير الرعاية الصحية والكتب والغذاء وأدوات الكتابة ويحظر تماما اتصاله بالعالم الخارجي أو استقبال الضيوف إلا بتعليمات من وزارة الخارجية ، وتعيين حراسة خاصة له ، كما يمنع من قراءة الصحف أو متابعة الاذاعات ، ويعامل معاملة كريمة كجنرال كبير في الأسر .

لقد كان للحرب العالمية نتائجها التي أدت في النهاية إلي إقصاء بريطانيا عن موقع القيادة للعالم الحر تاركة مركزها للقوتين المتنافستين : أمريكا والاتحاد السوفييتي ، وما تبع ذلك من سلسلة أحداث شكلت في النهاية عالمنا المعاصر .، وبالتأكيد كان ( هيس ) نازيا متعصبا باعترافه شخصيا ، ولكنه لأيام ثلاثة كان على وشك تغيير العالم كما نعرفه ولكن الحلم في زمن الحرب وفي مهنة السياسة له عواقبه ، و الإخلاص للحلم له ثمن دفعه ( هيس ) غاليا .

هيس .. من الابراهيمية إلي شبانداو .

عن الابراهيمية يحكي هيس ..

حياتي بدأت في الابراهيمية في 26 ابريل سنة 1894 . أبي جاء إلى مصر ليعمل بتجارة الجملة . تصحبه عروسه الجميلة .. أمي . أذكر حياتنا في الابراهيمية تماما . أذكر حديقة منزلنا بزهورها ، وعبقها . أذكر رياح الخماسين الساخنة ، ونسيم البحر البارد بمذاقه المالح . أذكر رياح الشتاء ، و أمواج البحر تتلاطم عند الأفق ، فتبدو أشبه بقطع الثلج البيضاء وسط زرقة المياه الداكنة .أذكر سماء مصر بنجومها اللامعة وحكايات أمي عن النجوم و أذكر هوايتي في جمع باقات الفل الأبيض .

سافرت إلى ألمانيا وعمري 14 عاما ، وعلى الباخرة وقفنا نتأمل الاسكندرية والشاطئ يختفي بالتدريج حتى لم نعد نرى إلا مياه البحر تحوطنا من كل جانب .

*****

وتمضي الأحداث برودلف هيس .. طالبا في الجامعة ومتطوعا في الجيش ثم يتعرف بأدولف هتلر ليصبح العضو رقم 16 في ترتيب الانضمام للحزب النازي وأحد أقرب الناس إلي هتلر . يشاركه محاولة الانقلاب الفاشلة أو ما سمي ( انقلاب قاعة البيرة ) وما تلاها من السجن ثم التحرر وصعود نجم هتلر حتي وصوله إلى أعلى السلطات في ألمانيا ، واشتعال الحرب العالمية الثانية نتيجة لأحلام هتلر التوسعية . ثم رحلة ( هيس ) المشؤومة إلي بريطانيا .

بعد 4 سنوات من رحلته المفاجئة إلى بريطانيا عاد ( هيس ) النائب الأول لهتلر في زمن الحرب إلي ألمانيا . يقول في مذكراته ..

” نظرت من النافذة لأرى ألمانيا راكعة .. جريحة ، و نورمبرج منكسة الرأس . نعم ، رأيت ألمانيا وكأنها تبكي . ”

وفي نورمبرج بدأت محاكمة قادة النازية وقد غاب عنها الأربعة الكبار ..

هتلر .. وكان قد انتحر في 30 ابريل 1945 مع صديقته ايفا براون ، وقد أحرقت جثته .
هملر .. وقد انتحر بتناول السم أثناء استجوابه .
جوبلز .. سمم أطفاله و أطلق الرصاص على زوجته ، ثم انتحر بعد سقوط برلين .
و روبرت لاي .. انتحر بأن شنق نفسه بمنشفة للوجه .

وفي المحاكمة أعلن هيس ..

” إنني أؤكد لكم أني أتحمل المسؤولية كاملة عن كل ورقة وقعتها أو اشتركت في توقيعها مع آخرين . إن رأيي من حيث المبدأ بعدم اختصاص المحكمة لا يؤثر في إقرار مسؤوليتي كاملة ”

وبعد 217 يوما من بدء المحاكمة صدرت الأحكام و كان الحكم على ( هيس ) بالحكم مدي الحياة في قلعة شبانداو . وهكذا تحول النائب الاول لرئيس الدولة إلي السجين رقم 7 في الزنزانة 23 بقلعة شبانداو تحرسه قوات دول الحلفاء الأربعة ( بريطانيا وفرنسا وأمريكا والاتحاد السوفييتي ) بالتبادل . وتحولت قلعة شبانداو إلى أحصن سجون العالم تحرسها قوات الدول الأربعة العظمى على مدار العام .

كان يصحبه في سجنه زملائه من قادة النازية ، وبالتدريج مات منهم من مات وانتحر من انتحر و منهم من تم الإفراج عنه لأسباب صحية أو بعد قضاء مدته ليصبح هيس هو السجين الوحيد في قلعة شبانداو . وبتقييم وضع السجين و الحراسة المفروضة نجده استحق بجدارة لقب أغلى سجين في العالم .

والواقع أن هيس لم يفرج عنه لأسباب عديدة ..
فقد كان ( هيس ) مسؤولا لفترة عن معسكرات التعذيب في أوشفيتز ، وهو ما جر عليه غضب الكثيرين ، ومنهم اليهود بالطبع . ويظل ( هيس ) أيضا هو الوحيد من قادة النازية الذى أعلن ثباته على مواقفه السياسية ، وان هتلر زعيمه ، وأنه سيظل نازيا رغم كل شئ .
، أما السبب الرئيسي فهو رفض الاتحاد السوفييتي الصارم للافراج عنه . لقد كانت ألمانيا مقسمة إلي شرقية وغربية ، وكانت قلعة شبانادو في قلب ألمانيا الغربية ؟، إن قرارات محكة نورمبرج أعطت للروس و الامريكان والفرنسيين والانجليز حق الحراسة في شبانداو وبالتالي فإن القوات الروسية تخترق برلين الغربية بمنتهي الحرية متجهة إلى شبانداو . إن وجود ( هيس ) في ألمانيا الغربية هو مسمار جحا للسوفييت ، وإذا نزع المسمار فإن جحا الروسي لن يدخل برلين الغربية .

في العام 1968 كان الالتماس الثالث للافراج عنه .. جاء فيه ..

