ماذا يريد العم سام؟ لتشومسكي

مكتبة مدارات لا تعليق »

عرض/ كريم الصياد
“أعتقد-من وجه النظر القانونية-أن هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية بأنهم مجرمو حرب أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم الحرب” ص29

ما لم تفهم صراعاتنا مع منافسينا الصناعيين والعالم الثالث ستبدو لك السياسة الخارجية للولايات المتحدة كسلسلة من الأخطاء العشوائية والتناقضات ، ولكن في واقع الحال نجح قادتنا في إنجاز مهامهم في حدود إمكان ذلك.”ص26

لا توجد درجة من القسوة يتوقف عندها ساديّو واشنطن ، أما الطبقات المتعلمة فقد تعلمت ما يكفي لأن تدير أبصارها في اتجاهٍ آخَر.”ص46

(ما بين الأقواس سيكون كلام تشومسكي من كتابه)

تشومسكي العظيم:
في رأيي يلعب تشومسكي لعبة مضمونة لا يمكن وأن تفشل ، فهو أمريكي الجنسية يهودي الديانة وهو في الوقت نفسه أعنف ناقد للسياسة الأمريكية والإسرائيلية ، ومن أشهر نقاد حرب فييتنام ، ومن أهم أعمدة اليسار الأمريكي منذ الستينات إلى اليوم(اليسار الفوضوي تحديدًا) ، ومن أهم علماء اللسانيات وفلسفة اللغة ، حصل بين عامي 1980-1992 على المركز الأول في كم الاستشهادات به كمصدر بين الأكاديميين الأحياء ، وعلى المركز الثامن على مستوى العالم في كم الاستشهادات المصدرية عمومًا ، يؤرّق بنظرياته عن الاتجاه العقلاني في تفسير تعلم اللغات كل طالب فلسفة ، وكانت نظرياته المسئولة عن خسارتي لدرجتين في مادة فلسفة اللغة !

وُلد إبرام نعوم تشومسكي אברם נועם חומסקי ,Avram Noam Chomsky في السابع من ديسمبر 1928 ، وهو عام ميلاد جيفارا وحسني مبارك وآريل شارون وجماعة الإخوان المسلمين وماركيز بالمناسبة ، (وبرج القوس مثل محمد قرنه وإبراهيم عادل وأنا وبيتهوفن وتشرشل ووالت ديزني!) ، وذلك في East Oak Lane ، وينحدر من أصول شرق أوروبية ، فأبوه من أوكرانيا وأمه من بيلاروسيا ، تزوج عام 1949 من كارول شاتس وأنجب إيفيفا ودَيان وهاري ، كتب أول مقال في حياته عن مخاطر انتشار الفاشية عام 1938 في ذروة صعودها ، بدأ دراسة الفلسفة عام 1945 في جامعة بنسلفانيا ، وتأثر خاصةً بأستاذه تسيليش هاريس Zellig Harris علميًا وأيديولوجيًا ، فقد استوحى منه بعضًا من نظريته عن النحو خارج السياقcontext-free grammar ، ونال درجة الدكتوراه في اللسانيات عام 1955 عن بحثه الذي طوره فيما بعد ليصير أهم كتبه في هذا المجال: البِني التركيبية Syntactic Structures عام 1957 ، ثم ترقى في الدرجات الأكاديمية ليتم تعيينه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أستاذًا .

في عام 1967 أصدر كتابه الذي دخل به المعركة ضد الحكومة الأمريكية بسبب مأساة فييتنام: “مسئولية المثقفين” ، ثم جاء كتابه American Power and the New Mandarins عام1969 ليتربع به على قمة قوى المعارضة الأمريكية ، وكان اهتمامه الأساسي بمدى شرعية السياسة الأمريكية الخارجية ، وكيفية استغلالها للجهاز الإعلامي في دولة ديمقراطية ، ودور المثقف الأمريكي إزاء ذلك ، ونتيجة لعنفه النقدي تعرض لبعض التهديدات بالقتل وواجه كثيرًا من الصعوبات ، لكنه سباح يفهم طبيعة الموجة جيدًا ، وهو لا يتكلم في مصر على أية حال !

وتشومسكي أحد وجهين بارزين للنقد (الغربي- ضد- الغرب) مع رجاء جارودي ، وبرغم الاختلافات العميقة بين النموذجين فكلاهما مثال الشجاعة النقدية والنزاهة الفكرية التي يجب أن يتحلى بها المفكر أينما فَكَّر ، وتأتي أهمية جارودي أنه كان أحد الأعضاء المهمين في الحزب الشيوعي الفرنسي أحد أهم الأحزاب الشيوعية في أوربا ، ومع ذلك لم يتورع عن نقد السياسة السوفييتية أشد النقد ، وفُصل من الحزب بسبب ذلك ، ثم تحول إلى الإسلام عام 1982 متحديًا العالم والوسط الثقافي المحيط ، لكن شهرته نمت إثر كتاباته ضد زعائم الصهيونية في”الأساطير” و”البروتوكولات” وغيرهما ، واتهامه بمعاداة السامية واضطراره إلى النشر على حسابه الخاص ، ونقده لقانون جايسو-فابيو الذي يحرم نقد المحرقة ، برغم أن نقده للصهيونية جاء في خاتمة ثلاثية نقد الديانات الإبراهيمية الثلاث ، المرحلة الأولى:”عظمة الإسلام وانحطاطه” ، التي نقد فيها التأسلم ، والمرحلة الثانية:”هل نحن بحاجة إلى الله ؟” ، و”نحو حرب دينية” ، والتي انتقد فيها التزمت الكاثوليكي وتحالف الكاثوليك السلبي(الصامت)مع السلطة السياسية ورأس المال ، والمرحلة الثالثة هي التي نقد فيها تحريف اليهود المعنوي للاصطفاء الإلهي وإحلال دولة إسرائيل محل الله ، تلك الدولة التي يصفها جارودي بأنها ليست سوى”حاملة طائرات نووية تابعة للولايات المتحدة” .

لكن تشومسكي قد يفوق جارودي في فاعليته النقدية لأنه كما أسلفنا واحد من المعدودين في مجاله العلمي ، مما يعطي له ثقلًا وبريقًا لا ينكرهما الغربيون ، وانتشار نظرياته اللغوية مثل النحو التوليدي والقواعد التحويلية وتدرُّج تشومسكي وثنائية المبادئ والبارامترات والنحو خارج السياق والنحو العالمي وغيرها ، وتأثيرها على علوم اللغة والحاسب الآلي وعلم النفس والفلسفة اللغوية والطب البشري والاقتصاد السياسي مذهل مذهل مذهل ! بالإضافة إلى نقطة هامة: إنه يهودي ، لا أحد يستطيع أن يكذّب يهوديًا اليوم ، برغم ذلك ثمة فارق بين الاثنين في الكتابات النقدية السياسية ، فجارودي أعمق وأكثر ميلًا للتفريع والاستقصاء والشمول .

و”ماذا يريد العم سام؟”( :ترجمة عادل المعلم ، دار الشروق ، القاهرة ، ط1 ، 1998م) كتاب من أشهر كتب تشومسكي الناقدة للسياسة الخارجية الأمريكية ، ويربط هذا النقدَ بالأوضاع الداخلية الثقافية والاجتماعية لعامة الشعب الأمريكي من جهة ، وللإنتلجنسيا الأمريكية من جهة أخرى ليستخرج آليات مقترحة في النهاية لعمل المثقف الأمريكي الأمين مع النفس الساعي إلى التغيير الحقيقي .

