نقد تحليلي لفيلم
“في شقة مصر الجديدة”
(إخراج محمد خان)
تقديم الكاتب / محمد زهير ناجي

فيلم “في شقة مصر الجديدة” إخراج محمد خان، إنتاج جهاز السينما، التابع للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، عام 2007 يعتبر من الأفلام المختلفة، من حيث القصة والإخراج والتصوير والإضاءة، كأنه فيلم يسبح ضد التيار ففي الوقت الذي تسيطر فيه الأفلام الكوميدية والأكشن (العنف) على سوق السينما يقدم لنا جهاز السينما هذا الفيلم، وإن كان قد قدم لنا من قبل فيلم “حب البنات”، إخراج خالد الحجر، لكن حب البنات يمتاز بأنه يجمع بين اللون العاطفي الذي أصبح نادر في هذه الأيام والكوميديا، أما فيلم “في شقة مصر الجديدة” فيغلب عليه اللون العاطفي بعيدا عن الكوميديا، وإن كان قد أضيف إليه بعد ديني أو فلسفي وهو دور القدر أو المصير في حياة الإنسان.
هناك شيء أخر يجمع بين فيلم “حب البنات” وفيلم “في شقة مصر الجديدة” وهو أن البطولة نسائية، ففي فيلم “حب البنات” البطولة كانت لليلى علوي وحنان ترك وهنا شيحة، أما في فيلم “في شقة مصر الجديدة” فالبطولة لغادة عادل، وهذا عكس ما يقوله المنتجون والمخرجون في مصر، وهو أنه لا يريد أحد أن تكون البطولة نسائية، لكن، هل لأن كاتبة القصة والسيناريو والحوار سيدة وهي وسام سليمان، وهي في الوقت نفسه زوجة المخرج محمد خان؟ أم لجمال القصة وما تقدمه من موضوع؟ في فيلم “حب البنات” الفنانة ليلى علوي هي التي سعت إلى إنتاج الفيلم وساعدها على تحقيق ذلك ممدوح الليثي مدير جهاز السينما، لكن ماذا لو كان أي من الفيلمين مقدم من شخص غير معروف أو غير مشهور على الإطلاق هل كان جهاز السينما سينتجهما؟ ربما لا يستطيع أحد الإجابة على هذا السؤال، لكن لي تجربتان مع جهاز السينما من خلال تقديم قصتي فيلم لا يختلفان من حيث النوعية وأيضا البعد الفلسفي أو الفكري، وكانا بإسم “تلك هي الحياة” و”الفرصة الثانية”، قدما في عامين مختلفين، لكن كانت النتيجة هي الرفض، المهم لن أتكلم كثيرا في هذا الموضوع ونعود مرة أخرى إلى الفيلم موضوع هذا النقد والتحليل وهو “في شقة مصر الجديدة”.

إن الفيلم ليس مقتصرا فقط على الدور النسائي من حيث البطولة أو التأليف، لكن يشمل أيضا تصميم الملابس داليا يوسف، مدير تصوير نانسي عبد الفتاح، ساعد في الإخراج نسرين الزنط ومونتاج دينا فاروق، ربما تكون تلك اللمسة النسائية من حيث القصة والصورة وإيقاع الفيلم لها التأثير على الشكل النهائي واختلاف وتميز الفيلم عن بقية الأفلام التي عرضت في السنوات الأخيرة.
ما هي قصة الفيلم؟ ببساطة، تدور قصة الفيلم حول القصة المعروفة والتي تقول أن أدم وحواء كانا شيء واحد، ثم انقسما عن بعض ليصبحا شخصان وتفرقا في الحياة ليبحث كل واحد منهما عن نصفه الأخر، وحسب ما يقوله الفيلم أن الإنسان الذي يؤمن بهذه القصة ويسعى إلى الوصول إلى نصفه الأخر، ومهما طال به الوقت، سينجح في النهاية، ليسعدا بالتئام النصفين مع بعض مرة أخرى.

فبطلة الفيلم وأسمها نجوى، وهي مدرسة موسيقى في المنيا، تحاول الوصول إلى مدرستها الأستاذة تهاني التي تسكن في القاهرة، في شقة في مصر الجديدة، لتطمئن عليها بسبب انقطاع أخبارها عنها، لكن في الحقيقة هي تحاول أن تجد لديها إجابة عن سؤالها وهو، هل وجدت نصفها الأخر الذي كانت تنتظره، وفي رحلة البحث هذه وتأجيل عودتها إلى المنيا أكثر من مرة تجد هي بنفسها الحقيقة، وإن كانت لم تعترف بها صراحة، لكن الأستاذة تهاني هي التي صرحت بالنيابة عنها من خلال خطاب وصل لها إلى المنيا، وهي في القاهرة وقرأته لها زميلتها عبر المحمول. أن تهاني في الفيلم تمثل الفكرة أو العقيدة، عقيدة الحب، وأنها لم تظهر أو على الأقل لم يعرف أبطال الفيلم أخبار عنها إلا بعد أن عرفوا ما هو الحب.

