مصطلحات سياسية – الشوفينية

مدارات سياسية لا تعليق »

ما هي الشوفينية؟
تعني التعصب الأعمى والعداء للآخر والتزمت الوطني، أو فكرة متطرفة غير معقولة حيث التحزب للمجموعة التي ينتمي إليها الفرد خاصة الأحزاب الحاقدة والكارهه للطرف المنافس مثل (أصحاب التميز العرقي النازية)، وهي في الانجليزية مصطلح شائع يدل على عنجهية الرجل أو المرأة حيث تشير إلى تفوق الرجل على المرأة أو العكس (male chauvinism- female chauvinism). وقد تستعمل في مجال الاستهجان وعدم الاستحسان.

وقد اشتقت من اسم أحد جنود نابليون بونابرت (نيكولاس شوفين) الذي كان يضرب به المثل في تعصبه لوطنه وتفانيه، برغم اصاباته العديدة.

قد تؤدي الشوفينية إلى اندلاع الحروب والكوارث كما حدث في الحرب العالمية الثانية بسبب شوفينية هتلر، أو قد تؤدي إلى حروب أهلية، وحينها تكون تلك الشوفينية مرادفة للكارثة.

أو تكون شوفينية اجتماعية (ابتكار سوفيتي، أثناء الحرب العالمية الأولى) وهي هنا تعبير سياسي يقصد به وصف التيارات الاشتراكية الديموقراطية التي تعطي الأهمية الأولى للصراع القومي ومصالح الوطن قبل الصراع الطبقي.

وبالطبع قلنا أن هناك شوفينية جنسية كما هو مشهور في المصطلحات الانجليزية وهي تعصب الذكر لجنسه أو الأنثى لجنسها. وقد ظهر المصطلح مع الحركات النسوية التحررية والمعادون لتلك الحركات.

كثيرا ما ترادفت الشوفينية بالتعصب الوطني المغالى فيه والسذاجة المفرطة، وباسمها ارتكبت جرائم وكوارث عن قناعة الأفراد الشوفينين بعدالة قضيتهم وسلامة مبادئهم.

رانيا أحمد

الرق، تجارة الرقيق، الرقيق الأبيض.. بين الإنسانية والسياسة!

مدارات سياسية 4 تعليقات »

الصورة التي تتبادر إلى ذهننا حين نسمع تلك الكلمات.. (الرقيق، تجارة الرقيق، الرقيق الأبيض) هي صورة العديد من الرجال والأطفال والنساء ذوي الأصل الأفريقي يجرون في سلاسل من سفينة لأخرى..
بل ما يزال بعض الناس يرون هذه الصورة جزء من الماضي والتاريخ.. ولا يعلمون أنها امتداد للماضي لليوم بصورة أكثر عصرية ودهشة.. بالرغم من كم القوانين والمعاهدات والاتفاقيات التي تحتم احترام الإنسان ومساعدته.
والفرق بين الأمس واليوم أن عبودية الأمس أرغم فيها الإنسان بقوة السلاح، أما عبودية اليوم يرغم فيها الإنسان بقوة الفقر والحاجة.. الحاجة إلى المال والطعام والرعاية والمشاعر..!
وحين نقترب من تلك المصطلحات لنتعرف عليها نجدها تشير كلها إلى امتهان الإنسان بكل صورة ممكنة..
(الرِّقُّ): بالكسر من المِلْك وهو العبودية، و(الرَّقيقُ): المملوكُ واحدٌ وجمعٌ. (1)
كما يعني مصطلح (الرِّق): وصفاً لحال أو وضع أي شخص تمارس عليه السلطات الناجمة عن حق الملكية، ويعني (الرَّقيق) أي شخص يكون في هذه الحالة أو يكون في هذا الوضع. (2)
كما يعني “شخص ذو منزلة مستضعفة”. (2)
مصطلح (تجارة الرقيق) يشمل جميع الأفعال التي ينطوي عليها أسر شخص ما أو احتجازه أو التخلي عنه للغير على قصد تحويله إلى رقيق، وجميع الأفعال التي ينطوي عليها احتياز رقيق إما بغية بيعه أو مبادلته وجميع أفعال التخلي، بيعاً أو مبادلة عن رقيق تم احتيازه على قصد بيعه أو مبادلته، أي اتجار بالأرقاء أو نقلهم أيا كانت وسيلة النقل المستخدمة. (2)
ويقابلها أيضا النخاسة، وبالإنجليزية (Slavery, slave trade)
وتجارة الرقيق الأبيض هي فقط الوجه الجديد لتجارة الرقيق الأسود، للتفريق ليس إلا..
تاريخ تجارة الرقيق:
بدأ التفكير في تجارة الرقيق مع الحاجة للأيدي العاملة في الزراعة وفي المستعمرات الجديدة للمحتلين..وبناء المدن الجديدة، وعرفتها حضارات الصين وبلاد الرافدين والهند وقدماء المصريين وحتى حضارات المايا والأزتك والإنكا، إلا أنه كان ممارساً بشكل كبير في حضارات الإغريق والرومان، فنجد مدينة مثل أثينا والتي عرفت الديموقراطية مبكراً، نجد أن معظم سكانها من العبيد، كما كانت سائدة في روما التي أعتمدت على العبيد في بناء حضارتها أو في خوض حروبها.

إلا أن المأساة الحقيقية بدأت حين شكلت تجارة الرقيق شأناً كبيراً بل وأصبحت مجال تنافس بين الدول والتجار، وحين بدأوا في استنزاف أفريقيا واستجلاب الكثير من رجالها وأطفالها ونساءها لتعمير المدن الجديدة وغيرها..
تعتبر البرتغال من أوائل ممارسي تجارة الرقيق خاصة في أفريقيا، حيث بدأت في تلك التجارة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، حيث أقامت أهم حصونها على ساحل أفريقيا الغربية لجمع وتصدير العبيد (أرجويم عند مصب نهر جامبيا، ستياجو قرب الرأس الأخضر، سان جورج دي مينا في غانا، جزيرة ساوتومي عند مصب نهر النيجر) وتعد جزيرة ساوتومي أكبر المراكز وأهمها في جمع وبيع الرقيق للبرازيل وغيرها من مدن العالم الجديد، كما قامت الحكومة البرتغالية (المحتلة) بالسماح للتجار الأوروبيين بالمتاجرة أيضا (في هذه السلعة القيمة) ثم بدأ عصر المنافسة بين دول أوروبا في التجارة بهذه السلعة المربحة فدخلت هولندا وفرنسا وانجلترا والدنمارك إلى الساحة بعد أن اتجهت أنظار البرتغاليين إلى المستعمرات الهندية، بل شكلوا معاهدات جماعية لممارسة تلك التجارة بأمان، حتى قراصنة البحار يعتبرون الاستيلاء على السفن المحملة بخيرات أفريقيا من البشر والثروات المنهوبة جائزة لابد من السعي لها…

