نقد تحليلي لفيلم “في شقة مصر الجديدة”

مدارات سينمائية لا تعليق »

نقد تحليلي لفيلم
“في شقة مصر الجديدة”
(إخراج محمد خان)

تقديم الكاتب / محمد زهير ناجي

فيلم “في شقة مصر الجديدة” إخراج محمد خان، إنتاج جهاز السينما، التابع للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، عام 2007 يعتبر من الأفلام المختلفة، من حيث القصة والإخراج والتصوير والإضاءة، كأنه فيلم يسبح ضد التيار ففي الوقت الذي تسيطر فيه الأفلام الكوميدية والأكشن (العنف) على سوق السينما يقدم لنا جهاز السينما هذا الفيلم، وإن كان قد قدم لنا من قبل فيلم “حب البنات”، إخراج خالد الحجر، لكن حب البنات يمتاز بأنه يجمع بين اللون العاطفي الذي أصبح نادر في هذه الأيام والكوميديا، أما فيلم “في شقة مصر الجديدة” فيغلب عليه اللون العاطفي بعيدا عن الكوميديا، وإن كان قد أضيف إليه بعد ديني أو فلسفي وهو دور القدر أو المصير في حياة الإنسان.
هناك شيء أخر يجمع بين فيلم “حب البنات” وفيلم “في شقة مصر الجديدة” وهو أن البطولة نسائية، ففي فيلم “حب البنات” البطولة كانت لليلى علوي وحنان ترك وهنا شيحة، أما في فيلم “في شقة مصر الجديدة” فالبطولة لغادة عادل، وهذا عكس ما يقوله المنتجون والمخرجون في مصر، وهو أنه لا يريد أحد أن تكون البطولة نسائية، لكن، هل لأن كاتبة القصة والسيناريو والحوار سيدة وهي وسام سليمان، وهي في الوقت نفسه زوجة المخرج محمد خان؟ أم لجمال القصة وما تقدمه من موضوع؟ في فيلم “حب البنات” الفنانة ليلى علوي هي التي سعت إلى إنتاج الفيلم وساعدها على تحقيق ذلك ممدوح الليثي مدير جهاز السينما، لكن ماذا لو كان أي من الفيلمين مقدم من شخص غير معروف أو غير مشهور على الإطلاق هل كان جهاز السينما سينتجهما؟ ربما لا يستطيع أحد الإجابة على هذا السؤال، لكن لي تجربتان مع جهاز السينما من خلال تقديم قصتي فيلم لا يختلفان من حيث النوعية وأيضا البعد الفلسفي أو الفكري، وكانا بإسم “تلك هي الحياة” و”الفرصة الثانية”، قدما في عامين مختلفين، لكن كانت النتيجة هي الرفض، المهم لن أتكلم كثيرا في هذا الموضوع ونعود مرة أخرى إلى الفيلم موضوع هذا النقد والتحليل وهو “في شقة مصر الجديدة”.

إن الفيلم ليس مقتصرا فقط على الدور النسائي من حيث البطولة أو التأليف، لكن يشمل أيضا تصميم الملابس داليا يوسف، مدير تصوير نانسي عبد الفتاح، ساعد في الإخراج نسرين الزنط ومونتاج دينا فاروق، ربما تكون تلك اللمسة النسائية من حيث القصة والصورة وإيقاع الفيلم لها التأثير على الشكل النهائي واختلاف وتميز الفيلم عن بقية الأفلام التي عرضت في السنوات الأخيرة.

ما هي قصة الفيلم؟ ببساطة، تدور قصة الفيلم حول القصة المعروفة والتي تقول أن أدم وحواء كانا شيء واحد، ثم انقسما عن بعض ليصبحا شخصان وتفرقا في الحياة ليبحث كل واحد منهما عن نصفه الأخر، وحسب ما يقوله الفيلم أن الإنسان الذي يؤمن بهذه القصة ويسعى إلى الوصول إلى نصفه الأخر، ومهما طال به الوقت، سينجح في النهاية، ليسعدا بالتئام النصفين مع بعض مرة أخرى.

فبطلة الفيلم وأسمها نجوى، وهي مدرسة موسيقى في المنيا، تحاول الوصول إلى مدرستها الأستاذة تهاني التي تسكن في القاهرة، في شقة في مصر الجديدة، لتطمئن عليها بسبب انقطاع أخبارها عنها، لكن في الحقيقة هي تحاول أن تجد لديها إجابة عن سؤالها وهو، هل وجدت نصفها الأخر الذي كانت تنتظره، وفي رحلة البحث هذه وتأجيل عودتها إلى المنيا أكثر من مرة تجد هي بنفسها الحقيقة، وإن كانت لم تعترف بها صراحة، لكن الأستاذة تهاني هي التي صرحت بالنيابة عنها من خلال خطاب وصل لها إلى المنيا، وهي في القاهرة وقرأته لها زميلتها عبر المحمول. أن تهاني في الفيلم تمثل الفكرة أو العقيدة، عقيدة الحب، وأنها لم تظهر أو على الأقل لم يعرف أبطال الفيلم أخبار عنها إلا بعد أن عرفوا ما هو الحب.

لحظة واحدة! ألم يقدم نفس هذا الموضوع من قبل في الفيلم الأمريكي “فقط أنت” (Only You) عام 1994؟ نعم، أن نفس الموضوع طرح في الفيلم الأمريكي حيث البطلة وأسمها في الفيلم (Faith) أي إيمان، وهي مدرسة أيضا لكن في اللغة اللاتينية، كانت تؤمن بالأسطورة اليونانية التي تقول أنه في الماضي كان هناك إنسان واحد لكن الآلهة غضبت عليه فشطرته نصفين وألقت بكل نصف في مكان ما في الدنيا ويظل كل نصف يبحث عن نصفه الآخر طوال الحياة حتى يجده، وقصة الفيلم تدور حول سعي البطلة إلى الوصول إلى نصفها الأخر والذي سافرت من أجله من أمريكا إلى إيطاليا، ولتقطع إيطاليا طولا وعرضا جريا ورائه حتى وجدته في النهاية، لكنه كان شخص أخر غير الذي تسعى ورائه.
أنا متأكد أن وسام سليمان قد شاهدت الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، وأنها حصلت على فكرة فيلمها منه، وإن كانت القصة مختلفة في نواحي كثيرة لكن هناك نقاط التقاء كثيرة، منها طبيعة كل من بطلتي الفيلمين من حيث أنهما عاطفيتان تسعان وراء الحب الرومانسي البعيد عن الحياة المادية الحالية، وأيضا أن مؤلف الفيلم الأمريكي امرأة أيضا، وهي “ديان درايك” (Diane Drake) والتي ألفت أيضا فيلـم “ماذا تريد النساء” (What Women Want) عام 2000، أو بمعنى أخر لقد شاهدت وسام سليمان الفيلم وأرادت أن تقدم على نفس الفكرة فيلم مصري يتكلم في نفس الموضوع من خلال وجهة النظر المصرية، طارحا أيضا بعض القضايا التي يعايشها المجتمع المصري، ومن هنا تختلف القصة عن الفيلم الأمريكي من حيث أن الفيلم ناقش فكرة النصف الأخر والمصير والقدر، مثل الفيلم المصري، ولم يتطرق كثيرا لأي مشاكل اجتماعية أمريكية كانت أو إيطالية باستثناء مشكلة صديقتها، زوجة شقيق البطلة في الوقت نفسه، مع زوجها والتي تشعر بأنه يخونها وأن هناك فتور في العلاقة بينهما، وأيضا تصرف الإيطاليين في حالة معرفتهم بحب البطلة بطريقة رومانسية كوميدية في الوقت الذي واجه الأمريكان نفس الحالة بشيء من الفتور.

يبدأ الفيلم المصري بمشهد حصة الموسيقى والأستاذة تهاني تحكي لتلميذاتها، من بينهن نجوى وهي صغيرة، عن حكاية أدم وحواء وانقسامهما إلى نصفين وسعي كل نصف في البحث عن نصفه الأخر، وأخذت ليلى مراد وأنور وجدي وأغنية “أنا قلبي دليلي” كمثل لهذه القصة، بالنسبة للفيلم الأمريكي فهو يبدأ بمشهدين سريعين يقدم فيهما نبذة عن طفولة البطلة (Faith) وأصل إيمانها بقصة نصفها الأخر، أي أن بداية الفيلمين تكون مع البطلتين من صغرهما وتوضيح أساس اقتناعهما بتلك العقيدة، وينتقل بعد ذلك الفيلم الأمريكي إلى مشهد البطلة وهي تشرح معنى كلمة القدر (Destiny) وأصلها في اللغة اللاتينية، في حصة اللغة اللاتينية، ثم تحكي للتلاميذ الأسطورة اليونانية الخاصة بانشطار الإنسان إلى نصفين وسعي كل نصف في البحث عن نصفه الأخر.