لحظة واحدة! ألم يقدم نفس هذا الموضوع من قبل في الفيلم الأمريكي “فقط أنت” (Only You) عام 1994؟ نعم، أن نفس الموضوع طرح في الفيلم الأمريكي حيث البطلة وأسمها في الفيلم (Faith) أي إيمان، وهي مدرسة أيضا لكن في اللغة اللاتينية، كانت تؤمن بالأسطورة اليونانية التي تقول أنه في الماضي كان هناك إنسان واحد لكن الآلهة غضبت عليه فشطرته نصفين وألقت بكل نصف في مكان ما في الدنيا ويظل كل نصف يبحث عن نصفه الآخر طوال الحياة حتى يجده، وقصة الفيلم تدور حول سعي البطلة إلى الوصول إلى نصفها الأخر والذي سافرت من أجله من أمريكا إلى إيطاليا، ولتقطع إيطاليا طولا وعرضا جريا ورائه حتى وجدته في النهاية، لكنه كان شخص أخر غير الذي تسعى ورائه.
أنا متأكد أن وسام سليمان قد شاهدت الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، وأنها حصلت على فكرة فيلمها منه، وإن كانت القصة مختلفة في نواحي كثيرة لكن هناك نقاط التقاء كثيرة، منها طبيعة كل من بطلتي الفيلمين من حيث أنهما عاطفيتان تسعان وراء الحب الرومانسي البعيد عن الحياة المادية الحالية، وأيضا أن مؤلف الفيلم الأمريكي امرأة أيضا، وهي “ديان درايك” (Diane Drake) والتي ألفت أيضا فيلـم “ماذا تريد النساء” (What Women Want) عام 2000، أو بمعنى أخر لقد شاهدت وسام سليمان الفيلم وأرادت أن تقدم على نفس الفكرة فيلم مصري يتكلم في نفس الموضوع من خلال وجهة النظر المصرية، طارحا أيضا بعض القضايا التي يعايشها المجتمع المصري، ومن هنا تختلف القصة عن الفيلم الأمريكي من حيث أن الفيلم ناقش فكرة النصف الأخر والمصير والقدر، مثل الفيلم المصري، ولم يتطرق كثيرا لأي مشاكل اجتماعية أمريكية كانت أو إيطالية باستثناء مشكلة صديقتها، زوجة شقيق البطلة في الوقت نفسه، مع زوجها والتي تشعر بأنه يخونها وأن هناك فتور في العلاقة بينهما، وأيضا تصرف الإيطاليين في حالة معرفتهم بحب البطلة بطريقة رومانسية كوميدية في الوقت الذي واجه الأمريكان نفس الحالة بشيء من الفتور.
يبدأ الفيلم المصري بمشهد حصة الموسيقى والأستاذة تهاني تحكي لتلميذاتها، من بينهن نجوى وهي صغيرة، عن حكاية أدم وحواء وانقسامهما إلى نصفين وسعي كل نصف في البحث عن نصفه الأخر، وأخذت ليلى مراد وأنور وجدي وأغنية “أنا قلبي دليلي” كمثل لهذه القصة، بالنسبة للفيلم الأمريكي فهو يبدأ بمشهدين سريعين يقدم فيهما نبذة عن طفولة البطلة (Faith) وأصل إيمانها بقصة نصفها الأخر، أي أن بداية الفيلمين تكون مع البطلتين من صغرهما وتوضيح أساس اقتناعهما بتلك العقيدة، وينتقل بعد ذلك الفيلم الأمريكي إلى مشهد البطلة وهي تشرح معنى كلمة القدر (Destiny) وأصلها في اللغة اللاتينية، في حصة اللغة اللاتينية، ثم تحكي للتلاميذ الأسطورة اليونانية الخاصة بانشطار الإنسان إلى نصفين وسعي كل نصف في البحث عن نصفه الأخر.
![]()
المشهد التالي في الفيلم المصري هو حضور طبيب إلى منزل نجوى من أجل خطبتها، وحضور صديقاتها لتجهيزها للقاء هذا الطبيب وإقناعها بأن توافق عليه وأن تلقي بإيمانها بما قالته لها الأستاذة تهاني في الماضي عن النصف الأخر والحب الحقيقي خلف ظهرها، وفي هذا الحوار يظهر بوضوح النظرة المجتمعية المصرية للزواج، فالزواج ليس ارتباط عاطفي بين شخصين إنما هو إجراء اجتماعي يفرض على الفرد، وهذا الفرد عليه أن يجد المبررات التي تجعله يقتنع بهذا الإجراء، أما بالنسبة للفيلم الأمريكي فنرى أن البطلة تعلن لصديقاتها خبر تقدم طبيب، لاحظ أن الاثنان أطباء، لخطبتها وأنها ليست في عجلة من أمرها بخصوص عقد القران فهي في حاجة إلى الإعداد لهذا الحدث الهام في حياة أي إنسان.