وبسبب تلك المنافسة المحمومة بين التجار ظلت أفريقيا نهباً لهم لعدة قرون، وبالرغم من أن الرق عرف في عهود قديمة إلا أن ممارسته في أفريقيا اتخذت طابعاً مميزاً لا ينسى على مر الزمان، فقد استخدمت كافة الوسائل الوحشية لجمع السكان من قتل ونسف بالديناميت وحرق وبتر أعضاء، واستنزفت خيرات القارة، وظل تأثير ذلك اقتصاديا عليها بسبب حرمانها من الأيدي العاملة واستغلال ثرواتها بالقوة وترك شعبها متخلفاً محروماً من كافة حقوقه، كما ظهر بسبب تلك التجارة التمييز العنصري والذي بقي أثره حتى الآن.
واستنزف من قارة أفريقيا وحدها نحو 210 مليون نسمة معظمهم من الشباب والرجال الأصحاء. (3)
أين التعويض؟
من المنطقي أن يتساءل أحفاد أحفاد عبيد القارة الأفريقية عن تعويضهم اليوم لما لحق بآباء الأمس، بتعويض قارة بأكملها عن الخراب الذي لحق بأرضها وشعبها، ومطالبة كل أسرة أوروبية اغتنت وحققت ثرواتها على حساب أجساد القارة السمراء.. على الأقل مقارنة بما يطالب به اليهود أوروبا من تعويضات عن الجرائم التي أرتكبت في حقهم منذ زمن لا يتعدى القرن.. مع أن الفارق كبير، فاليهود مشكوك حتى الآن فيما يدعون من حقوق ومع ذلك حصلوا على ملايين الملايين من التعويضات، بينما الجرائم التي تسببت فيها تلك التجارة على مدى خمس قرون في حق أبناء القارة السمراء لا ينكرها أحد حتى تجار الأمس أنفسهم، بل وحتى تلك المعاهدات والاتفاقيات التي عقدت من أجل إلغاء تلك التجارة الوحشية..أي أنه حق واضح لا لبس فيه، إلا أن مطلب التعويضات من أبناء القارة يقابل بالصمت والتجاهل التام!
والمفارقة أن من يساعد الأفريقيين في المطالبة بحقوقهم وتعويضهم في صياغات قانونية رسمية هم مجموعة من المحامين البريطانيين على رأسهم اللورد أنتوني جيفورد، ورئيس أساقفة كانتربوري (روان وليامز) الذي يبحث إمكانية أن تقوم الكنيسة بدفع أموال تعويضية لمتضرري تجارة الرقيق.
وقدرت التعويضات في بعض المصادر بنحو 777 تريليون دولار!
ولكن هناك طريقًا طويلاً أمام القارة السمراء للمطالبة بحقوقها الضائعة في ظل الكثير من العراقيل التي تظهر من آن لآخر بحجة أنه تاريخ طويل ويحتاج لوقت طويل لدراسة الأمر، والحقيقة أنه مازالت أوروبا تنظر من منطلق قوتها إلى أفريقيا الضعيفة إلى الآن.. فعلى أفريقيا حين تتطالب بحقوقها أن تغلف تلك الحقوق بغلاف من القوة وهو ما تفتقر إليه الآن.

تجارة الرقيق الأبيض
في الخامس والعشرين من مارس لسنة 1807 حظرت بريطانيا وأميركا تجارة الرقيق الأسود، ووضعت الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بهذا الشأن مثل الاتفاقية الخاصة بالرق لسنة 1926 وتأكيدها بقرارات عالمية صادرة من الأمم المتحدة عام 1948، والاتفاقيات التكميلية لها سنة 1956….
كما احتفل بمرور 200 عام على إلغاء تجارة الرقيق.. في 25 مارس الماضي، لكن هل انتهت حقا تجارة الرقيق، أم استمرت وبأشكال جديدة تحت مصطلح جديد هو الرقيق الأبيض؟
الفاجعة أن ما يحدث الآن ينتهك من الإنسانية كثيراً.. فالمفروض أننا نتقدم لا نتأخر.. فبسبب الضعف والفقر والحاجة يتم المتاجرة بالبشر الآن لبيعهم ليعملوا كخدم أو في أعمال منافية للأخلاق.
فسوق تجارة الرقيق والاتجار بالبشر تقدر بنحو 32 مليار دولار في أنحاء العالم (4)، معظم ضحايا تلك التجارة من النساء والأطفال، ويتم استغلالهن بطرق منافية للأخلاق، أو يرغمن على أعمال لا يردنها، مهينة أو خطيرة لا يهم!
يتم استجلاب النساء والفتيات من أوروبا الشرقية بالخداع أو بالخطف ليعملن في أعمال الخدمة أو الدعارة أو التهريب أو لاستغلالهن جسدياً للتربح عبر وسائل العصر الجديدة كالإنترنت والفضائيات، والرجال والأطفال من مناطق الفقر ليعملوا كعبيد في المزارع المنتشرة في أمريكا الشمالية أو الجنوبية مقابل الإقامة والطعام غير الكافي..
وتنتشر تجارة الرقيق الأبيض في بريطانيا وأمريكا بالذات.. ويتم استجلاب الرقيق خاصة النساء والفتيات من أنحاء أوروبا وخاصة الشرقية… وتحتل المافيا الألبانية المرتبة الأولى في العمل في تلك التجارة المربحة..
وللأسف تأتي تجارة الرقيق الأبيض عالمياً في المرتبة الثالثة بعد تجارة المخدرات والسلاح.!
وأخيراً واستغلالاً للأحداث الجارية يتم خطف الفتيات والنساء العراقيات لاستغلالهن في تلك التجارة المشينة، فهل ما يحدث الآن يعتبر من التخلف أم التقدم الإنساني؟

وأين هي القوانين والاتفاقيات والأمم المتحدة والجمعيات الإنسانية التي تترك الأطفال والنساء والرجال تنتهك حقوقهم وإنسانيتهم هكذا بسبب الفقر والحاجة؟
ومتى ستتحرك الحكومات والمؤسسات لوقف هذا المسلسل البشع من الانتهاكات الإنسانية المستمرة في حق البشرية المستضعفة المهانة؟
وهل صوت الأرقاء ضعيف لهذه الدرجة لا يصل لآذان المسؤولين والساسة؟
وهل هناك أمور أهم لدى الحكومات أكثر من امتهان إنسانية أبنائها؟
الجميع يتحدث ويقر بخطورة الوضع في وسائل الإعلام المعروفة، لكن لا يجدون حلولا فهل هذا عجز أم استعراض؟
وهل الرق هو امتلاك الجسد والاتجار به فقط أم هو امتلاك وأسر للمشاعر والعواطف أيضا؟
هي أسئلة لا إجابة لها لدي!

هوامش:
(1) مختار الصحاح
(2) كما ورد في الاتفاقية الخاصة بالرق المعقودة عام 1926. (أرجو أن توضع الاتفاقية في لنك حتى يتطلع عليها القراء، وهاهو لنكها)
http://www1.umn.edu/humanrts/arab/b028.html
(3) تقرير لمنظمة اليونسكو صادر في عام 1987.
(4) تقرير صادر عن خبراء الأمم المتحدة.

رانيا أحمد

التراث اليهودي المسيحي

مدارات سياسية تعليق واحد »

توجد الكثير من المصطلحات الواردة إلينا - في العالم العربي- تنتشر بسرعة ونرددها دون فهم منا لخلفياتها ووظائفها الحقيقية..
فالمصطلحات الواردة علينا من الغرب ليست بريئة المعنى والهدف.. فلها أبعاد سياسية وأهداف كثيرة أكثر مما هو ظاهر.. تحتاج منا إلى وقفة وتأمل وفهم لما تخبئه بين طياتها..
من هذه المصطلحات التي تردد كثيراً على مسامعنا.. مثلاً الحروب الصليبية.. العولمة.. الأيديولوجية.. الصهيونية.. التراث اليهودي المسيحي..
بعض هذه المصطلحات واضحة المعنى لكن تم التلاعب بها على حسب الأهواء لكن المصطلح الأخير (التراث اليهودي المسيحي) أو (الصهيونية المسيحية) أخذ يتردد في الأونة الأخيرة.. فهل حقا نعي عم نتكلم؟

حين نتكلم عن التراث اليهودي المسيحي، فإنه يرد إلى ذهننا أن هناك علاقة بين اليهودية والمسيحية، علاقة قوية وأصيلة بل يردد المصطلح وكأنه من البديهيات..

وحين نقترب من المصطلح بتعمق نجد أنها علاقة ضعيفة منحازة لفئات معينة تخدم مصالحها ليس إلا..
فالتراث اليهودي المسيحي عبارة عن عدة أفكار وعقائد أخذت من العهد القديم، وخاصة نبوءات العهد القديم، فبعض متطرفي المسيحية يرون أن نبوءات العهد القديم أمر مقدر من الله ويجب تنفيذه، وهي النبوءة التي تقول إن المسيح حين يعود سيحكم العالم هو والقديسون لمدة ألف عام (1) وهي فترة سيسود فيها السلام والعدل، ولكي تبدأ الألف عام لابد من استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيداً لعودة المسيح؛ وبالتالي يرى المتطرفون أو (الاسترجاعيون) أن عودة اليهود لفلسطين واجبة بصفتهم شعب الله المختار القديم أو الأول، بينما المسيحيون هم شعب الله المختار الجديد أو الثاني، وهذا وعد وعدهم به الله ووعود الله لا تسقط حتى وإن خرج اليهود منها، فلابد من عودتهم وبالتالي فإن كل من سيحارب تلك العودة ويحارب اليهود ويعاديهم سيكون عدواً للمسيحية..
بل إن البعض يرجع هذا المصطلح إلى عهد كريستوفر كولومبوس وما كتبه في يومياته عن أنه كُلِف بمهمة إلهية دينية لأمل إعادة تأسيس مملكة إسرائيل في القدس على جبل صهيون. وكذلك تشبيه هجرة وهرب الأوروبيين إلى أمريكا الجديدة بهرب اليهود من مصر إلى أرض الميعاد..