” إن هيس يبلغ الآن 74 عاما . وهو مسجون منذ 28 عاما . هناك العديد من الشخصيات البارزة في العالم تطلب الافراج عنه ، ومنهم ( تشرشل ) ذاته . لقد أعلنتم ان العام 1968 هو عام حقوق الانسان ، فهل لي أن أقترح إعادة النظر في قضية ( هيس ) علي أساس إنساني بحت ؟! ”
وجاء الرد بالرفض

في العام 1971 كتب هيس في مذكراته ..

” الآن انا السجين الوحيد في شبانداو بعد موت البعض والافراج عن الباقي. مسجون منذ 30 عاما
. الزنزانة عالمي ، وإلى متي سأبقى هنا ؟ . هذا علمه عند السماء ”

واستمر ( هيس ) في زنزانته لأبعد من ذلك . ل16 عاما اخرى بعد السطور السابقة . وحيد في سجن تحرسه 4 دول نسيت خلافاتها وتفرغت لحراسة عجوز في التسعين من عمره .
وفي العام 1987 نجحت محاولة ( هيس ) الثالثة للانتحار . كان هيس آخر النازيين الذين حوكموا في نورمبرج وقد مات عن عمر 92 عاما .
وينشر طبيبه المعالج في السجن حوارا له مع ( هيس ) .. جاء فيه ..

_ هيس .. هل لو عادت الأمور مرة أخرى .. هل تسلك نفس الطريق ..؟
وبعناد يرد السجين ..
_ بلا شك . سأسلك نفس الطريق وسأنتهي هنا في سجن شبانداو أيضا ..

شادي عبد العزيز

الملك ألفريد العظيم

مدارات تاريخية تعليق واحد »

(Alfred The Great)

ملكٌ .. تحبه سجلات التاريخ في الأدب الإنجليزي !
حديثي عن الملك ألفريد هو إعادة تنقيب عن ثروة تراثية ، وعلامة بارزة يعرفها كل المهتمين بدراسة الأدب الإنجليزي .. فللملك ألفريد مكانة لا يمكن إغفالها في تاريخ الأدب الإنجليزي ، بل وفي التاريخ الإنجليزي كله .
إنه الملك الإنجليزي الوحيد الذي سجل التاريخ اسمه مصحوباًَ بنعت : العظيم (Alfred the Great)
كان ملكاً للمملكة (الأنجلو ساكسونية) الجنوبية لفترة دامت من 871 إلى 899 م .. أي أن فترة حكمه قد تعدّت ربع قرن ، وهذا ليس لأنه تأثر بطريقة الحكم الحالي في مصر فهو لم يكن قد سمع به بعد ، ولكن هكذا شاءت الظروف .

ولنقدم في البدء نبذة مختصرة عن عصر (الأنجلو ساكسون) كي نكون على نور لمّا نستفيض في الحديث أكثر : -
ففي القرن السادس صار العلماء الجدد مسيحيين لأنهم قد تأثروا بالأيرلنديين الذين أتوا ليغزوهم ، وكان معظمهم من المسيحيين .
وينتمي كل الأدب في هذه الحقبة إلى إنجلترا المسيحية ؛ فقد تمت كتابته بواسطة الرهبان في الأديرة .. وهذا يشير بوضوح إلى أنه قد كان شفهياً ينتقل عن طريق الحكي .. وكان أكثر الأدباء غير معروفين .

نعود لـ(الملك ألفريد العظيم) .. فنقول أنه قد عانى كثيراً في قتال الدانماركيين لصد غزوهم ضد إنجلترا ، ولكن نجح هؤلاء بالفعل في هزيمة المقاتلين الإنجليز واحتلوا إنجلترا .. وفي عام 871 قُتل أخيه إثر حروبه مع الأعداء ، وفي نفس العام أيضاً مات الملك إثيلريد وخَلَفه ألفريد في الحكم .. يبدو أن مصطلح (توريث الحكم) لم يكن مصطلحاً رائجاً وقتها ، وكذلك لم تكن هناك لعنة مسمّاة بـ(الانتخابات الديموقراطية النزيهة) .. ولهذا تولى الملك ألفريد الحكم بلا مشاكل .

تولى الحكم ليواجه طابوراً طويلاً من المشاكل غير الهينة .. وكان عليه أن يعالجها كأي ملك شريف .. ولقد أثبت فعلاً أنه كذلك ..
فقد نظم الجيوش ليسود السلامُ مملكته ، وأثبت شجاعة وحنكة عسكرية في معاركه حتى تخلص من الدانماركيين أخيراً في عام 897 م .. ولم يخِرّ مجهداً بعد ذلك مؤمناً أنه قد قدّم بحربه كل ما يمكن تقديمه ، ومنتظراً من فناني هذه الحقبة أن يصنعوا له أوبريتات للتمجيد .. ولكن ظل نشاطه بعد الحرب مستمراً فقد حاول الإصلاح في البلاد بعد آثار حربه مع العدو ؛ فاهتم بدفاعات المدينة وحصّنها ، وعنى بإقامة العدالة ، ولُقِّب بـ(حامي الفقراء) .

وبالنسبة لعلاقاته الخارجية فقد كانت كثيرة .. فقد كان على اتصال بأمراء الكلت ( Celt - سكان بريطانيا القدامى) ، وأمراء جنوب ويلز ، وخليفة بغداد ، وكان على علاقة وطيدة بـ بطريرك القدس : إلياس الثالث ، وكذلك كانت بعثاته التي تحمل الزكاة إلى البابا في روما كثيرة جداً .. كما أنه كان يرسل الزكاة إلى أيرلندا بالإضافة إلى الأديرة الأوروبية الأخرى .