لكن يظهر في مشاهد تالية من الفيلم الأمريكي أن البطلة ليست مقتنعة تماما بهذا الزواج من حيث أسلوب معاملة الخطيب لها من ناحية وأيضا محاولة أم الخطيب، الطبيب، فرض رأيها حتى بالنسبة لفستان الزفاف من ناحية أخرى، مما يجعلها في حالة قلق وعدم رضى وأن كانت لم تعلن عن ذلك حتى أتت اللحظة، وهنا يتدخل القدر، ويتصل بها شخص يحمل نفس الأسم الذي قيل لها وهي صغيرة بأنه قدرها، أو نصفها الأخر، فتحاول اللحاق به في المطار وهي بفستان الفرح، فستان فرح والدة الطبيب وجدته أيضا، الذي كانت تجربه وهي غير مقتنعة به، لكنها لم تلحقه فتقرر السفر خلفه إلى إيطاليا، ومعها زوجة شقيقها وصديقتها الحميمة، وتلف إيطاليا طولا وعرضا جريا وراء هذا الشخص من خلال أسمه فقط!
أما في الفيلم المصري فتسافر البطلة نجوى من المنيا مع زميلاتها المدرسات وتلميذات المدرسة بالقطار لحضور احتفال مدارس الراهبات بالقاهرة، وتحاول أن تستغل هذه الفرصة لتتصل بأستاذتها تهاني فتترك الحفل وتذهب إلى مصر الجديدة، وتتأخر في العودة فيفوتها القطار المسافر إلى المنيا وتضطر إلى المبيت في القاهرة. وفي كلا الفيلمين تستمر إقامة كل واحدة من البطلتين في إيطاليا أو في القاهرة إلى ثلاثة أيام.
في الفيلمين تتعرف كل واحدة من البطلتين على شخص، يكون هو النصف الأخر الحقيقي بالنسبة للأمريكية والتي تحاول رفض ذلك طول الفيلم حتى يتركها في مطار روما ويركب طائرته مسافرا إلى مدينته هنا تعترف بحبها وتلحق به على نفس الطائرة، ويساعدها طاقم المطار الإيطالي بتغيير تذكرتها لركوب نفس طائرته، ليسافرا معا وتبدأ حياتهما كما كان مكتوب لهما في قدرهما.
لكن في الفيلم المصري لا تعترف البطلة ولا حتى البطل بأنهما يمثلان النصف الأخر لكل منهما وينتهي الفيلم في محطة مصر حيث تعود البطلة إلى بلدها المنيا وكل ما حصلت عليه من البطل هو رقم تليفون المحمول الذي ظلت تردده في ذاكرتها حتى لا تنساه لينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، ويترك للمتفرجين الفرصة في تخيل ما يمكن أن يحدث بعد ذلك.
سوف نجد تشابه أيضا بين الفيلم المصري والأمريكي من حيث فكرة الشخصية الغائبة التي تبحث عنها البطلة في كلا الفيلمين ولا تظهر إلا في النهاية لتكون السبب أو الوسيلة في تعرف كل من البطلتين على مصيرهما أو نصفهما الأخر، ففي الفيلم المصري كانت الأستاذة تهاني التي أجابت في نهاية الفيلم على تساؤل البطلة وأنارت لها الحقيقة، أما في الفيلم الأمريكي كان الرجل الذي تبحث عنه البطلة والذي تجده في المطار في النهاية، وهو كان مقدرا لها أن تراه أو كما أرادت أن تقول كاتبة الفيلم أن وجود هذا الشخص من الأهمية للبطلة، ليس لكي ترتبط به ولكن ليكون الوسيلة التي تساعدها في اعترافها بنصفها الأخر الحقيقي، وفي الفيلمين كان ما قالته الأستاذة تهاني في خطابها في نهاية الفيلم هو الوسيلة، أما بالنسبة للفيلم الأمريكي كان السؤال الذي طرحه هذا الشخص هو الوسيلة، ففي الفيلمين تكون الوسيلة سمعية من خلال كلام وليس من خلال فعل مرئي.
قد تكون نقاط الالتقاء في الفيلمين فيها اختلافات، لكن توقيت الأحداث المتشابهة في الفيلمين تكاد تكون في نفس التوقيت، وأيضا لها نفس التأثير والدور في الفيلمين، ماذا إذا عن نقاط الخلاف بينهما؟ أولا ظهور البطل في الفيلم المصري منذ البداية وإعطاء صورة كاملة عن حياته وأسلوبها وعلاقته، الجنسية، مع زميلته في العمل، داليا، ورؤيته للحياة وللحب وللزواج، ولقاء البطلة بالبطل في شقة مصر الجديدة التي كان من المفروض أن تكون للأستاذة تهاني حيث قام بتأجيرها البطل بعد اختفاء تهاني لشهور عديدة، أما في الفيلم الأمريكي لم يظهر البطل إلا بعد مرور أكثر من ثلث مدة الفيلم وسفر البطلة إلى إيطاليا لتقابله بالصدفة هناك في أحد الميادين المزدحمة، أيضا وقوع بطل الفيلم الأمريكي في حب البطلة من أول نظرة ومحاولته المستمرة في إقناعها بحبها له وتركها هذا الهوس وراء أسم لا تعرف عن صاحبه شيء، دون إعطاء خلفية كاملة عن حياة البطل ولا