ولا حاجة لنا هنا أن نشير كيف استغل هذا الآن ومن الذي يشجع تلك النبوءة ومن الذي يقوي من شوكة الاسترجاعيين، وأي مصلحة تخدم.
الغريب أنه يوجد اختلاف جوهري وعميق بين اليهودية والمسيحية، فهناك اختلاف جوهري خاص بطبيعة الإله وعلاقته بالبشر، واختلاف حول فكرة المسيح، فاليهودية ترى المسيح (المشيح) شخصاً سياسياً قومياً، سيقود شعبه إلى أرض الميعاد ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى، والمسيحية ترى المسيح الإله والإنسان الذي يحمل عبء خلاص كل البشرية لا الشعب اليهودي فقط.
وأيضا نجد أن قضية صلب المسيح بها خلاف جوهري، فصلب المسيح في المسيحية حين نزل ابن الإله إلى الأرض وارتضى لنفسه أن يصلب ليحقق فكرة الفداء والتضحية عن الجميع وهي لحظة كونية لا تنافسها أية لحظة أخرى، وكان اليهود سبباً رئيسياً في تلك اللحظة فحاخامتهم هم الذين أوصلوا المسيح لتلك اللحظة وأصروا على معاقبته وبالتالي هم قتلة الرب، ومنكروه. والشتات كان عقابهم على هذا..

وما يمثل تلك اللحظة في المعتقد اليهودي، هو الهولوكوست، تمثل لحظة الصلب لهم.
وبالنسبة للعهد القديم فالكنيسة ترى أن العهد الجديد حل محله بل وتقدم عنه، فالعقيدة المسيحية ترى أن الشرع والقانون تحققا من خلال المسيح وتم تجاوزه وأن الرحمة والإيمان بالمسيح أصبحت وسيلة للخلاص بدلاً من الشريعة والأوامر والنواهي الواردة بالعهد القديم، فنجدهم نبذوا عادات الأكل والختان وغيرها مما تمسك به اليهود، فهم يرون أن اليهودية دين ظاهر ومفسر دون إدراك معنوي، ويحملون كتباً وتعاليم لا يفقهون معناها، بينما المسيحية قامت على أن الكنيسة هي إسرائيل الروحية والمؤمنون به تشربوا معانيه وتوغلت مبادئه في أرواحهم، وهو دين عالمي باب الهداية مفتوح للجميع، على عكس اليهودية التي هي دين منغلق مقصور على شعب بعينه، وبهذا نجد أن هناك اختلافًا جوهريًا أدى لتدني الدين اليهودي وشيوع المسيحية في العالم، وبالتالي أصبح هناك عداء قوي بين الدينين، فالمسيحية تغلبت على اليهودية وصارت أقوى واليهودية ضعفت وتدنت، ونأتي هنا إلى أن التراث الحقيقي الذي يجمع ما بين اليهودية والمسيحية هو الكره والبغض، فكيف يحب المسيحي قاتل إلاهه (المسيح) ومعذبه وناكره، وكيف يحب اليهودي سارق مجده ونابذه، ومسبب شتاته.
فنجد ان عدو اليهودية الأول هو المسيحية، وقد سعت على مر الأزمان في تدمير ومحاربة الكنيسة المسيحية، وتشويه كل مبادئها، وهي حرب قطعت فيها شوطاً كبيراً، وكذلك نجد أنه ظهرت الكثير من الكنائس المنشقة عن الدين المسيحي، تهدف إلى إضعاف ذلك الدين، مثل كنائس عبدة الشيطان والكنائس العلمية وغيرها وغيرها..كما قويت شوكة المتطرفيين والاسترجاعيين بل ووصلوا إلى الحكومات والمراكز السياسية، ورأينا جورج بوش يرجع إلى مصطلحات تهدف إلى التشويه والاضطراب ليس إلا.. فسمعنا منه أنه مؤمن بعودة اليهود إلى أرض الميعاد..لأن الدين المسيحي يلزم ذلك، وسمعنا منه مصطلح الحروب الصليبية…والكثير والكثير من الأمور التي يقف وراءها اللوبي اليهودي بكل قوته.. ضارباً بهذا جميع العصافير بحجر واحد.

وبهذا نجد أن المصطلح جاء ليخدم ثلاثة أهداف:
• طمس هذا الخلاف (بين الدين اليهودي والمسيحي) ومحاولة محوه أو تشويهه.
• زيادة الدعم الغربي (وخاصةالأمريكي) للشعب اليهودي.
• الحصول على رضاء الجماهير الغربية (فالحكومة الغربية تساند اليهودية) وهذا ما يتنافى مع القيم المسيحية والأخلاقية الإنسانية.

ومن هذا المنطلق روج اليهود لمصطلح جديد بدأ يظهر في أوروبا ومنها إلينا، وهو مصطلح (الصهيونية المسيحية) لكي يكتسب هذا المصطلح صبغة رسمية وعالمية..
لكننا حين نعود للوراء والتاريخ، نجده لا يصلح للشرق، فأوائل من عادوا الصهيونية المحتلة بين عرب فلسطين كانوا من العرب المسيحيين، فالمفكر العربي اللبناني الأصل والفلسطيني الإقامة والمسيحي (نجيب عازوري) كان من أوائل العرب الذين تنبأوا بخطورة الصراع العربي الصهيوني.
وكذلك الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية تعارضان الصهيونية على أساس عقائدي جوهري مسيحي. (بغض النظر على التقارب الحادث الآن بين الصهيونية والفاتيكان، فهو تقارب ذو أبعاد أخرى لا علاقة لها بما نناقشه هنا) كما أنه يوجد الكثير من المسيحيين الغربيين الذين يرفضون الصهيونية على أساس عقائدي أيضا. ونجده بهذا مصطلحًا غير قوي يعتمد في مضمونه فقط على نبوءة الألف السعيدة (2).
وحين نتعمق قليلاً داخل هذا المنظور، نجد أن الاسترجاعيين يريدون عودة اليهود إلى أرض الميعاد لإصلاح الخلل الذين سببوه (أي اليهود) في البداية (صلب المسيح)، فيجب عودتهم وتنصيرهم إما إبادتهم.. (لكن هذا لا يذكر في سياق أي حديث عن تلك النبوءة).. كما نجد أنهم محور الشر فالمسيخ الدجال الذي سيظهر ليقاتله المسيح هو يهودي من سوريا وهو الذي سيقود ملوك العالم ضد المسيح في المعركة الأخيرة (هرمجدون) وسيموت الكثير من اليهود في محرقة جديدة لتتم النهاية السعيدة (لكن أيضا هذا لا يذكر في سياق الحديث عن هذه النبوءة أو الحديث عن التراث اليهودي المسيحي أو الصهيونية المسيحية).
والطريف في الأمر أن بعض اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل (خاصة يهود أمريكا) لا يرحبون بهذا المصطلح (الصهيونية المسيحية) لأنه يتطلب منهم الحرب الدائمة بل والانتقال إلى إسرائيل وخدمة أهدافها، بينما إسرائيل تجد أن من يرحبون بهذا المصطلح بل ويستخدموه هم اللوبي الحقيقي المساند لهم ولأهدافهم.

وفي نهاية الأمر هناك من المسيحيين الغربيين واليهود (الذين يعيشون خارج إسرائيل) يدركون ماهية تلك المصطلحات والهدف منها، بل ويحاربونها أيضا.. فهل نفعل نحن كذلك أم نرددها فقط دون أن نعرف أنها وسائل من ضمن وسائل عديدة للسيطرة على عقولنا وحياتنا…؟

هوامش:
(1) يشار أيضا لها بأيام المسيح أو الألف السعيدة.
(2) عودة المسيح ليحكم العالم ألف عام والتي تقترن بعودة اليهود لأرض الميعاد.