على الرغم من أن الهجمات الدانماركية قد شغلت جزءً كبيراً من تاريخ الكنيسة في عهد ألفريد ، وكذلك كانت الأديرة بمثابة نقاط خاصة للهجوم .. إلا أن الملك ألفريد من بين هذا كله كان مشغولاً بقضية التعليم الذي لم يكن راضياً عن مستواه في هذا الوقت .. ولهذا فقد هيّأ كنيستين أو ثلاثة ، وأرسل في طلب رهبان أجانب من إنجلترا لأنه لم يكن هناك أي إحياء للرهبانية في هذا الوقت بسبب الخراب وتدهور التعليم في ظل الدانماركيين .. هذا بالإضافة إلى أن اللغة اللاتينية قد انقرضت تطبيقاً وممارسةً حتى بين رجال الدين .. وترجمات الملك ألفريد إلى اللغة الإنجليزية القديمة – تحت رعاية (البابا جريجوري) - شاهدةٌ على ذلك ..
لهذا استوردَ علماءَ مثل (جريمبالد) ، و(جون الساكسوني) من أوروبا ، و(آسر) من جنوب ويلز ..
ولهذا أيضاً ، وقبل أي شيء ، سخّر نفسه للتعلّم .. وقام بعمل سلسلة من الترجمات لتعليم رجال دينه وعشيرته ، وأغلب هذه الترجمات موجودة حتى لحظة كتابة هذه السطور ، ومن أقدم هذه الأعمال التي تمت ترجمتها : (حوارات جريجوري - Dialogues of Gregory) وهو كتاب قد حظى بشعبية وشهرة واسعة في العصور الوسطى .
لم يكن الملك ألفريد فناناً ؛ لكنه كان يكتب النثر بشكلٍ رائع وتجلى هذا في ترجماته ..
نستطيع – إجمالاً لما سبق - أن نقول أن الملك ألفريد هو من أسس الثقافة الإنجليزية .

أما عن كتابه الثاني (اهتمام جريجوري الرعوي - Gregory’s Pastoral Care) ، أو – على الأخص – المقدمة التي افتتح بها هذا الكتاب ؛ فيعتبرها الدارسون واحدة من أمتع الوثائق التي تمت كتابتها في التاريخ الإنجليزي .

العملان التاليان أخذا الطابع التاريخي .. (التاريخ العالمي لـ “أوروزياس” - Universal History of Orosius) و (تاريخ “بيد” الكَنَسي - Bede’s Ecclesiastical History)
ففي العمل الأول يحاول الملك ألفريد – باستخدام الحذف والتعديل - إعادة تشكيل أصله تقريباً كي ينتج هذا العمل الجديد ، وفي العمل الثاني التزم الكاتب في نَصّه أسلوب المباشرة ولم تتم أي إضافات ، ومع ذلك فأغلب الوثائق وبعض المسائل الأخرى غير المهمة محذوفة .
في الأعوام الأخيرة زادت نسبة شكوك البعض الذين شككوا في ترجمة ألفريد لـ(تاريخ “بيد” الكَنَسي) .. لكن هؤلاء لا يأخذ برأيهم الدارسون حتى ولو حاولوا إثبات ما يقولون .

والآن نأتي لعمل الملك ألفريد الأكثر إمتاعاً : (تعزية فلسفة “بوذياس” - Consolation of Philosophy of Boethius) . الكتاب الأكثر شعبية في العصور الوسطى .. وقد جاء فيه هذه العبارة له :
” رغبتي كانت أن أحيا بجدارة طول حياتي ، وأرغب بعد انتهاء حياتي أن أترك لهم ما يجب أن يتبعوه . ذاكرتي في الأعمال الجيدة ”
جاء هذا الكتاب إلينا في مخطوطتين .. الأولى نثراً ، والثانية مزيج من النثر و مجانسة الشعر .

ثمة عمل آخر للملك ألفريد يدعى : كتاب الموت (كتاب القوانين) .. سوّى فيه القوانين الطويلة والمؤسسة لكلٍ من هذه الممالك المسيحية : كنت ، و ميرسيا ، و ويسيكس ..
لاحظ سير (ونستون تشرشل) أن (الملك ألفريد) قد رَمَزَ في هذا الكتاب لخليط من شريعة (موسى) عليه السلام ، والمبادئ المسيحية لقانونِ (Celto Brythonic) ، وعادات ألمانية قديمة ..
وصرّح (تشرشل) كذلك بأن هذا الرمز قد ضُخِّم من قبل خلفاء (الملك ألفريد) ليصبح أساساً للقانون العرفي الذي أُدير بواسطة المقاطعة والمحاكم المائة ، وهذا قاد إلى دستور الحريات .

آخر أعمال ألفريد حمل اسم Blostman)) .. أو مقتطفات أدبية ..
الكلمات الأخيرة من هذا العمل قد تم اقتباسها لتشكل مرثية لنبلاء الملوك الإنجليز .
” يبدو لي رجلاً أحمق جداً وتعس حقاً مَن لا يزداد وعيه وإدراكه أثناء وجوده في هذا العالم ، ويشتاق لأن يبلغ حياةً لا نهائية حيث يتضح كل شيء . ”

بجانب أعمال (الملك ألفريد) ، فقد نُسبت إليه الترانيم المقدسة الخمسون الأولى ، وهذا محتمل جداً وإن كان إثباته لم يتم بعد .
وبالإضافة إلى ذلك أيضاً فقد ظهر (الملك ألفريد) في (البومة والعندليب -The Owl and the Nightingale) كشخصية من الشخصيات .. حيث أن حكمته ومهارته بالأمثال تشهد على ذلك .

وأيضاً (أمثال ألفريد - The Proverbs of Alfred) التي نجدها في مخطوطة تنتمي للقرن الثالث عشر .

العام الذي مات فيه (الملك ألفريد) ليس مؤكداً .. لكن من المرجح أنه قد توفي في 26 أكتوبر من عام 899 م .. وتم دفنه بشكل مؤقت في الكاتدرائية القديمة في (ونشستر) ، ثم انتقل إلى الكاتدرائية الجديدة التي تم بناءها خصيصاً لاستلام جثمانه .. وفي عام 1110م عندما انتقلت الكاتدرائية الجديدة إلى (هايد) شمال المدينة ؛ انتقل الرهبان مع جثمان الملك سوية إلى دير (هايد) .. وعلى ما يبدو أن قبره قد تم تنقيبه عند بناية سجن جديد في عام 1788م وتبعثرت العظام .
لكن في عام 1860م تم العثور على عظامه في موقع مماثل وتم دفنه مجدداً في فناء كنيسة (هايد) .
ثمة تنقيب شامل أجري عام 1999م كشف ما تبقى من بقاياه الجسمانية .