وهذه الترجمة الصادرة عن دار الشروق للأسف ليست كاملة ، فبعض الفقرات تنقصها مثل The Iran/contra cover up ,The prospects of eastern Europe, How the cold war worked?, The war on (certain) drugs, socialism real and fake

وفي العرض التالي لن نعتمد طريقة العرض الأفقي من الباب الأول حتى الأخير ، بل يتم تقسيم الكتاب تبعًا لأفكاره وموضوعه ومنطقه ، في شكل العرض النسقي الرأسي ، فالكتاب يتحدث عن رؤية السياسة الأمريكية للعالم وموقعها فيه ، ثم خطواتها للهيمنة على العالم ، وهو ما يمكن نظمه كما يلي :

((أ-رؤية العالم:
إن المرحلة الراهنة من تاريخ الولايات المتحدة ، وتاريخ علاقتها بالدول المحيطة تبدأ من نقطة فارقة هي الحرب العالمية الثانية التي خرجت الولايات منها قوة عظمى لم تخسر فيها سوى أسطول ، في مقابل دمار منافسيها الصناعيين ، وتفكك المستعمرات ، وتضاعف إنتاجها هي ، وبالتالي فإن مسلك السياسة الخارجية الأمريكية يكتسب معناه من رؤية ساستها لعالم ما بعد الحرب ، كيف هو وكيف يجب أن يكون .

ويتلخّص العالم في نظر السياسة الأمريكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في خمسة نطاقات متحدة في المركز تشمل جميعها كوكب الأرض:
1- المستثمر الأمريكي:هو النطاق الأصغر ، مركز الكون ، والموجّه لسياسة البيت الأبيض ، والمتحكّم في سياسة الإعلام والنشر والصحافة والدعاية ونفقات الإنتاج الحربي ، والمؤثّر القوي على لجنة العلاقات الخارجية(ص11) ، وسنلاحظ فيما يلي أن تقسيم البشر التراتبي يخضع من الأعلى إلى الأدنى للمنطق نفسه ، مما يعني أن المستثمر الأمريكي هو أفضل البشر ، أو الإله الجديد ، ليس مِن باب المبالغة ، فالسياسة الأمريكية تتعامل معه بهذه الطريقة فعلًا .
2- المجال العظيم:هو نظير المجال الحيوي الهتلري القديم-وسنرى أن سياسة الولايات مستفيدة كالطالب المجتهد من سياسة هتلر-هو المجال الدفاعي الجيوبولوتيكي للولايات المحيط بها من الجهات الأربع ، لا يجب أن تحدث فيه أية مشاكل ، ويشمل غرب أوروبا وكندا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا على الأقل ، ونحن نعلم أن أزمة أمريكا كانت وما تزال في الجهتين الجنوبية والغربية ، ومن هنا نستطيع فهم خطورة دور جيفارا حيث كان يعبث في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للأمريكان ، وكذلك كاسترو ، وكوريا الشمالية التي تقع في هذا المجال بوضوح ، كما يمكننا على الصعيد المقابل فهم أهمية مشروع مارشال الذي دعم الجناح الأوروبي من المجال(إقراض ومنح أوروبا أكثر من 12 بليون دولار بين عامي1948-1951) ، والسماح لليابان بالانطلاق الصناعي لأنها تضمن قوة النطاق ، وسيرد تخصيص لمسألة اليابان فيما يلي.
3- أوروبا:تلعب أوروبا دور الوسادة الحضارية التي تقي الولايات من الصدمات الثقافية ، فالحضارة الغربية تعني حضارة أوروبا بالأساس ، وسكان أوربا أفضل تعليمًا وأرفع ثقافة ، كما أنها الموطن الأصلي للغطاء النظري الليبرالي-البروتستانتي-العنصري ، بالتالي تستطيع الولايات الاختباء في جرابها تحت أي خطر ، وأن تتدرّع ببيتهوفن وموتسارت ومونيه وفان جوخ وليوناردو دا فنشي وأفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وكونت وهوسرل وهيدجر وماكس فيبر وحتى كارل ماركس لو لزم الأمر ، في سبيل تأسيس التعالي الغربي الشهير ، أنتم تأكلون على مائدتنا ! نحن أصحاب البيت ! ولغرض مهم آخر هو الوقاية من الهجمات الفكرية المرتدّة خاصّةً الإسلامية التي تشكّل ما يشبه القنبلة الديموجرافية بالنسبة للدول الديمقراطية مع تزايد عدد المسلمين وتأثير الصمام(الدخول في الإسلام أيسر من الخروج منه) .
4- اليابان وألمانيا:بعد أن تضمن أمريكا استقرار مجالها الدفاعي الجغرافي والحضاري تلزمها(ورش) لتصنيع ما لا تقدر على تصنيعه ، وتقوم اليابان بهذا الدور في شرق آسيا ، وتقوم ألمانيا به في أوروبا ، شريطة أن تتسيد كل منهما منطقتها في المجال العظيم صناعيًا وحضاريًا ، بحيث يتم تحضير الحضارة تحت الإشراف الأمريكي فيهما ، وهذا هو الحال فاليابان سيدة الشرق الآسيوي بلا منازع-وهو مشروع ياباني قديم على أية حال-وألمانيا أهم دولة صناعية في أوروبا-وهو بدوره مشروع ألماني قديم- .
5- العالم الثالث:وهو المادة الخام-الأيدي العاملة الرخيصة-السوق الكبير، وهم عبيد الأرض ، نحن حررناهم من العبودية وإليها نعيدهم ، هؤلاء يجب ضمان تخلفهم وتأخرهم وانحلالهم وتمزقهم السياسي والاجتماعي ، لأنهم لا يجب أن يستأثروا بالمادة الخام أو يستهلكوها لصالحهم وحدهم ، وعليهم أن يعيدوا من موادّهم الخام بناء أوروبا واليابان(ص15) ، وهم موطن أكبر الأخطار على أمريكا أيضًا كما سيلي.

ب-خطوات الهيمنة:
وتشمل خمس خطوات هامة هي:استعادة النظام الفاشي اليميني التقليدي ، واستبعاد الوطنيين الاشتراكيين ، والتعاون مع العسكريين ، واختراق الاقتصاد الوطني ، والتطعيم الخارجي والداخلي ، وذلك كالآتي:
1-استعادة النظام الفاشي اليميني التقليدي:
حتى قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي ذروة مقاومة الفاشية بدأت أمريكا تحركاتها لمساندة القوى الفاشية اليمينية في إيطاليا 1948، أول بلد تحرر في أوروبا ، فبعد سقوط النظام الديكتاتوري قررت أمريكا التدخّل لمنع وصول الشيوعيين إلى السلطة ، وذلك بعد أن انتصرت حركات العمال والفلاحين على ست فرق ألمانية وحررتْ شمال إيطاليا ، وتضمنت مذكرة الأمن القومي الأولى(NSC 1-1948) عدة إجراءات من أجل هذا ، تصل إلى التدخل العسكري في إيطاليا لو لزم الأمر، وفكّر جورج كينان(رئيس مخططي وزارة الخارجية الأمريكية حتى عام 1950)في استخدام التدخل العسكري قبل الانتخابات من أجل تعقيم الوضع ، غير أن معاونيه نصحوه بالتريث واختبار طرق تزوير الانتخابات أولًا ، وهو الحل الذي أثبت فاعليته .

