تعذيب العقل

مدارات فكرية 2 تعليقات »

منذ فترة بسيطة قرأت عن تعذيب المواطن التونسي وليد العوني تعذيبا أدى به إلي فقدان عقله أو حسب التعبير الرسمي فقدان مداركه ! وهو نوع من الحوادث يتكرر وقوعه على امتداد الخريطة العربية.هكذا ثمة شخص اسمه وليد أو عبد الله أو رشدي، طويل القامة ، أو قصير ، متزوج أو أعزب ، فقد عقله بالتعذيب إلي درجة أنه لم يعد قادرا على استيعاب أو قراءة أو فهم كل ما يكتب الآن دفاعا عنه . وليس فينا من لم يسمع عن التعذيب بشتى الطرق ، لكن معظم وسائل الجلادين تستهدف في العادة بدن الإنسان ، يديه ، صدره ، ذراعه . أما الوقائع التي تعذب العقل فإنها أقل شيوعا، لأنها تستلزم أحيانا قليلا من الخيال ، والحرفية ، التي لا وقت لها . وتعذيب العقل عمل شيطاني قديم ، تعرض لأحد فنونه الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي في سيبيريا خلال اعتقاله ، حين كانوا يجبرونه على تقطيع كميات ضخمة من الشجر طيلة النهار ليلقي بها عند الغروب في مياه النهر. التعذيب هنا لا يتعلق بالجهد البدني الشاق المبذول ، التعذيب هنا يتجه إلي العقل مباشرة ، إلي تدمير الدعامة التي يقوم عليها وهي المنطق القائل بأن لكل عمل غاية ، وأن لحياتنا هدفا ، وأن لوجودنا وكدنا معنى . العقل يقول إنك إذا قطعت أشجارا طيلة النهار فذلك لأنك ستبني منها كوخا أو بيتا ، أما أن تعرق على قطع الأشجار لتلقي بأخشابها إلي النهر فهذا يعني أن العالم لا يحتاج إلي العقل ، دمره إذن ، وارمه بعيدا ، لأن الوجود بلا منطق . وحينما يكون جهدك كله عبثا ، يغدو وجود العقل والمنطق مدعاة للسخرية ، والاستهزاء ، وتدوي في أذنيك أقوى فأقوى رسالة الجلادين : امسح عقلك ، لأنك لست بحاجة إليه ، لأنه لن ينفعك لا في تفسير العالم ولا في التحكم به . وقد اكتشف العلم الحديث أن القلب الذي نتغنى به في الشعر والروايات ليس أكثر من مضخة للدماء ، وأن العقل هو حصن التفكير والمشاعر والطموح . وحينما تعذب العقل أو تدمره ، فإنك تعذب وتحطم التكوين الإنساني المميز والبلورة الخاصة المشعة بكل أعماق وأبعاد الشخصية . واكتشف العلم الحديث أيضا أن الموت هو موت العقل ، إذ يمكن استبدال الساق أو الكلى بأخرى ، ووضع شريحة زجاجية في العين المعتمة لترى من جديد ، وتغيير صمامات القلب أو القلب بأكمله ، وزرع كبد ، ورئة ، لكن كل تلك المعجزات لا ترقي إلي المساس بالعقل الذي يجري مليارات من العمليات في أقل من ثانية والذي مازلنا لا نستخدم سوى جزء ضئيل من قدراته . في هذا السياق أتذكر كتابا للدكتور عبد المحسن صالح اسمه ” ما هو الموت ؟ ” . يقص فيه تجربة أجراها العلماء على كلب لمعرفة ” ما هو الموت ” ، فيقول إن العلماء فصلوا كل أعضاء الكلب عن جسمه واحتفظوا خلال ذلك برأسه فقط حيا منزوعا من البدن ، ثم قاموا عبر الأنابيب بضخ المحاليل والدماء إلي الرأس المنزوع ، ففتح الكلب عينيه ، وتعرف إلي صوت صاحبه وأخذ يلعق يديه. العقل إذن هو الذي يصون الحياة والوعي والذكريات والإرادة بل وقلق الحب وهواجسه الرقيقة. وقد تم تدمير عقل وليد العوني المواطن تونسي ، في ظروف ، تشبه الظروف التي يتم فيها تدمير عقل الكثيرين على امتداد الخريطة العربية وبقدر سجونها . يختلف الاسم ، والسن ، وسمك أبواب الزنازين ، واللهجات ، وبدانة الزوجة ، أو هزال الحبيبة ، ولكن ثمة دائما إنسانا يفقد عقله وحده خلف أبواب موصدة .

لكن تعذيب العقل ونفي دوره لا يجري في السجون وحدها ، بل إنه يجري على نطاق المجتمع بأكمله أكثر بملايين المرات مما يتم وراء قضبان . وحينما تصبح الفوارق بين الدخول ضخمة إلي هذا الحد الذي نراه ، يعجز العقل عن تفسير ذلك ، وحينما يصبح من يحتكرون الحديد والأسمنت وغيره سادة المجتمع من دون عرق أو سبب ، بينما لا يساوى كدح الشرفاء شيئا ، وحينما يبنى البعض قصورا خيالية في طريق الإسماعيلية والبعض مازال ينام على الأرصفة، وحينما يبرز كل شخص عديم الكفاءة ليتحكم في شئون الثقافة، وحينما يصمت الأدباء ويتكلم أشباه الكتاب ، وحينما تحل بالرشوة والعلاقات كل ما لا يحل بالطرق الشريفة ، وحينما تربح الراقصة بهزة وسط واحدة أضعاف ما يربحه عالم على مدى حياته كلها ، وحينما ، وحينما، وحينما ، فإن ذلك الواقع يصبح نوعا من التعذيب المستمر للعقل الذي لا يستطيع لا فهم ولا تفسير كل تلك المفارقات والفوارق ، وهو تعذيب ينقل لٌٌلإنسان رسالة واحدة : امسح عقلك ، لست بحاجة إليه ، لأنه غير نافع لا في فهم العالم ولا في تفسير أحواله ولا في التحكم به .