للإطلاع:
- زيف ديمقراطية إسرائيل - تأليف فايز رشيد
- سلطات دنيوية.. الدين والسياسة في أوروبا من الثورة الفرنسية وحتى الحرب العالمية- تأليف مايكل بورليغ
- مواجهة المسيحية الصهيونية.. اللاهوت والسياسة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني – تأليف كل من نعيم عتيق وسيدار ديوبس ومورين توبن
- من أجل صهيون.. التراث اليهودي المسيحي في الثقافة الأميركية- تأليف د. فؤاد شعبان
- التجانس اليهودي والشخصية اليهودية- تأليف د. عبد الوهاب المسيري

رانيا أحمد

المواطنة العراقية والأيديولوجيات السياسية

مدارات سياسية 3 تعليقات »

خريطة العراق

* جواد كاظم اسماعيل

تثير قضية المواطنة إشكالية كبيرة وبخاصة في الواقع العراقي وهذا متأتي من الطبيعة التغييرية المعقدة للدولة العراقية,إضافة لطبيعة التشكيل الديموغرافي والاجتماعي والديني للفرد في مجتمع متعدد الأعراق والإثنيات, ولكي نستشرف الخطوط العامة لمثل هكذا إشكالية فإننا سنتخذ من تكوين الدولة العراقية الحديثة منطلقا معياريا لتحليل السابق واللاحق لها وإن إشكالية تشكيلها هو بحد ذاته تركيز لعوامل التغييب والإقصاء الذي عانته الهوية العراقية, فتاريخ العراق السابقة هومزيج من دول وامبراطوريات ودويلات وقبائل وتشكيل عشائري يفرض انتماءاته على حساب الامتدادات الجغرافية لمفهوم الوطن, هذا الخلط أثر على التركيب البنيوي العراقي فجعله يعيش (ازدواجية اجتماعية تركيبية) إذا جازت لنا تسميتها وهي ذات الازدواجية التي تحدث عنها الدكتور علي الوردي إبان تشخيصه للتركيبة الشخصانية للفرد العراقي, كما أن هناك عامل لايمكن تجاوزه ألا وهوالوجود الأجنبي الدائم الحضور في الأرض العراقية وهذا يستتبعه فرض معايير ومنظومات أيديولوجية تنتمي إليه، يحاول تصديرها بل الأغلب تحميلها كعقائد ومفاهيم, حتى إنك لاترى في الموروث العراقي الفلكلوري أو الديني أو الاجتماعي ذاك النقاء الذي ينتمي بكليته إلى هذه الطائفة أو القومية أو الشريحة الاجتماعية مهما تداعت بانتسابها, إن هذا التشكيل المنظومي الذي جادت به القدرية للعراق تناسل إلى إغناء ثقافي وفكري وديني واجتماعي على المستوى الإيجابي وأدى كذلك إلى احتراب وكوارث ومجازر ومقابر جماعية كان أبنائه وغيرهم وقودها الدائم, فبخضم ذلك صار البحث عن هوية انتمائية أمر مفروغ منه فكانت الولاءات الصغيرة الموشمة بتنوعاته هو الولاء الحقيقي على حساب العموم الاجتماعي الجغرافي, هذا التوهان أوجد حالة هجينة في بناء الدولة المعاصرة, وبعد بناء الدولة استسلمت المفاهيمية الوطنية لتداعيات الراهن الذي يفرض نفسه, فتدرجت من حكم توليتاري تقليدي في فترة دولة آل عثمان حتى دخول الاحتلال الإنكليزي وقيام ثورة العشرين التي أسست لوجود دولة العراق الحديث.

المرحلة الملكية بعد قيام الدولة العراقية في عام 1921كان الإنكليز أكثر استيعابا لمشكلة العراق وأزمة هويته وبالتالي زعامته فالشكل العراقي شبيه بالتشكيل البريطاني ظاهريا وهذا الأمر هو الذي جعل بريطانيا تأتي بحاكم من غير العراق وهو الملك فيصل لتعلن تشكيل المملكة العراقية وأردفت ذلك بالقانون الأساس عام 1925 الذي وضع اللبنات الرئيسية للمملكة العراقية الدستورية وجعل الملك خيمة يستظل بها كافة العراقيين على امتداد مشاربهم وانتمائاتهم وكان ذلك أول علاج لحالة الشتات في المواطنة العراقية, وتشكلت أول حكومة عراقية راعت كل ذلك التنوع العراقي إلا أن الشعور العراقي المنطلق من التركيبة العقائدية والاجتماعية إضافة إلى عدم استساغة العراق لمعايير منضبطة كالدولة، أدى ذلك إلى نفور اضطر الملك أمام البرلمان أن يقول لهم باستحالة الجمع بين مطالب العراقيين ومطالب الاحتلال البريطاني فقال: لا تجعلوا الملك بين السماء والأرض, وهذا الأمر جعله يشخص معضلة كبيرة في الرؤية العراقية, حيث قال (إن العراقيين شعوب متعددة لا رابط أو انتماء وطني بينها) وهو رأي في غاية الأهميه تتوج عبر توجهات انتهت بقصور ايديولوجي في النظرة للوطن والمواطن العراقي, وانتهى به المطاف وعائلته أن يكونوا ضمن ضحايا تداعيات المشكل العراقي, إن مرحلة الملكية وإن أعطت انضباطا معياريا لحالة الانتظام ضمن خط الوطن إلا أن التشكيلة الأولى التي حملت عقد التركيبة العراقية ألقت بظلالها على المشهد فانحرف عن مساره عبر حكم العساكر خريجي الكلية العسكرية في اسطنبول وهؤلاء حملوا للإدارة العراقية مزيج من عقد العثمانيين الطائفية إضافة إلى ولاءاتهم للبريطانيين حتى أن عبد المحسن السعدون تساوت لديه قيمة الحياة والموت عبرتفاقم أزمة شخصية نفسية بين الإحساس بالدونية التي حملتها زوجته ذات الأصل التركي ومتطلبات البريطانيين وبين الرغبة العراقية العارمة في تغيير الجمود، كل ذلك أدى به إلى الانتحار, وإذا كان هناك مساحة كبيرة من الحرية في العهد الملكي شهد فيه تأسيس احزاب سياسية ذات ايديولوجيات ترسم الهوية الوطنية تبعا لولاءاتها فغن الاتجاه الديمقراطي والماركسي كان له اليد الطولى في ذلك وهو الذي يكبح جماح القيادات العسكرية كلما اقتربت من دكتاتورية السلطة، وإذا كان العهد الملكي يشير بامتياز إلى وجود شخصية الباشا نوري السعيد فإن هذه الشخصية كانت متنوعة الاتجاهات في مزج لطريقة أشارت إلى قيادته بالذات فهو الأقرب للإنكليز صاحبة القرار الدولي آنذاك إضافة إلى التربية العسكرية العثمانية والميل الاعتدالي القومي فهو صاحب مقترح إنشاء الجامعة العربية، والتي تمت بعد ذلك, وهذه الشخصية وجدت في الارتباط ببريطانيا أساس وجود دولة عراقية حديثة متقدمة, للخروج من عقبة الطروحات التي تضطرم في الساحة العراقية, إن حالة التنوع الفكري والسياسي المرتبط في كثير منه بالخارج فرض بشكل كبير آليات وجوده الانتمائي فكان الانتماء البريطاني والروسي والقومي وبنسبة ضئيلة جدا الديني، هذا التعدد والتنوع أدى بالهوية العراقية والمواطنة أن تكون قلقة غير مستقرة خضعت الأجندات رغبتها السياسية.