نكتشف أي تفاصيل عن حياته إلا القليل الذي يظهر لنا من خلال الأحداث. قد يكون السبب وراء ظهور البطل المصري منذ البداية هو نفس السبب الذي ذكرته في البداية، الخوف من البطولة النسائية المطلقة، لكن الحقيقة هي محاولة استغلال الكاتبة وسام سليمان لكل الشخصيات في الفيلم ولكل الأحداث لإعطاء بعد اجتماعي، وطرح بعض القضايا الخاصة بنظرة المجتمع لعلاقة الرجل بالمرأة والحب والزواج، والفرق بين المجتمع في الأقاليم خصوصا الصعيد والمجتمع القاهري، وأيضا الحياة المادية وتأثيرها على الناس، فلقد قدم الفيلم أمثلة عن نظرة المجتمع للزواج، لا نجد الحب واحد منهم، فنرى أن تشعر المرأة بالدفء في الشتاء في حضن رجل أو لتحصل على لقب زوجة بدلا من آنسة، أو لتلد طفلان يصيبوها بالجنون، وبالنسبة للأطفال نجد أن وسام أظهرت وبقوة أن الزواج في مصر مرتبط بولادة الأطفال، أو هو وسيلة أو أداة تسعى إليها المرأة المصرية لتحقيق ذلك، أي لتحقيق غريزة الأمومة لديها، وهذا واضح في تغير نظرة داليا التي كانت تدعي بأنها متحررة وأنها ترى أن الزواج نظام يقوم على النفاق، لكن هذه النظرة تغيرت تماما عندما أخبرها الطبيب بأنها تقدر على الولادة فسعت على الفور إلى طرح فكرة الزواج من البطل “يحيى”، رامية خلف ظهرها كل ما كانت تقوله من قبل عن رفضها للزواج، ونفس الشيء عندما حملت نجوى الطفل حديث الولادة في دورة مياه النساء بمحطة مصر وهي تنظر له بكل حب وسعادة كأنه طفلها، هنا تظهر وسام سليمان أن فكر المرأة في مصر فكر أمومي، وكل ما له صلة بالحب والزواج إنما هو وسيلة للوصول إلى الأمومة. لكن بالنسبة للفيلم الأمريكي لم تكن الأمومة لها دور من قريب أو بعيد في الفيلم، إنما الفيلم عبارة عن البحث عن الحب فقط، أي أنه هو الهدف في حد ذاته وليس وسيلة لتحقيق أهداف أخرى مثل الأمومة أو الأبوة، حتى شكوى صديقة البطلة من زوجها ليس بسبب أبناء أو مال، مثلما يحدث في الوقت الحاضر في مصر، لكن بسبب فتور عاطفته تجاهها، أن الفيلم الأمريكي فيلم عاطفي خالص يبحث عن الحب في أي مكان دون أن تكون هناك أهداف مادية أو اجتماعية ورائه، وهذا هو أيضا رأي الأستاذة تهاني من خلال كلامها في نهاية الفيلم عن الحب المجرد الخالي من أي أهداف أخرى غير السعادة في تواجد النصف الأخر.
قدم لنا الفيلم الأمريكي مشاهد في غاية الروعة عن الطبيعة الخلابة في إيطاليا، كأنه فيلم سياحي عنها، في المقابل لقطات قاتمة رمادية اللون مليئة بالغيوم والأمطار عن أمريكا، لكن الفيلم المصري لم يقدم لنا أي شيء عن القاهرة، أو كأنه يريد أن يقول أن القاهرة خلت تماما من كل معالمها الطبيعية، حتى النيل لم يحظى بأي اهتمام، والملاحظ هو العكس، فالكلام كله يتكلم عن مظاهر مادية غائبة أو حاضرة أو مرئية، مثل الحديث عن ميدان رمسيس واختفاء التمثال أو الحديث عن وسط البلد، ومشهد النيل ليلا ولا نرى إلا أضواء المطاعم العائمة فقط، وكل ما نشاهده هو مباني أو شوارع أو قطارات أو ما شابه ذلك، حتى في المنيا لم يقدم لنا أي شيء عن طبيعة البلد، وصورة الكورنيش هناك باهتة لا تقدم أي شيء عن الطبيعة، يبدو أنه لم يكن في اهتمام المخرج أي شيء له صلة بالطبيعة.
بالنسبة لبطل الفيلم “يحيى” فلقد قدمه الفيلم على أنه موظف بإحدى الشركات العاملة في البورصة، أما في الفيلم الأمريكي فالبطل يعمل في إحدى الشركات الكبرى المتخصصة في صنع الأحذية النسائية، بمناسبة الحديث عن البورصة، ففي الفيلم المصري نرى أن يحيى يتعرض لمشكلة بسبب تأخره عن بيع أسهم إحدى الشركات مما يؤدي إلى هبوط أسعار تلك الأسهم وتعرض يحيى لخطر الفصل من العمل بسبب هذا الفشل، لكن تحدث معجزة في اليوم التالي بحيث ترتفع أسعار تلك الأسهم بشكل مفاجئ ليتحول يحيى من موظف مهدد بالفصل إلى بطل في نظر رؤسائه وأيضا يحصل على مكافأة، هذا لم يحدث في الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، وكما قلت لم يتطرق الفيلم إلا للقليل من التفاصيل الخاصة بحياة بطل الفيلم، لكن هذا حدث في فيلم أمريكي أخر!!!!