مما ورد عنه في الأدب والدراما …

Thomas Augustine Arne’s Masque of Alfred- تمثيلية
G. K. Chesterton’s- ملحمة شعرية
The Namesake and The Marsh King- رواية
The Days of King Alfred- رواية
- The Edge of Light – رواية تاريخية 1991
The Last Light of the Sun- - 2004
-Alfred Duggan - رواية تاريخية

وتجسدت هذه الشخصية في السينما لأكثر من مرة …
- كانت المرة الأولى عام 1969 في فيلم : (ألفريد العظيم - Alfred the Great) ، ولقد لعب دوره الممثل (ديفيد همنجز – David Hemmings) وشاركه البطولة (مايكل يورك -Michael York)
- أما في المرة الثانية ، والتي تمت عام 2006 ، فقد قُدِّم في فيلم ( السجلات الساكسونية - The Saxon Chronicles) وقد أنتجه المخرج ( جيشا دي هورتا - Jeshua De Horta) .

وتكريماً له ، وتخليداً لذكراه .. سُمّيت جامعة (ونشستر) باسم : جامعة الملكِ ألفريد .. وذلك بين 1840 و2004.. بالإضافة إلى كليَّةِ ألفريد الرسمية الواقعة في نيويورك ، كلاهما سُمّيَ على اسم الملك .
وكذلك أقامت جامعة ليفربول (مقر الملك ألفريد للأدب الإنجليزي) ، كما نُسبت جامعة أكسفورد أيضاً – خطئاً – إليه .. هذا بالإضافة إلى جالية الملك ألفريد وكلية الألعاب الرياضية في (وانتاج) مسقط رأسه .

أحمد صبري غباشي

أدوات قراءة التاريخ

مدارات تاريخية تعليق واحد »

لكل علم مصادره ومادته المتوفرة له؛ إلا التاريخ، فإن مادته هاربة باستمرار الزمن.. فهي مادة تمثل الماضي دائما.. فكيف يلتقط التاريخ تلك المادة التي تمثل الماضي الذي لن يعود؟
وماهي وسائله في استعادتها؟
وكيف يعيد المؤرخ بناء الماضي؟
وخاصة مؤرخو العصور الماضية، فمؤرخي اليوم محظوظين لتواجدهم في عصر من التكنولوجيا المتدفقة طوال الوقت، فبإمكانهم تسجيل هذا الزمن التاريخي الهارب دائما بالصور والوثائق والسجلات والإحصائيات والتسجيل الصوتي والمرئي وشهود العيان وأيضا مناهج التحليلن كما أن لديهم سهولة الانتقال المكاني والعلوم المساعدة لغاياتهم.
وعندما نعود للوراء نجد أن وسائل قراءة وتأريخ الزمن تتضاءل، وقد يكون هذا الوراء أبعد من اختراع الطباعة، بل وأبعد من اكتشاف (الورق) – الذي انتشر في القرن الثامن- حتى عصر اكتشاف الأبجدية في القرن (16-18) قبل الميلاد..فنجد أننا تجاوزنا التاريخ ودخلنا إلى ما قبل التاريخ وأصبحنا نتلمس المعرفة بالقرائن وبقايا الأدوات والأساطير، وبالتالي نجد أن وسائل التاريخ تختلف من عصر لآخر بل من بلد إلى بلد، فكل عصر أو بلد مصادره التاريخية المختلفة حسب الظروف التي حفظت تلك المعرفة.
لهذا نجد أن المؤرخ ينطلق من تلك الشواهد التي حُفظت ليعيد بناء الماضي المجهول.
ونجد أن البقايا متفاوتة في الشكل والقيمة – في الكمية والوجود بل من صحتها ومدى الثقة التي تمنحها إياها..
لهذا وجدت أن الرواية في التاريخ مصدراً مهماً للغاية بجانب أهمية الآثار الباقية.

التاريخ والرواية

1- الرواية الشفهية: وهي مادة التاريخ الأولية والدائمة، فالإنسان قبل أن يعرف الكتابة وطرقها وأدواتها كان يروي تاريخه شفهياً، وقد اتخذت الرواية مع مرور الوقت شكل الأساطير، وبالتالي يستقي المؤرخ من بقايا تلك الأساطير المادة التي تعرفه على هذا الماضي المندثر. كما فعل المرخون مع ملحمتي الإلياذة والأوديسة لمعرفة التاريخ اليوناني القديم، وعبر ملاحم المهابهاراتا والرامايانا والبورانا وكتب الفيدا عرف تاريخ الهند الأول – لأن تلك الاساطير تنسج حول نواة من الواقع والمبالغات فيها تاتي من معطيات أولية حقيقية.
2- الرواية المكتوبة: وهي مادة التاريخ الأساسية منذ وجدت الكتابة، فالمؤرخين القدامى هم من سجلوا تلك الوقائع والمشاهدات والروايات الشفهية التي مثلت أول درجات التأريخ.

التاريخ في الآثار والوثائق:
3- الآثار: وتزداد قيمتها كلما أوغلنا بحثاً رجوعاً في الزمن، لتصبح في بعض الأحيان وخاصة العصور القديمة مصادر التاريخ الوحيدة، فنجد أن الشعوب بدافع من عقائدها الدينية على الأغلب، أو بسبب رغبات الملوك أو للحاجات اليومية تركت آثارها على الأراضي التي عاشت فيها وبالتالي تبنى معرفتنا بناء على تلك الآثار مثل حضارات الهند والصين والفراعنة والرومان وشعوب أفريقيا وشعوب أمريكا قبل اكتشافها وغيرها..، ونجد أن بعض النكبات التي حلت ببعض الشعوب كاندثار بومبي تحت رماد فيزوف (79م) أو تدمير نينوى الكامل (612 ق.م) قد ترك لنا آثاراً تكشف عن تلك الشعوب، والآثار قد تكون أبنية، قطع فنية (نقوش- تماثيل- حلي) أو أدوات العمل والحياة (آنية- أسلحة- أدوات- نسيج- نقود- بردى).

4- الكتابة الأثرية: وهي وثائق العصور القديمة فمعظم الحضارات السابقة سجلت آثارها وما تريد قوله للأجيال القادمة بكتابات شتى، فحين حل شمبوليون رموز الهيروغليفية أضاف للتاريخ ثلاثة آلاف سنة.


5- الوثائق: وهي تجمع ما بين السجلات والصكوك والمراسلات، لكنها كانت نادرة في العصور القديمة وقليلة في العصور الوسطى لكنها تمثل فيض هائل في العصور الحديثة.

وفوق كل هذا يستفيد التاريخ الآن من كشوف الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا وعلم الاجتماع واللغويات وعلوم الاقتصاد والاحصاء والفولكلور والطب وغيرها من العلوم، فالتاريخ يحاول ان يحتضن الإنسان بكل أبعاده شرط أن يكون المؤرخ (أو القارئ للتاريخ) قادر على استنطاق تلك الوسائل وهذه العلوم.