***

أحمد الخميسي

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

مصل … للخروج من رعب الصمت

مدارات فكرية 2 تعليقات »

بدأ الإنسان صراعه من أجل الحياة مع الرقص والصراخ والأغانى والرقى ومحاكاة مشاهدة الحروب التي يقصد منها أن تلهمه بقوة أجداده وانتصاراته على أعدائه سواء من الحيوان أو مظاهر الطبيعة كما كان يتوقع ، وبالطبع لم تكن هذه المظاهر تنتمي إلى الفن والذي لم يكن يحمل أي مسوغ لوجوده ، بل كانت تنتمي إلى عالم السحر ..
إنها جزء من واقع ميتافيزيقي غامض وعقيم لكنه منسجم مع الحياة…
حينما شرع البشر في نقش تخطيطات الحيوان على جدران الكهوف ، فإنهم كانوا يهدفون بذلك إلى حماية أنفسهم ، وحين قاموا بنحت أقنعتهم الأولى ، فإنهم كانوا يسعون إلى إضافة شكل على وجههم الداخلي أو إلى خصائص دورهم في الظاهر، أي أنهم يحاولون بذلك أن يفصحوا عن مظاهر غرائزهم الأكثر غموضا ..
فالغاية الأساسية لهذه المحاولات أذن لم تكن الفن
بل التأثير بصرف النظر عن الفن الذي يشتمل عليه الإنجاز التقني لهذه الفعال السحرية.
السلوك الإنساني إذن مؤلف من إيحاءات وأغان وإيقاعات ورسومات وأقنعة ومنحوتات ومختارات من العطور ؛ ورقى مصحوبة بالطبول والأجراس.
حالات من النشوة التي لا علاقة لها بالأدب بالمفهوم الأكاديمي والتقني ،
يبد أنها ترتبط كليا بالإنسان ..
الفن والأدب يكتملان في محاولة تقليد وإعادة خلق هذه الضروب من السلوك البشرى ،
ولو سألنا أنفسنا عن كيفية ولادة الفن والأدب في داخلنا وعن الشيء الذي نسعى بهما لإعادة خلقه فإننا بصدق سوف نميل للإجابة غريزيا ،
فحين تصل الفنون والآداب إلى حواسنا فأنها تقوم بإشباعها الواحدة تلو الأخرى ،
وعلى سبيل المثال فقد نكون مصابين بالصم ونتذوق الرسم ،
أو بالعمى ونتذوق الموسيقى والشعر ، بل إننا كثيرا ما نغلق أعيننا لنسمع بشكل أفضل ونندمج مع ما نسمع بشكل أفضل.
إن الحياة لدى إعادة خلقها من جديد على يد الفنان تصل إلينا بشكل متخصص وربما عبر حاسة واحدة ، وعلى العكس من ذلك الحياة الاعتيادية التي تتمثل العالم الخارجي بشموليته في وقت واحد وعبر جميع الحواس ، ليس ثمة عصب واحد فينا لا يؤشر نوعا من الاحتكاك،
وإذ يمسنا العالم الخارجي على هذا النحو فإننا نشعر في الوقت نفسه بكل الجوانب المختلفة لحياة داخلية :
ذكريات ماضينا ،
غليان دمنا ،
سيل لعابنا ،
طقطقة مفاصلنا ،
شدة تنفسنا
ولو ركزنا اهتمامنا على أي من هذه اللحظات في الحاضر التي يمس فيها العالم الخارجي باستمرار عالمنا الداخلي ، لأدركنا على الفور بأن وراء ذلك الخليط من الضجيج والمشاهد والأصوات البعيدة شيئا من الهمس الخفيف الذي يضفيه الحاضر المتغير أبدا على الصمت ..
نعم الصمت ..
هذه اللفظة التي توحي؛ بل وتبعث على الاختناق والخوف .
المدركات تملؤنا رعبا ويستبد بنا القلق وثمة طريق واحدة للنجاة من هذه الحالة الرهيبة
هي تحطيم هذا الصمت ،
لذا ننغمس في الكلام والضوضاء والنقاشات من مختلف الأنواع ،
إننا نحاول أن نحس بالحياة لنبعد عن الموت ،
وإذا كان الفعل غير كاف فإننا ننغمس في الانفعال ،
وإذا كان الشيء المحسوس في الحياة هو الحاضر ، فإن هذا الحاضر يقع دائما بين شئ لم يحصل بعد ، وشئ تحقق توا وفي حالة صيرورة دائمة ،
وإذا جاز التعبير فليس ثمة شئ حقيقي يكون خارج هذه اللحظة.
إن هذه الفكرة مخيفة بشكل ما ، وعليه فليس مستغربا أن نصرخ مكابرة لنغطي خوفنا ،
ووفق هذا المنظور فنحن في حاجة دائمة إلى الدراما كضرورة إنسانية لنعيش الحياة ..
فالحاضر هو الومضة السريعة الزوال والتي نحن انعكاس لها ولابد أن تمتلئ هذه الومضة بالحياة والصراع.
لو تسنى للإنسان أن يكون أداة جديرة بالفن فإنه سوف يكون خير وسيلة اصطناعية لملء حياة الحاضر؛ لابد من ترجمة الإحساس الذي يشعر به الإنسان في حياة الكون.
لابد من قذف الإنسان في الفضاء
الفرد في العالم ،
ولهذا تكون الدراما بالأساس صراعا بين الفرد والمجموع ،
بين القوة الخارجية والداخلية
ومن ثم يتحول هذا الإحساس حسب مزاجه أو روح الدعابة لديه إمّا إلى دراما ميتا فيزيقية
أو سماوية متناغمة ؛
ولأجل أن يطمئن نفسه فانه سوف يلجأ إلى هذا الصراخ أو الصفير
أو سرد حكايات أو أداء رقصات ..
وإذن فسوف يتبنى الإنسان نهجين من السلوك ، كلاهما تمليه عواطفه إمّا يحوله إلى شئ سماوي بوسعه أن يواجهه- تراجيديا-
أو يتظاهر بالتجاهل وينغمس في ضروب المتعة وتلك هي –الكوميديا –
وقد يزدهر الفن بانفصال الدينوي عن الديني
ويمكن إيجاز القول بأن الفن والأدب هما المصل الذي ابتدعه الإنسان للدفاع عن نفسه بغية التصدي للعزلة والركون للإنزواء، فهو يحقن نفسه بمصل المرض الذي هو الألم ليعيد العافية لنفسه.

