
* جواد كاظم اسماعيل
تثير قضية المواطنة إشكالية كبيرة وبخاصة في الواقع العراقي وهذا متأتي من الطبيعة التغييرية المعقدة للدولة العراقية,إضافة لطبيعة التشكيل الديموغرافي والاجتماعي والديني للفرد في مجتمع متعدد الأعراق والإثنيات, ولكي نستشرف الخطوط العامة لمثل هكذا إشكالية فإننا سنتخذ من تكوين الدولة العراقية الحديثة منطلقا معياريا لتحليل السابق واللاحق لها وإن إشكالية تشكيلها هو بحد ذاته تركيز لعوامل التغييب والإقصاء الذي عانته الهوية العراقية, فتاريخ العراق السابقة هومزيج من دول وامبراطوريات ودويلات وقبائل وتشكيل عشائري يفرض انتماءاته على حساب الامتدادات الجغرافية لمفهوم الوطن, هذا الخلط أثر على التركيب البنيوي العراقي فجعله يعيش (ازدواجية اجتماعية تركيبية) إذا جازت لنا تسميتها وهي ذات الازدواجية التي تحدث عنها الدكتور علي الوردي إبان تشخيصه للتركيبة الشخصانية للفرد العراقي, كما أن هناك عامل لايمكن تجاوزه ألا وهوالوجود الأجنبي الدائم الحضور في الأرض العراقية وهذا يستتبعه فرض معايير ومنظومات أيديولوجية تنتمي إليه، يحاول تصديرها بل الأغلب تحميلها كعقائد ومفاهيم, حتى إنك لاترى في الموروث العراقي الفلكلوري أو الديني أو الاجتماعي ذاك النقاء الذي ينتمي بكليته إلى هذه الطائفة أو القومية أو الشريحة الاجتماعية مهما تداعت بانتسابها, إن هذا التشكيل المنظومي الذي جادت به القدرية للعراق تناسل إلى إغناء ثقافي وفكري وديني واجتماعي على المستوى الإيجابي وأدى كذلك إلى احتراب وكوارث ومجازر ومقابر جماعية كان أبنائه وغيرهم وقودها الدائم, فبخضم ذلك صار البحث عن هوية انتمائية أمر مفروغ منه فكانت الولاءات الصغيرة الموشمة بتنوعاته هو الولاء الحقيقي على حساب العموم الاجتماعي الجغرافي, هذا التوهان أوجد حالة هجينة في بناء الدولة المعاصرة, وبعد بناء الدولة استسلمت المفاهيمية الوطنية لتداعيات الراهن الذي يفرض نفسه, فتدرجت من حكم توليتاري تقليدي في فترة دولة آل عثمان حتى دخول الاحتلال الإنكليزي وقيام ثورة العشرين التي أسست لوجود دولة العراق الحديث.
المرحلة الملكية بعد قيام الدولة العراقية في عام 1921كان الإنكليز أكثر استيعابا لمشكلة العراق وأزمة هويته وبالتالي زعامته فالشكل العراقي شبيه بالتشكيل البريطاني ظاهريا وهذا الأمر هو الذي جعل بريطانيا تأتي بحاكم من غير العراق وهو الملك فيصل لتعلن تشكيل المملكة العراقية وأردفت ذلك بالقانون الأساس عام 1925 الذي وضع اللبنات الرئيسية للمملكة العراقية الدستورية وجعل الملك خيمة يستظل بها كافة العراقيين على امتداد مشاربهم وانتمائاتهم وكان ذلك أول علاج لحالة الشتات في المواطنة العراقية, وتشكلت أول حكومة عراقية راعت كل ذلك التنوع العراقي إلا أن الشعور العراقي المنطلق من التركيبة العقائدية والاجتماعية إضافة إلى عدم استساغة العراق لمعايير منضبطة كالدولة، أدى ذلك إلى نفور اضطر الملك أمام البرلمان أن يقول لهم باستحالة الجمع بين مطالب العراقيين ومطالب الاحتلال البريطاني فقال: لا تجعلوا الملك بين السماء والأرض, وهذا الأمر جعله يشخص معضلة كبيرة في الرؤية العراقية, حيث قال (إن العراقيين شعوب متعددة لا رابط أو انتماء وطني بينها) وهو رأي في غاية الأهميه تتوج عبر توجهات انتهت بقصور ايديولوجي في النظرة للوطن والمواطن العراقي, وانتهى به المطاف وعائلته أن يكونوا ضمن ضحايا تداعيات المشكل العراقي, إن مرحلة الملكية وإن أعطت انضباطا معياريا لحالة الانتظام ضمن خط الوطن إلا أن التشكيلة الأولى التي حملت عقد التركيبة العراقية ألقت بظلالها على المشهد فانحرف عن مساره عبر حكم العساكر خريجي الكلية العسكرية في اسطنبول وهؤلاء حملوا للإدارة العراقية مزيج من عقد العثمانيين الطائفية إضافة إلى ولاءاتهم للبريطانيين حتى أن عبد المحسن السعدون تساوت لديه قيمة الحياة والموت