المشهد التالي في الفيلم المصري هو حضور طبيب إلى منزل نجوى من أجل خطبتها، وحضور صديقاتها لتجهيزها للقاء هذا الطبيب وإقناعها بأن توافق عليه وأن تلقي بإيمانها بما قالته لها الأستاذة تهاني في الماضي عن النصف الأخر والحب الحقيقي خلف ظهرها، وفي هذا الحوار يظهر بوضوح النظرة المجتمعية المصرية للزواج، فالزواج ليس ارتباط عاطفي بين شخصين إنما هو إجراء اجتماعي يفرض على الفرد، وهذا الفرد عليه أن يجد المبررات التي تجعله يقتنع بهذا الإجراء، أما بالنسبة للفيلم الأمريكي فنرى أن البطلة تعلن لصديقاتها خبر تقدم طبيب، لاحظ أن الاثنان أطباء، لخطبتها وأنها ليست في عجلة من أمرها بخصوص عقد القران فهي في حاجة إلى الإعداد لهذا الحدث الهام في حياة أي إنسان.
لكن يظهر في مشاهد تالية من الفيلم الأمريكي أن البطلة ليست مقتنعة تماما بهذا الزواج من حيث أسلوب معاملة الخطيب لها من ناحية وأيضا محاولة أم الخطيب، الطبيب، فرض رأيها حتى بالنسبة لفستان الزفاف من ناحية أخرى، مما يجعلها في حالة قلق وعدم رضى وأن كانت لم تعلن عن ذلك حتى أتت اللحظة، وهنا يتدخل القدر، ويتصل بها شخص يحمل نفس الأسم الذي قيل لها وهي صغيرة بأنه قدرها، أو نصفها الأخر، فتحاول اللحاق به في المطار وهي بفستان الفرح، فستان فرح والدة الطبيب وجدته أيضا، الذي كانت تجربه وهي غير مقتنعة به، لكنها لم تلحقه فتقرر السفر خلفه إلى إيطاليا، ومعها زوجة شقيقها وصديقتها الحميمة، وتلف إيطاليا طولا وعرضا جريا وراء هذا الشخص من خلال أسمه فقط!
أما في الفيلم المصري فتسافر البطلة نجوى من المنيا مع زميلاتها المدرسات وتلميذات المدرسة بالقطار لحضور احتفال مدارس الراهبات بالقاهرة، وتحاول أن تستغل هذه الفرصة لتتصل بأستاذتها تهاني فتترك الحفل وتذهب إلى مصر الجديدة، وتتأخر في العودة فيفوتها القطار المسافر إلى المنيا وتضطر إلى المبيت في القاهرة. وفي كلا الفيلمين تستمر إقامة كل واحدة من البطلتين في إيطاليا أو في القاهرة إلى ثلاثة أيام.
في الفيلمين تتعرف كل واحدة من البطلتين على شخص، يكون هو النصف الأخر الحقيقي بالنسبة للأمريكية والتي تحاول رفض ذلك طول الفيلم حتى يتركها في مطار روما ويركب طائرته مسافرا إلى مدينته هنا تعترف بحبها وتلحق به على نفس الطائرة، ويساعدها طاقم المطار الإيطالي بتغيير تذكرتها لركوب نفس طائرته، ليسافرا معا وتبدأ حياتهما كما كان مكتوب لهما في قدرهما.
لكن في الفيلم المصري لا تعترف البطلة ولا حتى البطل بأنهما يمثلان النصف الأخر لكل منهما وينتهي الفيلم في محطة مصر حيث تعود البطلة إلى بلدها المنيا وكل ما حصلت عليه من البطل هو رقم تليفون المحمول الذي ظلت تردده في ذاكرتها حتى لا تنساه لينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، ويترك للمتفرجين الفرصة في تخيل ما يمكن أن يحدث بعد ذلك.
سوف نجد تشابه أيضا بين الفيلم المصري والأمريكي من حيث فكرة الشخصية الغائبة التي تبحث عنها البطلة في كلا الفيلمين ولا تظهر إلا في النهاية لتكون السبب أو الوسيلة في تعرف كل من البطلتين على مصيرهما أو نصفهما الأخر، ففي الفيلم المصري كانت الأستاذة تهاني التي أجابت في نهاية الفيلم على تساؤل البطلة وأنارت لها الحقيقة، أما في الفيلم الأمريكي كان الرجل الذي تبحث عنه البطلة والذي تجده في المطار في النهاية، وهو كان مقدرا لها أن تراه أو كما أرادت أن تقول كاتبة الفيلم أن وجود هذا الشخص من الأهمية للبطلة، ليس لكي ترتبط به ولكن ليكون الوسيلة التي تساعدها في اعترافها بنصفها الأخر الحقيقي، وفي الفيلمين كان ما قالته الأستاذة تهاني في خطابها في نهاية الفيلم هو الوسيلة، أما بالنسبة للفيلم الأمريكي كان السؤال الذي طرحه هذا الشخص هو الوسيلة، ففي الفيلمين تكون الوسيلة سمعية من خلال كلام وليس من خلال فعل مرئي.
قد تكون نقاط الالتقاء في الفيلمين فيها اختلافات، لكن توقيت الأحداث المتشابهة في الفيلمين تكاد تكون في نفس التوقيت، وأيضا لها نفس التأثير والدور في الفيلمين، ماذا إذا عن نقاط الخلاف بينهما؟ أولا ظهور البطل في الفيلم المصري منذ البداية وإعطاء صورة كاملة عن حياته وأسلوبها وعلاقته، الجنسية، مع زميلته في العمل، داليا، ورؤيته للحياة وللحب وللزواج، ولقاء البطلة بالبطل في شقة مصر الجديدة التي كان من المفروض أن تكون للأستاذة تهاني حيث قام بتأجيرها البطل بعد اختفاء تهاني لشهور عديدة، أما في الفيلم الأمريكي لم يظهر البطل إلا بعد مرور أكثر من ثلث مدة الفيلم وسفر البطلة إلى إيطاليا لتقابله بالصدفة هناك في أحد الميادين المزدحمة، أيضا وقوع بطل الفيلم الأمريكي في حب البطلة من أول نظرة ومحاولته المستمرة في إقناعها بحبها له وتركها هذا الهوس وراء أسم لا تعرف عن صاحبه شيء، دون إعطاء خلفية كاملة عن حياة البطل ولا نكتشف أي تفاصيل عن حياته إلا القليل الذي يظهر لنا من خلال الأحداث. قد يكون السبب وراء ظهور البطل المصري منذ البداية هو نفس السبب الذي ذكرته في البداية، الخوف من البطولة النسائية المطلقة، لكن الحقيقة هي محاولة استغلال الكاتبة وسام سليمان لكل الشخصيات في الفيلم ولكل الأحداث لإعطاء بعد اجتماعي، وطرح بعض القضايا الخاصة بنظرة المجتمع لعلاقة الرجل بالمرأة والحب والزواج، والفرق بين المجتمع في الأقاليم خصوصا الصعيد والمجتمع القاهري، وأيضا الحياة المادية وتأثيرها على الناس، فلقد قدم الفيلم أمثلة عن نظرة المجتمع للزواج، لا نجد الحب واحد منهم، فنرى أن تشعر المرأة بالدفء في الشتاء في حضن رجل أو لتحصل على لقب زوجة بدلا من آنسة، أو لتلد طفلان يصيبوها بالجنون، وبالنسبة للأطفال نجد أن وسام أظهرت وبقوة أن الزواج في مصر مرتبط بولادة الأطفال، أو هو وسيلة أو أداة تسعى إليها المرأة المصرية لتحقيق ذلك، أي لتحقيق غريزة الأمومة لديها، وهذا واضح في تغير نظرة داليا التي كانت تدعي بأنها متحررة وأنها ترى أن الزواج نظام يقوم على النفاق، لكن هذه النظرة تغيرت تماما عندما أخبرها الطبيب بأنها تقدر على الولادة فسعت على الفور إلى طرح فكرة الزواج من البطل “يحيى”، رامية خلف ظهرها كل ما كانت تقوله من قبل عن رفضها للزواج، ونفس الشيء عندما حملت نجوى الطفل حديث الولادة في دورة مياه النساء بمحطة مصر وهي تنظر له بكل حب وسعادة كأنه طفلها، هنا تظهر وسام سليمان أن فكر المرأة في مصر فكر أمومي، وكل ما له صلة بالحب والزواج إنما هو وسيلة للوصول إلى الأمومة. لكن بالنسبة للفيلم الأمريكي لم تكن الأمومة لها دور من قريب أو بعيد في الفيلم، إنما الفيلم عبارة عن البحث عن الحب فقط، أي أنه هو الهدف في حد ذاته وليس وسيلة لتحقيق أهداف أخرى مثل الأمومة أو الأبوة، حتى شكوى صديقة البطلة من زوجها ليس بسبب أبناء أو مال، مثلما يحدث في الوقت الحاضر في مصر، لكن بسبب فتور عاطفته تجاهها، أن الفيلم الأمريكي فيلم عاطفي خالص يبحث عن الحب في أي مكان دون أن تكون هناك أهداف مادية أو اجتماعية ورائه، وهذا هو أيضا رأي الأستاذة تهاني من خلال كلامها في نهاية الفيلم عن الحب المجرد الخالي من أي أهداف أخرى غير السعادة في تواجد النصف الأخر.
قدم لنا الفيلم الأمريكي مشاهد في غاية الروعة عن الطبيعة الخلابة في إيطاليا، كأنه فيلم سياحي عنها، في المقابل لقطات قاتمة رمادية اللون مليئة بالغيوم والأمطار عن أمريكا، لكن الفيلم المصري لم يقدم لنا أي شيء عن القاهرة، أو كأنه يريد أن يقول أن القاهرة خلت تماما من كل معالمها الطبيعية، حتى النيل لم يحظى بأي اهتمام، والملاحظ هو العكس، فالكلام كله يتكلم عن مظاهر مادية غائبة أو حاضرة أو مرئية، مثل الحديث عن ميدان رمسيس واختفاء التمثال أو الحديث عن وسط البلد، ومشهد النيل ليلا ولا نرى إلا أضواء المطاعم العائمة فقط، وكل ما نشاهده هو مباني أو شوارع أو قطارات أو ما شابه ذلك، حتى في المنيا لم يقدم لنا أي شيء عن طبيعة البلد، وصورة الكورنيش هناك باهتة لا تقدم أي شيء عن الطبيعة، يبدو أنه لم يكن في اهتمام المخرج أي شيء له صلة بالطبيعة.
بالنسبة لبطل الفيلم “يحيى” فلقد قدمه الفيلم على أنه موظف بإحدى الشركات العاملة في البورصة، أما في الفيلم الأمريكي فالبطل يعمل في إحدى الشركات الكبرى المتخصصة في صنع الأحذية النسائية، بمناسبة الحديث عن البورصة، ففي الفيلم المصري نرى أن يحيى يتعرض لمشكلة بسبب تأخره عن بيع أسهم إحدى الشركات مما يؤدي إلى هبوط أسعار تلك الأسهم وتعرض يحيى لخطر الفصل من العمل بسبب هذا الفشل، لكن تحدث معجزة في اليوم التالي بحيث ترتفع أسعار تلك الأسهم بشكل مفاجئ ليتحول يحيى من موظف مهدد بالفصل إلى بطل في نظر رؤسائه وأيضا يحصل على مكافأة، هذا لم يحدث في الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، وكما قلت لم يتطرق الفيلم إلا للقليل من التفاصيل الخاصة بحياة بطل الفيلم، لكن هذا حدث في فيلم أمريكي أخر!!!!

في الفيلم الأمريكي “من غابة إلى غابة” (Jungle 2 Jungle) عام 1996، كان البطل عاملا في إحدى الشركات العاملة في البورصة، ولقد تعرض لنفس المشكلة وهي عدم بيعه لأسهم في الوقت المناسب قبل هبوط أسعارها مما عرضه لمشكلة مع رئيسه في العمل والتهديد بالفصل، لكن الأسعار تعود إلى الارتفاع مرة أخرى بشكل مفاجئ فتتحول الخسارة إلى مكسب ويتحول بطل الفيلم من موظف فاشل إلى بطل، بالمناسبة كل من الفيلمين الأمريكيين “فقط أنت” و”من غابة إلى غابة” عرضا بالتليفزيون المصري أكثر من مرة، وبما أننا نتكلم عن أفكار أخذت من أفلام أخرى فيجب أن نقول أن الفيلم الأمريكي “من غابة إلى غابة” أخذ بالكامل، وليست فكرته، حتى أسماء عدد من أبطاله من فيلم فرنسي يحمل أسم “هندي في البلد” (Un indien dans la ville) عام 1994، وترجم أسم الفيلم الفرنسي إلى الإنجليزية بأسم “هندي صغير ومدينة كبيرة” (Little Indian, Big City)، لسنا نحن فقط المصريين الذين ننقل من أفلام أجنبية، فالأمريكان أنفسهم ينقلون من أفلام أخرى قصص أفلامهم وأفكارها.