وفي اليونان تدخلت القوات البريطانية بعد خروج النازي لفرض نظام حكم فاسد يمهّد الوضع لسيطرة المستثمرين الأجانب ، ولما لم تستطع بريطانيا الجريحة التصرف بمفردها دعمتها الولايات عام 1947 وتسببت في حرب وحشية راح ضحيتها 160 ألف قتيل ، بالإضافة على الجرحى والمعذبين والمنفيين والمودعين في معسكرات إعادة التعليم ، وتدمير النقابات وأي أهلية للاستقلال السياسي والاقتصادي ، ووقعت اليونان في قبضة رجال الأعمال الأمريكيين والمحليين ، وكان أول المستفيدين من الوضع الجديد أولئك الذين ثبت تعاملهم مع النازيين ، في حين طُرد من الجنة العمال والفلاحون الذين قاوموا الاحتلال .

وفي فرنسا والعراق وكوريا والدومينيكان وبنما والبرازيل وكولومبيا ونيكاراجوا والسلفادور وجواتيمالا وغيرها في عالم ما بعد الحرب دعمت الولايات جميع الحكومات الفاشية ، واستبعدت الحكومات التي قاومت الاحتلال الفاشي .))

تعتمد السياسة الأمريكية على النظم اليمينية الفاشية أساسًا في توطيد أركان نظام يسمح بسيادة رجل الأعمال الأمريكي والأجنبي عمومًا ، ولهذه النظم عدة خواصّ:
1- أن تكون رأسمالية على أقصى أطراف التناقض مع القوى اليسارية.
2- أن تكون قومية أو فاشستية ليضمن المستفيدون منها عداءها مع الشيوعية اللاقومية.
3- أن تكون محافظة دينيًا لتضمن ولاء شعوبها من جهة دون إثارة تساؤلات عن هويتها واتجاهاتها ، وعداءها للعدو الشيوعي التقليدي من جهة أخرى ، واستقرارها الاجتماعي حسب النظريات الاجتماعية الرومانسية (كونت-دوركايم-فيبر).
4- أن تكون ديكتاتورية لو لزم الأمر ، ويفضّل أن تكون عسكرية ، حتى تستطيع قمع شعوبها في حالة الخطر على المصالح الأمريكية.
5- أن يكون ولاؤها للقلة الغنية لا للكثرة الفقيرة(وهذا يفترض أن تكون متورّطة في مشاريع كبرى داخليًا وعلى علاقة وثيقة بالصفوة من رجال الأعمال).
6- ألا تعترف بدور الحكومات ومسئوليتها تجاه الشعوب اقتصاديًا وتعليميًا حتى لا تستهلك ثرواتها في الداخل.

(( والواضح طبعًا أن أمريكا قد دعمت هذه السياسة سواءً في المناطق داخل المجال العظيم ، كإيطاليا ودول أمريكا اللاتينية ، أو خارجه ، كما سنرى.

2-استبعاد الوطنيين الاشتراكيين:
أدركت الولايات أن أكبر خطر يتهددها ليس الاتحاد السوفييتي بل الجماعات والأحزاب والأفكار الاشتراكية والشيوعية التي تجد جاذبيتها وجمهورها بسهولة في العالم الثالث ، فهي تؤسس حال نجاحها نظامًا اقتصاديًا مغلقًا لا يسمح بتدخل المستثمر الأجنبي أو يزيد الرقابة عليه ، وهي لو ترسّختْ كنظم وطنية يصير من الصعب الاستفادة من ثروات بلادها ، وقد تضرب مثالًا جيدًا لغيرها من الأمم ، كما أن نجاح نظام اشتراكي ما في بلد مهما كان تافهًا أو صغيرًا يؤدي بالتأكيد إلى انفساح التأييد الشعبي للأيديولوجيا نفسها في عشرين أو ثلاثين بلد فقير مهمَّش أخَر ، مما يشكل معاوقة اقتصادية وسياسية مخيفة للأمريكان ، يمكن التحقق مما سبق عن طريق الاستدلال غير المباشر من النقيض ، فالشيوعية كأيديولوجيا شمولية فقدت ملايين من مؤيديها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مثلًا .

فبعد أربعين عامًا من التدخل في إيطاليا لصالح اليمين تظهر خطورة التنمية الاقتصادية المستقلة في شيلي مثلًا وتهديدها لمصالح الولايات في إيطاليا ، فالسياسيون في أمريكا يعرفون أن تفاحة فاسدة واحدة تُعدي الصندوق بأكمله ، ولو نجح نظام اشتراكي وطني في شيلي فسوف تصل الرسالة إلى الناخبين في إيطاليا ، لهذا وقفت أمريكا في طريق الإصلاح الاقتصادي والسياسي في شيلي ، ولإقناع العوامّ في أمريكا بهذه القضية-على حد قول المؤلف-تحولت لغة الفاكهيين إلى لغة المقاهي ، وتحولت نظرية صندوق التفاح إلى تأثير الدومينو ، ورُوّج لكثير من الخزعبلات مثل الخوف من إبحار هوشي من فييتنام إلى سواحل الولايات المتحدة !

فييتنام نفسها كانت مثالًا فاقع لونه يُفجع الناظرين على سياسة الولايات في الحد من تسوية النزاعات الإقليمية داخل حدود القطر الواحد ، لأن هذا معناه الفرار التنموي من قبضة الولايات ، وضرب مَثَل طيب للغير ، وهذا ما لا يجوز.

إن الرعب الذي يحدثه الاشتراكيون الوطنيون في نفوس مخططي العلاقات الخارجية أينما ظهروا لا يرتبط بميلهم للجانب السوفييتي كمتغير مستقل ))بل إن كثيرًا منهم ليعرفون الاتحاد السوفييتي كقوة استعمارية جديدة ، ويؤمنون بضرورة اتباع سياسة عدم انحياز حقيقية-بقطع النظر عمّا حدث في مؤتمر باندونج-وخلافات الصين والاتحاد السوفييتي حول مناطق مضيق فرموزا ونهر أمور والحدود الصينية الهندية وبين كازاخستان وسينيكانج ومنغوليا والتبت ولهاسا منذ 1959 وغيرها معروفة ومعيشة ((، لكن مشكلة الاشتراكيين أنهم يؤسسون لنظام اقتصادي مغلق حتى لو كان فاشلًا ، ولو كانوا وطنيين حقًا فهي كارثة لأنها تعني كما أسلفنا استهلاك المادة الخام ، ولو نجحت التجربة فإنها كارثة مضاعفة.))