عبرتفاقم أزمة شخصية نفسية بين الإحساس بالدونية التي حملتها زوجته ذات الأصل التركي ومتطلبات البريطانيين وبين الرغبة العراقية العارمة في تغيير الجمود، كل ذلك أدى به إلى الانتحار, وإذا كان هناك مساحة كبيرة من الحرية في العهد الملكي شهد فيه تأسيس احزاب سياسية ذات ايديولوجيات ترسم الهوية الوطنية تبعا لولاءاتها فغن الاتجاه الديمقراطي والماركسي كان له اليد الطولى في ذلك وهو الذي يكبح جماح القيادات العسكرية كلما اقتربت من دكتاتورية السلطة، وإذا كان العهد الملكي يشير بامتياز إلى وجود شخصية الباشا نوري السعيد فإن هذه الشخصية كانت متنوعة الاتجاهات في مزج لطريقة أشارت إلى قيادته بالذات فهو الأقرب للإنكليز صاحبة القرار الدولي آنذاك إضافة إلى التربية العسكرية العثمانية والميل الاعتدالي القومي فهو صاحب مقترح إنشاء الجامعة العربية، والتي تمت بعد ذلك, وهذه الشخصية وجدت في الارتباط ببريطانيا أساس وجود دولة عراقية حديثة متقدمة, للخروج من عقبة الطروحات التي تضطرم في الساحة العراقية, إن حالة التنوع الفكري والسياسي المرتبط في كثير منه بالخارج فرض بشكل كبير آليات وجوده الانتمائي فكان الانتماء البريطاني والروسي والقومي وبنسبة ضئيلة جدا الديني، هذا التعدد والتنوع أدى بالهوية العراقية والمواطنة أن تكون قلقة غير مستقرة خضعت الأجندات رغبتها السياسية.
المرحلة الجمهورية
ابتدأت هذه المرحلة بثنائية ذات أثر مهم في التشكيل الوطني العراقي، فهي استندت في عملية التغيير على فهم أيديولوجي مستوعب تماما حالة التغيير متمثل بالحزب الديمقراطي والشيوعي كأحزاب عبأت الجماهير باتجاه التغيير مجيزة التغيير لانتماءاتها إضافة إلى خط العنف الذي يمثله العسكرية القومية التي أحدثت مجزرة قصر الرحاب, وتمخض ذلك عن قيادة عسكرية أقرب إلى الشعب مصابة بكل تداعيات التهميش الاجتماعية ومبنية على ذات التركيبة الشعبية مثلها الزعيم عبد الكريم قاسم, قاسم الذي ابتدأ عهده بمحاولة دفع العراق باتجاه عنوانه الحقيقي كونه عراقيا ولاءا وفكرا، اصطدم بعقبات شركائه في التغيير الذين حاولوا سحب البساط من تحت قدمه, ورغم مؤامراتهم لم يبارح قاسم الشخصية الشعبية مما ألقى به صيدا سهلا لمؤامرات القومية العربية التي مثلها عبد الناصر والذي حاول من خلالها ناصر تخيير البلاد العربيه للزعامة المصرية ونجح في ذلك في العراق أيما نجاح، وبخاصة حين انتهج القوميون العنف أيديولوجية لهم ساعدهم في ذلك تنامي العقد الانتمائية العراقية الغير مدروسة للخط العربي والجهادي والاشتراكي والماركسي ولأن الغلبة عاطفية وبخاصة قضية فلسطين الذي تاجر فيها دعاة القوميه كثيرا حتى افتضح أمرهم في نكسات متناسلة عاشها المجتمع العربي, إن هذه التداعيات جرت العراق بشكل قسري لانتماء عربي على حساب انتماءاته الأخرى فدفعت القوميات الأخرى أثمان وتضحيات لا ناقة لها فيها ولاجمل, إن هذا العنف المتصاعد سلم السلطة في العراق إلى أقسى دكتاتور عرفه التاريخ ألا وهو صدام حسين الذي كان مطية بحق للامتدادات الفاشية العربية, فمنذ أن أعتمده الحزب كأداة تصفية لمعارضيه لم يخطر ببالهم بأن الأبضاي سيكون يوما في قمه السلطة التي آلت إليهم بالدم والحديد, حتى أنه احتكر الحزب في ذاته وهذا ما دفع الإمتدادات الإقليمية والدولية إلى الإستفادة من وجوده في قمة السلطة لتصفية حساباتها وبثمن بخس، ألا وهو تضخيم عوامل النقص في ذات هذا الدكتاتور ونعته بأنه القائد الضرورة وقائد الأمة العربية حتى ألقى بشعبه في أتون حروب وحصار دولي وتشرذم هوية ولاجئين لاحصر ولا عدد لهم, إن أيديولوجيات التغيير وانتماءاته زادت من تمسك الفرد بأقليته المضطهدة وطائفتة وقوميتة على حساب امتداده الوطني, وشهد مرحلة صدام حسين كأسوأ مرحلة عاشها العراق كإنتماء أوهوية تعبير وجر البلد إلى انسلاخ عن حتى جغرافيته الولادية فضلا عن وجوديته الوطنية.