نبدأ الآن في تحليل فيلم “في شقة مصر الجديدة” من الناحية الفنية، يمتاز الفيلم بنعومة رقيقة في أسلوب التصوير والإيقاع والإضاءة، لا ننسى أن خلف هذا كله نساء في مجال إدارة التصوير والمونتاج، وإن كانت الإضاءة في الشقة بمصر الجديدة قد أعطت شيء من الغموض والرهبة، لكن هذا الغموض سببه حالة تفكير البطل يحيى من أن تكون الشقة مسكونة بالعفاريت أو بروح الأستاذة تهاني التي تريد طرده منها، ولقد ساعد على هذا أيضا صوت الغناء الغامض الذي كان يسمعه كل ليلة في منور العمارة ومصدره شقة مغلقة بالقفل، لكن هذا كله تغير قبل نهاية الفيلم عندما أكتشف البطل أن الغناء مصدره عامل نقاشة يأتي ليلا ليقوم بدهان الشقة المغلقة، واكتشاف البطل لهذا لم يكن إلا بتغير تفكيره للحياة وللحب وللأستاذة تهاني ولنجوى، البطلة، أي أن اكتشافه لسر العمارة لم يكن إلا اكتشافه لنفسه، وهنا نرى أن الشقة التي أكتشف فيها النقاش مدهونة باللون الأبيض، والنقاش يضيء الحجرة التي يدهنها بمصباح واحد، وهذا المصباح يعبر أيضا عن ضوء المعرفة الذي أضاء للبطل الحقيقة، وفي الوقت نفسه نسمع صوت النقاش وهو يغني بوضوح، بعكس في البداية كان غير واضح، حتى في منور العمارة ويشاركه البطل في الغناء.
اللون الأبيض، أو الضوء الأبيض، كان له دور في أحداث الفيلم معبرا عن حالة الوضوح أو وضوح الرؤيا لدى أي من بطلي الفيلم أو كلاهما، فمثلا في مشهد المطعم، في الليلة الأخيرة في القاهرة، نرى الضوء الساقط على غطاء المائدة الأبيض الذي يعكس الضوء على وجهي البطلين لينيرهما بضوء وهاج معبرا عن وضوح رؤيتهما حيث يكتشف البطل جمال وشخصية البطلة، والبطلة بدورها تكتشف حقيقتها وحقيقة مشاعرها، تجاه البطل، وإن كان حديث صديقتها معها من خلال المحمول عن ما قالته لهما الأستاذة تهاني في الماضي والذي تحقق مع صديقتها قد أعطى لها تلك الفكرة، قبل الذهاب إلى المطعم، وهي واقفة تنظر للبطل وهو منتظرها على دراجته البخارية.
أيضا اللون الأبيض على حوائط أستوديو الإذاعة، والتليفون الأبيض والمائدة البيضاء، وهنا نجح المخرج في تصوير حالة انفتاح البطل والكشف عن ما في داخله للمذيعة التي تقدم برنامج همسـات حائرة، وتتكلـم عن
الحب الأول، بحيث نرى ظهوره التدريجي من خلف الحائط الأبيض حتى يشمل كادر الصورة كاملا، لكن اكتشافه للحقيقة وبوحه بها واعترافه بنظرته الحقيقية للحب جعله بدلا من الشعور بالتحرر من قيوده ينغلق على نفسه مرة أخرى ويرفض الاستمرار في الحديث مع المذيعة فنرى انغلاق الحائط عليه مرة أخرى لكن هذا الحائط يتحول تدريجيا إلى النصف الأخر أو البطلة، أي أن الانغلاق الواضح أمامنا ليس انغلاقا حقيقيا كما كان في الماضي لكنه إظهار للحقيقة التي يرفض البطل البوح بها، وهو حبه للبطلة والذي لمح لهذه الحقيقة صديقه المذيع، والذي رفضها بدوره البطل.
هناك تصوير نفسي للبطلة أظهره الفيلم في مراحل مختلفة من أحداثه تعبر عن القيود، في المجتمع المصري أو الشرقي بشكل عام والمجتمع الصعيدي بشكل خاص، التي تقيد البطلة، ثم تحررها التدريجي منها، البداية تكون بقضبان النافذة في المدرسة والتي تشبه قضبان السجن التي تحبس البطلة من صغرها عن العالم الخارجي، ثم أيضا الإيشارب الذي تضعه فوق رأسها، وهي تاركة منزلها للسفر إلى القاهرة، وتربطه حول رقبتها كأنه حبل المشنقة الذي تشنق به نفسها، ثم خلع هذا الإيشارب وجعله يتطاير مع هواء القطار، هنا يظهر رغبة البطلة في التحرر لكنها لا تجرؤ على ذلك فتتخيل تحررها المؤقت من خلال تطاير الإيشارب من شباك القطار، لكن القدر يلعب لعبته ليطير الإيشارب من يدها ليعود في اتجاه معاكس مع القطار إلى الخلف، من ناحية، ومن ناحية أخرى في اتجاه مدينتها المنيا في الوقت الذي تنطلق البطلة فيه بسرعة داخل القطار إلى الأمام، إلى القاهرة، أيضا عندما يكشف البطل في المطعم عن جمال البطلة وشخصيتها، تحاول الهروب من هذا الكلام وتذهب إلى دورة المياه، لكن هروبها هذا لم يكن إلا سعيها لتنفرد بنفسها لترى من خلال المرآة ما قاله لها البطل، وتقوم بفك شعرها وإن كانت تراجعت بسرعة عن هذا ولمت شعرها مرة أخرى، لكن في نهاية الفيلم وبعد اكتشافها لحبها الحقيقي تجاه البطل وركوبها خلفه الدراجة البخارية لم تتردد لحظة في فك شعرها ليتطاير مع هواء الدراجة السريعة فلقد تحررت تماما، وإن كانت لم تعلن صراحة حبها للبطل.
في الفيلم أيضا هناك تلميح واضح للحرية المطلقة التي تعطى للرجل والتقيد الشديد الذي تتعرض له المرأة في المجتمع المصري أو الشرقي بشكل عام، وهو حديث البطل عن سفره بالدراجة البخارية لمشاهدة مصر كلها، في الوقت الذي لم تستطع البطلة الخروج من المنيا طول حياتها.
أيضا تصوير لحالة التزمت والتعصب الديني الذي يؤدي إلى تقييد حياة البنات، ومنعهن من أبسط حقوقهن في الحياة، وهذا التزمت أو التعصب ليس مقصورا على دين بعينه كما يظن البعض لكنه في كل الأديان ويتضح هذا بمنتهى الوضوح في مشهد المدرسة وهي تحكي لتلميذاتها عن قصة ليلى مراد وأنور وجدي، فنرى الراهبة والمدرسة المحجبة يشاهدن هذا وهن غير راضيات، فنرى الاثنتان ملتصقتان معا كأنهن شيء واحد، تعبير عن توحد الرؤية والفكر، وتواجدهن في طرف واحد من الباب الزجاجي وخلو الطرف الأخر من أي شخص، كأنه لا يوجد طرف أخر مواجه لهما ليحدث شيء من التعادل في هذا المجتمع المتزمت، ويأتي المشهد التالي ليؤكد هذا، وهو مشهد طرد الأستاذة تهاني من المدرسة حيث نرى الراهبة هي التي تطرد المدرسة وتقف المدرسة المحجبة شاهدة على هذا الطرد في نفس جهة الراهبة، وتوجد في هذا المشهد، في الجهة المعاكسة للراهبة والمحجبة، مدرسة سافرة، تعبيرا عن الخروج عن هذا التزمت، لكن دورها لم يكن دفاعا عن المدرسة تهاني لكن كان عبارة عن تربيت على كتفها كأنها تقول لها “معلش”، أي أن دورها سلبي هنا وليس فعالا، لذلك لم تظهر في الطرف الأخر من الباب الزجاجي في مواجهة الراهبة والمحجبة، وظهرت فقط عند إصدار قرا الطرد للتخفيف عن وطأة هذا القرار على الأستاذة تهاني.
هذه الصورة للبطلة نجوى بعد أن فاتها القطار في أول يوم لها بالقاهرة لتجد نفسها وحيدة في هذه المدينة، لقد كان المعنى في غاية الوضوح وبشكل مباشر، حيث يختفي القطار المسافر بالتدريج لتظهر نجوى واقفة حزينة بمفردها على رصيف المحطة بجوار لافتة كبيرة مكتوب عليها القاهرة، قد يستخدم هذا الأسلوب في بعض الأفلام الكوميدية لإعطاء لمحة فكاهية للفيلم، لكن هنا كان توضيحي، كأن يقول اللي لم يفهم عليه أن يفهم الآن.
ونفس الشيء حدث في المشهد الذي تواجه فيه داليا البطل يحيى في ممر ضيق مظلم لتعلن فيه غضبها عن غلق يحيى لتليفونه المحمول أمام مكالمتها، وتريد أن تعرف إذا كان يريد الهروب منها، ففي نفس اللقطة يظهر فوق داليا لافتة معبرة عن الهروب في ساعة الخطر وهي إشارة للبطل أن يهرب بجلده من هذا المأزق وهذا ما حدث بالضبط، وعندما يهرب تبتعد الكاميرا قليلا عن داليا لتظهر طفاية حريق بجوارها كأنها تقول لها ممكن استخدامها لإطفاء نار الغضب التي اشتعلت بداخلها.
هناك مثل قديم يقول، ألا ننشر غسيلنا القذر حتى لا يعرف الأغراب عيوبنا ونقاط ضعفنا، لكن هنا تقوم نجوى وصاحبة بيت المغتربات بالكشف عن ما في داخلهما من أحاسيس ونظرتهما للحب وللزواج، وهما ينشران غسيلا نظيفا ويقطر ماءا نقيا على رؤوسنا نحن المشاهدين، كأن المخرج يسعى إلى أن تصل تلك القطرات إلى عقولنا لتنظفها من كل ما بداخلها من أفكار قذرة ومتخلفة!
لقد سعى فناني الفيلم إلى وضع مشاهد متتالية تكمل أو تناقض بعضها، مثل ركوب يحيى بطل الفيلم الدراجة البخارية ثم يأتي المشهد التالي للبطلة نجوى راكبة عربة حنطور في المنيا، أيضا صعود نجوى إلى منزلها بواسطة السلالم لعدم وجود مصعد ثم ننتقل إلى المصعد الصاعد إلى شقة يحيى، الأستاذة تهاني في الأصل، بمصر الجديدة، ثم انفجار المصباح الكهربائي بشقة يحيى مما يؤدي إلى انقطاع النور لديه، لنجد نجوى تضيء على الفور شمعة لتضيء حجرتها التي أنقطع عنها الكهرباء لكن النور يعود مرة أخرى لبيتها فتطفئ الشمعة.
أيضا هناك مشهد موضح عن مدى تناقض الوضع القائم بين يحيى وداليا، عشيقته وزميلته في العمل أيضا، بعد أن قررت أن تغير من طريقة تفكيرها وتسعى إلى الزواج منه من أجل أن تلد طفلا، أو كما قال أنها صفقة، فلقد ظهرا في البداية نائمان في فراش واحد لكن كل واحد منهما ينظر في اتجاه معاكس للأخر وعندما جلسا على نفس الفراش كان كل واحد منهما في جهة مختلفة عن الأخر، أي لم يعدا كما كان في الماضي مقتربان من حيث العلاقة والفكر والرؤية.
في هذه اللقطة يظهر البطل يحيى راكبا دراجته البخارية وواقف بجوار مايكرو باص عند إشارة المرور الحمراء، في الوقت الذي نسمع فيه صوت الراديو في المايكرو باص يعلن عن إهداء نجوى للأستاذة تهاني أغنية “أنا قلبي دليلي”، لكنه لم يسمع هذا لأنه مشغول بما لديه من مشاغل في الحياة وواضح هذا على وجهه، وعندما يتحول الضوء إلى الأخضر ينطلق بمفرده في الطريق تاركا المايكرو باص والأغنية خلفه عند الإشارة.
لقد لعبت الأغاني التي وضعت بعناية في الفيلم دورا هاما في عملية توضيح الأحداث والحالات النفسية لأبطاله، حيث تم اختيار تلك الأغاني بدقة، والموسيقى التصويرية أيضا والتي وضعها تامر كروان كانت معبرة عن الفيلم وعن موضوعه، بالمناسبة كانت لي علاقة شخصية بتامر كروان، حيث كنا نلعب معا في الماضي في فريق موسيقي واحد ولقد تدرب معي في منزلي عدة مرات، ولقد سافر لدراسة الموسيقى في إنجلترا ولقد شاهدته مرة واحدة بعد عودته في أحد المطاعم، وكان هذا قبل دخوله في مجال تأليف موسيقى الأفلام، وأنني سعيد لهذا النجاح والتقدم الذي أحرزه في هذا المجال.
في الفيلم مشاهد كثيرة نرى فيها مرور كل من بطلي الفيلم بجوار بعضهما البعض أو في نفس الاتجاه لكن لا يرى أي منهما الآخر، وهذا لأن القدر لم يكتب لهما ذلك، لكن عندما أتت اللحظة لكي تظهر الحقيقة ويسعى قدرهما إلى أن يلتقيا في الطريق، يجد يحيى نجوى وهي راكبة التاكسي فيلحق بها، والقدر هنا كان ممثلا في كلام الأستاذة تهاني، من خلال خطابها، التي كانت تتكلم عن تعرفها أخيرا على نصفها الأخر وحبها الحقيقي، حتى بعد طول انتظار، لتسافر معه في رحلة جميلة مليئة بالحب والسعادة، هنا فقط يظهر يحيى راكبا دراجته من نافذة التاكسي الذي تركبه نجوي محاولا لفت نظرها له لتراه، وعندما تتكلم تهاني عن البهجة التي تبحث عنا ترى نجوى يحيى مبتسما لها من النافذة فتفرح برؤيته.
في المشهد الأخير عند محطة مصر، يظهر القطار في الكادر مع صوت زغاريد، وعلامة الدرجة الثانية، وهي هنا باللغة اللاتينية، حيث نرى خطين أبيضين مستقيمين متساويين في الطول والحجم داخل دائرة سوداء، أليس هذا هو نفسه تلك الأسطورة اليونانية في الفيلم الأمريكي “فقط أنت”، والتي تقول أن الإنسان في الماضي كان كائن واحد ثم أنقسم إلى نصفين متساويين؟ المهم أن ما حدث بعد ذلك كان مفاجأة حيث كان من المنتظر ظهور البطل والبطلة لكن الذي ظهر هو عريس وعروسه يحاولان اللحاق بالقطار، وتلك الزغاريد كانت لهما، أي أن هذه رسالة تريد أن تقول أن جري نجوى ويحيى من أجل اللحاق بالقطار هو في الوقت نفسه سعيا إلى الزواج، أو أن مصيرهما سيكون هو نفس مصير الزوجين، خصوصا عندما ظهر الزوجان يجريان على رصيف المحطة ومن خلفهما وبنفس الطريقة يجري يحيى ونجوى.

هناك نقاط كثيرة يمكن الكلام عنها موجودة بالفيلم، مثل دور عم عيد ميلاد سائق التاكسي، حيث أن أسمه يمثل عيد ميلاد للبطلة أي مولدها من جديد في القاهرة، وكان في الوقت نفسه أشبه ما يكون بالملاك الحارس، وأيضا دور الأستاذ شفيق صاحب العمارة بمصر الجديدة، والذي رفض أن يتخلص من محتويات شقة الأستاذة تهاني لإيمانه بأنها مازالت حية وسوف تعود لأخذ ممتلكاتها، وهو يعبر هنا عن إيمانه بوجود الحب وعدم موته من حياتنا، بالرغم من يأسه من الزواج بتهاني وزواجه من أخرى لكن حبه لها وإيمانه بوجودها حية لم يتوقف، وأيضا دور صاحبة بيت المغتربات والتي بالرغم من زواجها وطلاقها مرتين إلا أنها مازالت تؤمن بالحب والسعادة في الحياة، أيضا رضوى إحدى الطالبات بالمسكن والتي حاولت الانتحار بسبب فشلها في قصة حبها لكنها في النهاية تتزوج حبيبها، وأيضا المدرسان اللذان يحملان نفس الأسم “بهاء” لكنهما يختلفان في الشكل وفي الشخصية، وإن كانا يجتمعان في معرفتهما للأستاذة تهاني وإن كان اهتمامهما بها متفاوت بينهما.

هناك لقطات لم يكن على المخرج محمد خان أن يأخذها لأنها أضعفت من صورة الفيلم:
مثل التركيز على يدي نجوى وهي تعزف على البيانو فلقد أظهر عدم معرفتها بالعزف وهي مفروض أنها مدرسة موسيقى تعلم التلميذات من خلال عزفها على البيانو، أيضا مشهد صالة البلياردو حيث نرى داليا تأخذ عصى اللعب وتلعب لكنها في الحقيقة لا تفقه شيء عن البلياردو حيث تدفع الكرة بطريقة سيئة في أي اتجاه، واللقطتان بهذه الطريقة ليستا ذات أهمية وكان يمكن للمخرج محمد خان أن يصور نفس تلك اللقطات بمستوى أعلى دون ظهور يدي نجوى وهي تعزف، ودون ظهور طاولة البلياردو فلا تظهر الكرة البيضاء وهي تتحرك بشكل مضحك على الطاولة.
أيضا تجمع الفتيات على مائدة الطعام لتناول طعام الإفطار حيث نرى واحدة رابطة رأسها لأنها قد غسلت شعرها وأخرى رابطة رأسها لأنها لفت شعرها، لكن هناك واحدة مرتدية حجاب! لماذا؟ وكل من هو موجود في المنزل كله من النساء.

في تلك الصفحات حاولت تقديم بعض النقاط التحليلية والنقدية لفيلم “في شقة مصر الجديدة” إخراج محمد خان وإنتاج جهاز السينما وبطولة كل من غادة عادل وخالد أبو النجا، موضحا أهم النقاط القوية، في نظري، بالنسبة لهذا الفيلم من حيث القصة والإخراج والتصوير والإضاءة والموسيقى والحوار، وأيضا نقاط الضعف به، أيضا موضحا أن فكرة الفيلم في الأصل مأخوذة من فيلم أخر أمريكي، ومدى تقارب وتباعد الفيلمان عن بعض، بالإضافة إلى فكرة أخرى مأخوذة من فيلم أخر، أمريكي أيضا، الذي أخذت قصته بالكامل من فيلم فرنسي أخر، كأننا نلف وندور في خطوط ملتوية ومتداخلة لكنها موصلة لبعض كما قيل في الفيلم الأمريكي “فقط أنت” عندما ظلت البطلة وصديقتها يلفان لمدة ساعة في نفس المكان فقالت لها صديقتها التي تنظر إلى الخريطة التي في يدها أنهما يلفان في حلقة مغلقة (Looping)، ولقد أعجبتني تلك اللقطة التي تعبر عن الفوضى الإيطالية وأيضا التي نرى مثيل لها هنا في مصر، لتكون أخر ما أقدمه في هذا النقد التحليلي.