المرحلة الجمهورية

ابتدأت هذه المرحلة بثنائية ذات أثر مهم في التشكيل الوطني العراقي، فهي استندت في عملية التغيير على فهم أيديولوجي مستوعب تماما حالة التغيير متمثل بالحزب الديمقراطي والشيوعي كأحزاب عبأت الجماهير باتجاه التغيير مجيزة التغيير لانتماءاتها إضافة إلى خط العنف الذي يمثله العسكرية القومية التي أحدثت مجزرة قصر الرحاب, وتمخض ذلك عن قيادة عسكرية أقرب إلى الشعب مصابة بكل تداعيات التهميش الاجتماعية ومبنية على ذات التركيبة الشعبية مثلها الزعيم عبد الكريم قاسم, قاسم الذي ابتدأ عهده بمحاولة دفع العراق باتجاه عنوانه الحقيقي كونه عراقيا ولاءا وفكرا، اصطدم بعقبات شركائه في التغيير الذين حاولوا سحب البساط من تحت قدمه, ورغم مؤامراتهم لم يبارح قاسم الشخصية الشعبية مما ألقى به صيدا سهلا لمؤامرات القومية العربية التي مثلها عبد الناصر والذي حاول من خلالها ناصر تخيير البلاد العربيه للزعامة المصرية ونجح في ذلك في العراق أيما نجاح، وبخاصة حين انتهج القوميون العنف أيديولوجية لهم ساعدهم في ذلك تنامي العقد الانتمائية العراقية الغير مدروسة للخط العربي والجهادي والاشتراكي والماركسي ولأن الغلبة عاطفية وبخاصة قضية فلسطين الذي تاجر فيها دعاة القوميه كثيرا حتى افتضح أمرهم في نكسات متناسلة عاشها المجتمع العربي, إن هذه التداعيات جرت العراق بشكل قسري لانتماء عربي على حساب انتماءاته الأخرى فدفعت القوميات الأخرى أثمان وتضحيات لا ناقة لها فيها ولاجمل, إن هذا العنف المتصاعد سلم السلطة في العراق إلى أقسى دكتاتور عرفه التاريخ ألا وهو صدام حسين الذي كان مطية بحق للامتدادات الفاشية العربية, فمنذ أن أعتمده الحزب كأداة تصفية لمعارضيه لم يخطر ببالهم بأن الأبضاي سيكون يوما في قمه السلطة التي آلت إليهم بالدم والحديد, حتى أنه احتكر الحزب في ذاته وهذا ما دفع الإمتدادات الإقليمية والدولية إلى الإستفادة من وجوده في قمة السلطة لتصفية حساباتها وبثمن بخس، ألا وهو تضخيم عوامل النقص في ذات هذا الدكتاتور ونعته بأنه القائد الضرورة وقائد الأمة العربية حتى ألقى بشعبه في أتون حروب وحصار دولي وتشرذم هوية ولاجئين لاحصر ولا عدد لهم, إن أيديولوجيات التغيير وانتماءاته زادت من تمسك الفرد بأقليته المضطهدة وطائفتة وقوميتة على حساب امتداده الوطني, وشهد مرحلة صدام حسين كأسوأ مرحلة عاشها العراق كإنتماء أوهوية تعبير وجر البلد إلى انسلاخ عن حتى جغرافيته الولادية فضلا عن وجوديته الوطنية.

المرحلة الراهنة

تأتي مرحله التغيير الجديد في العراق والذي أحدثت إشكالية حتى في تسميته بين التحرير من نظام صدام أو الإحتلال الأمريكي للعراق، ومهما كانت التسمية فإنها جاءت متطابقة مع إشكالية الفهم العراقي للتغيير الواقعي الذي شهده ولعل الأستاذ العادلي أشار إلى تساءل مهم آبان التغيير هو (هل أن الأمريكان بعد احتلال العراق أسقطوا دولة أم أنهم أعلنوا عن نهاية دولة ساقطة)، وهو سؤال في غاية الأهمية فلم تكن هناك دولة في زمن صدام وإذا كان هناك من خطوط عامة لشكلية إدارية فإن ذلك يعني ديكورا أو قناعا يختفي وراءه الوجه البشع، فالدستور مستباح بالدستور فأعضاء مجلس قيادة الثورة أتوا من كوكب آخر، وهم مجموعة من حثالات لايختلف في تشخيصهم أي عراقي عانى من جور تخلفهم وانحطاطهم حين أسلموا الدولة إلى أهواء شخصية وليس أدل من قول إبن الطاغية عدي في أحاديثه أن القانون (وركه ..انشكله بكيفنه) إن ذلك يعطيك خلاصة لدولة ميتة أعلن لها الأمريكان شهادة وفاة في 9-4-2003 ليخرج المارد المحتبس في داخل كل عراقي أعياه التعبيرعن فرحته بنهاية الطاغية، لكنه انطلق من ذات الآليات الموروثة فراح يجاهر بانتماءاته التي يطلب ان يحفظها له الوطن دون أن يكون انطلاقة من الوطن باعتباره هو، لقد حمّل كل عراقي غيره في مأساته، فراح يفتح جراحه على أنها الأكثر إيلاما وعلى الوطن أن يعالجه واذا تعذر فهو منه براء, وعند الانشغال بتسلسل العتاب الداخلي بين المواطن والوطن تسللت قوة لها ايديولوجياتها ولها استراتيجيتها وعاد العراق للبحث من جديد عن هويته وبخاصة أن القادمون قرروا أن يحرقوا كل شيء, فراح العراقيون يحترقون ويدفعون فاتورات على امتداد حسابها كانوا ضحاياها, إن محاولة بناء المواطنة لا يأتي عبر تقديم قوائم حساب، إنها تأتي عبر انتماء وتعايش سلمي حقيقي يؤمن بالآخر مع اختلاف مشاربه فالمساحة الجغرافيه هي اتساع معنوي يتبلورخلاله الوطن ذاته وماهيته أما ما يطرح سياسيا بعد التغيير هو ارتماء سياسي في ماضيه تجعل الوطن رديفا للمذهب أو القومية أو الإثنية التي ينتمي إليها, كما أن حسابات الفوز والخسارة لم تكن يوما عنوانا كبيرا للمواطن والوطنية, إن الوطنية العراقية بحاجة إلى تأسيس جديد يتجاوز عقد الماضي ويتمسك بصيرورة الآتي .


* إعلامي وكاتب عراقي
jawad_k2@yahoo.com

مــوقــف لــيــنــيــن من المسألة الفلسطينية

مدارات سياسية 2 تعليقات »

مساهمة في نقاش ” نداء إلي الأحزاب والقوى الماركسية العربية ”

لينين

قام بعض الكتاب مؤخرا بإعادة طرح موقف اليسار العربي عامة من القضية الفلسطينية. وفي اعتقادي أن إعادة طرح تلك المسألة بعد ستين عاما من احتلال فلسطين موضوع مازال بالغ الأهمية، ليس لأنه مجرد نبش في أوراق الماضي، لكن لأن طرح القضية يطرح كيفية التعامل ” الآن ” مع إسرائيل ركيزة الاستعمار في المنطقة، والموقف المنشود الذي ينبغي لليسار العربي أن يتخذه من تلك القضية التي شكلت حجر عثرة أمام تطور قوى اليسار بل ووقف حائلا بينها وبين الانتشار الجماهيري. ذلك أن حركة اليسار ارتبطت بتصورات ومواقف الأممية الشيوعية فيما يخص المسألة القومية عامة وما يخص مسألة فلسطين خاصة. وقد نشأ ذلك الارتباط في نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى أرضية اعتراف الاتحاد السوفيتي بدولة إسرائيل. وكان الموقف السائد عامة هو تأييد موقف ستالين النظري، وإن كان ذلك لم يستأصل ظهور مواقف استثنائية من تلك القضية برزت في مواجهة التيار العام، ومنها موقف تنظيم ” طليعة العمال والفلاحين ” المصري الذي رفض تقسيم فلسطين حينذاك. وفي السبعينات ظهر تنظيم ” العمال الشيوعي المصري ” الذي طالب الاتحاد السوفيتي بسحب اعترافه بإسرائيل ومراجعة موقفه منها. جدير بالذكر أن قوى ماركسية عديدة داخل روسيا استنكرت – بعد زوال الاتحاد السوفيتي – موقف السوفيت من إسرائيل، وأعلنت أن اعتراف ستالين بإسرائيل كان خطأ تاريخيا.