المرحلة الراهنة
تأتي مرحله التغيير الجديد في العراق والذي أحدثت إشكالية حتى في تسميته بين التحرير من نظام صدام أو الإحتلال الأمريكي للعراق، ومهما كانت التسمية فإنها جاءت متطابقة مع إشكالية الفهم العراقي للتغيير الواقعي الذي شهده ولعل الأستاذ العادلي أشار إلى تساءل مهم آبان التغيير هو (هل أن الأمريكان بعد احتلال العراق أسقطوا دولة أم أنهم أعلنوا عن نهاية دولة ساقطة)، وهو سؤال في غاية الأهمية فلم تكن هناك دولة في زمن صدام وإذا كان هناك من خطوط عامة لشكلية إدارية فإن ذلك يعني ديكورا أو قناعا يختفي وراءه الوجه البشع، فالدستور مستباح بالدستور فأعضاء مجلس قيادة الثورة أتوا من كوكب آخر، وهم مجموعة من حثالات لايختلف في تشخيصهم أي عراقي عانى من جور تخلفهم وانحطاطهم حين أسلموا الدولة إلى أهواء شخصية وليس أدل من قول إبن الطاغية عدي في أحاديثه أن القانون (وركه ..انشكله بكيفنه) إن ذلك يعطيك خلاصة لدولة ميتة أعلن لها الأمريكان شهادة وفاة في 9-4-2003 ليخرج المارد المحتبس في داخل كل عراقي أعياه التعبيرعن فرحته بنهاية الطاغية، لكنه انطلق من ذات الآليات الموروثة فراح يجاهر بانتماءاته التي يطلب ان يحفظها له الوطن دون أن يكون انطلاقة من الوطن باعتباره هو، لقد حمّل كل عراقي غيره في مأساته، فراح يفتح جراحه على أنها الأكثر إيلاما وعلى الوطن أن يعالجه واذا تعذر فهو منه براء, وعند الانشغال بتسلسل العتاب الداخلي بين المواطن والوطن تسللت قوة لها ايديولوجياتها ولها استراتيجيتها وعاد العراق للبحث من جديد عن هويته وبخاصة أن القادمون قرروا أن يحرقوا كل شيء, فراح العراقيون يحترقون ويدفعون فاتورات على امتداد حسابها كانوا ضحاياها, إن محاولة بناء المواطنة لا يأتي عبر تقديم قوائم حساب، إنها تأتي عبر انتماء وتعايش سلمي حقيقي يؤمن بالآخر مع اختلاف مشاربه فالمساحة الجغرافيه هي اتساع معنوي يتبلورخلاله الوطن ذاته وماهيته أما ما يطرح سياسيا بعد التغيير هو ارتماء سياسي في ماضيه تجعل الوطن رديفا للمذهب أو القومية أو الإثنية التي ينتمي إليها, كما أن حسابات الفوز والخسارة لم تكن يوما عنوانا كبيرا للمواطن والوطنية, إن الوطنية العراقية بحاجة إلى تأسيس جديد يتجاوز عقد الماضي ويتمسك بصيرورة الآتي .
* إعلامي وكاتب عراقي
jawad_k2@yahoo.com
آخر التعليقات