“البنات دول”عندما لا يتجمل الواقع!

مدارات سينمائية لا تعليق »

هو فيلم تسجيلي، مدته 58 دقيقة، يرصد حياة أولاد الشوارع،أو على وجه التحديد حياة “بنات الشوارع” بحذافيرها ودون رتوش على الإطلاق.صاحبة الفكرة والإخراج هي المخرجة(تهاني راشد) التي اشتهرت بأفلامها الواقعية التسجيلية والتي تتناول قضايا حساسة في المجتمع المصري المعاصر.
يتخذ الفيلم مكاناً كمنطقة”أبو السعود”العشوائية لكي يصور جزءاً كبيراً من حياة بعض الفتيات اللاتي يعشن في الشارع حرفياً،بعضهن مشردات وبعضهن يرفضن العودة لبيوتهن لأسباب مختلفة لكنها كلها أدت إلى أن أصبح الشارع هو المأوى والحياة بأكملها بالنسبة لهن.

من الاختطاف إلى الاغتصاب عنوة أو إلى الحمل سفاحاً أو السرقة أو المطاردة من قبل الشرطة، هذه هي المشاكل التي تواجه هؤلاء البنات كضريبة للحياة في الشارع،وهن يعرفن هذا جيداً ويحاولن التأقلم مع هذه الأوضاع بشتى الطرق،العديد منهن مدمنات سواء على”الكلة”أو ال”برشام”ويعتبرن هذا شيئاً حتمياً طالما أنهن يعشن في الشارع.لكن الفيلم لا يصور الجزء السيء من حياة هؤلاء الفتيات فقط وإنما يعرض أيضاً جانباً ربما لا يعرفه الكثيرون عنهن وعن حياتهن؛فعلاقة الصداقة التي تجمع فيما بين الفتيات قوية للدرجة التي قد تحمل واحدة منهن على أن تدافع عن صديقتها ولو اضطرت إلى أن تعرض نفسها للخطر،أو أن ترعى طفل صديقتها ما إذا غابت أو تعرضت لل”حجز”في قسم الشرطة.

يعرض الفيلم أيضاً علاقة ال”بنات”بسيدة ينادونها بـ”أبلة هند” يحبونها ويحترمن رأيها كثيراً فهن يقولن عنها “هي اللي علمتنا الصح والغلط وبتخاف علينا زي أمنا او اختنا الكبيرة”،جدير بالذكر أن”هند”لم يتجاوز سنها الثلاثون عاماً وهي ليست خريجة”الخدمة الاجتماعية”أو حتى درست”علم النفس”لكنها شعرت أن هؤلاء الفتيات بحاجة إلى من يحبهن ومن يظهر حنانه وعطفه عليهن،ولكونها لم تنجب فقد شعرت أنها تحتاج هؤلاء البنات بقدر ما يحتجنها.
عنهن قالت أنهن يبحن لها بكل أسرارهن ويلجأن إليها حين يواجهن مشكلة ما. يُظهر الفيلم أيضاً تلك العلاقة الوثيقة بين البنات وبين”أبلة هند”حينما تتوسط لفتاة منهن عند أبيها بعد علمه بحمل ابنته سفاحاً ويقرر أن يقتلها،تتدخل “هند”لتمنعه وتطمئنه إنها ستسعى جدياً لأن تحصل ابنته على ورقة زواج وعلى شهادة لطفلها.
ونموذج”هند”الذي وضحه الفيلم لم يكن إلا محاولة للتقريب بين المجتمع وهؤلاء البنات،فهن لا يحتجن إلا للحب والحنان الصادق من الناس،يحتجن ألا يعتبرهن المجتمع كمشاكل وأمراض مجتمعية فقط بل أن يتم الأخذ في الاعتبار أولاً وأخيراً أنهن بشر ولهن احتياجات ومشاعر كالجميع.
عن الفيلم تقول المخرجة”تهاني راشد” أنها قررت أن تنقل الواقع كما هو دون أي تجميل أو رتوش،حتى أنها تركت الشتائم في الفيلم كما هي وكأنما لم تشأ أن تنقل الصورة ناقصة.وتقول عن البنات أنهن فقط أردن أن يحصلوا على حقهن في الحياة حتى لو كان ذلك في الشارع،وأنهن لم يرفضن تصويرهن لشعورهن بأن الكاميرات تعطيهن الفرصة ليتحدثن ويصفن حياتهن بالكامل وكأنهن يبحثن عن متنفس لكي يقلن كل ما يرغبن فيه عبره.
أضافت المخرجة أيضاً انها لم تشأ أن تنقل الجانب السيء من حياة هؤلاء البنات فقط لأن الكل يعلم المآسي التي تحدث لهن،لكنها أرادت أن تنقل حياتهن بحلوها ومرها،بضحكاتهن ودموعهن، لأنها تسعى أولاً وأخيراً إلى أن تقرب بين المجتمع وهؤلاء “المنبوذات”،أن تجعل الناس ينظرون لهن نظرة مختلفة و أن يبدأوا اهتمامهم بهن،أن يكون هناك العديد من “أبلة هند”.إضافة إلى أنها أرادت ان توضح مدى قوة هؤلاء الفتيات وصلابتهن وقوة تحملهن لما يواجهنه في حياتهن كل يوم.
و خلال مناقشة الفيلم،أكدت المخرجة”تهاني راشد” أن جانباً كبيراً من الفيلم تناول حياة أكثر من فتاة حملت سفاحاً لأنها-المخرجة- أرادت طرح قضية هامة وهي:هل يكون للمرأة حق أن يحصل طفلها على شهادة ميلاد موثقة من المؤسسات الحكومية حتى لو كان الطفل غير شرعي؟ في رأيها أكدت أنها ترى أن هذا حق من حقوق المرأة والطفل وأن حياة العديد من الأطفال تتوقف على هذا الحق.
تقول”تهاني راشد”أيضاً انها لا تتوقع أن يُعرض الفيلم في التلفزيون المصري لما يحويه من ألفاظ قد لا تتقبلها الرقابة.وأضافت أنها حزينة لأن حياة هؤلاء البنات لم تتغير حتى بعد عرض الفيلم،وأن المؤسسات الحكومية المعنية بحماية أطفال الشوارع لم تعط اهتماماً كافياً ولم تقدم أية حلول لهن لكنها تأمل أن يحدث ذلك مستقبلاً.

ملكة بدر

أجواء (يوسف شاهين) السينمائية - عبقرية الإخراج .. وإبهار الفكرة

مدارات سينمائية 9 تعليقات »

هل شاهدت – أو سمعت عن - ثلاثية (سيد الخواتم) ؟ .. من العسير جداً أن تجيب بالنفي ، فالثلاثية لا زالت حديث كل المهتمين بالسينما إلى الآن على الرغم من توالي بعض الأعمال السينمائية المبهرة الأخرى .. كسلسلة أفلام (هاري بوتر) ، وثلاثية (قراصنة الكاريبي) للنجم العبقري (جوني ديب) ..
اخترت أن أستشهد بـ(سيد الخواتم) هنا كمثال ربما لأن (قراصنة الكاريبي) لا زال حديثاً ولم يحظ بالانتشار الكافي الذي يمكّن قطاعاً كبيراً من مشاهدته ، ولأن سلسلة أفلام (هاري بوتر) أيضاً – على الرغم من نجاحها الساحق – لم تستطع أن تثني الجماهير عن رأيهم بأنهم يفضلون قراءة روايات السلسلة نفسها عن المشاهدة ، وأنا أحد هؤلاء بالمناسبة ..

شاهدتُ (سيد الخواتم) وأعجبت جداً بهذا العمل .. لقد نال الجزء الثالث من هذه الثلاثية وحده 11 جائزة أوسكار ، مما يبرهن بلا شك على أنه عمل سينمائي في غاية الإبهار ..
ولكن عندما تقارن هذا الفيلم مثلاً بفيلم آخر أقدم منه بمراحل ، وله ثقله وعظمته الفنية مثل (الناصر صلاح الدين) .. تجد أن (الناصر صلاح الدين) أيضاً عمل سينمائي في غاية الإبهار ..

وهذا يتطلب منا أن نتوقف قليلاً مع معنى (الإبهار) في كلا الحالتين ..
انزع من (سيد الخواتم) الخدع والمؤثرات البصرية ، والموسيقى والمؤثرات الصوتية .. وستجد نفسك أمام عمل مجرد من كل هذا النجاح الحاصل الآن .. فصناع هذا العمل قد اعتمدوا في صناعته على المستوى الأسهل في الإبهار والأقل إبداعياً .. ألا وهو استخدام التكنولوجيا الحديثة في نسج الخدع ومؤثرات الصوت ؛ بحيث إذا غابت هذه العوامل تجد نفسك – كما أسلفتُ – أمام عمل متوسط على المستوى الفني : إخراج وتصوير متميزين ، وقصة جيدة ، ومستوى تمثيل عادي .. كل هذا قد يخرج في النهاية عمل مستواه (جيد) أو (جيد جداً) فقط .. وليس المستوى الأسطوري الذي نالته الثلاثية عند إضافة الخدع والمؤثرات ..

على الجانب الآخر في (الناصر صلاح الدين) ؛ تجد أن مخرج هذا العمل قد اعتمد على المستوى الأصعب والأعقد في الإبهار .. فالإبهار في هذا الفيلم يكمن في انتقاء الممثلين بعناية وإعدادهم لأدوارهم ، وفي مستوى التمثيل الذي حكمنا عليه جميعاً بالتميز ..
الإبهار في هذا الفيلم يتجلى واضحاً في كيفية تعامل المخرج مع الصورة – ليس عن طريق عمل خدع – ولكن في كيفية أخذ الكادرات ، وكيف تكون هناك إسقاطة تحوي مغزىً معيناً لكل كادر .. الإبهار جاء في التقنيات الإخراجية نفسها وفي ذكاء الأفكار ..
ناهيك عن المعارك الحربية المنفذة بإتقان وصل للعالمية ، والسيناريو المكتوب بعناية ، والمحتوى السامي الذي يقدمه الفيلم ، والتجديد في اللغة السينمائية ، والأسطورة نفسها المعروضة في شخص (صلاح الدين) ..

(إبهار الفكرة والتناول) الذي يُخرج في النهاية صورة ذكية متقنة ومزينة ؛ أروع كثيراً من (إبهار الصورة) الذي يُخرج صورة ممتعة حقاً لكنها سطحية ومبهرجة الزينة ..

وهذا هو ما فطن إليه (يوسف شاهين) الذي قدم للجماهير رائعته (الناصر صلاح الدين) وروائع أخرى كثيرة تعتز بها السينما المصرية والعربية ، وتعرفها السينما العالمية حتى الآن ..
ربما لهذا ينتظر الكل فيلمه الجديد (هي فوضى) الذي سيصدر في العيد بإذن الله ..
الكل ؟ .. فلنصحح العبارة ونستبدل كلمة (الكل) بكلمة (الكثيرين) فسيكون هذا أدق .. إن كل الجمهور المصري لم يتفق على (يوسف شاهين) .. فأكثر من نصف هذا الجمهور لا يتابعه ولا يفضل أفلامه .. وهنا نلمس حقيقة واقعة : أن هذا المخرج المبدع مظلوم في جمهوره .. ربما لهذا له أفلامٌ تفشل ولا تلقى رواجاً كبيراً على الرغم من قيمتها الفنية العالية ، وعلى الرغم من عدم نمطية (يوسف شاهين) نفسه كمخرج ..

وبما أن أفلامه قد حققت نجاحاً عالمياً كبيراً كُرم على إثره في الكثير من المحافل والمهرجانات السينمائية العالمية ؛ إذن فلا يمكننا أن نصفه بأنه مخرج فاشل .. ربما المشكلة تكون في الوقت الذي تصدر فيه أفلامه هنا في مصر وفي الجمهور الذي يشاهدها .. فمن يشاهد أفلام (شاهين) يجب أن يكون ذا عقلية خاصة ومستوى معين من الثقافة يسمح له باستيعاب المحتوى السياسي ، أو الاجتماعي ، أو الاقتصادي ، أو الفلسفي ، أو النفسي – أو ربما كل هذه المحتويات مجتمعة - في فيلم من أفلامه .