وعادة، ما يعتبر اليساريون بشكل غير واع، أو دون تنبه، أن موقف السوفيت من القضية الفلسطينية كان موقفا واحدا، لم يتعرض لتبديل. على حين أن موقف لينين من المسألة كان يختلف اختلافا جذريا عن موقف ستالين، وعن الأممية التي ظهرت بعد ذلك. ومع ذلك فإن موقف لينين لم يجد ما يكفي من التعريف به بين الأوساط اليسارية العربية وظل غائما كأنه جزء من موقف ستالين.
وأستشهد هنا بما كتبه الأستاذ نايف سلوم في مجلة الآداب البيروتية حين قال إن لينين أعرب في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عن اعتقاده بأن: ” على روسيا السوفيتية أن تتعايش ولفترة من الزمن مع بلدان أوروبا الغربية في محيط رأسمالي ” ( كأن لينين بهذه الفقرة كان ينبذ الصراع مع الرأسمالية والاستعمار ) ويقول: ” وقد أكد المؤتمر الثالث أن الأداة الثورية الكفيلة بإنجاز هذه المهمة تتمثل في الجبهة العمالية المتحدة القائمة على أساس وحدة العمل والنضال بين جميع العمال بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وعن قناعاتهم الأيديولوجية “. ثم يضيف: ” وقد طالب المؤتمر جميع الأحزاب الشيوعية بالسعي إلي إقامة مثل هذه الجبهة بغض النظر عن الخصوصية الكولونيالية والقومية لبلد من البلدان “. وينتهي أ . سلوم إلي أن: ” مثل هذه التصريحات كانت تصب الماء في طاحونة المشروع الصهيوني “.

هكذا إذن – وفقا لما طرحه أ . نايف سلوم فإن لينين طالب الأحزاب الشيوعية بإقامة جبهات عمالية بغض النظرعن القضايا القومية؟ وبداهة فإن طلبه العام هذا يمتد ليشمل بطبيعة الحال الموضوع الفلسطيني. هكذا يبدو وكأن لينين طالب بجبهة عمالية في فلسطين بغض النظر عن خصوصية المسألة القومية هناك؟ ولهذا فإن تصريحات لينين كانت تصب في مصلحة المشروع الصهيوني على حد قول الكاتب.

وبهذا الصدد لابد من القول:

أولا: إن اعتقادا شائعا يدمج دون وعي كل مراحل الثورة الروسية الشيوعية في حالة واحدة متصلة دون تمييز بين مرحلتيها: الأولى بقيادة لينين، والثانية بقيادة ستالين. وهما مرحلتان مختلفتان تماما. لقد كان ستالين هو الذي اعترف بمنطق انتهازي بالدولة الإسرائيلية، وكان ستالين هو مروج كل الأفكار التي نبتت على شجرة الطموح إلي ” الدولة العظمى “. لكن دمج المرحلتين معا، يشبه تماما أن ندمج المرحلة الناصرية ومرحلة السادات معا باعتبار أن كل ذلك هو ” ثورة يوليو ” وهل يكفي لتبيان تلك الحقيقة القول بأن مؤلفات لينين كانت تنشر طيلة العهد السوفيتي بعد خضوعها للرقابة وحذف المقالات التي لا تتماشى مع القادة السوفيت؟ وأن هذه الرقابة لم تنته عند لينين، بل امتدت لتشمل ما كتبه أدباء عظام مثل مقال الروائي العملاق فيودور دوستيوفسكي عن ” المسألة اليهودية “؟ ولعل القراء العرب قد لاحظوا في ترجمة الأعمال المختارة للينين إلي العربية ذلك القطع المفاجئ الذي تنتهي به الكثير من المقالات، والنقاط التي تفصل الفقرات عن بعضها، أما ما لم يلاحظوه فهو غياب بعض الكتابات كاملة من الأساس.
ثانيا: كان موقف لينين من القضية القومية واضحا، ليس فقط فيما يتعلق بفلسطين، فقد واجهته تلك المسألة بشدة داخل روسيا التي ضمت قوميات مختلفة بلغ عددها مئة قومية، كما واجهته تلك القضية بالنسبة للمستعمرات الروسية، وكانت رؤيته لكل ذلك تقوم على ” حق تقرير المصير “، ولن أشير هنا إلي كتبه التي تناولت المسألة، وفيها جميعا تبنى لينين الدعوة ” لبناء جبهات بغض النظر عن الخصوصية الكولونيالية والقومية لبلد من البلدان “، لكن ذلك جاء في سياق شرحه للتعصب القومي ومن ضمنه التعصب الروسي الذي ندد به كثيرا.
ثالثا: بهذا الصدد فإنني أحيل القارئ إلي كتاب روسي بعنوان ” سياستان إزاء العالم العربي ” لمؤلفه ” بونداريفسكي ” صدرعام 1975، وفيه – وهي حقائق معروفة – أن المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية ( الكومنترن ) الذي عقد في آب – أغسطس 1920 ناقش ” المسودة الأولية لقضايا المسألة القومية وقضايا المستعمرات ” التي أعدها لينين خصيصا للمؤتمر. وأن وثيقة لينين أشارت في البند الحادي عشر إلي خصائص النضال الأيديولوجي في البلدان المستعمرة والتابعة. ونوه القسم السادس من ذلك البند بضرورة: ” التوضيح والفضح الدائبين أمام أوسع جماهير الشغيلة في جميع البلدان، وخصوصا المتخلفة، للخداع الذي تمارسه الدول الإمبريالية باستمرار والتي تنشئ بحجة تأسيس دول مستقلة سياسيا دولا تابعة لها كليا من النواحي الاقتصادية والمالية والعسكرية ” (1)

وقد ناقشت اللجنة الخاصة بالمسألة القومية – تحت إشراف لينين شخصيا – هذه الوثيقة الهامة في جلستي المؤتمر العامتين الرابعة والخامسة. وطرحت في النقاش بحدة ضرورة فضح الصهيونية نظريا وتطبيقيا وخصوصا تأسيس دولة صهيونية في فلسطين تحت الحماية البريطانية. وأشارت مندوبة المؤتمر ” فرومكينا ” بوضوح إلي أن: ” السكان اليهود في فلسطين لا يشكلون أغلبية. فهنا أقلية تسعى إلي إخضاع جماهير الشغيلة التي تشكل أغلبية السكان إلي نير دول الوفاق، ويسعى الصهاينة إلي كسب أنصار لهم في جميع البلدان وهم يخدمون بدعايتهم مصالح طبقة الرأسماليين، وعلى الأممية الشيوعية أن تكافح هذه الحركة بأشد ما يكون من الحزم ” (2)

وحين قام ممثل حزب ” بوعالي – تسيون ” بطلب الكلمة في المؤتمر، بذل جهده للبرهنة على أن نضال الشعوب العربية نضال ديني لا يستهدف الاستعمار، خلافا لأهداف الصهاينة. ودعا ممثل ذلك الحزب المشبوه إلي تكوين طبقة عاملة يهودية تتزعم نضال الفلاحين العرب ضد الإقطاع والاستعمار. لكن المؤتمر اعتبر تلك الكلمة دفاعا صريحا عن الصهيونية وحرمه حق الحديث! وكان ذلك الممثل هو ” أ . كون ” الذي تسلل إلي المؤتمر بالاحتيال والإدعاء بأنه يمثل الحزب الاشتراكي الفلسطيني!
وفي 28 تموز – يوليو عام 1920 أقر مؤتمر الكومنترن الثاني في جلسته العامة الخامسة بإشراف لينين الموقف اللينيني من القضايا القومية وقضايا المستعمرات، وأضيف إلي القسم السادس من البند الحادي عشر ما نصه: ” والدليل الواضح على خداع جماهير شغيلة الأمة المضطهدة بالجهود المشتركة لإمبريالية دول الوفاق وبرجوازية هذه الأمة يتجلى في عملية الصهاينة بشأن فلسطين، كما يتجلى في الصهيونية عموما التي تقدم إلي الاستغلال البريطاني بحجة تأسيس دولة يهودية في فلسطين قربانا هو السكان العرب الكادحون في فلسطين حيث يشكل الشغيلة اليهود مجرد أقلية ضئيلة ” (3)
إن التعديلات التي جرت فيما بعد على موقف لينين الثوري كانت جزءا من عملية تراجع عام عن الثورة قام به ستالين لصالح الدولة، وهي العملية التي شملت المجال الاقتصادي حين أوقف ستالين العمل بخطة لينين ” الخطة الاقتصادية الجديدة ” التي كانت تسمح بتعايش أكثر من نمط اقتصادي داخل إطار الاشتراكية، وفي نفس السياق أجهض ستالين إلي الأبد الديمقراطية الحزبية التي كانت تسمح لأقل أعضاء الحزب شأنا بمناقشة لينين علنا واتهامه بمختلف التهم أو مجادلته بمختلف الأساليب. ونتيجة لوأد الديمقراطية استطاع ستالين أن يصفي أيضا أغلب المثقفين الروس، والثوريين، لينفرد بالحكم.ولم يكن اعتراف ستالين بدولة إسرائيل سوى امتداد لمواقفه المماثلة من القوميات غير الروسية التي تعيش في روسيا، فلم يكتف بحرمان تلك القوميات من أبسط حقوقها، بل وقام بتشتيتها وترحيلها في جماعات ضخمة داخل عربات شحن في الليل، من منطقة إلي أخرى، ومن بلد لآخر.