رانيا أحمد

الهيكل.. خرافة مستمرة

مدارات تاريخية تعليق واحد »

ما إن تذكر كلمة الهيكل إلا وترافقها الكثير من الكلمات .. هيكل سليمان– هيكل داوود– هيكل هيرود– الهيكل الثالث –بناء الهيكل – مزاعم الصهيونية عن الهيكل من موقع وإعادة بناء… سنحاول أن نقترب أكثر من هذا الهيكل لنعرف المزيد عنه.. وما بين الحقيقة والخيال.. سنجد الكثير!

ماذا تعني كلمة الهيكل؟
هي كلمة كنعانية، وهي تعني ” البيت الكبير ” يقابلها في العبرية ” بيت همقداش ” أي (بيت المقدس) أو (هيخال)، والبيت الكبير أو العظيم هو المعنى الذي يشار به إلى مسكن الإله، كما تقابلها في المعنى كلمة ” فرعون ” . (1)
وفي اللغة العربية: (الهَيْكَلُ) تأتي من (هكل) بيت للنصارى، وهو بيت الأصنام.

سمي (بيت يهوه) لأنه عند اليهود يمثل مسكن الإله، ومع أنه كان مصرحاً للكهنة والعبيد بدخول الهيكل، لكنه غير مسموحاً لهم بحرية الحركة، ولم يكن مسموح إلا للكاهن الأعظم دخول قدس الأقداس.

كان الهيكل في وقته هو جزءًا من العبادة القربانية المركزية (وهو النمط الديني الذي ساد مع حكم سليمان الملك-وليس النبي في اعتقادهم- حتى هدم الرومان الهيكل) وليس جزءًا من العقيدة اليهودية والتي تاريخيا لم تتبلور إلا في مرحلة متأخرة (يقال ربما في القرن الخامس الميلادي).

أهمية الهيكل:
له مكانة خاصة في العقل اليهودي، فتصورهم أنه يقع في مركز العالم له دلالة كبيرة، فقد بني في وسط القدس التي تقع في وسط العالم، وقدس الأقداس يقع في وسط الهيكل، فهو بمثابة المركز، وأمامه (قدس الأقداس) حجر الأساس (النقطة التي عندها خلق الإله العالم)، وهو يمثل الكنز لديهم، فالإله في تصورهم خلق العالم بيد واحدة بينما خلق الهيكل بكلتا يديه، بل إنه خلق الهيكل قبل العالم، وهم بهذا يرونه أهم ما في اليهودية، وكأنه (اللوجوس- الكلمة المقدسة) أو (ابن الإله- كما في المسيحية)..
منذ البداية واليهود يخضعون الهيكل لكثير من الرموز المعاني الكونية العظيمة، فجاء معمار الهيكل وتصميمه خاضعاً هو الآخر لتلك التفسيرات..
فقد أورد يوسيفوس (2) ” أن الفناء الذي يحيط بالهيكل بمنزلة البحر، وأن المقدّس هو الارض، وأن قدس الأقداس هو السماء، بل أن رداء الكاهن الأعظم كان له أيضا المغزى الكوني نفسه.
كان هيكل سليمان في أورشليم هو مركز العبادة اليهودية، ورمز تاريخ اليهود، وموضع فخارهم وزهوهم.. وقد شيده الملك سليمان وأنفق ببذخ عظيم على بنائه وزخرفته.. حتى لقد احتاج في ذلك إلى أكثر من 180 ألف عامل.. (3)
وقد أتى له سليمان بالذهب من ترشيش، وبالخشب من لبنان، وبالأحجار الكريمة من اليمن، ثم بعد سبع سنوات من العمل المتواصل تكامل بناء الهيكل، فكان آية من آيات الدنيا في ذلك الزمان. (4)

وقد ذكر في الموروث اليهودي ثلاث هياكل:
1- هيكل سليمان، فقد قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل (موريا) وهو جبل بيت المقدس أو هضبة الحرم التي يوجد فوقها المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وفي الكتابات الإنجليزية يشار إلى هذا الجبل (Temple Mount) وبالعبرية (هر هبايت) أي بيت الإله. (5) والغريب في الأمر أنه يوجد تناقض كبير في وصف هيكل سليمان فيوجد له وصف في كتاب الملوك الأول (6/8) والأخبار الثاني (2/4 ) في العهد القديم، ولكنهما يختلفان في عديد من التفاصيل المهمة، كما يوجد مصادر أخرى تصف تفاصيل تناقض تلك التفاصيل التي وردت في المصدرين السابقين. وهيكل سليمان كغيره من الهياكل الكنعانية التي تأثرت بالطراز الفرعوني- الأشوري. وقد تهدم على يد (نبوختنصر) البابلي عام 586 ق.م.

2- هيكل زروبابل، وهو أحد كبار الكهنة الذين سمح لهم الفارسيون بالعودة لفسطين وإعادة بناء الهيكل وذلك في الفترة (520-515) ق.م وسمي باسم الكاهن، ويذكر في العهد القديم أنه (الهيكل) بني بأمر من إله يسرائيل وبأمرة ملوك الفرس، ولم يكن في عظمة هيكل سليمان إنما بني على أنقاضه الخشبية، وكان قدس الأقداس فارغاً وسفينة العهد اختفت، ولم يتبق فيه سوى تلك الصخرة العالية التي يوضع عليها المبخرة.

3- هيكل هيرود، بناه الروماني هيرود (27ق.م-4م) الذي عينه الرومان ملكاً على تلك المنطقة، وسمي بالهيكل الثاني (ويعتقد أنه بسبب فخامته التي تماثل هيكل سليمان، مسقطين هيكل زروبابل الضعيف الشأن) وسبب بنائه أن هيرود وجد هيكل زروبابل متواضعاً فقر بناء هيكل آخر فخم إرضاء لليهود وكذلك لينال رضا المبراطور الروماني أوغسطس. (ثم قام أحد الملوك بتجديد بنائه تحببا في اليهود.. فاستغرق بناء الهيكل هذه المرة 46 سنة، أصبح بعدها صرحا ضخما تحيط به ثلاثة أسوار هائلة.. وكان مكونا من ساحتين كبيرتين: إحداهما خارجية والأخرى داخلية، وكانت تحيط بالساحة الداخلية أروقة شامخة تقوم على أعمدة مزدوجة من الرخام، وتغطيها سقوف من خشب الأرز الثمين. وكانت الأروقة القائمة في الجهة الجنوبية من الهيكل ترتكز على 162 عمودا، كل منها من الضخامة بحيث لا يمكن لأقل من ثلاثة رجال متشابكي الأذرع أن يحيطوا بدائرته.. وكان للساحة الخارجية من الهيكل تسع بوابات ضخمة مغطاة بالذهب.. وبوابة عاشرة مصبوبة كلها على الرغم من حجمها الهائل من نحاس كونثوس. وقد تدلت فوق تلك البوابات كلها زخارف على شكل عناقيد العنب الكبيرة المصنوعة من الذهب الخالص، وقد استمرت هدايا الملوك للهيكل حتى آخر زمانه) (6).