في الفيلم الأمريكي “من غابة إلى غابة” (Jungle 2 Jungle) عام 1996، كان البطل عاملا في إحدى الشركات العاملة في البورصة، ولقد تعرض لنفس المشكلة وهي عدم بيعه لأسهم في الوقت المناسب قبل هبوط أسعارها مما عرضه لمشكلة مع رئيسه في العمل والتهديد بالفصل، لكن الأسعار تعود إلى الارتفاع مرة أخرى بشكل مفاجئ فتتحول الخسارة إلى مكسب ويتحول بطل الفيلم من موظف فاشل إلى بطل، بالمناسبة كل من الفيلمين الأمريكيين “فقط أنت” و”من غابة إلى غابة” عرضا بالتليفزيون المصري أكثر من مرة، وبما أننا نتكلم عن أفكار أخذت من أفلام أخرى فيجب أن نقول أن الفيلم الأمريكي “من غابة إلى غابة” أخذ بالكامل، وليست فكرته، حتى أسماء عدد من أبطاله من فيلم فرنسي يحمل أسم “هندي في البلد” (Un indien dans la ville) عام 1994، وترجم أسم الفيلم الفرنسي إلى الإنجليزية بأسم “هندي صغير ومدينة كبيرة” (Little Indian, Big City)، لسنا نحن فقط المصريين الذين ننقل من أفلام أجنبية، فالأمريكان أنفسهم ينقلون من أفلام أخرى قصص أفلامهم وأفكارها.
نبدأ الآن في تحليل فيلم “في شقة مصر الجديدة” من الناحية الفنية، يمتاز الفيلم بنعومة رقيقة في أسلوب التصوير والإيقاع والإضاءة، لا ننسى أن خلف هذا كله نساء في مجال إدارة التصوير والمونتاج، وإن كانت الإضاءة في الشقة بمصر الجديدة قد أعطت شيء من الغموض والرهبة، لكن هذا الغموض سببه حالة تفكير البطل يحيى من أن تكون الشقة مسكونة بالعفاريت أو بروح الأستاذة تهاني التي تريد طرده منها، ولقد ساعد على هذا أيضا صوت الغناء الغامض الذي كان يسمعه كل ليلة في منور العمارة ومصدره شقة مغلقة بالقفل، لكن هذا كله تغير قبل نهاية الفيلم عندما أكتشف البطل أن الغناء مصدره عامل نقاشة يأتي ليلا ليقوم بدهان الشقة المغلقة، واكتشاف البطل لهذا لم يكن إلا بتغير تفكيره للحياة وللحب وللأستاذة تهاني ولنجوى، البطلة، أي أن اكتشافه لسر العمارة لم يكن إلا اكتشافه لنفسه، وهنا نرى أن الشقة التي أكتشف فيها النقاش مدهونة باللون الأبيض، والنقاش يضيء الحجرة التي يدهنها بمصباح واحد، وهذا المصباح يعبر أيضا عن ضوء المعرفة الذي أضاء للبطل الحقيقة، وفي الوقت نفسه نسمع صوت النقاش وهو يغني بوضوح، بعكس في البداية كان غير واضح، حتى في منور العمارة ويشاركه البطل في الغناء.
اللون الأبيض، أو الضوء الأبيض، كان له دور في أحداث الفيلم معبرا عن حالة الوضوح أو وضوح الرؤيا لدى أي من بطلي الفيلم أو كلاهما، فمثلا في مشهد المطعم، في الليلة الأخيرة في القاهرة، نرى الضوء الساقط على غطاء المائدة الأبيض الذي يعكس الضوء على وجهي البطلين لينيرهما بضوء وهاج معبرا عن وضوح رؤيتهما حيث يكتشف البطل جمال وشخصية البطلة، والبطلة بدورها تكتشف حقيقتها وحقيقة مشاعرها، تجاه البطل، وإن كان حديث صديقتها معها من خلال المحمول عن ما قالته لهما الأستاذة تهاني في الماضي والذي تحقق مع صديقتها قد أعطى لها تلك الفكرة، قبل الذهاب إلى المطعم، وهي واقفة تنظر للبطل وهو منتظرها على دراجته البخارية.
أيضا اللون الأبيض على حوائط أستوديو الإذاعة، والتليفون الأبيض والمائدة البيضاء، وهنا نجح المخرج في تصوير حالة انفتاح البطل والكشف عن ما في داخله للمذيعة التي تقدم برنامج همسـات حائرة، وتتكلـم عن
الحب الأول، بحيث نرى ظهوره التدريجي من خلف الحائط الأبيض حتى يشمل كادر الصورة كاملا، لكن اكتشافه للحقيقة وبوحه بها واعترافه بنظرته الحقيقية للحب جعله بدلا من الشعور بالتحرر من قيوده ينغلق على نفسه مرة أخرى ويرفض الاستمرار في الحديث مع المذيعة فنرى انغلاق الحائط عليه مرة أخرى لكن هذا الحائط يتحول تدريجيا إلى النصف الأخر أو البطلة، أي أن الانغلاق الواضح أمامنا ليس انغلاقا حقيقيا كما كان في الماضي لكنه إظهار للحقيقة التي يرفض البطل البوح بها، وهو حبه للبطلة والذي لمح لهذه الحقيقة صديقه المذيع، والذي رفضها بدوره البطل.