إن إلقاء الضوء على موقف لينين من القضية الفلسطينية لا يستهدف الدعاية لهذه الشخصية الثورية التي تركت بصماتها على القرن العشرين والتي لا تحتاج إلي دعاية، لكن التنبه للموقف الماركسي الحقيقي من تلك القضية، يساعدنا على أن ندرك بمزيد من العمق عدالة قضيتنا، وأن ندرك أيضا أن هناك مفكرين و ثوارا آخرين، كانوا يفهمون القضية على النحو الذي نفهمه نحن. ولاشك أن ذلك كله إنما يرسخ فينا شعورنا أننا كنا وما زلنا على صواب، وأننا لسنا وحدنا، ولم نكن وحدنا في تصورنا المبدئي أن فلسطين أرضنا، ولا في تصورنا أن شعوبا كثيرة عانت من فترات احتلال أطول زمنا، ومع ذلك قادها النضال إلي التحرر.

هوامش:

1- لينين – المؤلفات الكاملة بالروسية – المجلد 41 – ص 167

2- المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية – موسكو – 1934 – ص 141

3- المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية – موسكو – 1934 – ص 495

د. أحمد الخميسي . كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

غزة تفطر على مدافع الاحتلال!

مدارات سياسية لا تعليق »

في شهادة لمواطن فلسطيني من غزة يقول: “لم أشتر لأبنائي الجبن والحلاوة والمربى للسحور هذا العام لأني لا أملك ثمنها”، ويقول مواطن آخر هو (أبو إيهاب الشاعر) أب لخمسة أطفال: “تناولنا السحور اليوم على ضوء شمعة، وكنا بالكاد نرى ما نأكله، فالكهرباء مقطوعة عندنا منذ أكثر من شهرين، وكذلك الماء.” ومنذ عشرة أشهر –مع فوز حماس في الانتخابات في يناير هذا العام– وإسرائيل ومعها المجتمع الدولي بأكمله تضرب حصارًا اقتصاديًا وعسكريا على غزة، تضاعف طابعه الإجرامي مع اختطاف جندي إسرائيلي داخل غزة في 12 يونيو. وواقع الأمر أن ما تقوم به إسرائيل في غزة في ظل الصمت الدولي والعربي؛ هي جريمة حرب تقع على مرأى ومسمع من الدول الكبرى، التي يؤرقها ضميرها بشأن (دارفور)، والدافع الرئيسي لذلك الحصار هو إجبار (حماس) على الاعتراف بإسرائيل، أي الاعتراف بالاحتلال القائم لا أكثر. وقد سبق للفلسطينيين أن قدموا ذلك الاعتراف منذ اثني عشر عاما حين وقعوا اتفاق (أوسلو) في 13 سبتمبر 1993، وتبين على مدى تلك السنوات أن الاتفاقيات السياسية بالنسبة لإسرائيل هي محطات تستريح فيها لمواصلة التوسع والحروب. وقد أدى الحصار الطويل لقطاع غزة والخلافات السياسية بين الفصائل الفلسطينية، إلي اشتباكات داخلية أسفرت للمرة الأولى عن سقوط ذلك العدد الكبير من القتلى والجرحى.
وبطبيعة الحال فإن للخلاف السياسي بين فتح وحماس دوره في تلك الاشتباكات، إلا أن الدور الأول والرئيسي فيما جرى يظل للحصار البري والبحري والجوي، الإسرائيلي والمحلي، والدولي . وفي ظل ذلك الحصار لا يحصل مائة وعشرون ألف شخص على رواتبهم، وتحكم إسرائيل إغلاق المعابر والحدود التي تمر عبرها المواد الغذائية والتموينية إلى غزة، علاوة على قطع التيار الكهربائي، وإمدادات الوقود والغاز والمياه وتدمير شبكات الطرق الواصلة بين أجزاء قطاع غزة، وعزل القطاع عن الضفة الغربية، مع قصف المدافع الذي لا يهدأ ليل نهار. ونتيجة لكل ذلك ارتفعت معدلات الفقر إلي ما يزيد عن أربعين بالمئة، وأصبح سكان القطاع ويصل تعدادهم لأكثر من مليون ونصف لا يجدون فعليًا طعامًا، أو دواء، كما أن مغادرة القطاع للعلاج في الخارج أو الدراسة أصبحت أمرا مستحيلا. وحولت إسرائيل غزة إلي سجن كبير، وألقت مفتاحه بعيدا على حد تعبير أحد المعلقين. وخلال ذلك كله تواصل إسرائيل نهب المياه الجوفية من غزة عبر مضخات تسحب الماء إلي داخل إسرائيل، وأصدرت سلطات الاحتلال أوامرها بمنع الفلسطينيين من التصرف في مواردهم المائية، في الوقت الذي تواصل فيه سرقة الرمال الصفراء التي تستخدم في صناعة الزجاج وغيره، وسرقة التربة الطينية الصالحة للزراعة من أراضي غزة! وقطاع غزة الذي يتعرض لكل ذلك الحصار والتجويع والقصف اليومي لا يعدو كونه شريطًا ضيقًا طوله أربعون كيلومترا وعرضه عشرة كيلومترات فقط، ومع ذلك كانت غزة تاريخيا ومازالت تعد بوابة آسيا، ومدخل أفريقيا ، والخط الأمامي للدفاع عن فلسطين والشام، والموقع المتقدم للدفاع عن العمق المصري.
وقد انتهت إسرائيل مؤخرا من إعداد خطة لاكتساح قطاع غزة، ويقول المحلل العسكري الإسرائيلي (روني دانييل) بهذا الصدد : “إن الجيش يريد أن يستعيد كرامته التي أهدرت في لبنان، والرد على كتائب غزة.”، ويقول مراسل عسكري للتلفزيون في تل أبيب: “سنخرج من لبنان وندخل إلي غزة”، ويخلص بتلك العبارة تاريخ ودور إسرائيل في المنطقة التي تخرج من مصر لتدخل إلي سوريا، وتخرج من سوريا لتدخل لبنان، وتخرج من لبنان لتدخل غزة، دون أن تتوقف عن الحرب؛ لأن التوقف يعني أنها لم تعد موجودة .
لقد وقع (ياسر عرفات) و(اسحق رابين) إعلان المبادئ الشهير باتفاق (أوسلو) في 13 سبتمبر 1993، وفيه اعترفت منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود، كما اعترفت إسرائيل بالمنظمة ممثلا شرعيًا للشعب الفلسطيني. ونص الاتفاق على إقامة سلطة حكم ذاتي ومجلس تشريعي لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات تنتهي بالتوصل لحل دائم. فما الذي حصلنا عليه من الحل السلمي؟ ما الذي حصل عليه الشعب الفلسطيني؟.
وعلى الذين ينصحون الناس بالحل السلمي أن يقولوا لنا: كيف يمكن بالحلول السلمية وقف القصف والحصار الإسرائيلي، المحلي، الدولي، الإجرامي لمدينة صغيرة مثل غزة؟. لقد شاهد الناس كيف أن المقاومة وحدها استطاعت أن تصد العدوان على لبنان وهم يشاهدون كل يوم الآن في غزة، أن الحلول السلمية مجرد محطة تمون فيها إسرائيل دباباتها لمواصلة الحرب.