بقلم/ محمود عبد الصمد زكريا
شاعر مصري
عضو اتحاد الكتاب
ج م ع - الإسكندرية

أين أنت أيها التـنـوير؟

مدارات فكرية لا تعليق »

أحمد الخميسي

من كثرة ما صرت أسمعه عن التنوير وما أقرأه عنه من مقالات وملفات في مجلات وصحف ثم ما أشاهده من برامج تـنـويـرأصبحت أظن أن ثمة شخصا يدعى ” تنوير” ربما أصادفه في الطريق فأستوقفه لأطمئن على أحوال وأسأله : ما بتجيش ليه يا تـنـوير؟ . وعلى كثرة تجوالي في المدينة فإن ” تنوير ” لم يظهر أبدا ، وعلى العكس وجدت أن أوضاعنا في مجال الوعي العام تزداد تدهورا من سنة لأخرى ، وتتأجج الطائفية ، وتنتشر الخرافات ، والدروشة ، ونظرة التحقير للمرأة ، واعتبار الحياة موتا نحو حياة أخرى ، كما تتعمق روح الازدراء للفنون والثقافة أو على الأقل اللامبالاة بكل ثمار الفكر والإبداع ، ويتوغل اليأس في النفوس. والسبب الأول في التنوير عندنا بلا أثر أن أغلب المقصود به هو مواجهة التيارات السلفية وما تخلقه من تطرف وإرهاب. ولاشك أن تلك المواجهة التي يغطيها التنوير تشكل قاسما مشتركا بين أمن الناس وأمن الحكومة، لكن ماذا عن التنوير عندما تتعارض مصالح الناس والحكومة ؟! عندما يرى الناس خلافا للحكومة أن الأمر لا يتعلق فقط بحوادث الإرهاب الفردي الصغيرة المتناثرة ، ولكن بالإرهاب الأمريكي الضخم المنظم في العراق وفلسطين المدعوم بصمت الحكومات العربية؟ لماذا لا يمتد التنوير إلي تلك القضايا؟ هل هو تنوير حقا أم مجرد دعم نظري للحكومة في أزمتها ؟ . هذه الانتقائية في مكافحة الإرهاب هي التي ألقت بظلال الشك على دور التنوير وأحالته إلي مجرد شمعة صغيرة على باب الحكومة كلما انطفأت أشعلها كتاب الدولة – مشكورين - بحزمة مقالات. لأن السؤال الذي يدور في بال الجميع هو : لماذا لا يقوم أولئك المفكرين بتنويرنا فيما يتعلق بالإرهاب الإسرائيلي ؟ أم أن هناك إرهابا مرفوضا وآخر مقبولا ؟ .

لا يظهر للتنوير أثر أيضا لأن حركة التنوير التي حاصرت نفسها افترضت أن الناس يموتون شوقا إلي الكتب في مجتمع تتجاوز الأمية فيه نسبة أربعين بالمئة ، وليس أن الناس يموتون شوقا إلي المسكن والعلاج وزيادة الرواتب ! وبذلك عزلت الحركة نفسها عن الاشتباك بقضايا المجتمع الحقيقية ، فأسقطها الناس من حسابهم . فليس ثمة تنوير خارج إطار البحث عن العدل والكرامة، وليس ثمة تنوير مطلق ، ومعلق في الفراغ ، يشرح للناس مبادئ التفكير السليم . وقد تخلفت حركة التنوير حتى عن مشروع طه حسين للتنوير الذي قام على أساس أن التعليم وليس نشر الكتب هو مستقر الثقافة والتنوير ، وفي تخلفها ذلك تتشبث الحركة بإعادة إعادة إحياء التراث الفكري لرواد التنوير الأوائل، أي إعادة طباعة كتب علي عبد الرازق ، والشيخ محمد عبده ، وسلامة موسى ، وطه حسين ، وصبحي وحيدة ، والعودة إلي آباء التنوير كالطهطاوي ، وزكي مبارك ، وغيرهما. ولا شك أن أعمال كل أولئك المفكرين الكبار تحمل قسمات عامة مازالت صالحة لكي يستفيد منها الوعي العام . لكن عظمة تلك الأعمال لم تكن في أنها دعوة عامة للتنوير ، بل في كون تلك الدعوة قد اشتبكت في حينه بقضايا عصرها المحددة ، وبالكفاح ضد الطابع المحدد لسلفية ذلك العصر. وقد اختلف الطابع الرجعي لتلك السلفية في وقتنا اختلافا كبيرا عما كان الحال عليه في زمن على عبد الرازق مثلا . فقد كان التنوير عهد على عبد الرازق يعني تحديدا التصدي لفكرة الخلافة الإسلامية ، فهل أننا ما زلنا بحاجة الآن للتصدي لتلك الفكرة ؟ أم أن التيار السلفي قد جدد وغير أثوابه ومطالبه ؟ . ويعلم الجميع أن التنوير في عهد رفاعة رافع الطهطاوي كان يعني تحديدا مواجهة وزلزلة فكرة الحاكم الفرد المستبد بمشروع برلماني ، ولهذا قام رفاعة الطهطاوي بترجمة الدستور الفرنسي . وبذلك كان التنوير مشتبكا بقضايا عصره المحددة ، وليس مطلبا قاصرا على التصدي لحوادث فردية ، كما أنه لم يكن أبدا مطلبا عاما معزولا عن حاجات التطور. إن التنوير ينبغي أن يكون خطوة للأمام تستوعب المتغيرات، وليس خطوة للخلف باجترار مهام قديمة عالجها التنوير فيما مضى . فلكل مرحلة من مراحل التنوير مهامها المحددة ، التي تبرز في مواجهة واقع معين . أما حين يكون التنوير مجرد ” خدمة ” للحكومة فمن الطبيعي أن تبحث عن ” تنوير ” فلا تجد له أثرا ، ومن الطبيعي أن يزداد الوعي العام تدهورا من سنة لأخرى . مع ذلك ثمة أمل أن يصبح التنوير عملية متكاملة وأن يجد طريقه إلي الناس ، ليس بفضل المثقفين لكن رغما عنهم !