هناك تصوير نفسي للبطلة أظهره الفيلم في مراحل مختلفة من أحداثه تعبر عن القيود، في المجتمع المصري أو الشرقي بشكل عام والمجتمع الصعيدي بشكل خاص، التي تقيد البطلة، ثم تحررها التدريجي منها، البداية تكون بقضبان النافذة في المدرسة والتي تشبه قضبان السجن التي تحبس البطلة من صغرها عن العالم الخارجي، ثم أيضا الإيشارب الذي تضعه فوق رأسها، وهي تاركة منزلها للسفر إلى القاهرة، وتربطه حول رقبتها كأنه حبل المشنقة الذي تشنق به نفسها، ثم خلع هذا الإيشارب وجعله يتطاير مع هواء القطار، هنا يظهر رغبة البطلة في التحرر لكنها لا تجرؤ على ذلك فتتخيل تحررها المؤقت من خلال تطاير الإيشارب من شباك القطار، لكن القدر يلعب لعبته ليطير الإيشارب من يدها ليعود في اتجاه معاكس مع القطار إلى الخلف، من ناحية، ومن ناحية أخرى في اتجاه مدينتها المنيا في الوقت الذي تنطلق البطلة فيه بسرعة داخل القطار إلى الأمام، إلى القاهرة، أيضا عندما يكشف البطل في المطعم عن جمال البطلة وشخصيتها، تحاول الهروب من هذا الكلام وتذهب إلى دورة المياه، لكن هروبها هذا لم يكن إلا سعيها لتنفرد بنفسها لترى من خلال المرآة ما قاله لها البطل، وتقوم بفك شعرها وإن كانت تراجعت بسرعة عن هذا ولمت شعرها مرة أخرى، لكن في نهاية الفيلم وبعد اكتشافها لحبها الحقيقي تجاه البطل وركوبها خلفه الدراجة البخارية لم تتردد لحظة في فك شعرها ليتطاير مع هواء الدراجة السريعة فلقد تحررت تماما، وإن كانت لم تعلن صراحة حبها للبطل.
في الفيلم أيضا هناك تلميح واضح للحرية المطلقة التي تعطى للرجل والتقيد الشديد الذي تتعرض له المرأة في المجتمع المصري أو الشرقي بشكل عام، وهو حديث البطل عن سفره بالدراجة البخارية لمشاهدة مصر كلها، في الوقت الذي لم تستطع البطلة الخروج من المنيا طول حياتها.
أيضا تصوير لحالة التزمت والتعصب الديني الذي يؤدي إلى تقييد حياة البنات، ومنعهن من أبسط حقوقهن في الحياة، وهذا التزمت أو التعصب ليس مقصورا على دين بعينه كما يظن البعض لكنه في كل الأديان ويتضح هذا بمنتهى الوضوح في مشهد المدرسة وهي تحكي لتلميذاتها عن قصة ليلى مراد وأنور وجدي، فنرى الراهبة والمدرسة المحجبة يشاهدن هذا وهن غير راضيات، فنرى الاثنتان ملتصقتان معا كأنهن شيء واحد، تعبير عن توحد الرؤية والفكر، وتواجدهن في طرف واحد من الباب الزجاجي وخلو الطرف الأخر من أي شخص، كأنه لا يوجد طرف أخر مواجه لهما ليحدث شيء من التعادل في هذا المجتمع المتزمت، ويأتي المشهد التالي ليؤكد هذا، وهو مشهد طرد الأستاذة تهاني من المدرسة حيث نرى الراهبة هي التي تطرد المدرسة وتقف المدرسة المحجبة شاهدة على هذا الطرد في نفس جهة الراهبة، وتوجد في هذا المشهد، في الجهة المعاكسة للراهبة والمحجبة، مدرسة سافرة، تعبيرا عن الخروج عن هذا التزمت، لكن دورها لم يكن دفاعا عن المدرسة تهاني لكن كان عبارة عن تربيت على كتفها كأنها تقول لها “معلش”، أي أن دورها سلبي هنا وليس فعالا، لذلك لم تظهر في الطرف الأخر من الباب الزجاجي في مواجهة الراهبة والمحجبة، وظهرت فقط عند إصدار قرا الطرد للتخفيف عن وطأة هذا القرار على الأستاذة تهاني.
هذه الصورة للبطلة نجوى بعد أن فاتها القطار في أول يوم لها بالقاهرة لتجد نفسها وحيدة في هذه المدينة، لقد كان المعنى في غاية الوضوح وبشكل مباشر، حيث يختفي القطار المسافر بالتدريج لتظهر نجوى واقفة حزينة بمفردها على رصيف المحطة بجوار لافتة كبيرة مكتوب عليها القاهرة، قد يستخدم هذا الأسلوب في بعض الأفلام الكوميدية لإعطاء لمحة فكاهية للفيلم، لكن هنا كان توضيحي، كأن يقول اللي لم يفهم عليه أن يفهم الآن.