(يحتوي البهو المقدس على شمعدانات المينوراه، ومائدة خبز الوجه ومذبح البخور، كان سقفه من خشب الارز المطعم بالذهب، كان مزوداً بنوافذ على عكس قدس الأقداس والذي كان مظلماً وخاوياً) (7) ويناقض الوصف الأخير ما ورد من أوصاف لدى كتب المدراش. هدم تيتوس (8) الهيكل سنة 70م.

قدس الأقداس:
قدس الأقداس: مصطلح تقابله في العبرية ” دبير ” بمعنى (تكلم) أي أن الإله تكلم وأعطى المشورة والوحي، وهو عبارة عن مكعب حجري مصمت (بدون نوافذ) أقيم على مستوى أعلى من الجزء المسمى (الهيكل) في هيكل سليمان، وهو يميل نحو التجريد كما في الحضارات السامية، وكان يفصل قدس الأقداس عن بقية الهيكل ستارة وسلسلة من الذهب أو باب، ولم يكن يدخله سوى كبير الكهنة في يوم الغفران ليتفوه باسم الإله (يهوه) الذي لا يستطيع أحد أن يتفوه به في أي مكان أو زمان. وهو يقابل في التأملات الكونية السماء السابعة، وكان يوجد به حجر الأساس التي تعني بالعبرية (إيفن هيسود) وهذه العبارة لها معاني كثيرة لديهم ويستعملها الصهاينة الآن في محاولاتهم لوضع حجر الأساس للهيكل. (9) وهي تعني في النهاية بمنطق اليهود الصخرة الشريفة، ولها معاني كثيرة خاصة بإله اليهود وصفاته.

مراسم العبادة في الهيكل:
اختلفت تفاصيلها من فترة لأخرى، لكن ملامحها الأساسية ثابتة، ففي كل صباح يقوم أحد الكهنة بتنظيف ضريح القرابين من الرماد ويذكي النيران، ثم تقدم القرابين الجديدة، ويدخل الكاهن الأعظم بهو المقدس، وينظف الشمعدانات ويحرق البخور على مذبح البخور، ويقدم قربان خبز الوجه، وتعاد تلك الشعائر من جديد عند الغروب، وكما ذكرنا سابقاً لا يدخل إلا الكاهن الأعظم إلى قدس الأقداس في يوم الغفران ليتفوه باسم يهوه وتلك ذروة العبادة لديهم فهم يرون أنه في تلك اللحظة تشكل نقطة التماس بين الإله والشعب والأرض، وتلك نقطة مهمة للغاية.

وكتجسيد للمادية اليهودية يمثل الهيكل الموارد المادية للدولة اليهودية فبه تقدم الضرائب وجزية الرؤوس والقرابين ويعتبره الأثرياء مصرفاً يضعون به ثرواتهم، كما كانت تحفظ به كنوز الدولة، وكان بديهيا مع هذا أن تتم سرقته مع كل حرب وكل دمار أتي على تلك المنطقة.

مصطلح ” هدم الهيكل ”
أثر هذا المصطلح كثيراً في العقيدة اليهودية والعادات أيضا.. ففي المعجم اليهودي الصهيوني:
(هدم الهيكل): يشير عادة إلى عملية هدم الهيكل على يد تيتوس 70 م.، وقد هدم في التاسع من آب (أغسطس). (10)
وأصبح المصطلح أساساً في حياة اليهود فمثلاً، يذكر عند الميلاد والموت والزواج، حيث يحطم أمام العروسين كوب فارغ ليذكرهم به، وقد ينثر بعض الرماد على جبهة العريس، أما في الماضي فكان اليهودي حين يطلي منزله حريصاً على ترك مكعب صغير دون طلاء، ويحتفل به كل عام في نفس التاريخ بالصيام، وعند كل وجبة وكل صلاة في الصباح يذكر اليهود الهيكل، ويصلون من أجل أن تتاح لهم فرصة العودة إليه أو العودة إلى الأرض المقدسة والاشتراك في إعادة بناءه، كما تتلى صلاة خاصة في الليل يطلب فيها من الإله بالتعجيل بإعادة البناء، بل إنه في الفقه اليهودي القديم لابد على اليهودي أن يمزق ثيابه حينما يرى الهيكل لأول مرة بعد مرور ثلاثين يوماً من آخر مرة رآه فيها.
من الخرافات أيضا الواردة في هذا الشأن أن هدم الهيكل على يد الرومان هو الذي تسبب في تشتت اليهود في المنفى على هيئة أقليات، (مع أن انتشار اليهود في كافة بقاع الأرض بدأ قبل ذلك بزمن طويل وبدون قسر) وفي الحقيقة كان مجموع اليهود خارج فلسطين يفوق بكثير عددهم داخلها قبل هدم الهيكل. (11)

نجد أنه بسبب هذا المصطلح وتوغله في الوجدان والعقيدة اليهودية أصبح من المنطقي استيطان فلسطين بالقوة، فهو فعل ديني لازم لهم.

لكن كالعادة انقسم الفقه اليهودي في العودة إلى بناء الهيكل إلى قسمين:
- يرى فريق منهم (وهم الغالبية) أن الهيكل لابد أن يعاد بناؤه وتقام فيه الشعائر القربانية مرة أخرى، لكن حينما يعود اليهود بقيادة (الماشيح) آخر الأيام، بمعنى أن على اليهود الانتظار إلى أن يظهر الماشيح بإرادة الإله. والتعجيل بهذا هو منافٍ للعقيدة اليهودية وهرطقة وتعجيل بنهاية سيئة، وعليه لا يجب أن يذهب اليهود إلى تلك المنطقة الطاهرة لأنهم مدنسون ولا يجب مخالفة ذلك الأمر، فهو أمر محرم تماماً.
- أما الرأي الآخر فهو عكس الأول وهو (رأي الأقلية)، فعلى اليهود إقامة بناء مؤقت قبل حلول العصر الماشيحي، وأنه يحل لهم دخول منطقة جبل موريا.