***

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

الأسطورة.. وسحر الكلمة

مدارات فكرية 2 تعليقات »

بسم الله الرحمن الرحيم
“إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كُن فيكون”
صدق الله العظيم
وفي الإنجيل “في البدء كان الكلمة”.
* * *

أساطير السحرة، وسحرهم، والتعاويذ، والتمتمات غير المفهومة، والحركات الغريبة، ودماء الخفاش مع كلية الضبع وكبد الغراب… هذه العوالم الغريبة.
القاسمان المشتركان في هذا العالم هما: التعاويذ (التمتمات، والكلمات الغريبة)، وأعضاء الحيوانات.
سأتناول هنا العامل الأول.. التعاويذ وتلك القوى الخفية للكلمة المنطوقة.
لا يغيب عن بالنا المشهد المشهور للدجال الجالس ببخوره أمام جمرات النار، يتمتم بما لا يفهمه أحد، ويتكلم وسط أقواله عن سر الكاف والنون وأمره بـ (كُن فيكون)، كما نتذكر من بين كل مشاهداتنا وقراءاتنا كل الكلمات السحرية غير المفهومة، المذكورة في القصص والأفلام.
السؤال هو، لماذا الكلمة؟! لماذا كلمة الأمر بالتحديد؟! ما القوى السحرية الكامنة في الأحرف لما تجتمع وتُنطق؟!
الأساطير تنسب الكثير لقوى الكلمة، فلماذا؟
القدماء يؤمنون أن الإنسان في بدايته لم يكن يملك رفاهية الحديث، فلم تكن هناك لغات، ولا إشارات، ولا أي شيء؛ فكان التفاهم عسيرًا.. وببطء، ببطء شديد، تكونت اللغات، بداية بالأسماء؛ فهذه شمس وهذا قمر وهذه أرض، هذا نهر وهذه أسماك وتلك حيوانات.. ثم بدأت الأفعال تُشتق من مُسمياتها، ومع الوقت انتظمت اللغة، فصارت الكلمة المنطوقة توفر عناء الكثير من الإشارات، وغموض العديد من الإيماءات، ونواتج الفهم الخاطيء.. ثم تعرف على صيغة الأمر، بقوته أو بسلطته أو بمكانته يستطيع أن يأمر فيطاع، والأمر الذي يوجهه لشخص آخر يوفر عليه مشقة الفعل، وصار يتوق لدرجة أخرى يرتقيها، أن يأمر الحيوانات والجمادات فتُطيع.
من هنا يرى أن الكلمة لها قوة خاصة بها، خصوصًا في صيغة الأمر..
لكن هذا التفسير غير معقول، فنحن نعلم أن بداية الخلق كان سيدنا (آدم)، الذي علمه ربه الأسماء جميعًا.
فلنتحول إلى توضيح المقصود بقوة الكلمة..
في أسطورة (السندباد)، ذُكرت عرائس البحر اللواتي يسلبن الرجال عقولهم بغنائهن الساحر، وصوتهن العذب.
في حكاية (علي بابا)، نذكر كلمة ( افتح يا سمسم)، التي يفتح على أثرها باب مغارة عصابة الأربعين.
في أسطورة النداهة، السحر أيضًا بكلمة، هي نداء باسم الشخص المراد سحره.
فما الفارق بين الحكايات الثلاث؟!!
في أسطورة (السندباد) لا تستعمل عرائس البحر قوة الكلمة في سحر البحارة، بل يستخدمن صوتهن وغنائهن العذب، المسألة مسألة تأثير جنسي، فبجانب الصوت والغناء هُن يُظهرن نصف جسدهن فيسلب الجمال أيضًا لُب الرجال.. الرجال فقط فلا تأثير لذلك السحر الجنسي على النساء.
وفي حكاية (علي بابا) القوة للكلمة، فمهما كان القائل، مهما كان نوعه أو جنسه أو عمره، بمجرد قول الكلمة يفتح باب المغارة، فقط بقوة الكلمة.
وفي حكاية النداهة السحر ليس سحر جنس أو قوة كلمة، النداء باسم الشخص المراد سحره هو السر، الصوت العميق أو القوي هو المفتاح، إنها قوة الساحر لا قوة الكلمة.
من هنا نرى اختلاف أوجه التأثير السحري للكلمة، فتارة هي مثير جنسي في سحر إلهاء العقول، وتارة هي وسيلة للسيطرة من الساحر على المسحور، وتارة هي القوة المطلقة في سحر يعتد أساسًا على قوة الكلمة وحدها، قوة فعل الأمر.
وهل يطمع الإنسان في هذه القدرة الإلهية؟!! أن يقول للشيء كن فيكون؟!!
السحرة لا يتورعون عن فعل شيء، يؤمنون بالقوة فقط.. فما المانع في نظرهم؟!!
سحر الكلمة تتجلى قوته لدى الفراعنة، فجلّ سحرهم تعاويذ، آلهتهم تلقى التعاويذ لفعل أي شيء، بخلاف آله الإغريق الذين يكتفون بإشارة أو لمسة من يدهم، وسحر الكلمة لدى الفراعنة يعتمد أساسًا على السر الأعظم، السر الذي يولد به كل إنسان ويبقى محافظًا عليه طوال عمره، سر اسمه الأول.
إنها أسطورة غير مشهورة، أن لكل شخص -حتى الآلهة- اسم أطلقه عليه أبواه لحظة ميلاده ونقلاه إليه، بخلاف اسمه الأخر الذي يُعرف ويُنادى به، هذا الاسم السري يحمل كل القوى السحرية التي ينقلها الأبوان لطفلهما والقوى الأخرى التي يكتسبها أثناء حياته، وحين يريد الشخص أن ينقل اسمه لشخص أخر فهو لا ينطقه، بل مجرد انه يريد انتقال الاسم والأخر يقبل أن ينتقل الاسم إليه.
ينطق الاسم فقط في التعاويذ، ولكل اسم قوته التي يستمدها من قوة صاحبه، كما أن لكل تعويذة قوتها الخاصة، وبنطق الاسم وسط التعويذة يدمج كهنة الفراعنة قوة التعويذة بقوة الساحر.
لكن يبقى في النهاية سؤال.. كيف تكتسب التعويذة قوتها الخاصة؟!