ونفس الشيء حدث في المشهد الذي تواجه فيه داليا البطل يحيى في ممر ضيق مظلم لتعلن فيه غضبها عن غلق يحيى لتليفونه المحمول أمام مكالمتها، وتريد أن تعرف إذا كان يريد الهروب منها، ففي نفس اللقطة يظهر فوق داليا لافتة معبرة عن الهروب في ساعة الخطر وهي إشارة للبطل أن يهرب بجلده من هذا المأزق وهذا ما حدث بالضبط، وعندما يهرب تبتعد الكاميرا قليلا عن داليا لتظهر طفاية حريق بجوارها كأنها تقول لها ممكن استخدامها لإطفاء نار الغضب التي اشتعلت بداخلها.
هناك مثل قديم يقول، ألا ننشر غسيلنا القذر حتى لا يعرف الأغراب عيوبنا ونقاط ضعفنا، لكن هنا تقوم نجوى وصاحبة بيت المغتربات بالكشف عن ما في داخلهما من أحاسيس ونظرتهما للحب وللزواج، وهما ينشران غسيلا نظيفا ويقطر ماءا نقيا على رؤوسنا نحن المشاهدين، كأن المخرج يسعى إلى أن تصل تلك القطرات إلى عقولنا لتنظفها من كل ما بداخلها من أفكار قذرة ومتخلفة!
لقد سعى فناني الفيلم إلى وضع مشاهد متتالية تكمل أو تناقض بعضها، مثل ركوب يحيى بطل الفيلم الدراجة البخارية ثم يأتي المشهد التالي للبطلة نجوى راكبة عربة حنطور في المنيا، أيضا صعود نجوى إلى منزلها بواسطة السلالم لعدم وجود مصعد ثم ننتقل إلى المصعد الصاعد إلى شقة يحيى، الأستاذة تهاني في الأصل، بمصر الجديدة، ثم انفجار المصباح الكهربائي بشقة يحيى مما يؤدي إلى انقطاع النور لديه، لنجد نجوى تضيء على الفور شمعة لتضيء حجرتها التي أنقطع عنها الكهرباء لكن النور يعود مرة أخرى لبيتها فتطفئ الشمعة.
أيضا هناك مشهد موضح عن مدى تناقض الوضع القائم بين يحيى وداليا، عشيقته وزميلته في العمل أيضا، بعد أن قررت أن تغير من طريقة تفكيرها وتسعى إلى الزواج منه من أجل أن تلد طفلا، أو كما قال أنها صفقة، فلقد ظهرا في البداية نائمان في فراش واحد لكن كل واحد منهما ينظر في اتجاه معاكس للأخر وعندما جلسا على نفس الفراش كان كل واحد منهما في جهة مختلفة عن الأخر، أي لم يعدا كما كان في الماضي مقتربان من حيث العلاقة والفكر والرؤية.
في هذه اللقطة يظهر البطل يحيى راكبا دراجته البخارية وواقف بجوار مايكرو باص عند إشارة المرور الحمراء، في الوقت الذي نسمع فيه صوت الراديو في المايكرو باص يعلن عن إهداء نجوى للأستاذة تهاني أغنية “أنا قلبي دليلي”، لكنه لم يسمع هذا لأنه مشغول بما لديه من مشاغل في الحياة وواضح هذا على وجهه، وعندما يتحول الضوء إلى الأخضر ينطلق بمفرده في الطريق تاركا المايكرو باص والأغنية خلفه عند الإشارة.
لقد لعبت الأغاني التي وضعت بعناية في الفيلم دورا هاما في عملية توضيح الأحداث والحالات النفسية لأبطاله، حيث تم اختيار تلك الأغاني بدقة، والموسيقى التصويرية أيضا والتي وضعها تامر كروان كانت معبرة عن الفيلم وعن موضوعه، بالمناسبة كانت لي علاقة شخصية بتامر كروان، حيث كنا نلعب معا في الماضي في فريق موسيقي واحد ولقد تدرب معي في منزلي عدة مرات، ولقد سافر لدراسة الموسيقى في إنجلترا ولقد شاهدته مرة واحدة بعد عودته في أحد المطاعم، وكان هذا قبل دخوله في مجال تأليف موسيقى الأفلام، وأنني سعيد لهذا النجاح والتقدم الذي أحرزه في هذا المجال.
في الفيلم مشاهد كثيرة نرى فيها مرور كل من بطلي الفيلم بجوار بعضهما البعض أو في نفس الاتجاه لكن لا يرى أي منهما الآخر، وهذا لأن القدر لم يكتب لهما ذلك، لكن عندما أتت اللحظة لكي تظهر الحقيقة ويسعى قدرهما إلى أن يلتقيا في الطريق، يجد يحيى نجوى وهي راكبة التاكسي فيلحق بها، والقدر هنا كان ممثلا في كلام الأستاذة تهاني، من خلال خطابها، التي كانت تتكلم عن تعرفها أخيرا على نصفها الأخر وحبها الحقيقي، حتى بعد طول انتظار، لتسافر معه في رحلة جميلة مليئة بالحب والسعادة، هنا فقط يظهر يحيى راكبا دراجته من نافذة التاكسي الذي تركبه نجوي محاولا لفت نظرها له لتراه، وعندما تتكلم تهاني عن البهجة التي تبحث عنا ترى نجوى يحيى مبتسما لها من النافذة فتفرح برؤيته.