وفي العصر الحديث نجد إعادة بناء الهيكل هي الأخرى تنقسم إلى رأيين:
- الرأي غير الصهيوني: ويضم كل من (الإصلاحيون، الأرثوذكس، والمحافظون) وهم يخالفون القول بالعودة إلى بناء الهيكل، وقد حذفوا الأدعية الخاصة به، ويستعملون بدل الهيكل كلمة معبد (Temple) فيحل بهذا المعبد اليهودي أينما وجد محل الهيكل، ويرون أنه لن تتم استعادته أبداً، والأرثوذكس يرون ان العودة ستكون مع ظهور الماشيح في آخر الأيام.
- الرأي الصهيوني: منهم الصهاينة غير المتدينيين (العلمانيين)، وهم لا يبالون بالمرة بتلك المسألة بل أن البعض يرى أنها هوس لا داعي منه. والصهاينة المتدينيين، يرون أنها مسألة مهمة مركزية وهي مسألة دينية بحتة وعليها قامت إداعاءات الصهاينة في هدم الأثار الإسلامية وضرورة إعادة بناء الهيكل. ومنها انبثقت الكثير من المنظمات التي تسعى إلى هذا العمل الصهيوني وأشهرها منظمة (أمناء جبل الهيكل) التي يراسها جيرشون سالومون ويمولها المليونير الأمريكي (المسيحي الأصولي) تري رايزنهوفر، ويرون أنه من الأهمية إعادة بناء الهيكل (وسيكون هو الهيكل الثالث) وقد قاموا بتدابير كثيرة لخدمة هذا الهدف منها بناء مدارس لتعليم شعائر العبادة القربانية ومحاولة التعجيل بإعاة البناء من إعداد أدوات العبادة ووضعها في متحف ودراسة شجرات العائلات الخاصة بالكهنة لتحديد من منهم المؤهل لتقديم القرابين؟ وقد قاموا باحتفالات كثيرة لوضع حجر الأساس أكثر من مرة ومع كل مرة تحدث مصادمات على الجانبين. (12)

حقائق تاريخية يخفيها اليهود عن الهيكل:
الحقيقة أنه توجد الكثير من الهياكل، فعند انقسام المملكة المتحدة التي لم تدم أكثر من ثمانين عاماً، والتي انقسمت إلى مملكتين سنة (928ق.م) فقد الهيكل أهميته، فشيد ملوك كل مملكة الكثير من المراكز المستقلة للعبادة، فمثلاً شيد ملك المملكة الشمالية (يربعام) معبدين أحدهما في (دان) والآخر في (بيت إيل) وكان بهما عجولا ذهبية وأحيطا بهالة قدسية وغير موعد الأعياد وذلك في منافسة شديدة تجاه الهياكل الأخرى. وكذلك اضطر اليهود في كثير من الأحيان إلى إدخال عبادات غير يهودية لكسب ولاء المحتلين لهم (الفرس والرومان) وذلك ينافي مبدأ التوحيد عند اليهود.
مثل هيكل أونياس (الذي أسسه الكاهن الأعظم أونياس الرابع) حين فر إلى مصر، وهيكل (المعبد / القلعة) في أوكرانيا (في القرن السابع عشر) وكذلك معبد (لتسك Lutsk) الذي بني عام 1626م وغيرها…

التطورات الحديثة في إعادة بناء الهيكل:
- سنة 1997م أعلن حاخامات منظمة (ييشا Yesha) وهي منظمة تمثل المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة، فتوى تجيز لليهود دخول منطقة جبل الهيكل.
- سنة 1998م عقد المؤتمر السنوي لأحباء الهيكل ودعا فيه الحاخامات إلى ضرور اتخاذ ترتيبات جوهرية لبناء الهيكل في نفس موقع المساجد.
- سنة 1999م عقدت جماعات (أحباء الهيكل – Shocharey HaMikdash) مؤتمراً ممولاً من وزارة الشئون الدينية، يطالبون فيه بضرورة السماح لليهود بتأدية الصلوات في منطقة جبل الهيكل، وأن تعيد الحكومة الإسرائيلية النظر في سياستها بخصوص جبل الهيكل.

ومازالت المؤامرات والمخططات تحدث، حتى الآن…
فهل سنقف مكتوفي الأيدي حتى يتم بناء الهيكل على أنقاض المقدسات الإسلامية؟
سؤال ينتظر الإجابة!

هوامش

(1) ص188 من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)
(2) فلافيوس يوسيفوس (37 م - 101 م) مؤرخ يهودي.
(3) سفر الملوك الأول.
(4) سفر الملوك الثاني.
(5) ص190 من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)
(6) سفر الملوك الأول.
(7) كما ورد لدى فلافيوس يوسيفوس (37 م - 101 م) المؤرخ اليهودي.
(8) تيتوس: القائد الروماني الذي احتل القدس في عام 70م وحرق الهيكل وفتك باليهود.
(9) ص193-194 من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)
(10) ص198من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)
(11) ص199من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)
(12) ص205من كتاب (التجانس اليهودي والشخصية اليهودية) لـ د. عبد الوهاب المسيري (كتاب الهلال العدد647-2004)

رانيا أحمد

بنو إسرائيل.. ذلك اللغز

مدارات تاريخية تعليق واحد »

(الحلقة الأولى)

منذ أن نادي الرب موسي قائلاً: “فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى”*, وحتى الآن تظل الديانة اليهودية شبه مجهولة الطقوس والتعاليم, مستعصية الدراسة إلا علي المتخصصين والمنقبين في أسفار الكتاب المقدس, ربما كان هذا راجعًا إلى أن الديانة اليهودية تعتبر مغلقة, فاليهود يعتبرون أنهم شعب الله المختار وأن دين موسي حكرٌ عليهم وحدهم وشرفٌ لا يناله إلا بني يعقوب. من هذا المبدأ يمكننا تفسير عدم انتشار اليهودية في شبة الجزيرة العربية مع أنها أقدم من الإسلام بكثير..
ما نقدمه هنا هو محاولة لفهم الدين اليهودي وطوائفه وطقوسه وتعليماته, ونقدمها علي حلقات إن شاء الله.