أحمد محمد عبيد

السفر عبر الزمن

مدارات فكرية 16 تعليقات »

(هربرت جورج ويلز - H. G. Wells)، الذي ولد في العام ١٨٦٦ م، وفي ١٩٤٦ توفى، قدم لنا في سن التاسعة والعشرون روايته (أله الزمن - The Time Machine) والتي تعتبر
صاحبة علامة على طريق أدب الخيال العلمي، ومن بعدها تعددت الروايات والقصص والأفلام التي تناولت ذات الفكرة - السفر عبر الزمن، وتكلم كثيرون عن سرعة الضوء، التي هي شرط لاجتياز حاجز الزمان، وأعاد كثيرون النظر في نظريات ألبرت إينشتين، خصوصًا المتعلقة بنظرية السفر عبر الزمن، ومعادلاته التي تثبت نظريًا إمكانية حدوث ذلك.
فقط إذا توفرت سرعة في مثل سرعة الضوء..
فيلم (العودة إلى المستقبل - Back to the Future) قدم فكرة السفر عبر الزمن مع عبقري مجنون، مُطارد من قِبل بعض الإرهابيين، وشاب طائش يثق في هذا المجنون.. الفيلم عبارة عن مغامرات كوميدية، تدور في الماضي أو المستقبل، وكنتيجة لذلك تتغير بعض الأحداث في الحاضر.. الفيلم يتناول الموضوع نفسه بشكل ساخر، كنوع من الدعاية العكسية لفكرة السفر عبر الزمن، وأراه على حق..
safar1.bmp
هذا هو خط الزمن.. نحن نقف دائما عند نقطة (الحاضر)، إنما هذه النقطة هي التي تتحرك بنا، فاليوم هي عند التاريخ ١٩/٨/٢٠٠٦، غدًا ستكون في النقطة ٢٠/٨/٢٠٠٦، بعد شهر ستكون في النقطة ١٩/٩/٢٠٠٦، يشبه الأمر ركوب السيارة، فأنت داخل السيارة لا تتحرك، أنت ثابت، إنما السيارة هي التي تتحرك؛ لذا فأنت تركبها في مكان وتنزل في مكان آخر.
لكن السؤال هو كيف نترك سيارتنا، ونتحرك مشيًا على الأقدام؟!!
كيف نترك نقطة الحاضر ونعود خطوات للخلف، أو نسبقها خطوات للأمام؟!!
وهل هذا ممكن من الأساس؟؟؟
العلم نظريًا يقول نعم.. لكن ذات العلم من ناحية أخرى يتكلم بثقة عن استحالة ذلك، ماذا لو أنك سافرت في الماضي، وقتلت جدك قبل أن يتزوج وينجب أباك، في هذه الحالة لن يكون لك وجود، وينتج عن ذلك أنك لن تسافر للماضي، ولن يموت جدك، وسيتزوج وستأتي أنت، وستسافر وتقتله، فلا يعد لك وجود، فلا تقتلنه فتولد فتقتله فتسافر… إلى آخر هذه المتاهة.
نظرية دينية تثبت إستحالة حدوث ذلك.
الغيب.. هو علم أخفاه الله عنا وإحتفظ به لذاته المقدسة، فلو سافرت للماضي ومعي كتاب تاريخ سأكون ملكًا على الزمان، ولو سافرت للمستقبل سأجد الجميع يعلمون حاضري الذي تركته خلفي، والذي هو بالنسبة لهم ماضٍ و تاريخ.
هل كان الله ليترك ثغرة في خلقه كي يخترقها مخلوق!!
هل يتركني أسافر لأعرف متى وأين ينزل المطر، ومتى تأتي الساعة، والعديد من الغيبيات التي خص بعلمها نفسه!!
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)
صدق الله العظيم
هذا بالنسبة للحاجز المكاني المسموح باختراقه في حدود، فماذا عن حاجز الزمان غير المسموح بإختراقه بأي شكل!!
لو عدنا للعلم، سنجد الفيزياء تعلمنا أن (الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم)، والمادة كذلك.
لو تصورنا أن أحدهم نجح في السفر للماضي مثلا..
إختفت طاقته ومادة جسده من لحظة الحاضر (فناء الطاقة والمادة) وظهرت في لحظة ماضية (إستحداث من العدم)
أي أن ذلك يخالف قانونًا فيزيائيًا بشقيه، كما أنه لما ظهر في الماضي فإن طاقته ومادة جسده موجودتان بالاصل في الماضي لكن في شكل مختلف فكيف تكون موجود بشكل ثنائي! مرتان!!! وهل هذا معقول؟!!

أحمد محمد عبيد

الكائنات الفضائية

مدارات فكرية 29 تعليقات »

سؤال بدأ يلح ويستعرض غموضه أمام العقول منذ فترة ليست قليلة, هل نحن وحدنا في الكون ؟!! هل تقتصر الحياة في هذا الكون الذي لا تكاد تكون له نهاية على كوكب صغير يتبع نجم متوسط؟!!