في المشهد الأخير عند محطة مصر، يظهر القطار في الكادر مع صوت زغاريد، وعلامة الدرجة الثانية، وهي هنا باللغة اللاتينية، حيث نرى خطين أبيضين مستقيمين متساويين في الطول والحجم داخل دائرة سوداء، أليس هذا هو نفسه تلك الأسطورة اليونانية في الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، والتي تقول أن الإنسان في الماضي كان كائن واحد ثم أنقسم إلى نصفين متساويين؟ المهم أن ما حدث بعد ذلك كان مفاجأة حيث كان من المنتظر ظهور البطل والبطلة لكن الذي ظهر هو عريس وعروسه يحاولان اللحاق بالقطار، وتلك الزغاريد كانت لهما، أي أن هذه رسالة تريد أن تقول أن جري نجوى ويحيى من أجل اللحاق بالقطار هو في الوقت نفسه سعيا إلى الزواج، أو أن مصيرهما سيكون هو نفس مصير الزوجين، خصوصا عندما ظهر الزوجان يجريان على رصيف المحطة ومن خلفهما وبنفس الطريقة يجري يحيى ونجوى.

هناك نقاط كثيرة يمكن الكلام عنها موجودة بالفيلم، مثل دور عم عيد ميلاد سائق التاكسي، حيث أن أسمه يمثل عيد ميلاد للبطلة أي مولدها من جديد في القاهرة، وكان في الوقت نفسه أشبه ما يكون بالملاك الحارس، وأيضا دور الأستاذ شفيق صاحب العمارة بمصر الجديدة، والذي رفض أن يتخلص من محتويات شقة الأستاذة تهاني لإيمانه بأنها مازالت حية وسوف تعود لأخذ ممتلكاتها، وهو يعبر هنا عن إيمانه بوجود الحب وعدم موته من حياتنا، بالرغم من يأسه من الزواج بتهاني وزواجه من أخرى لكن حبه لها وإيمانه بوجودها حية لم يتوقف، وأيضا دور صاحبة بيت المغتربات والتي بالرغم من زواجها وطلاقها مرتين إلا أنها مازالت تؤمن بالحب والسعادة في الحياة، أيضا رضوى إحدى الطالبات بالمسكن والتي حاولت الانتحار بسبب فشلها في قصة حبها لكنها في النهاية تتزوج حبيبها، وأيضا المدرسان اللذان يحملان نفس الأسم “بهاء” لكنهما يختلفان في الشكل وفي الشخصية، وإن كانا يجتمعان في معرفتهما للأستاذة تهاني وإن كان اهتمامهما بها متفاوت بينهما.
هناك لقطات لم يكن على المخرج محمد خان أن يأخذها لأنها أضعفت من صورة الفيلم:
مثل التركيز على يدي نجوى وهي تعزف على البيانو فلقد أظهر عدم معرفتها بالعزف وهي مفروض أنها مدرسة موسيقى تعلم التلميذات من خلال عزفها على البيانو، أيضا مشهد صالة البلياردو حيث نرى داليا تأخذ عصى اللعب وتلعب لكنها في الحقيقة لا تفقه شيء عن البلياردو حيث تدفع الكرة بطريقة سيئة في أي اتجاه، واللقطتان بهذه الطريقة ليستا ذات أهمية وكان يمكن للمخرج محمد خان أن يصور نفس تلك اللقطات بمستوى أعلى دون ظهور يدي نجوى وهي تعزف، ودون ظهور طاولة البلياردو فلا تظهر الكرة البيضاء وهي تتحرك بشكل مضحك على الطاولة.
أيضا تجمع الفتيات على مائدة الطعام لتناول طعام الإفطار حيث نرى واحدة رابطة رأسها لأنها قد غسلت شعرها وأخرى رابطة رأسها لأنها لفت شعرها، لكن هناك واحدة مرتدية حجاب! لماذا؟ وكل من هو موجود في المنزل كله من النساء.
في تلك الصفحات حاولت تقديم بعض النقاط التحليلية والنقدية لفيلم “في شقة مصر الجديدة” إخراج محمد خان وإنتاج جهاز السينما وبطولة كل من غادة عادل وخالد أبو النجا، موضحا أهم النقاط القوية، في نظري، بالنسبة لهذا الفيلم من حيث القصة والإخراج والتصوير والإضاءة والموسيقى والحوار، وأيضا نقاط الضعف به، أيضا موضحا أن فكرة الفيلم في الأصل مأخوذة من فيلم أخر أمريكي، ومدى تقارب وتباعد الفيلمان عن بعض، بالإضافة إلى فكرة أخرى مأخوذة من فيلم أخر، أمريكي أيضا، الذي أخذت قصته بالكامل من فيلم فرنسي أخر، كأننا نلف وندور في خطوط ملتوية ومتداخلة لكنها موصلة لبعض كما قيل في الفيلم الأمريكي “فقط أنت” عندما ظلت البطلة وصديقتها يلفان لمدة ساعة في نفس المكان فقالت لها صديقتها التي تنظر إلى الخريطة التي في يدها أنهما يلفان في حلقة مغلقة (Looping)، ولقد أعجبتني تلك اللقطة التي تعبر عن الفوضى الإيطالية وأيضا التي نرى مثيل لها هنا في مصر، لتكون أخر ما أقدمه في هذا النقد التحليلي.


