أحمد الخميسي
اكتوبر/2006

في دارفور.. الكل متهم!

مدارات سياسية لا تعليق »

حين تقول الأمم المتحدة في إحدى تقاريرها (إن أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم تظهر جلية في منطقة دارفور غرب السودان.) فهل هي حقا هكذا؟ وهل لا توجد أزمات إنسانية أخرى، وهل ما يحدث في العراق، الشيشان، فلسطين، أفغانستان، وماحدث في لبنان…ألا تعد تلك الأزمات من الأزمات الإنسانية…
ولكن هذا ليس موضوعنا، موضوعنا عن أزمة دارفور..أين الحقيقة؟ وهل يعرف الجميع ماهي أزمة دارفور؟
دارفور عبارة عن إقليم تابع للسودان يقع في غربها، يقال أنه إقليم فقير، شن بعض المتمردين به هجمات فى أواخر 2003 على أهداف حكومية بحجة أن الحكومة لا تهتم وأنها تمارس سياسة قمع ضد الأفارقة السود لحساب السكان العرب.
ومنذ تاريخ بعيد وهذه المنطقة تحدث بها نزاعات كثيرة كشأن كل البدو والقبائل في كل مكان حول الأرض والمراعي الخضراء بين البدو العرب والسكان ذات الأصول الأفريقية.
متمردي دارفور هما (الجيش الشعبي لتحرير السودان) و(حركة العدل والمساواة) التي تنتمي بحسن الترابي (المعارض الأكبر في السودان) وذلك ضد ميليشيات (الجانجاويد) المتهمة بتطهير الإقليم من السكان ذوي الأصول الأفريقية.
والأزمة هنا هو أن الحكومة تظهر في ثوب العاجز في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى تهاجم المتمردين بضراوة فتظهر وكأنها ذات صلة بميليشيات (الجانجاويد) أو تمارس نفس ما يمارسه (الجانجاويد) في القضاء على السكان الأفارقة.
والأزمة الحقيقية (وهذا ما أراه) هو تدخل الأمم المتحدة وأمريكا في الأمر وتمثيلها للعالم على أنها أزمة إنسانية كبيرة وكأن الأمم المتحدة وأمريكا قضت على كل أزمات العالم ولم يتبقى سوى التدخل في السودان، أو أن قلبهما الكبير رق فقط لسكان دارفور دون سكان العالم أجمع، أو كأن الأطفال الفلسطينيين أو أطفال العراق أو لبنان أو حتى أطفال ليبيا الذين يموتون من الإيدز أو مجاعات العالم الأخرى لا تسترعي انتباهما؟!
مورست شتى الضغوط (منها فرض عقوبات) على حكومة السودان لوقف الأزمة لكن لم يظهر حتى الآن أي بوادر لوقف تلك الأزمة.
ويقال أن (الجانجاويد) تبيد الجماعات وتغتصب النساء وتشرد الأهالي ولا تفعل الحكومة شيئ سوى المزيد من العقبات في وجه المنظمات الإنسانية وعدم الرضوخ لأي تهديد أو فرض عقوبات، والآن تريد الأمم المتحدة إرسال قوات أجنبية لمساعدة الأهالي، وهو ما ترفضه جميع الأطراف (بما فيها السودان التي تعتبر هذا انتهاكاً لأرضها) التي تحث الجميع على إعطاء السودان المزيد من الوقت لإنهاء الأزمة.
(وتقول الأمم المتحدة إن إنقاذ أرواح أكثر من مليون مشرد بسبب الأزمة يتطلب 200 مليون دولار.)
(وتقول منظمة الصحة العالمية إن حوالي 10 آلاف شخص يموتون شهريا في دارفور بسبب العنف والأمراض.)
(وتأتي تصريحات جان ايجلاند منسق إغاثة الطوارئ بالأمم المتحدة أن بين ضحايا العنف والأمراض في أزمة دارفور آلاف الأطفال تحت سن خمس سنوات.)
والمشكلة أن الجميع يتشبث برأيه فالحكومة تريد أن ينزع سلاح المتمردين مع الجانجاويد في نفس الوقت وهذا ما يرفضه الطرفان.
وتتهم الحكومة السودانية أمريكا أنها تستغل الأزمة بطريقة غير أخلاقية بسبب قرب الانتخابات الرئاسية في أمريكا، وأن الحكومة السودانية تقوم بحل الوضع أحسن مما تقوم به الولايات المتحدة في العراق، وأن أحسن الحلول لحل الأزمة هو أن يقوم الإقليم بإدارة شؤونه بنفسه (وهذا بالطبع ليس حلاً إنما كارثة)
وتتهم الحكومة السودانية كل من أمريكا وبريطانيا انهما يريدان تحويل السودان إلى عراق آخر وهذا ما ترفضه!
ماذا يقول السكان؟
(ويعترف مواطن السوداني بأن أحداً لا يعرف حقيقة ما يجري على أرض الإقليم البعيد. هناك من يقول الحكومة على حق، وهناك من يدينها مستنداً إلى تحركها المتأخر بعد التهديد الدولى بالتدخل، أما قادة التمرد فلا نعرف عنهم شيئاً، من أسمائهم إلى توجهاتهم وأفكارهم، ويتفق الجميع على أنهم بعيدون عن حقيقة ما يجري هناك.)
ويقول أحد التجار( دارفور بدأت بعد أن أوشك الجنوب على الدخول فى السلام، والسبب هو أن الغرب لا يريد أن يتحقق السلام فى البلاد، فالسودان موعود بثروات وكنوز تجعل منه مطمعاً، من الزراعة إلى الذهب والنحاس. أي دولة كانت بريطانيا تستعمرها، تركت فيها بذوراً للشر، ويسقونها الآن حتى تنبت، والسودانيين غير مهمتمين كثيراً بالقصة، ولا يتحدث هنا عن دارفور، إلا أوساط الشريحة العليا من المثقفين، لكن المواطن العادى بعيد عنها، بسبب تعتيم الإعلام المحلي، وأنا أتابعها من الإعلام الخارجي، رغم أنه يبالغ في تغطيته)
ويقول آخر(سمعت عن الأزمة من فترة كبيرة، وأعرف من والدي أنها بلد جميلة وناسها من المسلمين. لكن هناك ناساً من اليسار، ولا تسألوني ماذا تعنى الكلمة، لا يريدون السلام، وبعد أن رأوا السلام يقترب من الجنوب، أرادوا أن يفتحوا باباً جديداً للمشاكل. ليس عندهم قضية، لكن أمريكا ودولاً أخرى من الخارج تساعدهم)
وآخر كان والده في الجيش السوداني يقول (الوالد يحكي لي عن أعمال وحشية وأشياء فظيعة تحدث هناك، لكن كلها تدابير من الخارج. أما الانسان السوداني العادي فهو بعيد عن دارفور، كل واحد مشغول بنفسه.)


ومع أن هناك قوات سلام تابعة للاتحاد الافريقي إلا أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة تصر على التخطيط لإرسال قوات تابعة لها!
هناك أزمة غذاء وفقر في دارفور يموت على أثرها الكثير من السكان (هذه حقيقة ولكنها قديمة جدا أقدم من تاريخ اندلاع الأزمة) فأين كانت المنظمات الإنسانية من قبل؟ كل ما زاد هو العنف والقتل بجانب الفقر ونفاذ موارد الغذاء والخدمات الصحية، فمن لم يمت جوعاً حصدته نيران المتمردين والميليشيات والحكومة ومصالح الآخرين.
وفي النهاية هل تتحول دارفور إلى عراق آخر؟ وماهي المصلحة الحقيقية وراء تدخل الآخرين في الأزمة؟ ولما لا يتكاتف الجميع على تقديم المعونات والموارد اللازمة أثناء انشغالهم بفرض عقوبات أو قضاء الوقت في تبادل الاتهامات؟

والأحداث مازالت جارية…
رانيا أحمد

(أقوال السكان من موقع البي بي سي)


© 2007 مجلة مدارات.  جميع الحقوق محفوظة