000.jpg
المتأمل في الموضوع لابد أن يتذكر الاعتقاد القديم بأن الأرض مسطحة, ذلك الاعتقاد الذي نفى وجود الأمريكتين وظن الحياة قاصرة على القارات القديمة فقط, أنما استطاع رجل مغامر أن يثبت خطأ هذا الاعتقاد ويكتشف عالم جديد كان عن أعيننا مستتر وكنا عنه متوارين.
كثيرون كتبوا في هذا المجال وحاولوا الإجابة على السؤال, معارضون ومؤيدون وفي نهاية كل حديث يبقى المؤيد مؤيد والمعارض معارض؛ ذلك أن كل فريق لديه قناعات قوية منشأها أدلة يراها من وجهة نظره دامغة, بينهما فريق آخر متشكك ينظر لأدلة الإثبات بشك ويفحص أدلة النفي بتساؤل.
بين الفرق الثلاثة الحقيقة مشردة, لن يثبتها إلا حدوث اتصال حقيقي وملموس لا يدع للشك مجال مع تلك المخلوقات العاقلة التي تسكن كوكبا ما, أو تنظيم رحلات فضائية لكل كوكب وكل قمر في الكون للتأكد من عدم وجود إي اثر لحياة عاقلة عليه, فأي الحقيقتين أسهل للإثبات؟!
سأبدأ بتناول بعض المواقف القرآنية التي ربما كان لها علاقة بالأمر.
نذكر حكاية خلق الإنسان, لما قال الله تعالى لملائكته {إني جاعل في الأرض خليفة} قالها لهم لا للاستئذان أو الاستشارة إنما من باب العلم بالشيء, فكان ردهم { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } رد غير معارض لمشيئة الله لكنه تساؤل, فأجاب جل علاه {إني اعلم ما لا تعلمون}.
كيف عرف الملائكة أن الإنسان سيفسد الأرض ويسفك الدماء؟! هذا ما يثبت أنهم رأوا وانه كانت توجد مخلوقات عاقلة غيرنا أو قبلنا, لكن قول الرحمن {إني اعلم ما لا تعلمون} يثبت أن سؤالهم كان عن جهل لا عن علم.
بعض من يعرفون أن النيتروجلسرين مادة متفجرة يسألون, كيف يضع مرضى القلب حبوب النيتروجلسرين تحت لسانهم؟! هذا التساؤل عن جهل, فهم عرفوا خاصية واحدة من خصائص النيتروجلسرين ولم يحيطوا علما بباقي خواصه, هذا مثال على التساؤل الذي يأتي عن جهل.
موضع آخر في القرآن الكريم يقول فيه تعالى لرسوله الكريم {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} إذًا فمحمد صلى الله عليه وسلم مُرسل للعالمين كافة لا لأهل الأرض خاصة والدليل مع هذه الآية هو آية أخرى تقول {قل أوحى إليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلي الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا}.
كما أن سورة الرحمن كانت تخاطب الإنس والجن ولم تخاطب مخلوقات أخرى, فلو فرضنا أن هناك مخلوقات عاقلة مريخية أو أي كان, فلماذا لم يأت ذكرها في القرآن؟!! وكيف لم يتصل بها محمد الكريم أو تتصل هي به, بما إنه {رحمة للعالمين}!!!
لقد وُلد وعاش وبُعث بيننا -أقصد بيننا نحن أهل الأرض- ولم يتصل بمخلوقات فضائية خضراء البشرة زرقاء الدم شديدة الذكاء, أو تتصل به.
المعتقدون بوجود تلك الكائنات يؤمنون أنهم اذكي منا واقوي منا واحكم منا وأفضل منا, فلو كان الأمر كذلك وكنا نحن وسط الكون مجرد حشرات أرضية, فكيف يكون النبي محمد الذي كُتب اسمه على عرش الخالق عز وجل من بيننا وليس من أبناء الكواكب الأكثر حكمة وعلم وقوة ومعرفة وذكاء؟!!
بذرة شك أريد إن ازرعها هنا, يقولون إن الأرض تابع للشمس تدور حولها, والشمس بدورها تدور حول مركز المجرة, والمجرة تدور حول مركز الكون, بجوار الأرض كواكب أخرى, وبجوار الشمس نجوم أخرى تدور حولها كواكب أخرى وأخرى, وبجوار المجرة مجرات أخرى تتبعها نجوم أخرى وأخرى تدور حولها كواكب أخرى وأخرى, لا شك في حقيقة دوران الأرض حول الشمس, ولا شك في وجود نجوم أخرى ربما تدور حولها كواكب أخرى.
لكن…
أقوى تلسكوب أرضي إلى أي مدى استطاع الوصول؟! إلى المريخ؟! إلى الزهرة؟! إلى عطارد؟ إلى بلوتو؟! ربما.
لكنه لم يصل إلى إي كوكب تابع لنجم آخر, فكيف نتأكد من صحة الفرض القائل إن هناك المليارات من الكواكب تتبع ملايين النجوم التي تدور في آلاف المجرات؟!!
إن علماء الفضاء لم يثبتوا بعد إن كانت المجموعة الشمسية بها تسعة كواكب أو عشرة؟! إذًا هو فرض علمي بلا دليل, يقبل الخطأ بقدر ما يقبل الصواب.
هل زرعت بذرة الشك؟!!