وتتحدد مخاطر الاشتراكي الوطني من باب أنه:
1- مثالي النزعة ، فالرأسمالي متعايش مع فلسفة الأمر الواقع ، الرأسمالية كسياسة اقتصادية ليست وضعًا مُنَظّرًا من قَبْل ، وليست تحقيقًا لحلم ، أما الاشتراكي فيمكنه بكل سهولة لعب الدور البطولي الذي يتغنّى بـ ويتعايش مع حالة الحلم بتغيير العالم الرومانسية والتي تلتحم بحاجات الجماهير العملية ، وهذا أهم مصادر شعبية النموذج.
2- يقرّ بدءًا بمسئولية الحكومات تجاه شعوبها خاصّة في الغذاء والتعليم والصحة ، ولن تلبث الشعوب التي تعيش في النظام الرأسمالي أن تطالب بالحقوق نفسها ، هذا الذي وصفه مخططو لجنة العلاقات الخارجية بالهرطقة!
3- يقوم على تأسيس نظام صعب الاختراق اقتصاديًا.
4- يقوم نظامه على الاستقلال عن السوق الغربية ، ورفض الاندماج الاقتصادي.
5- يستهلك المادة الخام كما قلنا داخليًا.
6- يتوافق مع قضية حقوق الإنسان العالمية ، فميثاق حقوق الإنسان العالمي يقر بقاعدة اشتراكية هامة هي ضمان حد معين من الدخل أو المستوى المعيشي للفرد لا ينزل عنه ، والاشتراكي لا يتبنى هذا المبدأ كحق فقط ، بل كواجب باعتباره قاعدة من القواعد التنموية الأساسية ، انظر البند الأول من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

“(1) Everyone has the right to a standard of living adequate for the health and well-being of himself and of his family, including food, clothing, housing and medical care and necessary social services, and the right to security in the event of unemployment, sickness, disability, widowhood, old age or other lack of livelihood in circumstances beyond his control.”

ولكن السياسة الأمريكية وقفت عائقًا في مجال حقوق الإنسان العالمية ، هي من أهم العوائق في هذا المجال إلى اليوم على أية حال ، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة وقّعت على العهود الدولية لحقوق الإنسان فعلًا لكنها لم تصادق عليها بعد(انظر جاك دونلي:حقوق الإنسان العالمية بين النظرية والتطبيق ، ت:مبارك علي عثمان ، الهيئة العامة المصرية للكتاب ، القاهرة ، 2006 ، ط1 ، ص12)

((ويقتطع تشومسكي فقرة من إحدى الوثائق الهامة لجورج كينان(المذكّرة 23 لتخطيط السياسةpps23 لعام 1948) يقول فيها”عندنا حوالي 50%من ثروات العالم وفقط6.3%من سكانه…وبمثل هذا الوضع لا يمكننا تجنب حسد واستياء الآخرين.مهمتنا الحقيقية في الفترة القادمة هي ترتيب نموذج للعلاقات يحافظ على استمرار ذلك التفاوت…ولتحقيق ذلك سيكون علينا التخلّي عن الأحلام والعواطف ، وتركيز اهتمامنا على أهدافنا القومية المباشرة…يجب أن نمسك عن كلامنا المبهم للآخرين…والأهداف غير الحقيقية مثل حقوق الإنسان ، ورفع مستوى المعيشة ، والتحول إلى الديمقراطية ، ولن يكون اليوم الذي نضطر فيه للتعامل بمنطق القوة بعيدًا ، وكلما قلّت عوائقنا من جراء رفع تلك الشعارات كان ذلك أفضل”(ص13)

وحتى الحرية السياسية التي يتغنى بها الغرب الليبرالي لا يمكن عولمة مبادئها في كل الأحوال ، وهو سبب ازدواجية المعايير ، يقول المؤلف:”نحن(أي الأمريكان)نعارض بمثابرة وإصرار الديمقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا ، والمشكلة مع الديمقراطيات الحقيقية أنها عرضة للوقوع فريسة للهرطقة التي تزعم أن على الحكومات الاستجابة لمصالح شعوبها بدلًا من مصالح المستثمرين الأمريكيين!”(ص20)

إن المساعدات المادية الأمريكية تتناسب طرديًا مع ميل الحكومات لتعذيب مواطنيها ، هذا ليس إنشاء كلام ، بل نتيجة دراسة للأكاديمي البارز والمتخصص في مجال حقوق الإنسان لارس شولتس(ص27) ، وهي النتيجة التي يؤكدها عالم الاقتصاد إدوارد هرمان في ملاحظته للارتباط بين المعونة الاقتصادية الأمريكية والتعذيب ، ويفسر ذلك اقتصاديًا بأنه(يحسن المناخ للأعمال الخاصّة)(ص27).

كما قلنا فالمستثمر الأمريكي هو الإله الجديد ، ” ما يهم الولايات المتحدة هو استقرار وتأمين الطبقات العليا والمستثمرين الأجانب ، وأي نجاح اجتماعي واقتصادي خارج ذلك يمثل نموذجًا خطرًا”(ص24)

ويتحدث تشومسكي عن التهديد الحقيقي لأمريكا فيقول:”أدرك مخططو السياسة الأمريكية أن ما يهدد أوروبا ليس عدوانًا من الاتحاد السوفييتي ، ولكن الحركات والأفكار الديمقراطية المعادية للفاشية عند العمال والفلاحين ، والقوة والجاذبية السياسية للأحزاب الشيوعية والاشتراكية”(ص16) ، “وعلى المنوال نفسه نبّه كينان سفراء الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عام 1950 على أهمية حماية خاماتنا الأولية في(أمريكتنا)اللاتينية ، وضرورة أن نحارب الهرطقة التي تنتشر في تلك البلاد-كما وافانا تقرير المخابرات الأمريكية-والتي مفادها أن على الحكومة مسئولية مباشرة فيما يخصّ رفاهية الشعب”(ص13) ،”يؤكّد مخططو السياسة الأمريكية لما بعد الحرب العالمية الثانية في دراساتهم عالية المستوى ، الواحدة تلو الأخرى ، أن التهديد الرئيسي لنظام العالم الجديد-تحت قيادة الولايات المتحدة-يأتي من الوطنيين في العالم الثالث ، ومن الأنظمة الوطنية…والتي تستجيب للطلبات الشعبية بخصوص تحسين مستويات المعيشة وتلبية الحاجات المحلية الضرورية”(ص20)

3-التعاون مع العسكريين:
العسكريون هم أصدقاء أمريكا في العالم الثالث ، فهم الأقدر على قمع الحركات الوطنية الديمقراطية الحقيقية ، وبالتالي التحجيم من أي تنمية عميقة مستدامة ، وذلك لما يلي:
1-العسكري رجل يؤمن بالقوة ، غير مثقف في الأعم الأغلب ، يحترم القوة ولا يقبل الاقتناع القائم على شرط توافر الإرادة الحرة ، وبالتالي هو لا يفهم طبيعة النظام الديمقراطي.
2-العسكري لا ينتمي في الأصل للطبقات البروليتارية ، وهو بمعزل عنها ثقافيًا واقتصاديًا في عزلته المهنية بين أقرانه ، وبالتالي لا يشعر بحالها بصدق .
3-العسكري لا يثق إلا بالعسكري ، وبالتالي يمكن التأسيس التلقائي لنظام فاشستي أرستقراطي من نوع خاص ، له(عائلته)التي يرتبط فيها الأفراد بروابط تميزهم عن غيرهم.
4-العسكري يستطيع من باب القدرة قمع التحركات الشعبية بالمهارة والسرعة والميل إلى الحسم وإجادة التعامل مع السلاح.
5-العسكري يستطيع الإطاحة بالنظام القائم وتشكيل حكومة بديلة بسرعة اعتمادًا على التنظيم الداخلي للرتب العسكرية.