قال (شاهين) : ” شخصياتي بيمثلوا أحسن من اللي كانوا بيمثلوه مع أي حد .. محمود المليجي فضل 30 سنة بيضرب الناس طب ازاي عرفتوا إنه ممثل كويس ؟! لما اشتغل (الأرض) ..
في وقت معين ربنا بعتلي حد زي محسن محيي الدين كان حساس وهايل وكان أحسن مني ، كان عنده حتة الحساسية اللي موجودة في العنين فكان فيه تواصل بيني وبينه . كنت لما أقول ستوب وأبصله كان يقوللي : خلاص عرفت ، ونعيد الشوت ، ويعمله كويس جداً ؛ مكنتش بحتاج أقوله أنا عايز إيه أو الغلط فين .. بمجرد ما أبصله يفهم . أنا باخد موهبة وأوجهها ، أنا مبخلقش موهبة .. عشان كده بالصبر أقدر أطلع كل حاجة جواهم ”

من الأمور الملحوظة جداً أن مجموعة كبيرة من أشهر نجوم التمثيل والسينما في مصر قد عملوا مع (شاهين) – بدءً من عملاق المسرح العربي (يوسف وهبي) وحتى الممثل الشاب (أحمد يحيى) - ؛ بل إنه قد استطاع بخبرته وذكائه أن يفجر فيهم – أو في معظمهم - طاقات تمثيلية رهيبة ما كانت لتُكتَشَف لولا عملهم معه .. ربما لهذا السبب يحلم معظم العاملين بالوسط السينمائي بالعمل مع عملاق الإخراج هذا ، ويعتبرون أنهم قد حققوا أقصى أحلامهم لو ضمهم يوماً لأحد أعماله .. لدرجة جعلت الأديب (أحمد خالد توفيق) يُصدر تعبيراً ساخراً موفقاً – كعادته – في هذا الصدد حيث قال :

” .. وحتى الكومبارس الذي يقدم للبطلة كوب ماء في أحد أفلام (يوسف شاهين) يعتبر نفسه أستاذاً من أساتذة التمثيل ، ويقول في وقار وغموض : ” أفضل أن يرى الناس العمل ليحكموا بدلاً من أن أتكلم عنه “. وغدا من التقليدي في كلام أي ممثل أن يحكي عن (تجربة التطهير أو الميلاد الجديد) التي اجتازها بالعمل مع شاهين ”

ولأن سينما (يوسف شاهين) تُعدّ غامضة بالنسبة للكثيرين ؛ فأنا أحاول في هذه الدراسة القصيرة المتواضعة أن أقترب أكثر منها وأعرضها لكل من يهتم بالسينما مقسماً حديثي بشأنها إلى ثلاثة أقسام …

* * * *

في القسم الأول سأتحدث عن اتجاهات (يوسف شاهين) الفكرية وأيدولوجياته ومنهجه في السينما .. كي أضع أساساً سليماً يجعل حديثي في القسمين التاليين واضحاً وسهلاً ..

مرحلة الازدهار الكاذبة : -
فبعدما درس التمثيل والإخراج في كلية (فيكتوريا) في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد إلى مصر كي يبحث عن فرصة يبدأ بها مشواره في السينما عام 1950 .. لم يلقَ منتجاً واحداً وقتها يقتنع به وبالسيناريو الذي كتبه لفيلم أراد أن يبدأ عمله به هو (ابن النيل) ، ولكن رشحه المصور الإيطالي (أورفانيللي) لإحدى شركات الإنتاج بعد اعتذار أحد كبار المخرجين ، فوافقت هذه الشركة وقتها فقط لضآلة أجره ، وطلبت منه أن يقدم عملاً آخر غير (ابن النيل) .. فقدم قصة فيلم (بابا أمين) وعمره تقريباً 24 عام ، ومن هنا بدأ مشوار (شاهين) التاريخي والذي يقترب الآن من ستين عاماً في عمر السينما ..

حينها كانت السينما – كما وصف النقاد – تمر بمرحلة ازدهار كاذبة بعد الحرب العالمية الثانية .. لكنه جاء وقدم (بابا أمين) فيلماً مختلفاً في الشكل والمضمون ؛ استطاع عن طريقه أن يبرز قدراته كمخرج . كان الفيلم اجتماعياً يبتعد كل البعد عن أي مغزى أو إسقاطة سياسية .. فقد جاء المخرج الشاب من الولايات المتحدة إلى مصر على غير دراية بالواقع السياسي المصري .. وظل هكذا بدون وعي سياسي حتى أخرج رائعته (الأرض) عام 1970 ، وذلك باعترافه هو شخصياً .

وعيه السياسي : -
تجلى وعيه السياسي الذي كان غائباً بوضوح في الكثير من أفلامه التي ظهرت بعد (الأرض) .. مثل (الاختيار) ، و(العصفور) ، و(عودة الابن الضال) .. وقد فتش في أفلامه الأربعة هذه تحديداً عن أسباب نكسة 67 وأوضح تأثره الشديد بها ..
فـ في (الأرض) تجلت الروعة كاملة عندما ناقش الفكرة نفسها مجردة .. فكرة تمسك الفلاح بأرضه واستبساله واستماتته في الدفاع عنها ونيل حقه ، ومن المؤكد أننا لا ننسى المشهد الخالد الذي أداه (محمود المليجي) ببراعة في نهاية الفيلم .. عندما لم يمنعه القهر السياسي وجذبه بحبل ربطوا طرفه في جسده والطرف الآخر في خيل الحكومة الذي يعدو كي يبعدوه عن أرضه – لم يمنعه هذا من التشبث بزرعه ومن غرس أصابعه في أرضه على الرغم من جسده المسحوب بعنف .. وامتزجت الدماء على يديه بطين الأرض في مشهد معبر رائع !
وعن فيلم (الاختيار) قال (شاهين) : ” إنه المواجهة المباشرة مع الهزيمة ، والطرح الواضح لمسئولية المثقفين عن هذه الهزيمة ، ومسئولية المجتمع ككل ”
أما فيلم (العصفور) فقد حظى بنصيب وافر من الجرأة ، وكان محملاً بمضامين فكرية مختلفة كلها تتمركز حول غضب الشعب من المؤسسات الحكومية المرتشية المخربة بعد النكسة .. وقد تم منع عرض الفيلم إلى ما بعد حرب أكتوبر مما أصاب (شاهين) ببعض اليأس ، وبدأت تدور في ذهنه فكرة فيلمه المميز (عودة الابن الضال) .

وعن (عودة الابن الضال) تفيد الناقدة (سعاد شوقي) بأن البحث المتواصل عن أسباب هزيمتنا في نكسة 67 قد استمر في هذا الفيلم عن طريق طرحه لأفكار كثيرة تتشعب لمستويات شتى .. أفكار كلها تدور حلو ضرورة العلم ، وتحقيق الحلم ، والاغتصاب ، والطمع ، وحب المال ، والإيمان بدور الشباب ، وأهمية البناء ، والثورة على المغتصب ، والأمل في المستقبل ..
أفكار من العيار الثقيل استطاع أن يجسدها من خلال شخصيات الفيلم العميقة وصراعاتها المختلفة ، ومن خلال تقنيات عالية على مستوى المكان والتكوينات والتشكيل الدرامي .

الصراع الاجتماعي والنفسي : -
الصراع الطبقي ثابت في أفلام كثيرة له كجزء مهم جداً من واقع مصر الاجتماعي ، والذي يستخدمه ليضيف بعداً نفسياً في تركيبات شخصياته . وكرهه هو شخصياً للطبقة البرجوازية واضح كأقصى ما يكون في معظم أفلامه .. دوماً يسخر من هذه الطبقة مبرزاً عيوبها وبشاعتها .

أما صفة التسامح والتعايش بين الأديان فقد أثبتت وجودها في سينما (شاهين) بقوة .. ونجدها واضحة في (الناصر صلاح الدين) إذا نظرنا لعلاقته الطيبة بـ(عيسى العوام) المسيحي والذي كان يفترض أنه من أخص جنود (صلاح الدين) ، وكذلك في فيلم (إسكندرية ليه؟) إذا لحظنا العلاقة الوطيدة التي تجمع بين (محسن) المسلم و(يحيى) المسيحي و(ديفيد) اليهودي بغض النظر عن اختلاف الديانات .. وكان هذا بالفعل جزء من واقع مصر الاجتماعي في تلك الفترة .

غاص (شاهين) في النفس البشرية وشغله تقديم نماذج غريبة على المستوى النفسي .. فقدم شخصيات مركبة في أغلب أعماله .. مثل (قناوي) في (باب الحديد) ، و(صلاح الدين) ، و(ريتشارد قلب الأسد) ، و(عوكا) في (اليوم السادس) … الخ

الإغراق في المحلية هو الطريق للعالمية : -
ومن أهم ما يُحسب لـ(يوسف شاهين) – على مدار تاريخه الفني – من وجهة نظري هو أنه قد رسّخ مبدأ : “الإغراق في المحلية هو الطريق للعالمية” .. فهو على الرغم من عشقه لمختلف الفنون العالمية – من سينما ومسرح وأدب وموسيقى - وتأثره بها على المستوى الشخصي .. إلا أنه لم يُسخّر مسيرته الفنية كوسيلة للتعبير عن انبهاره بالغرب وفنونه كما يفعل الكثير من المخرجين ، ولكن على العكس .. لقد أغرق (شاهين) في المحلية .. فحملت جميع أفلامه روح مصر خاصة والعرب عامة .. بواقعها السياسي وقضاياها الاجتماعية والفكرية والفنية .. مُعلياً من قيمتها حيناً ، ومبرزاً سلبياتها حيناً آخر ؛ مع الافتخار في كل الحالات بالانتماء لها – على الرغم من أيدولوجيته المعارِضة للحكومة - ..
حتى لو ألصق به البعض تهمة (الخواجة) كما هو شائع ، فيكفي أنه قد ارتقى بمصر وبفنها السينمائي إلى مصاف العالمية مهما اختلفنا معه بعد ذلك .. لكنه على كل حال لم يكن من مرضى عقدة الخواجة الذين يسعون بكافة الأشكال لبروزة أمريكا ومناصريها .. بل على العكس إنه يحقر دوماً هذا الكيان ويقلل من قيمته .. تم هذا أكثر من مرة في أفلامه .. وقد سبق أن صور أمريكا من قبل في فيلمه (إسكندرية ليه؟) كامرأة ساقطة عندما صبغ وجه تمثال الحرية بمساحيق التجميل الفجة وصنع فلقة بين أسنان وجه التمثال وألصق بالوجه ابتسامة سخرية بشعة ، ووصف أمريكا نفسها من قبل بأنها عاهرة ..

وفي فيلم (المصير) نقل ومضات من تاريخ فرنسا المليء بالجهل والظلمات .. في حين صوّر مصر بلداً للنور والمعرفة .. وقد رسخ أيضاً هذا المفهوم أكثر من مرة في أفلام أخرى كـ(المهاجر) ، و(سكوت ح نصور) مثلاً ..
وعلى الرغم من هذا فقد وصل للعالمية ، واحتفى الغرب ذاته بفنه وأعماله .

أكثر ما يثير سخطي وتقززي في سينما (يوسف شاهين) هي الإشارات غير القليلة إلى العلاقات المثلية الشاذة ، وتجلى هذا واضحاً في أفلام سيرته الذاتية تحديداً (إسكندرية ليه ؟) ، و(حدوتة مصرية) ، و(إسكندرية كمان وكمان) ، و(إسكندرية .. نيويورك) .


هذا ويرفض (شاهين) تماماً مبدأ البساطة في تقديم أعماله ، بل ويعتبرها – حسب تعبيره – إهانة للعقل .. وربما أتبنى وجهة نظر مغايرة لهذا الكلام ؛ لكن لكلٍ منهجه ورؤيته الفنية الخاصة على كل حال .

* * * *

” لا تجعلوا السيرة الذاتية سجناً يوضع فيه الفيلم ولا يُرى إلا من خلاله .. نعم هي سيرتي الذاتية ، ولكن كل فيلم من أفلام كل مخرج هو على نحوٍ ما سيرة ذاتية . سيرة اللحظة التي صور فيها المشهد ، وانعكاس للحالة أثناء التصوير ”
(يوسف شاهين)

في القسم الثاني من هذه الدراسة سنتناول مرحلة صياغته لسيرته الذاتية ..
ولنسأل هنا سؤالاً .. من يستطيع أن يتعرى فكرياً ، ونفسياً ، واجتماعياً ، وجنسياً وبكافة الأشكال الأخرى – إلا من الملابس بالتأكيد – أمام الجماهير ؟!
(يوسف شاهين) فعلها .. وهذا أمرٌ يحتاج إلى جرأة نادرة وصدق بالغ .. ولقد أقنعنا هو فعلاً بالنسبة لجرأته أكثر من مرة حتى آمنا بها ، أما بالنسبة للصدق فلا أحد يستطيع أن يجزم بهذا الأمر سوى (شاهين) نفسه لأنه أدرى بتفاصيل حياته من الناس كلها ، وهو الوحيد الذي يدري هل نقلها كما يجب أم لا ؟ .. لكن على كل حال لا نستطيع أن ننكر أنه قد نجح بالفعل في جعلنا نشعر بصدق أعمال سيرته الذاتية هذه سواء كانت صادقة أو مبالغ فيها !
وبشأن موضوع سينما السيرة الذاتية هذا فقد تأثر (شاهين) في هذا الأمر بمخرجين قد سبقوه إلى هذه التجربة .. مثل المخرج الإيطالي (فيلليني) ، والفرنسي (فرانسو تريفو) ، و(بوب فوس) .

يجزم بعض النقاد بأن معظم أعمال (يوسف شاهين) على مدار سنوات إبداعه الستين فيها شيءٌ منه .. وأنا أعتقد أيضاً أنه دوماً يودع تكوينه النفسي وبعض صفاته وجزءٌ من شخصيته في أحد شخصيات كل فيلم يخرجه .. ولما وجد أن عنده المزيد في هذا الصدد لا زال لم يقدمه بعد ؛ فقد بادر بإصدار رباعية سيرته الذاتية غير المتصلة : (إسكندرية ليه ؟) ، و(حدوتة مصرية) ، و(إسكندرية كمان وكمان) ، و(إسكندرية .. نيويورك) ..
في هذه الأفلام الأربعة كشف نفسه وهواجسه تماماً وعلى كافة الأصعدة بشكلٍ نادر أن يحدث .. وأصبحت تجربته هذه بمثابة أول سيرة ذاتية في تاريخ السينما المصرية .