الكاتب أنيس منصور في كتاب ( الذين هبطوا من السماء) –وسأفرض معه – إن الشمس في حجم البرتقالة, إذا فالكرة الأرضية ستكون في حجم بذرة البرتقالة, وإذا فرضنا أنها تبعد عن البرتقالة حوالي أربعين مترًا, فان اقرب نجم آخر إلى هذه المجموعة يبعد عن برتقالتنا أكثر من ألفي ميل.
وفي الكون ملايين الملايين من مثل هذه البرتقالة, وتباعد بعضها عن بعض ملايين الملايين لا من الأميال فقط ولكن من السنين الضوئية.
هذا –بالنص– ما يفترضه أنيس منصور, فكيف يستطيع تلسكوب من بذرة البرتقالة تلك أن يرى بذرة برتقالة أخرى تبعد أكثر من ألفي ميل؟!!
دعك من بذرة البرتقالة وحدثني عن بذرة الشك, ما أخبارها؟!.
نظرية نشأة الكون تقول أن انفجارًا وقع في نجم متوسط وكانت نتيجته انفصال عشر قطع منه, صارت عشرة كواكب دارت حوله لبعضها أقمار ولبعضها لا, فيما بعد وقع انفجار آخر في الكوكب الخامس من هذه الكواكب فتكونت منه مجموعة نيازك أخذت تدور في ذات المدار الذي كان يدور فيه الكوكب, بردت الحرارة الداخلية لثمانية كواكب من التسعة الباقية, إما لبعدها عن النجم المتوسط الذي خرجت منه وكان يمدها بالحرارة, وإما لأنها لا تملك غلافًا غازيًا يحافظ لها على حرارتها.
الكوكب الوحيد إلي احتفظ بحرارته حمل الحياة وسماه أهله الأرض وأطلقوا على النجم المتوسط اسم الشمس, وحاليًا يتساءلون هل هناك مخلوقات عاقلة غيرهم في مكان ما من الكون؟!.
المهم, هل حدث مثل هذا الانفجار لكل نجم في الكون؟! وهل –لو حدث- نجت الكواكب المتكونة من انفجارات تحولها لمجموعة من النيازك؟! وهل –لو نجت– كان مدارها قريب من النجم؟! وهل -لو كان كذلك– نجحت في الاحتفاظ بحرارتها؟! وهل –لو نجحت– لها غلاف غازي؟! وهل؟! وهل؟! وهل؟!.
في القرآن الكريم آية تقول {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وهي حقيقة لا خلاف عليها, فبما إنه لا حياة بلا ماء, وبما أن خالق الكون كله إله واحد, إذًا فالقوانين الفيزيائية والكيميائية والحيوية وقوانين الجاذبية وخصائص الأشياء في الكون كله واحدة لان خالقها واحد ولها ذات المنشأ.
وجود الحياة يتطلب توفر ماء, ووجود الماء يتطلب وجود نسبة معينة من الهيدروجين والأكسجين, تعالوا نستعرض الأشياء الضرورية لوجود حياة على كوكب ما.
1- الماء: اتفقنا انه لا حياة بلا ماء , لكن أن يوجد ماء يجب أن تتوفر له عدة شروط:-
أ- النسبة: نسبة مساحة الماء من إجمال مساحة الكرة الأرضية 71% والباقي هي اليابسة, هذه النسبة تضمن ألا يموت الأحياء عطشًا فالمساحات الشاسعة من المسطحات المائية تتبخر لتسقط في مناطق بعيدة, ولكي تتبخر تتطلب حرارة, لكي ينتقل بخار الماء يجب وجود غلاف غازي و… و … و….
ب- نظام حفظ: كل هذه الكميات الشاسعة من الماء تحتاج لطريقة حفظ فعالة, كي لا نفقدها في غمضة عين.
- الغلاف الغازي: الكوكب الذي به ماء يجب أن يكون به غلاف غازي (يحتوى هيدروجين وأكسجين) كي تتبخر المياه وتحملها الرياح لاماكن أخرى بعيدة فتدور الحياة, كما أن الغلاف الغازي يضمن ألا تتبخر المياه ويضيع بخارها في الفضاء فيعود الكوكب للجفاف.
-حجم الكوكب: العلاقة بين جاذبية الجسم وحجمه طرديه, ووجود الماء يتطلب أن يكون الكوكب غير صغير الحجم لتكون جاذبيته قوية فلا تفلت منها المياه, أن يكون في مثل حجم الأرض تقريبًا.
- القمر: الجاذبية بين الأرض والقمر هي السبب لظاهرة المد والجزر في البحار, هل سيكون الكوكب الآخر الذي نفرض وجود حياة به بلا قمر؟! بلا مد وجزر؟! بلا حركة للمياه؟!
- المسافة بين الكوكب والنجم التابع له: وجود المياه على كوكب قريب جدا من النجم سيعرضها للتبخر إذا لم يؤدي لاحتراق الكوكب بالكامل, ووجودها على كوكب مثل بلوتو ستكون عبارة عن أحجار ثلجية لا نفع لها.
-التضاريس: لو وجدت المياه على كوكب أملس السطح كالكرة ستغطيه بالكامل فتكون مساحته كلها مائية, وإذا كان مقدرا للحضارة عليه أن تحيى على اليابسة فيجب أن تكون به حفرا غائرة لتكون بحارا ومحيطات, يجب أيضا أن توجد به جبال, إذ الجبال من احد أسباب سقوط الأمطار.
- الأحياء المائية : الدويبات المائية الصغيرة الحجم والتي لا ترى بالعين المجردة هي السبب – بالإضافة للتبخر – في وجود التيارات الراسية , كما أن الحيتان هي أفواه ضخمة تأكل الأعشاب المائية بغزارة لتخلصنا منها , فلو تعفنت هذه لتحولت البحار لمستنقعات ضخمة تملؤها الأمراض.
كل هذه المتطلبات وهذه الشروط لحفظ الماء فقط ناهيك عن الأشجار الضرورية لحفظ التوازن بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون , وان تكون سرعة دوران الكوكب حول نفسه كبيرة نوعًا ؛ كي تحدد عدد ساعات سطوع النجم على الكوكب.
لنقل فرضًا – مجرد فرض – أن ضرورات الحياة على الكوكب ما هم مائة فقط , والبديهي أن المائة يجب أن يوجدوا معًا , فلا معنى لوجود الماء على كوكب مثل بلوتو لتتجمد آو عطار لتتبخر نهارا وتتجمد ليلاً.