ويحتل العسكريون مكانة متقدمة في ترتيب وسائل الاختراق الاقتصادي تحت أيدي السياسة الأمريكية ، إن نموذج الاقتصاد الزراعي مثلًا الذي يخدم المصالح الأمريكية هو نموذج (التصدير للخارج) ، وهو يحقق ما يطلق عليه تشومسكي ساخرًا (المعجزة الاقتصادية) ، أي وفرة الإنتاج للخارج ، وتجويع الشعب في الداخل ، وبالتالي من المنطقي أن يتمرد الشعب ، ولحفظ استقرار النظام الذي يخدم المصالح الأجنبية يلزم قمع التمرد ، لهذا فإن أول خطوات السيطرة الاقتصادية هي الشرطة المحلية لقمع أي تمرد شعبي من سوء الأوضاع الاقتصادية الداخلية ، فإن لم تقدر يأتِ الجيش ، فإن لم تستطع الحكومة المحلية مع استعانتها بالجيش وقف المتمردين لزم قلب الحكومة بانقلاب عسكري والسماح للعسكريين بالحكم(ص28)-وربما إعطاؤهم منحًا مادية ليبنوا بها أبراجًا-!

4-اختراق الاقتصاد الوطني:
وهو ما يتم بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، فالبنك الدولي يقرض الحكومة مقابل سياسة تحرير الاقتصاد ، وهي السياسة التي تجعل اقتصاد البلد مهيئًا للاختراق الأجنبي ، وهو يرتبط بالخطوة السابقة_التعاون مع العسكريين_لأن الفوضى التي يصنعها العسكريون هي التي تجعل قبول شروط البنك الدولي أمرًا لا بد منه(ص29) ، ويضرب المؤلف المثل بالبرازيل عقب انقلاب 64.

فبعد الانقلاب وتطبيق سياسة تحقيق(المعجزة الاقتصادية)أصبح أكثر البرازيليين يعيشون تحت خط الفقر مثل الإثيوبيين ، وتفوقت البرازيل في عدد الوفيات بين الأطفال على سري لانكا ، رغم أنها من أغني بلاد العالم من حيث الثروات الطبيعية.

5-التطعيم الخارجي والداخلي:
5-1-التطعيم الخارجي:
إن الخطوط الرئيسية للسياسة الأمريكية مع دول العالم الثالث هي القضاء على (فيروس) حركات الإصلاح الوطني الحقيقية ، والقضاء التام علي الفيروس يتطلب تطعيم الأجزاء القريبة المحيطة حتى لا تنتقل لها العدوى ، وهو ما حدث بعد اشتعال حرب فييتنام ، فبعد إرسال الحملة العسكرية هناك قامت الولايات بتأييد حكم سوهارتو في إندونيسيا 1965 ، وتأييد ماركوس في الفلبين 1975 ، وتأييد الأحكام العرفية في تايلاند وكوريا الجنوبية ، وقد رحب الغرب بانقلاب سوهارتو لأنه قضى على الحزب الوحيد الذي تمتع بقاعدة شعبية ، ولأنه في سبيل ذلك قتل 700.000 نفس ، لدرجة أن المفكر البارز جيمس أرستون وصف هذا في النيويورك تايمز بـ(تباشير الأمل في آسيا) ! ووصفته كريستيان ساينس مونيتور بالقائد المعتدل اللطيف ، أما الإيكونوميست اللندنية المحترمة فقد قالت عنه أنه احتل مكانة في القلب!

بهذا تضمن الولايات عدم انتشار الفيروس ، ولكن وبما أن الوقاية خير من العلاج فإن تناول التطعيم قبل أي عدوى محتملة أمر ضروري ، وهو ما يعني أن على الولايات تطعيم نفسها من أي فيروس محتمل مشابه ، وهو ما تقوم به وسائل الإعلام وما يطلق عليه المؤلف”غسيل المخ”.

5-2-التطعيم الداخلي(غسيل المخ):))

هي من الثغرات الخطيرة في النظام الديمقراطي التي أشار لها المؤلف ، وما يعني أن الديمقراطية ليست حلًا بديهيًا في بلد لا يتمتع أهلها بالوعي الكافي المعرفي والأخلاقي كالولايات المتحدة مثلًا ، وهي من صعوبات الديمقراطية التي أشار لها بعض مفكري عصر التنوير البارزين كمونتسكيو Montesquieu في روح القوانين (انظر مثلًا الكتاب الثالث ، الترجمة الإنجليزية لـ Thomas Nugent) وبالتالي فالديمقراطية ليست حلًا بديهيًا على الإطلاق ، لأن الإعلام الذي يتبع الحكومة في الدول الاشتراكية أو التي لم تكمل تحولها الليبرالي ، والذي يتبع رأس المال في الدول الرأسمالية يستطيع بكل سهولة تزييف العقول عن طريق متحدثين لبقين ومذيعين لامعين ، وآلاف البيانات والإحصاءات والأفلام الوثائقية ، فلا يصير أمام المتلقي إلا التصديق ، وبالتالي لا يتحقق مبدأ الفصل بين السلطات ، لأن السلطة التنفيذية أو الاقتصادية ما تزال تملك في يدها السلطة المعرفية ، وما أخطرها!

((يقوم المؤلف بالعرض لبعض المفاهيم التي زيف الإعلام معناها لصالح (التيار الرئيسي) في الولايات ، كمفهوم(الدفاع ضد العدوان) ، فبعد العدوان على فييتنام في الستينات أعلن آلاي ستيفنسون بأننا نحارب من أجل الفيتناميين الجنوبيين ضد العدوان الداخلي ، ومفهوم(عملية السلام)التي يقول عنها المؤلف”قد يظن بعض السذج أنها تعني تحقيق السلام في الشرق الأوسط بتنفيذ إسرائيل قرارات الأمم المتحدة وانسحابها من الأراضي التي احتلتها ، وقيام دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية ، …ولكن عند أصحاب المواءمة السياسية PC تعني أن تعطل الولايات المتحدة كل سبل السلام وتدعم إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا”(ص 56) ، ومصطلح(المحافظون) الذي أصبح يعني المدافعين عن الدولة القوية التي تتدخل بشكل واسع في الاقتصاد والحياة الاجتماعية ، وعن الإنفاق الهائل للحكومة ، والإجراءات الشديدة لحماية السوق وتأمينه مما يتبعه تضييق للحريات الخاصة بكثير من القوانين والتشريعات التي تهدف في المقام الأول لحماية الدولة من تأثير الأفراد ، أو عكس ما يعبر عنه المصطلح الأصلي تمامًا .