فقط استبدل اسمه الحقيقي باسم يبدأ بنفس حرفي اسمه (يحيى شكري) كي يستخدمه ويظل ثابتاً مع الشخصية خلال الأربع أفلام .
وبشأن أفلامه هذه قالت الناقدة (سعاد شوقي) في كتابها الوافي عنه :

” .. ولعلنا نلاحظ أن (يوسف شاهين) من السينمائيين العرب القلائل جداً الذين استطاعوا الحديث عن أنفسهم وهمومهم وهواجسهم الذاتية دون الابتعاد عن هموم الوطن والمجتمع ، حيث يلتقي عنده الهم الذاتي بالهم الموضوعي بلا أي افتعال ؛ فيؤلفان نظرة نقدية ثاقبة وحادة للواقع الاجتماعي والسياسي ..
إن عرض (شاهين) لذاتيته لا يعتبر عرضاً لنرجسيته ، أو حتى لتمجيد الأنا .. فيوسف شاهين لا يتحدث عن نفسه من منطلق النرجسية وإنما يتحدث عن نفسه ليكتشفها ويكشف معها تناقضاته وهواجسه وتربيته وأفكاره وضعفه وقوته وعائلته .. بل ومحيطه ومجتمعه . ”

في هذه الأفلام سالفة الذكر تحديداً نقترب من (يوسف شاهين) كفنان ، ومخرج ، وإنسان عادي .. فهو في (إسكندرية ليه؟) قدم عرضاً لسنوات صباه وحلمه بالسفر لأمريكا من خلال تجسيد الفنان الموهوب (محسن محيي الدين) للدور .. وقدم بشيءٍ من التفصيل الكثير من الأفراد في محيطه .. أصدقاءه .. عائلته .. عشقه للمسرح وحلمه بدراسة الفن في أمريكا ، وكفاح عائلته المادي من أجل تحقيق هذا الحلم ومن أجل أن ينال حظه من التعليم كأبناء الطبقة البرجوازية .. وينتهي الفيلم بوصوله إلى أمريكا بالفعل .. البلد الحلم .. الذي سيكتشف فيما بعد أنها كابوس ..

وفي (حدوتة مصرية) يتناول حياة (يحيى شكري) أيضاً – وقد لعب دوره (نور الشريف) .. ولكن بصفته مخرج ناجح هذه المرة وليس مجرد صبي يدرس لا زال يحلم ويدرس العلم .. تعرض لطفولته ، ولعلاقته السيئة بأمه المتسلطة ، وكذلك علاقة أخته به ، وعلاقة الفتور بينه وبين زوجته .. وبعض مشاكل أفلامه كمخرج .. أكثر ما وضح في هذا الفيلم هو الجمع بين (يحيى الكبير) المخرج الناجح ، و(يحيى الصغير) الطفل المتمرد في تناول فانتازي كان له أثره .. لينتهي الفيلم بتصالح بين الاثنين وتنزل كلمة (البداية) بدلاً من كلمة (النهاية) كتصور من (شاهين) نفسه أن في تصالحه مع ذاته وفي عيشه لحالة السلام النفسي هذه بداية حياة جديدة له .

وبالنسبة لفيلم (إسكندرية كمان وكمان) فأعتقد أن (شاهين) قد عبر بكلمات موجزة عن الفيلم أفضل من أي تعليقات روتينية كنت سألقيها أنا هنا .. فقد قال :

” (إسكندرية كمان وكمان) إعلان عن الذات .. فضح الذات .. هو أوهامي .. اختبار أوهامي .. معرفة هل هي أوهام !! .. تقول إن عنوان فيلم (كيروساوا) الجديد : (عشرة أحلام) . برافو عليه . فيلم عن أحلامه وهو في السبعين من عمره أو أكثر . إنه الموضوع الوحيد الصحيح بالنسبة إليه الآن ، وبعد كل ما قدم من أفلام .. لقد اخترتُ أيضاً الموضوع الصحيح وحديثي إلى الشباب . أنا لم أنجب ذكوراًَ ولا إناثاً ، ولكني أشعر بالأبوة تجاه (يسرا) كما شعرت بها من قبل تجاه (محسن محيي الدين) ..
ليست الأبوة تماماً ، ولكنه شعور بالمسئولية المقترنة بالحب . أتضايق جداً عندما يُقال ماذا قدمت الأجيال الجديدة .. لا روائي منذ نجيب محفوظ ، ولا مغنية منذ أم كلثوم ، ولا مخرج منذ فلان أو علان . هذا غير صحيح .. وإن كان صحيحاً فاللوم على نجيب محفوظ وأم كلثوم ، وإذا لم يكن هناك صلاح أبو سيف جديد أو توفيق صالح جديد فأجيالنا قد فشلت إذن .
تعبت جداً .. 12 أسبوع تصوير ، وملايين صُرفت ، ولكنه إرهاق لذيذ جداً .. الأشد إرهاقاً كان التمثيل : تمثيل دوري في الفيلم ؛ كما أنني قمتُ بالغناء أيضاً .. كان (يسري نصر الله) وراء الكاميرا وأنا أمامها في معركة بكل معنى الكلمة . لا أستطيع أن أمثل وأخرج في نفس الوقت ، ولكن كان لابد من ذلك .. الفيلم كله عن المستحيل .. المستحيل في صور ”

أما عن فيلمه الرابع والأخير في أفلام سيرته الذاتية : (إسكندرية .. نيويورك) فلن أثرثر بخصوصه كثيراً ها هنا لأني قد خصصت له مقالاً مستقلاً ، وذلك لأني أعتبره أروع أفلام سيرته الذاتية بكل ما تحمله الكلمة من معاني .. لكني فقط أقول أنه في هذا الفيلم قد استكمل الحلقة المفقودة ، والتي فقدها المُشاهد في الأفلام الثلاثة السابقة .. وهي : فترة دراسته بكلية فيكتوريا وما تعرض له من مصاعب وأزمات ، وعرض قصة حبه كذلك .

الإسكندرية عند (شاهين) رمز .. يصورها في أفلامه كحلم جميل .. تكتمل في وجوده أركان التسامح والجمال والنور والسعادة .

* * * *

أما في القسم الثالث والأخير من هذه الدراسة فسنتحدث عن أدواته ومفرداته السينمائية الخاصة ..

فلـ(يوسف شاهين) تحديداً لغة سينمائية متفردة تخصه وحده .. تستطيع أن تميزه بها لو لم تكن تعرف أنه هو مخرج الفيلم الذي تشاهده ..
فكما قلتُ سلفاً في بداية هذه الدراسة أن منهجه الذي التزمه دوماً في فنه هو الإبهار بدون خدع أو مؤثرات بصرية .. إبهار الفكرة .. إبهار التصوير ذاته وطريقة أخذ الكادرات .. ولهذا فقد ارتبط هو نفسه ارتباطاً كبيراً بالكاميرا .
نلاحظ كثيراً أن حركة الكاميرا في كادراته تتسم بالحيوية والحركة مما يقتل أي إحساس بالضجر ويخلق نوعاً محبباً من التشويق حتى لو لم يكن على مستوى الحدث ذاته ، فهو موجود في الصورة .. كما أن مجرد التقطيع عنده أيضاً له دلالات تؤثر في انطباع المشاهد .

تأثره الواضح بالمسرح : -
نأتي أيضاً لنقطة مهمة يستحيل تجاهلها ما دمنا نتحدث عن (يوسف شاهين) : ولعه الشديد وتأثره الواضح بالمسرح .. فقد درس التمثيل والمسرح في كلية (فيكتوريا) واشتغل مخرجاً مسرحياً في فترة مهمة من حياته أخرج فيها بعض مسرحيات (شكسبير) وشارك بالتمثيل فيها .. وربما ظهر في أفلامه أكثر من مرة ارتباطه الشديد بدور (هاملت) .
يظهر تأثره بالمسرح دوماً في أسلوبه الإخراجي ؛ على الرغم من أنه إخراج للسينما وليس المسرح .. ولكن كل من يشاهد أفلامه يلحظ في الكادر هذا أو ذاك تأثراً واضحاً بتقنيات المسرح وعوالمه .. الكادر عنده عبارة عن لوحة فنية لابد أن تخرج متقنة .. يهتم فيه بالإضاءة وبالزوايا ، ولابد أن يتم توزيع العناصر فيه بدقة شديدة كي يصل المغزى المراد من مجرد طريقة أخذ كادر ، وليس عن طريق إحكام السيناريو حتى .. من المؤكد أن معظم المتابعين يتذكرون الكادرات الخالدة في الناصر صلاح الدين ، وبياع الخواتم ، والأرض ، وعودة الابن الضال ، والكثير من أفلامه الأخرى ..

ومن أوضح العلامات كذلك على تأثره بالمسرح هو اهتمامه الشديد بعنصر (الأغنية) في أفلامه .. فالأغنية عنده لابد أن تكون ذروة لحدث درامي ؛ بنهايتها نصل لشيء جديد معين .. فتدخل الأغنية بذلك في صميم البناء الدرامي للفيلم .. ولهذا فـ(شاهين) يقوم بتحضير أغاني أفلامه بشكل دقيق جداً وفائق العناية .. يتفق مع الشعراء الذين يكتبون الأغاني ويوجههم في المسار الذي يريد لكلمات الأغاني أن تكون فيه ، ويجعلهم على دراية بوظيفة الأغنية بالنسبة للسيناريو بحيث لا تقف أحداث الفيلم كي نسمع أغنية .. لأن هذا يسبب ما يسمى بالهبوط الدرامي ويفصل المشاهد تماماً من حالة الفيلم .. وهذه النقطة بالتحديد هي أكثر ما يثير جنوني وسخطي في الكثير من أفلامنا القديمة .. حيث يتم بتر أحداث الفيلم بتراً لتقديم استعراض راقص أو أغنية لا علاقة لها بأحداث الفيلم لمجرد استعراض الصوت وإمكانيات الرقص !
ولهذا فإن (شاهين) يعتبر الأغنية سلاح خطير جداً .. وأعتقد أنه لهذا السبب ولاختياراته الدقيقة ظهرت في أفلامه أقوى الأغاني التي عرفناها في السينما حتى الآن والتي يرددها أغلبنا حتى لو لم نكن من متابعي الأفلام نفسها ..
فمن منا ينسى أغنية (الأرض لو عطشانة) في فيلم (الأرض) ؟ أو أغنية (راجعين) في فيلم (العصفور) التي أصبحت أغنية الجنود على الجبهة في يوم العبور العظيم ؟ أو أغنية (علي صوتك) بصوت محمد منير في (المصير) ؟ أو أغاني ماجدة الرومي في (عودة الابن الضال) ؟ أو أغنية لطيفة الشهيرة (تعرف تتكلم بلدي) في (سكوت ح نصور) ؟ أو الأغنية الأكثر من رائعة (بنت وولد) في (إسكندرية نيويورك) ؟ .. كل هذه أغاني عاشت في وجدان الشعب المصري ولو لم يكن الجمهور نفسه على دراية بالأفلام .

ابتكار تقنية تصوير (الثبات) : -
دوماً كانت تواجه المشاهد مشكلة عند مشاهدة أي معركة حربية في أي فيلم تاريخي .. وهذه المشكلة تكمن في حركة الكاميرا التي يحسها سريعة ومبتورة وفوضوية بعض الشيء .. فينتابه شعور بالتوتر والضيق بدون وعي منه لأنه يريد أن يرى مشهداً لا يراه فعلاً وإنما يلمحه بشكلٍ خاطف .. و(شاهين) بعبقريته الإخراجية قد قام بحل هذه المشكلة وقدم الحل بشكلٍ راقي جداً ومُرضي وعلى مستوى فني عالي بالفعل .. فقد قام بعمل تقنية تصوير جديدة عند تصوير مشاهد القتال في فيلم (الناصر صلاح الدين) فصنع ما يسمى بتثبيت اللحظة وأصبحت المشاهد عبارة عن مجموعة من اللقطات الثابتة المتتالية التي تعرض حركة الخيل وضربات السيوف وهجوم الجنود .. وعن هذا قال (شاهين) :
” السينما أعطتني القدرة على الحركة السريعة (fast motion) وطبعاً ليها استخداماتها ، وبرضه اديتني القدرة على الحركة البطيئة (slow motion) ودي برضه ليها استخداماتها وتوظيفها .. كان لحظات الثبات أو توقيف الزمن ودي أنا استخدمتها كويس في الفيلم ده ؛ علشان لما يبقى فيه معركة أو حرب أول لحظة هجوم أو صدام الواحد بيبقى مش عارف يشوف حاجة ، فعملت كده .. ما دامت السينما تسمح لي إني ألعب في الوقت وأسرقه وأحفظه وأثبته وأطوله على كيفي .. ليه مستخدمش الإمكانية دي ؟ ”

المأساة الموسيقية ، وتجدد اللغة السينمائية : -
ابتكر (يوسف شاهين) لوناً جديداً في السينما المصرية والعربية أسماهُ : المأساة الموسيقية .. ويتضح هذا في فيلم (عودة الابن الضال) ..
” أقصد بهذا التعبير الاجتهادي التفرقة بين الفيلم وما يطلقون عليه في هوليود أفلام الكوميديا الموسيقية . فهناك أغانٍ في الفيلم ، ولكن ليس معنى هذا أنه فيلم كوميدي . إنه ليس فيلماً كوميدياً ، وليس أيضاً من الأفلام التي يطلقون عليها في مصر : الأفلام الغنائية ”
وبسبب منهجية التفكير هذه نجد أن لغة (شاهين) السينمائية متجددة ومتطورة دائماً وأبداً .. فقد جرب على مدار مشواره الفني كل الاتجاهات السينمائية تقريباً .. فقد قدم الأفلام الكوميدية كـ(بابا أمين) ، و(المهرج الكبير) .. والأفلام الاجتماعية كـ(ابن النيل) ، و(صراع في الوادي) ، و(نساء بلا رجال) ، و(سيدة القصر) .. وكذلك الأفلام التاريخية التي خاض فيها مغامرة تقديم حقب تاريخية لم ينقّب فيها أحدٌ قبله .. كالحقبة الفرعونية في (المهاجر) والتي خرجت بشكل مشوق فعلاً ، وحقبة الحملة الفرنسية التي كانت منسية سينمائياً في (وداعاً بونابرت) ، وحقبة (الناصر صلاح الدين) ، وحقبة ابن رشد في (المصير) .. وكلها كانت تجارب ثرية وجديدة على السينما عموماً على الرغم من اختلافنا حول الرؤى نفسها الموجودة في سيناريوهات هذه الأفلام .
وأيضاً قدم الفيلم السياسي .. مثل (الأرض) ، و(الاختيار) ، و(العصفور) ، (وعودة الابن الضال) ، و(الآخر) ..
وأفلام السيرة الذاتية الشهيرة ، وكذلك قدم الأفلام الغنائية كـ( انت حبيبي) ، والاستعراضية الغنائية كتحفته (بياع الخواتم) التي لعبت فيها المطربة الأسطورية (فيروز) دور البطولة إلى جوار المطرب الرائع : (نصري شمس الدين) .. وقد خصصت لهذا الفيلم مقالاً مستقلاً أيضاً لما له من وضع خاص .
هذا بالإضافة إلى الكثير من التناولات الفانتازية المتناثرة هنا وهناك في بعض هذه الأفلام وقد مكنه هذا من أن يستخدم الرسوم المتحركة في أعماله ..
كل هذا ليثبت (شاهين) مدى احترافه وتمكنه وعبقريته ، مهما اختلف اللون السينمائي الذي يقدمه .. وقد أثبت هذا بالفعل .