اليهودية.. النشأة.

حتى ظهور المسيحية ظلت اليهودية هي الديانة الوحيدة علي ظهر الأرض التي تدعو إلى عبادة إله واحد, كانت اليهودية واحدة من الديانات العديدة المنتشرة في ربوع الإمبراطورية الرومانية, وان كانت بقية الديانات وضعية تدعو إلي عبادة آلهة متعددة.
آلهة هي أحط أخلاقـاً من عابديها, بينما اليهودية دعت إلي عبادة (يهوه)؛ رب الجنود, باعث بركات الطاعة ولعنات المعصية, هنا كانت العقدة المسيطرة علي التكوين الفكري اليهودي؛ التفكير الذي يقول إنهم الشعب المختار من قبل الرب, ليبارك بهم العالم الضال, وأنهم الأمة الوحيدة التي أعطاها الرب وعدًا وميثاقًا وعهدًا مباركًا من جانب الطور الأيمن, هنا يجب أن نكون محايدين؛ فاليهود ظلوا ردحًا من الزمن الأمة الوحيدة التي تعبد إلهًا واحداً, وتحملوا في ذلك ما تحملوه من السبي والاضطهاد, مما جعلهم يشعرون بمدي تميز ديانتهم وتفوقها علي سائر الديانات, وكان من المفترض أن ينتهي هذا مع نزول المسيحية والإسلام إلا أنهم استكبروا وظلوا علي ما كانوا عليهم, ولكن ما هى دعائم اليهودية؟

المنزل:

المنزل اليهودي هو النواة الصغرى في الهيكل الديني اليهودي, المنزل هو المركز لممارسة الشعائر والعبادات, فيه يعلم كل أب أولاده الإيمان, فيه تحتفل الأسرة بعيد (الفصح) ويتذكرون بركات الرب عليهم إذ أنقذهم من ذل العبودية.

الهيكل:

في عهد الملك النبي (سليمان بن داوود) عليه السلام، بُنى الهيكل اليهودي في (أورشاليم), ويجيء بعد ذلك السبي الأول وفيه هدم الهيكل وأعاد (زربابل) بناؤه بعد ذلك، وأعيد بناء الهيكل مرة أخري علي يد (هيردوس) في سنة 21 قبل ميلاد السيد (المسيح) عليه السلام, وعلي حسب رواية (يوحنا) المعمدان فقد بُني الهيكل الأخير في 46 عاماً.
فقال اليهود: ” في ست وأربعين سنةً بُني هذا الهيكل, أفأنت الآن تقيمه؟ ” **

بإمكاننا أن نقول إن القدس كانت محرمة علي اليهود؛ فكانوا يجتمعون في الهيكل كمركز للشعائر والذبائح, كان هذا عنصرًا مهمًا في زيادة سطوة رجال الكهنوت, لكونهم مسيطرون علي المركز الوحيد للدين اليهودي, أيضا رئيس الكهنة كان يحظى باحترام عظيم, فهو الوحيد الذي يستطيع أن يدخل قدس الأقداس مرة واحدة في السنة.. كان الهيكل مركزا للحجاج اليهود الذين يأتون من أقصي بقاع الأرض لكي يحجوا ويدفعوا الضرائب من اجل الهيكل, كل هذه العوامل السابقة أدت إلى جعل الهيكل مركزًا للإيمان والتقوى والسيطرة, والأهم.. الفساد السياسي والمالي والإداري, من أجل ذلك صب السيد (المسيح) جام غضبه علي اليهود الذين جعلوا بين التقاة والرب سدًا من اللصوص, بل وسبهم أيضاَ كما جاء في مواضع عدة من الإنجيل.

المجمع:

المجمع بالأصل ليس مكانًا دينيًا، بل هو المعادل للهيكل, فبعد طرد اليهود من (أورشاليم) ومع بدء عصور السبي, احتاجوا إلى بديل للهيكل,؛ فتم إنشاء المجمع حيث تقام فيه الصلوات والشعائر, ويتم تفسير ناموس (موسي), ولكن لم يستطيع المجمع أن يحل محل الهيكل لعدم وجود مذبح ولا أقدس أقداس.
وجود المجمع كمنظمة علمانية أدي هذا إلى عدم ضرورة الاستعانة بكاهن أو (رباي)-(معلم) في اجتماعاتهم, وكان من الطبيعي في حالة وجود أحد الأحبار أن يطلبوا منه تفسير الكتاب المقدس, وكما ورد في الإنجيل: “وجاء إلي الناصرة حيثُ كان قد تربي, ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت ليقرأ, فدُفع إليه سفر إشعياء النبي, ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه روح الرب عليّ, لأنه مَسّحَنِي لأبشر المساكين, أرسلني لأشفي منكسري القلوب, لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمْي بالبصر, وأرسل المنسحقين في الحرية, وأكرز بسنة الرب المقبولة”***

في هذا الموضع طلب اليهود من يسوع أن يفسر لهم سفر النبي إشعياء, ومع تعدد المجامع كان لابد لكل مجمع من رئيس ومساعدين من أجل وظيفتين؛ إقامة الصلوات للرب وتعليم اليهود -وخصوصاً الأطفال- تعاليم اليهودية, وهناك إشارات تؤكد وجود مكتبات دينية في هذه المجامع, إضافة إلي وظائف أخري كبيت إقامة لليهود المغتربين, والبت في القضايا وتوقيع العقوبات..
“ولكن احذروا الناس,لأنهم سيسلمونكم إلي مجالس,وفي مجامعهم يجلدونكم”****

وبرغم علمانية المجمع إلا أنه يظل ذا قيمة كبيرة في التاريخ اليهودي؛ حيثُ بُنِيَ ما يقرب من 480 مجمع في (أورشاليم) وحدها رغمًا عن وجود الهيكل بها, بل إن الهيكل ذاته كان به مجمع لكي يجتمع القادة العلمانيين.
——–
*: [طه آية: (12)]
**: انجيل يوحنا, الإصحاح الثالث, العدد عشرين.
***: انجيل لوقا – الاصحاح الرابع – العدد 19,18,17,16
****: انجيل متي – الاصحاح العاشر – العدد 17

المراجع:
(محاضرات في مناهج الدين المقارن), د.(عائض القرني).
(الكتاب المقدس - العهد الجديد).
عدد من مواقع الانترنت .

محمد فوزي خلف


© 2007 مجلة مدارات.  جميع الحقوق محفوظة