ويقوم تشومسكي بالتنظير لموضوعه ، فوسائل الإعلام أولًا وأخيرًا صناعة ، وهي تبيع المشاهد لرجل الأعمال صاحب المنتَج ، وبالتالي على رجل الأعمال أن يدفع لها ، وهو يدفع لها لقاء أن يبقى المشاهد في دائرة السوق ، والسوق بالمعنى الحقيقي ليس السوبر ماركت ، أو ليس السوبر ماركت المادي فقط ، بل السوبر ماركت المعرفي والعقائدي والأيديولوجي ، على معتقدات معينة ألا تتغير ، وعلى أعراف معينة أن تظل ثابتة ، وعلى سياسة معينة داعمة لرجل المال ألا تتبدل ، وقد تكون هذه المعتقدات في الأصل بريئة ، لكنها تتلوث بيد من يوجهها ، والمحصلة النهائية هي ذلك الزيف والتحريف الذي يصيب متجهها ومعناها قبل أن يصيب مظهرها ومبناها.

يتحدث المؤلف عن ثمانين في المئة من الشعب الأمريكي الذي يلعبون دور القطيع ، أو ما يسميهم ليبمان(قطيع الدهماء المشغول والمذهول) ، فعلى وسائل الإعلام أن تبقي على حالهم القطيعية ، ولو استفاقوا لشكلوا أزمة اقتصادية قبل أي شيء.

ج-دور المثقف:
يتحدث تشومسكي عن دور المثقف الأمريكي إزاء كل ذلك في النهاية ، الاستمرار في العمل السياسي لاكتساب الخبرة ، والقيام بالأبحاث الخاصة ، ومحاولة التأثير على العامة من جهة ليدركوا مصالحهم وحقوقهم السياسية ، وعلى أعضاء مجلس النواب من جهة أخرى ليلتفتوا إلى المصالح العامة ، وعدم اليأس ، فالعمل من أجل الحرية لم ينته ، والعالم الثالث ضرب أروع المثل في التصدي لوحشيتنا ، يقول تشومسكي في تلك الفقرات التي دمعت عيناي من قراءتها:

“لم ينته العمل في سبيل الحرية..يحتاج العالم الثالث إلى تعاطفنا وفهمنا ، وأكثر من ذلك إلى مساعدتنا ، يتوقف تحملهم ووقوفهم أمام وحشيتنا على ما نستطيع أن نفعله في الداخل هنا .

“الشجاعة التي أبدوها مذهلة ، سنحت لي الفرصة لأن أرى بعض ومضات الشجاعة ، في جنوب شرق آسيا ، وفي أمريكا الوسطى ، وفي الضفة الغربية المحتلة ، لقد كانت تجربة ملهمة ومؤثرة إلى حدٍ كبير.

“مَن يعتقد أن تلك مجرد كلمات لا يفهم إلا أقل القليل عن العالم.”(ص61)))

ودورنا الآن أن نتساءل عن دور المثقف العربي والمسلم الذي عليه أن ينقذ من وما يحب من الضياع والدمار والتلاشي ، والموت والقبح والعفن ، مع العلم أن هناك على الشاطئ الآخر من يقدرون التضحية وسيؤيدونها إذا سنحت الفرصة ، بانتظار إجاباتكم على 0900 !

لمن يهمه الأمر قمت بنشر هوامش المؤلف من النسخة الإنجليزية لأخذ فكرةٍ عن مصادره:
Sources for the facts in this book are listed below by page numbers and brief subject descriptions.

- On “Grand Area” planning for the postwar period by the State department and the CFR, see Laurence Shoup and William Minter, Imperial Brain Trust, Monthly Review, 1977. There is extensive
literature on the development and execution of these plans. An early work, of great insight, is Gabriel Kolko, Politics of War,: Random House, 1968. One valuable recent study is Melvyn Leffler, Preponderance of Power, Stanford University Press, 1992. For further sources and discussion, specifically on NSC 68, see Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 1. NSC 68 and many other declassified documents can be found in the official State Department history, Foreign Relations of the United States, generally published with about 30 years delay.

-. “Secret army.” See Thomas Powers, The Man Who Kept the Secrets: Richard Helms and the CIA, Knopf, 1979; and Mary Ellen Reese, General Reinhard Gehlen: the CIA Connection, George Mason University Press, 1990. For further details, see Chomsky, Turning the Tide and sources cited; and Christopher Simpson, Blowback, Grove, Weidenfeld, 1987.

-. William Yandell Elliot, ed., The Political Economy of American Foreign Policy, Holt, Rinehart & Winston, 1955. For further discussion, see Chomsky, At War with Asia, Introduction.

-. Kennan, Latin America. See Walter LaFeber, Inevitable Revolutions: the United States in Central America, Norton, 1983.

-. Postwar planning. Chomsky, Turning the Tide, Chapters 2, 4; and Deterring Democracy, Chapters 1, 11 and sources cited.

-. Marshall Plan. See Michael J. Hogan, The Marshall Plan, Cambridge University Press, 1987.

-. Kolb. Letter, New York Times, July 26, 1983.

-. Ultranationalism quote. National Security Council Memorandum 5432, 1954.

-. US policy planners, Kennedy planners. See Chomsky, On Power and Ideology, Lecture 1.

-. Costa Rica, Dulles. Chomsky, Necessary Illusions, Appendix 5.1; Gordon Connell-Smith, The Inter-American System, Oxford University Press and Royal Institute of International Affairs, 1966.

-. “Stability.” Peiro Gleijeses, Shattered Hope, Princeton University Press, 1991, 125, 365.

-. Japan, Kennan. Bruce Cumings, The Origins of the Korean War, Volume II, Princeton University Press, 1990.

-. Stimson. Kolko, Politics of War, 471.

-. Schoultz, Herman studies. Chomsky, Turning the Tide, 157f.

-. “Economic miracle.” Chomsky, Turning the Tide, 1.8 and sources cited; Robert Williams, Export Agriculture and the Crisis in Central America, University of North Carolina Press, 1986.

-. Adams. Chomsky, Deterring Democracy, 34f.

-. Relations with the military. Chomsky, On Power and Ideology, Lecture 1 and Turning the Tide, 216.

-. US arms to Iran. Chomsky, Fateful Triangle, 475f; Turning the Tide, 130-31; and Culture of Terrorism, Chapter 8.

-. Brazil and the situation throughout the Third World. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 7; and South Commission, The Challenge to the South, Oxford University Press, 1990.

-. Central America. See Chomsky, Turning the Tide; Culture of Terrorism; Necessary Illusions; Deterring Democracy; Herman and Chomsky, Manufacturing Consent. See also John Hassett and Hugh Lacey, Towards a Society that Serves its People: the Intellectual Contributions of El Salvador’s Murdered Jesuits, Georgetown University Press, 1992.

-. Oxfam’s explanation. Dianna Melrose, Nicaragua: the Threat of a Good Example, Oxfam, 1985.

-. Panama. See Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 5.

-. Bush’s administration. Chomsky, “OEWhat We Say Goes’: The Middle East in the New World Order,” in Cynthia Peters, ed., Collateral Damage, South End Press, 1992, 49 92.

-. Drugs. Chomsky, “Year 501: World Orders, Old and New, Part 1,” Z magazine, March 1992, 24-36.

-. Southeast Asia and media coverage 1950s through mid-80s. Herman and Chomsky, Manufacturing Consent.

-. Media reaction to the Indonesia coup. Chomsky, “OEA Gleam of Light in Asia,’”Z magazine, September 1990, 15-23.

-. Gulf War. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 6 and Afterword (1991 edition); and Chomsky, in Peters, Collateral Damage.

-. Iran/contra cover-up. Chomsky, Fateful Triangle, 475f; Turning the Tide, 130 131; and Culture of Terrorism, Chapter 8.