والآن الإحصاء.
سنقف على كل كوكب في الكون ونلقي عليه مائة قطعة نقود, كل قطعة تمثل شرط من شروط وجود الحياة, وسنعتبر سقوط قطعة النقود على الصورة يعني تحقق الشرط وسقوطها على الكتابة يعني عدم تحققه.
فما احتمال أن تسقط المائة قطعة على الصورة؟!
الاحصائيات تقول أن هذه الاحتمال= 0.5%
هذا لو أن شروط الحياة هم مائة فقط!!
هذا يعني أن واحدًا من كل مائتي كوكب ستوجد به حياة, ولقد قلنا منذ قليل أننا تأكدنا فقط من وجود تسعة كواكب لا أكثر.
ولن أسأل عن بذرة الشك.
في المريخ والقمر عثرت بعثات فضائية على آثار وجود ماء, ويُعتقد لان الماء موجود أن الحياة موجودة, لكن آثار الماء تلك التي وجدوها أشارت لاحتمال وجود كمية قليلة من الماء, كمية لن تصل أبدا لنسبة 71% من مساحة الكوكب أو القمر, ألا يمكن حتى أن تكون تلك الآثار هي آثار غازات سائلة؟!
عثروا أيضا على بعض الغازات هناك على المريخ وحياة بكتيرية, أنا لا اشكك في احتمالية وجود حياة بكتيرية على أي كوكب, ربما تحققت لهذا الصورة البسيطة شروط معيشتها, لكن حياة عاقلة مفكرة متطورة؟ أشك بقوة.
ولا ننس أن فرضية تكون المجموعة الشمسية هي انفجار في قلب الشمس أدى لانفصال الكواكب التسعة عنها, برد بعضها وفقد الحياة أما الأرض فمازالت تحتفظ بحرارتها وفرص الحياة عليها إذًا فالأرض والمريخ كانا قطعتان متجاورتان في الشمس فلما انفصلا ربما بقيت بضع قطرات ماء على المريخ, أما القمر فهناك نظرية تقول انه كان جزءًا من الأرض انفصل عنها, تقول النظرية أنه كان يحتل هذا المسطح الهائل المسمى الآن المحيط الهادي, فكيف نتعجب لوجود الماء به؟!.
ثم أن هناك يثير الأعصاب جدًا, لماذا ننظر لأنفسنا تلك النظرة الدونية؟! لماذا يجب أن تكون تلك الكائنات الفضائية أقوى واحكم واذكي وأكثر تقدما منا؟! هل هي عقدة خواجة عالمية؟! ولماذا يجب أن تكون تلك المخلوقات خضراء البشرة زرقاء الدم؟!
لقد قال الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} إذًا فالبنية الشكلية والوظيفية للإنسان هلي الأحسن, مستقيم الظهر يسير على قدميه بلا حوافر له خمسة أصابع في كل طرف و…. و …..الخ.
حتى لون البشرة له فوائد, ربما لا نعرف عنها الكثير لكني أكيد من وجودها, إن الإنسان في المناطق الباردة التي يقل فيها تعرضه للشمس نجد بشرته بيضاء, أما من يتعرض للشمس بكثرة بنجد بشرته سمراء أو سوداء, ما هذا اللون الأسود الذي يكسوا البشرة إلا حماية لها من أشعة الشمس, هل نستنتج من هذا أن الكوكب لو كان يدور حول محوره ببطء وقريب من نجمه سنجد بشرة سكانه سمراء, أو بيضاء لو كان العكس؟!!.
إذًا فتلك المخلوقات التي يختلف شكلها عن الإنسان الذي هو {في أحسن تقويم} لابد وان تكون أقل لا أعلى منه و كما أن النعمة التي ميز الله بها الإنسان هي العقل, والعقل هو الأمانة التي حملها الإنسان.
قال تعالى {وعرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وكان الإنسان ظلومًا جهولاً} لقد ذكر الله تعالى السموات والأرض والجبال في الآية الكريمة لا لأنه عرض الأمانة عليهن وحدهن, إنما عُرضت الأمانة على كافة المخلوقات واقتصر الذكر على السموات والأرض والجبال لأنهم الأقوى بين المخلوقات الأرضية, لقد قصد تعالى أن مخلوقات أقوى من الإنسان بمراحل أشفقوا على أنفسهم من حمل الأمانة بينما الإنسان هو من ظلم نفسه.
ذُكرت السموات والأرض والجبال لتعبر عن مجمل المخلوقات التي خشيت حمل الأمانة, وذُكر الإنسان وحده لأنه الوحيد الذي حملها, فلو قلنا –مجازًا– إن الإنسان ذكر ليعبر عن مجمل المخلوقات التي حملت الأمانة, إذا فكما ذُكرت السموات والأرض والجبال لأنها الأقوى ذُكر الإنسان لأنه الأقوى, نذكر أن الجن أيضُا مكلف.
وبالنظر لقوانين النسبة والتناسب, هناك ثلاثة مخلوقات ذكرت لا تحمل الأمانة ومخلوق واحد ذُكر يحملها, هل نترجم هذا أن واحدًا من كمل أربعة مخلوقات يحمل الأمانة؟ أي يحمل العقل؟!
0000.gif
لا أظن, فالأرض وحدها بها ملايين المخلوقات ليس من بينها سوى الإنسان والجان هما حاملا الأمانة.
وماذا عن اللغة؟! إننا منذ خُلقنا نحلم بالتواصل مع الحيوانات, نحدثهم ويحدثونا, لكننا فشلنا وسنفشل على الدوام, فكيف نتخيل بعد فشلنا في التواصل مع كائنات أرضية مثلنا أن ننجح في التفاهم مع كائنات فضائية أخرى؟!
نقطة أخيرة, لماذا لا نجد أي ذكر لمخلوقات فضائية في القرآن الكريم أو السنة؟! لا شيء ينفي, لا شيء يُثبت بشكل صريح ومباشر, بينما نجد أكثر من إشارة واضحة ومباشرة وصريحة على وجود الجن, بالرغم من أننا لا نراهم ألا في أضيق الحدود.
إن سورة كاملة في القرآن الكريم تحمل اسم (الجن), وقد قنن الله لنا العلاقة بيننا وبينهم بأن حرّم الزواج بيننا وبينهم, فلو وُجدت مخلوقات أخرى لكان أرشدنا لقوانين تحكم علاقتنا بهم.

أحمد محمد عبيد


© 2007 مجلة مدارات.  جميع الحقوق محفوظة