أخرج (شاهين) ما يقرب من خمسة أفلام قصيرة ؛ لكنه لم يجد نفسه فيها أبداً وذلك باعترافه هو .. ربما لهذا لم يلقَ أي من هذه الأفلام ما يكفي من شهرة ، ومنا ما لم يتم عرضه أصلاً .

* * * *

والآن ما رأيك ؟ من بين كل هذه الأفلام التي سبق الحديث عنها ؛ كم فيلماً شاهدت ؟ وكم مما شاهدتَ قد أعجبك ؟ .. هل اختلفت – أو تعدلت – نظرتك لسينما (يوسف شاهين) ؟ هل تنوي المضي قدماً في متابعته بدءً من الآن ؟
الاستفزاز في الأمر كله يكمن - كما قلتُ سلفاً - في أن هذا المخرج ظلمه جمهوره .. أو ربما قد أتى في وقتٍ لا يحتاجه فيه هذا الجمهور .. لكن هذا قطعاً ليس مقياساً للقيمة الفنية .. وكم من أفلامِ قد فشلت جماهيرياً لكنها أصبحت فيما بعد من علامات السينما .. لا زلتُ أصر أن فيلم (إليزابث تاون) الذي صدر منذ عامين من بطولة الواعد (أورلاندو بلوم) والجميلة (كرستين دانست) – واحداً من أفضل الأفلام التي رأيتها في حياتي ، وقد صُدِمتُ فعلاً لما علمت أنه قد فشل جماهيرياً ..
ولِمَ نذهب بعيداً ؟ .. على مستوى أفلام (يوسف شاهين) نفسها نجد مثلاً أن فيلمه الأسطوري (الناصر صلاح الدين) لم يحقق إيرادات تذكر وقتها ، وكذلك فيلم (باب الحديد) الذي يعده النقاد من أهم أفلام السينما المصرية قد تم رفضه من قِبَل الجمهور وقتها وبصق أحد المشاهدين في وجه (شاهين) بعد مشاهدة الفيلم .
ولأن إبداعه متميز جداً ، ولأن إخراجه يُحترم .. فقد عمل تحت توجيهاته مجموعة من أقوى وأشهر النجوم في الوطن العربي .. كـ (يوسف وهبي) ، و(محمود المليجي) ، و(شكري سرحان) ، و(أحمد مظهر) ، و(زكي طليمات) ، و(حمدي غيث) ، وقيثارة الشرق : (فيروز) ، و(محسن محيي الدين) ، و(نور الشريف) ، و(محمود حميدة) ، و(يسرا) ، و(خالد النبوي) ، و(حنان ترك) ، و(حسين فهمي) ، و(سعاد نصر) ، و(ماجدة الخطيب) ، و(خالد صالح) ، و(منة شلبي) .. والكثير والكثير ..
وأيضاً تعلم منه وخرج من تحت عباءته الكثير من المخرجين .. منهم على سبيل المثال المخرج العبقري : (يسري نصر الله) ، والمبدع : (خالد يوسف) .

ولـ(شاهين) بعض السقطات .. منها على سبيل المثال أنه قد كرر تجربة الإنتاج المصري الفرنسي المشترك التي تمت في فيلمه (اليوم السادس) وقد أحدث هذا الأمر خللاً بان في أداء ونطق الممثلة داليدا – كرر هذه التجربة مرةً أخرى في فيلم (وداعاً بونابرت) على الرغم من قراره أنه لن يكررها .. ولهذا السبب أرجع الناقد (سمير فريد) فشل هذين الفيلمين لأنه اعتبر أنهما قد تما لأغراض تجارية .
ومن المآخذ الخطيرة التي تؤخذ على (شاهين) هو مشاركاته غير القليلة في كتابة سيناريوهات أفلامه التي لا تخرج بالشكل المتميز الكافي .. فالكثير من أفلامه تعتمد في واقع الأمر على سيناريوهات ركيكة ، ولولا إبداعه الإخراجي فيها لما تبقى منها شيء .

في نهاية هذه الدراسة المتواضعة ينبغي أن أشير إلى أمرٍ بالغ الأهمية فأقول أن عبقرية (يوسف شاهين) الإخراجية كانت هي الدافع الوحيد الذي دفعني لكتابة مثل هذه المعلومات وسرد هذه الانطباعات النقدية ، وبذل بعض الجهد في سبيل هذا .. لأنه كمخرج يستحق أن نوفيه حقه الذي بخسه الكثيرون .. لكني في ذات الوقت ينبغي أن أقول بوضوح : أن لي بعض التحفظات الكثيرة على (يوسف شاهين) كشخص ، وكمفكر ، وكسيناريست .. وثمة بعض النقاط التي أختلف – ويختلف معي الكثيرون – معه فيها كلياً .. ولم أُرِد أن أجعل هذه الدراسة التي أردتها تعريفية أكثر منها شيئاً آخر – منبراً لحشو التحفظات وتفجير الاختلافات في وجهات النظر .
(يوسف شاهين) المخرج عبقري تماماً ، ولا يختلف أحدنا على ذلك .. وأختم بما قاله عنه د. (رفيق الصبان) في كتابه (أضواء على الماضي) :

“شاهين يستطيع أن يضع السماء بكل اتساعها في غيمة واحدة أحياناً ، وأمطار الدنيا كلها في كأس رقراقة شفافة من الكريستال ، وعيون نساء الأرض في نظرة ، وشبق الكون في قبلة لا نراها ”

فيلموجرافيا (يوسف شاهين) : -
- بابا أمين (1950)
- ابن النيل (1951)
- المهرج الكبير (1952)
- سيدة القطار (1952)
- نساء بلا رجال (1953)
- صراع في الوادي (1954)
- شيطان الصحراء (1954)
- صراع في الميناء (1956)
- ودعت حبك (1956)
- انت حبيبي (1957)
- باب الحديد (1958)
- جميلة الجزائرية (1958)
- حب إلى الأبد (1959)
- بين ايديك (1960)
- نداء العشاق (1960)
- رجل في حياتي (1961)
- الناصر صلاح الدين (1963)
- بياع الخواتم (1965)
- فجر يوم جديد (1965)
- رمال من ذهب (1966)
- عيد الميرون (1967) - فيلم قصير
- الأرض (1970)
- الاختيار (1971)
- سلوى (1972) - فيلم قصير
- الناس والنيل (1972)
- انطلاق (1973) - فيلم قصير
- العصفور (1974)
- عودة الابن الضال (1976)
- إسكندرية… ليه؟ (1979)
- حدوتة مصرية (1982)
- وداعًا بوناپارت (1985)
- اليوم السادس (1986)
- إسكندرية كمان وكمان (1990)
- القاهرة منورة بأهلها (1990) - فيلم قصير
- المهاجر (1994)
- المصير (1997)
- كلها خطوة (1998) - فيلم قصير
- الآخر (1999)
- سكوت ح نصور (2001)
- 01 9 11 سبتمبر 11 (2002)
- إسكندرية.. نيويورك (2004)
- هي فوضى (2007)

المراجع : -
- (سينما يوسف شاهين .. تطور الرؤية والأسلوب) لـ(سعاد شوقي)
- (أضواء على سينما يوسف شاهين) .. لـ(سمير فريد)
- (أضواء على الماضي) .. لـ(د. رفيق الصبان)
- الإنترنت

أحمد صبري غباشي

Face /off …. نزع الوجه ، وأشياء أخرى أكثر أهمية!

مدارات سينمائية تعليق واحد »

عارف فكرى

لعله من أفضل أفلام الحركة فى السينما الأمريكية على الإطلاق..الفيلم الذى استطاع أن يحوز على إعجاب النقاد ، والجمهور ، والذى يعتبر نصّه السينمائى تيمة بالغة الكمال والإمتاع ..
موعدنا اليوم مع ضابط الشرطة ” شون آرشر ” ، والمجرم ” كاستور تروى ” فى مواجهتهما الأخيرة!

قصة الفيلم :
فى البداية نرى ضابط الشرطة ” شون آرشر “/ “جون ترافولتا” ، وهو يقوم باللهو مع ابنه الصغير ” مايكل” ، لكن ” كاستور تروى” / “نيكولاس كيج” ، يقوم بمراقبته عن بعد ، ثم تسديد رصاصة صائبة ، بدلاً من أن تقتل الأب ، تقتل ابنه !
بهذه البداية الساخنة ندخل فى الأحداث مباشرة ، بعد تمهيد قصير ومكثف.
” كاستور تروى” يقوم بزرع قنبلة تدميرية ، وبعد صراع دموى مع الشرطة يسقط فى غيبوبة عميقة تحت حراسة الشرطة ، بينما يدخل أخوه السجن … السرّ هنا مع الأخ الغائب عن الوعى .. فماذا يفعل رجال الشرطة الفيدرالية ؟!
تقوم فئة محدودة منهم بإعداد خطة ، وهى تتلخص فى أن يتمّ نزع وجه ” كاستور تروى ” ، ونزع وجه ” أرشر” ، ووضع وجه هذا الأخير فى مكان آمين ، بينما يتم وضع وجه ” كاستور ” على وجهه ، لكى يدخل السجن ، ويأتى بسر القنبلة من الأخ الثانى!!
طبعاً نلاحظ أن ثمة علاقة فاترة بين ” أرشر” وابنته ، وزوجته ، ويبدو أن مقتل الصغير قد أثّر عليهم جميعاً ..
يدخل ” أرشر” بوجه ” كاستور” السجن ، فى نفس الوقت الذى يستيقظ فيه ” كاستور ” ليجد نفسه بلا وجه!
يا للهول!!
يقوم بقتل الطبيب ، والمسئولين عن العملية ، بعد أن يأخذ وجه” أرشر ” نفسه ، وتنقلب الآية: يغدو الضابط مجرماً ، والمجرم ضابطاً !
لكن ” أرشر ” يقوم بالهرب من السجن ، ويدخل – بصفته ” كاستور” – فى عالم عدوه .. يقابل حبيبته ، وابنه الصغير ” آدم ” ، هذا قبل أن يأتى ” كاستور” – بصفته ” أرشر” – ومعه قوة من رجال الشرطة ، ويحيل المكان إلى حطام ، وتنتهى المعركة بقتل أخيه!
يجنّ جنون ” كاستور” ، حتى أنه يقتل رئيسه فى العمل ” فيكتور” ، فى نفس الوقت الذى يذهب ” آرشر” إلى بيته ، ويقابل زوجته ، ويعلن لها الحقيقة ، فترفض التصديق ، فيطلب منها أن تتعرف على شخصية عدوهما من خلال فصيلة دمه ، وتكون المفاجأة التى تصعقها : إنه ليس زوجها!!
وفى جنازة ” فيكتور” تكون المواجهة الأخيرة بين الرجلين ، ليقتل ” كاستور” بيد ” أرشر “، ثم يستعيد بطلنا وجهه ، وحياته ، وكرامته .

تيمة الخير والشر:
على الرغم من أن الفيلم يصنف كواحد من أفلام الحركة ، لكن هل ننكر أن فيه مشاهد قوية وعظيمة .. مشاهد رفعت مستواه الفنى، وجعلتنا لا نملّ مشاهدته ، حتى وهو يتعامل مع تيمة الخير والشر بشكل منطقى بعيد عن التفلسف .
هناك المشهد الذى تكرر كثيراً ، ولا مغزى لا ينسى : أن يمرّر ” أرشر” أصابع كفه على وجوه من يحبهم!!
وكذلك المشهد الرهيب بينهما فى معقل ” ساشا ” حبيبة ” كاستور” ، حيث واجها بعضهما البعض من خلال مرآة مزدوجة ، ومن ثمّ فقد رأينا أن كل واحد منهما يواجه نفسه!!
والمشهد الإنسانى الرائع عندما قتل أخ ” كاستور” ، حيث انحنى هذا الأخير، وربط رباط الحذاء المفكوك!! ” كاستور” فى النهاية بشر أيضاً!!
والواقع أن الفيلم ملىء بهذه المشاهد ، والتى رفعت أسهمه بكل جدارة.