-. Salvadoran Jesuit journal. Chomsky, Deterring Democracy, 354-55.

-. Eastern Europe and Latin America; Africa. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 7.

-. Chicago Tribune quote. William Neikirk, “We are the World’s Guardian Angels,” Chicago Tribune business section, September 9, 1990. Cited in Chomsky, Deterring Democracy, 5.

-. The Cold War. Chomsky, Turning the Tide, Chapter 4; and Deterring Democracy.

-. Dulles quote. John Foster Dulles telephone call to Allen Dulles, June 19, 1958, “Minutes of Telephone Conversations of John Foster Dulles and Christian Herter,” Dwight D. Eisenhower Library,Abilene Kansas. Cited in “A View from Below,” Diplomatic History, Winter 1992.

-. War on drugs. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 4.

-. Political discourse. Edward S. Herman, Beyond Hypocrisy, South End Press, 1992.

-. Lipmann (and the evolution of these notions from 17th century England to today). Chomsky,Deterring Democracy. Chapter 12.

-. Stevenson; the concept “defense against aggression.” Chomsky, For Reasons of State, Chapter 1,section 6.

-. “Peace process.” Chomsky, Towards a New Cold War, Chapter 9; Fateful Triangle, Chapter 3; Necessary Illusions, Appendix 5.4; and Deterring Democracy, Afterword (1991 edition).

-. John Jay. Frank Monaghan, John Jay. New York: Bobbs-Merrill, 1935, p. 323.

-. Socialism. Herman and Chomsky, Manufacturing Consent.

-. National Security Policy Review. Maureen Dowd, New York Times, February 23, 1992.

- الفاعل - رواية من وعن هامش المجتمع المصري

مكتبة مدارات لا تعليق »

كتب/هشام الصباحي

يبدو أن حمدي أبو جليل دُفع دون أن يدرى ليكتب عن نفسه وعائلته وعالمه الغير معروف في جرأة يحسد عليها والتصاقا وتوحدا مع نفسه مؤكدا انه ليس لديه ما يخجل منه في كتاب صدر عن دار ميريت بالقاهرة 2008 اسمه الفاعل.
كل ما أتمناه ألا يكون الموت هو الدافع لهذا العمل/الرواية/السيرة الشخصية أتمنى ألا يكون حمدي صدق السيدة المجنونة /البدوية ذات الوشم التي نظرت في عينه وهو في سن الخامسة عشر في المدرسة الإعدادية-وقالت هتموت صغير مش هتعدى الخمسة وأربعين (الرواية 97 ) - هذا العمل كتب علي غلافه رواية وتعتبر هذه الخدعة الكبرى للكاتب نفسه والقارئ معا فهي أكثر روعة وجمالا وصدقا من فن الرواية بل هي حياة متنقلة في ورق ومازالت مستمرة في الحياة بل هي تاريخ شخص وعائلي ووطني في آن واحد حيث يعتمد في كثير من صفحات الرواية على التأريخ ويظهر هذا جليا في فصل-قصة العائلة- التي يحكى فيها عن تاريخ العائلة منذ البداية حتى الآن ويستشهد بمراجع تاريخية ويدلل على أن عائلة أبو جليل اسمها مرفوع الآن على سبع عزب/قرى صغيره وهو يعمل في الفاعل ويحاول أن يكون أديبا إنها الأزمة المحورية في الرواية/العمل/الحياة وتكشف الرواية ثلاثة محاور الأول البطل/الكاتب/حمدي أبو جليل الثاني مجموعة الفاعل /دائرة العمل الثالث الوطن /القرية/العزبة
البطل/ الكاتب/حمدي أبوجليل يقدم نفسه لنا كواحد من الذين عملوا في الفاعل ويصل الى كشف نفسه تماما للقارىء -
أنا اضعف من تحمل رفض البنات اللواتى احببتهن فى صمت (الرواية ص37) - إننى كنت أعمل ضد نفسى ضد ما أريد بالضبط ( الرواية ص97).
الفاعل قصة حياة حمدى ابو جليل يتحدث فيها عن وجهه الحقيقى/الخفى ليس وجه الاديب والصحفى بل كيف عاش وعمل فى الفاعل وفى نفس الوقت فى جريدة الاحرار التفاصيلات الكاملة عن عالم ارهق مهنة جسديا فى مصر وهى
الفاعل مهنة معروفة فى مصر والاكثر تهميشا فى المجتمع سوف نرى هذا العالم من الداخل وهو بمثابة المحور الثانى فى الرواية المسمى مجموعة الفاعل /دائرة العمل حيث هذه هى المرة الاولى التى يرتاد الادب المصرى منطقة الفاعل من الداخل.
سوف نعرف ادق التفاصيل لهذا العالم الفقير والسحرى فى أن واحد وربما ايضا نعرف كل الابعاد النفسية والاجتماعية واحلام كل العاملين فى الفاعل وسوف ندهش انها بسيطة الى حد التفاهة مما يجعلنا نخجل من انفسنا ومن هذا البلد المؤلم وعن:
- الفاعل عموما ليس لهم يوم إجازة مقدس كباقى المهن هم عادة يخرجون للبحث عن عمل فإن وجدوا اعتبروا اليوم عمل وإن لم يجدوا اعتبروه إجازة (الرواية ص47 ) -
-سوق الفاعل له اماكن معروفة كالشمس فوق الكبارى أو حول الميادين (الرواية ص87)
اهم مايميزالعمل/ الرواية انها تمتلىء صدقا مؤلما جدا ولكن يدفع على التمسك بالحياة وبكل مباهج الدنيا حتى وان بدت مؤلمة او مستحيلة التحقق مع بساطتها
المحور الثالث فى الرواية هو الوطن /القرية/العزبة حيث البطل يلخص علاقته عندما يقول- دائما أفكر فى عزبتنا من اول يوم فى شبرا تحل باعتبارها وطنى الام ‘ المكان الوحيد الذى أتحرك فيه دون خوف باعتبارى مواطن لى حقوق وعلى واجبات

تمتلئ الرواية بمفردات عالم الفاعل كما هى دون تحسين اوالتقليل من اثرها ومع هذا لاتشعر انها غريبه عن الرواية بل هى منسجمة تماما وتعطى العمل سحرى لغوى فريد.
الرواية هى اقرب الى مجموعة قصصية يربطها رابطين الكاتب الواحد والعالم الواحد وهو عالم الفاعل وكاتب كان يعمل فى الفاعل لذا كل فصول الرواية تأخذ اسم مستقل وايضا الفصول يمكن اعادة تنظيمها كما يحلوللقارئ ولذا عند اعادة القراءة سوف يكون متاح تمام ان لاترتبط بتنظيم الكاتب ولكن يمكن خلق تنظيم خاص للقراءة مناسب لكل فرد على حده.

المنصورة
1-3-2008
H.ALSABAHI@GMAIL.COM

الحكمة الضائـعـة

مكتبة مدارات لا تعليق »

الحكمة الضائـعـة
(الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع)
د.عبد الستار إبراهيم
العدد (280) من سلسلة عالم المعرفـة ـ ابريل 2002.

. . . على الرغم من الطول النسبي الذي يبدو عليه الكتاب إلا أنه ممتع، وهامٌ للغاية ..