السيناريو:
كما قلت فالنصّ مكتوب بحرفية بالغة .. الفكرة المتناسقة مع الشخصيات بشكل مدروس.. الحوار القوى ، والمكثف ..

الممثلون:
نيكولاس كيج ” هنا يؤدى واحداً من أفضل أدواره .. هل نذكر المشهد الذى يتحسس فيه وجهه فى المرآة بكل كراهية وغلّ؟!
جون ترافولتا ” الممثل العبقرى ، هنا نراه يؤدى دوراً مذهلاً .. هناك رأياً بأن ” نيكولاس ” أدى دوره أفضل من ” ترافولتا ” ، لكنى أرى العكس ..
فى الكنيسة حيث حدثت المواجهة الأخيرة – نرى ” ترافولتا ” وهو ينطلق بمشيته الخاصة – كراقص بارع يستخفّ بالموت!- ، وقد مدّ ذراعيه مقلداً التمثال الذى يمثل المسيح مصلوباً!

الموسيقى التصويرية :
موسيقى أكثر من رائعة .. موسيقى معبرة ، ناعمة ، هادئة ، مجنونة فى كثير من الأحيان…
فى مشهد اقتحام رجال الشركة لمعقل ” ساشا ” يتناغم صوت الرصاص ، والتفجيرات ، مع أغنية هادئة يستمع إليها الطفل” آدم” ، وهو يسير بهدوء وسط المعركة الصاخبة!!

الإخراج:
لنا هنا وقفة … هنا نلتقى مع البطل الحقيقى للفيلم .. المايسترو الذى قاد كتيبة العمل .. المخرج الصينى ” جون ووه “…
هذا المخرج الفذّ الذى تميز بطريقة خاصة فى الإخراج والعمل .. هو شبه متخصص فى أفلام الحركة ، لكنه يقدمها مكسوة بالإنسانية ، والحيوية ..
ففى فيلم – مثلاً - ” المهمة المستحيل : الجزء الثانى ” ، رأينا الجو الذى يبرع فيه دائماً : حالة تدمير شرسة ، وفى الخلفية موسيقى تصويرية ناعمة ، مع حالة من الشجن والتأثر تندفع وتصيبنا نحن !!
وفى معظم أفلامه ستجد أن هناك مشهداً بتكرر باستمرار: مشهد الحمام الذى يطير محلقاً فى الهواء !!
حدث هذا فى فيلمنا اليوم ، وفيلم ” المهمة : المستحيل” ، وغيرهما من الأفلام .

كلمة أخيرة:
” تذكر أنه بعد موتى ، فى كل مرة ستنظر فيها بالمرآة ستجد وجهى!”
” كاستور تروى ” لـ” شون آرشر”

فيلموجرافيا:
اسم الفيلم : face/ off
سنة الإنتاج : 1997
السيناريو: Mike Werb / Michael Colleary
الممثلون:
John Travolta
Nicolas Cage
John Powell
Alessandro Nivola
الموسيقى:
John Powell
ميزانية الفيلم: 80 مليون دولار
الإخراج: John Woo

كده رضا … فيلم مختلف لصيف محروق!

مدارات سينمائية 2 تعليقات »

كده رضا : فيلم مختلف
شاهدت الفيلم أخيراً بصحبة بعض الأصحاب .. فى الواقع كان لدىّ فضول عارم لمشاهدة ” أحمد حلمى” فى فيلم بثلاث شخصيات ، وكنت أريد أن أعرف كيف تكون تجربة سيناريست جديد بفيلم لعملاق من عمالقة الكوميديا حالياً…
لا شكّ أن الفيلم تجربة جيدة ومبشرة لكاتب السيناريو الموهوب” أحمد فهمى”، والذى وضع فرضية لطيفة تكمن فى 3 توائم يعيشون تحت سقف بيت واحد باسم واحد ، وشهادة ميلاد واحدة، لكن بشخصيات مختلفة تماماً ، وهنا تأتى القماشة القوية الغنية ، التى أجاد الكاتب رسمها بالمسطرة بدقة يحسد عليها .
حكاية ” رضا ” :
فلدينا ” البرنس” الشاب الحاد ، العصبى ، والذى يعتبر نفسه بطلاً لفيلم أكشن أمريكى ، وواضح أنه يحب أجزاء الغموض والرعب، وهو يتضح من ملابسه ، ونستطيع أن نطلق عليه لقب الشاب الضائع الذى يقضيها كيفما اتفق، دعكم من كونه – لأنه قوى الشخصية – القائد لأخويه ، والذى يخطط فى عمليات النصب ، مستغلاً وجود الشبه المتطابق بينهم .
أما ” بيبو” فهو عشاق مجنون للكرة ، وللنادى الأهلى تحديداً ، وهو روش خفيف الحركة والدم .
أما ” سمسم ” فهو عاشق للكمبيوتر ، وهو – كأى شخصية ضعيفة – يحلم بالإفلات من سيطرة أخويه ، وأن يكون نفسه .
ومن هنا تبدأ الأحداث الفعلية إذ يذهب لطبيب نفسانى – أدى دوره باقتدار الموهوب” خالد الصاوى”- ويحكى له مشكلته .
تظهر ” ندى” فى حياتهم ، ويحبونها ، ويبدو أن أمها المريضة تحتاج للمال لكى تعالج بالخارج ، ومن ثمّ يساعدها الأشقاء الثلاثة ، فى عملية نصب من أجل الحب ، قبل أن يكتشفوا أنهم خدعوا، وأن الطبيب النفسى هو من نصب عليهم بمساعدة ” ندى” فيقررون الإنتقام منه ، وبالفعل يخربون بيته لو جاز التعبير .
وينتهى الفيلم بأن الثلاثة يتقربون من بعضهم أكثر .
ملاحظات :

” أحمد حلمى” تفوق على نفسه فى آداء الشخصيات ، والمدهش هنا أنك ستعرف شخصيته من مجرد النظر إليه فحسب ، حيث تتقمص ملامحه الشخصية بمهارة .

” منة شلبى” كانت جيدة فى دورها المعقد ، وإن بدا بعد الشخصية مهزوزاً بعض الشىء، برغم كون الشخصية كذلك فعلاً، لكننى طمحت فى عمق مفتقد للأسف.
” لطفى لبيب” ممثل جيد جداً، وإن كان دوره هنا لم يضف شيئاً إلى رصيده ، ومن الملاحظ أن تواجده السينمائى بدأ فى التكاثف، وهو أمر يقلقنى خشية أن يتحول إلى ” حسن حسنى ” آخر، أو ورقة محروقة !
الإخارج أكثر من ممتاز، ويثبت – للمرة المليون – ” أحمد نادر جلال ” أنه من أفضل المخرجين فى تاريخ السينما المصرية حتى الآن ، ويكفى الإبداع فى مجال الصورة ، والحركة ، وتناسق الكادرات ، والألوان ، وهذه الصورة المتناغمة الشعرية .
فجوات:
1- كيف تفرق المسار بالاخوة ليدخلوا 3 كليات مختلفة ، وهم الذين دخلوا مدرسة واحدة على إنهم شخص واحد؟!
2- كيف لمجرم أن ينفذ وصية زوجته هكذا ببساطة ، لمجرد أنها قالت ” وصيتى ليك تعيش بالحلال”! ياسلام! لابد أن زوجها سمع منها هذه النصيحة دائماً طوال حياتها ، فما الذى تغير؟!
3- لم نر الأب يعمل بمهنة شريفة طول الأحداث.. فهو إما فى الصلاة ، أو فى المطبخ .. دعك من أنه يصلى خطأ أصلاً ، فكان يضع جبهته فقط دون أنفه … ثم هذا الاستهتار – لمجرد أنه موقف كوميدى – عندما يطلب من ” البرنس ” أن يصلى الجمعة” فيخبره أنه صلاها فى الجمعة الفائتة ، والدور على سمسم!! وكذلك أنه ضعيف الشخصية ، فلا يأخذ قراراً أمام المال الحرام الذى يتسرب للبيت ، دعكم من أنه فى آخر الفيلم يعيد ” سمسم” 250 ألف جنيه وهو ” مبسوط” برغم أنها مال حرام أصلاً!!!
4- أعجبنى أداء ” حلمى” لشخصية ” البرنس ” ، لكنها تظل- من وجهة نظرى شخصية مصطنعة .. شخصية تشعر أنها متكلفة ، وليست طبيعية حتى فى تعاملها ..
5- روح النص أى جدوى من هذا كله حتى لو كان مبرر الضحك للضحك ممنطقاً؟! إنه نصّ لا يحمل أية رسالة للأسف! باستثنار رسالة أن تتغلب على ضعفك ، وتصبح قوياً .
لكم يظل الفيلم خطوة هامة فى حياة مؤلفه ، والذى ٍيصبح – لو ظلّ على اجتهاده وتفانيه – من أفضل كتّاب السيناريو فى مصر .
يظلّ الفيلم تجربة مختلفة ، لصيف محروق ، وفى انتظار المزيد من التجارب، شريطة أن تفكر فى العمق! فليس بالضحك وحده يحيا الإنسان!

عارف فكري

قص ولزق يسأل: العيب في البلد ولاّ فينا؟

مدارات سينمائية لا تعليق »

هالة خليل في أول سيناريو وثاني إخراج لفيلم طويل
قص ولزق يسأل: العيب في البلد ولاّ فينا؟
في فيلم قليل التكلفة الانتاجية، راقي في أبجدياته الفنية:
فيلم يحتفي بتفاصيل الحياة اليومية للطبقة المتوسطة في القاهرة اليوم
ويعيد الاعتبار لقيمة بناء وتطوير الشخصية في السيناريو من خلال شباب يواجه الخوف من اهتراء الواقع بالاتكاء على الحب وصلابة العلاقات الانسانية.
ويطرح قضايا الشباب في الحب والعمل والظلم الاجتماعي
بعيداً عن البطل الأسطوري الذي يغير العالم في الأفلام القديمة، وبعيداً عن البطل المثير للسخرية في الأفلام الكوميدية الحالية، يقدم لنا “قص ولزق” أبطالاً حقيقيين، بشر من لحم ودم، بهم مزايا وعيوب، لديهم طموحات ومخاوف، معجونين في مدينة صار الزيف والنصب هما الهواء الذي يتنفسه قاطنوها، ومضطرين للمشاركة في هذا النصب بالحد الأدنى الذي يتطلبه استمرارهم في هذا الواقع، لكنهم ليسوا نصابين محترفين كأولئك الذين يحققون ثراء فاحشاً في وقت قياسي، أولئك لم يقدمهم الفيلم، بل اكتفى بعرض ناطحات السحاب وبذخ الفنادق ليعبر برهافة عن وحشية التفاوت الطبقي في مصر اليوم.

“جميلة” بطلة هذا الفيلم “الفنانة حنان ترك” : توفي والدها وهي طفلة واضطرت أمها “سوسن بدر” للعمل طوال اليوم، لدرجة أنهما لم يتناولا الغداء أبداً معاً، لأن عمل الأم أهم كي يكون لديهما غداء أصلاً، تكبر جميلة وتصبح شابة عملية، تحسب كل خطوة تخطوها، لا وقت لديها للحب، تمتلك حس المبادرة، وتخوض صراعات صغيرة وتكسبها، وقد تخسر بعضها، لكنها تعبر جرحها وتنتظر النصر في المرة المقبلة. تسعى جميلة “دون علم أمها” للهجرة إلى نيوزيلنده يأساً من أوضاع البلد، تظهر أزمتها عندما تبلغ الثلاثين من العمر ويصبح مشروع الهجرة مهدداً، إلا إذا غيرت الحالة الاجتماعية، أي إذا تزوجت، هنا تلتقي ببطل الفيلم: “يوسف” الفنان “شريف منير”.
يوسف يختلف عن جميلة في الشخصية وفي النظرة للحياة، فهو مهذب، شديد الاستقامة، يتقبل ما تهبه الحياة إياه ويزهد فيما تبخل عليه به، تربطه بأخيه أخوة حقيقية ومميزة، لذا تبدأ أزمته عندما يستعد أخوه للزواج ويصبح واجب يوسف هو ترك الشقة لأخيه وزوجته، ولكن إلى أين يذهب؟ هنا: تصبح فكرة الهجرة مقبولة لديه على أمل أن يعمل لنفسه قرشين بالخارج ثم يعود لبلده.
يقبل يوسف اقتراح جميلة أن يتزوجا صورياً في مصر على أن يستأنف كل منهما حياته بمفرده بعد الهجرة، وبداية من هذه اللحظة يتورطا في مآزق متفاقمة، فأم جميلة ترفض العريس “يوسف” لأنه لم يتكلم في الشبكة والمهر، لذا تسحب جميلة مدخراتها من دفتر التوفير “لأول مرة تسحب فهي تودع فقط في العادة” كي تشتري الشبكة، وتتم الخطبة، المأزق التالي هو أن أم جميلة تريد حفلاً كبيراً لزفاف ابنتها الوحيدة، وليس عقد قران “ع الساكت”، وتعد يوسف بتحمل نصف التكاليف وبالإقامة معها بالشقة، لكن يوسف