يتناول بوضوح قضية ” الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع”، ويحاول أن يضع فيه د.عبد الستار إبراهيم حدًا للمقولة الشائعة علميًا واجتماعيًا من ارتباط العبقرية والإبداع بالجنون أو الاضطراب النفسي، ويؤكد خطأ ذلك علميًا ومنهجيًا من خلال الطرفين المتناقضين “المرض النفسي”، و” السير الذاتية للمبدعين” .

يركز النصف الأول من الكتاب على بيان”الاضطراب النفسي”، والمرض النفسي، والفرق بينه وبين ما قد يمر على المبدعين والكتاب من حالات قد تكون “لغير الخبراء” قريبة الشبه بما قد يبدو عليه المرضى النفسيين، لا سيما: الاكتئاب، والعزلة، والتقلب الانفعالي، وغيرها من أعراض ، ولكنه يؤكد أن تلك الأعراض، وإن تواترت على عدد من المبدعين والعباقرة فإنه لا شأن للإبداع بها، بل إن بعض المبدعين الذين تعرضوا لأمراض نفسية بالفعل، لم يكن ذلك ـ أبدًا ـ راجعًا لإبداعهم، بل كان بسبب عوامل وراثية أخرى تم التغاضي عنها، بل يذهب لأبعد من ذلك حينما يقرر أن” الإبداع” وحده هو الذي ساعد على تحسن حالات الكثير من المبدعين الذين كانوا عرضة للانتحار، أو الإصابة بالاكتئاب الحاد ,,, إلخ !
في الفصول من الأول إلى السادس يتناول الحديث عن الاضطراب النفسي، وعلاقته بالمبدعين والعباقرة، وإلى أي مدى يمكن اعتبار ما مر به هؤلاء المبدعون اضطرابًا نفسيًا بالمعنى العلمي، ونسبة المبدعين الذين أصيبوا بأمراض نفسية فعلاً، مقارنًة بنسبتها بين الأصحاء العاديين ، ويصل إلى نتائج تؤكـد ما يرمي إليه، يمكن استخلاصها فيما يلي:

* باستعراض موجز ودال لعدد من الاضطرابات لدى المبدعين (في الكتابة أو العلم أو السياسة) تبين أن تلك الاضطرابات على تنوعها لا يمكن أن تقاس بالاضطرابات الموجودة في المصحات النفسية للمرضى العقليين، بمعنى انه إذا وجد لدى كاتب أو أديب ما اكتئاب حاد، فإنه لا يقارن بمرض الاكتئاب كمر ض نفسي، وبما ينتج عنه أي اضطراب نفسي للشخصية التي كانت سوية قبل إصابتها بالمرض .
* في عرضه لمفهوم المرض النفسي والعقلي يبدو لنا جليًا أن هناك فرق بين ما نجده لدى المبدعين والعباقرة، وبين المرض النفسي بمعناه العلمي، وأن ما لديهم لا يعدو أن يكون “ضغطًا نفسيًا” ينتج عنه عدد من الأعراض التي يمكن أن تخيلها مرضًا نفسيًا .
* من هذا المنطلق يلجأ د. عبد الستار إلى ما يسمى في علم النفس بـ”القياس النفسي للإبداع”، والذي استطاع من خلاله (وبفضل علم النفس الحديث) أن يوضح القدرات الإبداعية التي يتميز بها المبدعين من غيرهم، مثل( الإحساس بوجود مشكلة ” الحساسية للمشكلة”، ومعها القدرة العالية على اكتشاف العديد من الحلول الملائمة للمشكلة، والقدرة على وضع تصورات جديدة، ومتابعة الجهد العقلي رغم وجود مشتتات (القدرة على التركيز) ، والدافعية القوية والطاقة العالية على المثابرة في العمل الجاد.
كل هذه المقاييس، وبعرضها على المبدعين، وملاحظة مدى توافقها معهم، تؤكد أنه لايمكن لمن يتمتع بهذه الـ”قدرات” أن يكون مصابًا بمرض أو خلل نفسي ما !
* من جهة أخرى لجأ د.عبد الستار إلى دراسة ميدانية على المبدعين بينت أن ما يشيع عنهم من غرابة في الزي والسلوك لا يشيع إلا في المستويات المتوسطة من الإبداع، وكأن الانشغال بذلك يكون مبعثه الرغبة في التميز أو الظهور بمظهر المبدع دون أن تكون الشخصية مؤهلة فعلاً للإبداع، وقد ظهر من خلال الأبحاث أن المبدعين يتميزون بالثقة بالنفس، والاستقلال في الحكم، والتفكير، وأميل إلى الانطلاق في التفكير والتعبير عن مشاعرهم، وأكثر تفتحًا للخبرة ، وأكثر قدرة على العمل والإنتاج، وتنظيم الوقت والطاقة، فضلاً عما يتمتعون به من قدرة عالية على تحمل الضغوط .
وهكـذا فإذا كان المبدعين والعباقرة قد وجد فيهم من أصيب بالقلق والاكتئاب والأمراض الجسمية والنفسية كبيرها وصغيرها، ولكنهم استطاعوا أن يستمروا في عملية الخلق والإنتاج العلمي والأدبي على الرغم من اضطرابهم، وليس بسببه، بل قد تبين أن الإبداع وعمليات الخلق والإنتاج التي تتم في حياة المبدعين تتم في الفترات التي تخلو حياتهم فيها نسبيًا من الاضطراب ، أو فترة الاستقرار النسبي بعد الاضطراب …
ويقدم الكتاب أمثلة عديدة ودالة في الحقيقة على صحة ما يذهب إليه، سواء من العباقرة الأدباء، أو كبار السياسيين ممن عرف عنهم إصاباتهم بحالات من الاكتئاب أو الرغبة في الانتحار ، وغيرها

في القسم الثاني من الكتاب لا يتوقف د. عبد الستار عند هذه المسألة وبيانها، بل يتعداها ببراعة لوصف الحالة ومحاولة علاجها علميًا …
يذهب الكاتب إلى أن ما يمر بالمبدع ماهو إلا أحداث الحياة العادية، يتوقف عندها المبدع أو الكاتب بشكل من الخصوصية والحساسية، وهي في أغلبها أحداث تقع للمبدعين وغيرهم على السواء، وليس الإبداع سببًا رئيسيًا فيها على أي حال .

ومن الفصل السابع إلى الثاني عشر يركز على تحديد الضغوط النفسية التي يمكن أن يكون المبدعين عرضة لها، بطبيعة عملهم، ودورهم في الحياة، وعلاقتهم بالمجتمع، فيبدأ بالحديث عن ضغوط العمل الإبداعي ، والمشقات المادية، ويرى فيما بعد أنه على المبدع أن يعي تمامًا تلك الضغوط ويتكيف على حدوثها، ويتمكن من مواجهتها بيسر، ذلك أن العمل الإبداعي بطبعه يتطلب منه قدرًا من التركيز، وربما قدرًا أكبر من الاستغراق في العمل، الذي قد يجعله يغفل عن ضرورات حياته الأخرى، فيدفع الناس ـ بالتالي ـ لوصفه بالشذوذ، أو الاضطراب النفسي، من جهة أخرى يؤكد الكاتب على مشكلة افتقاد المبدع للأمان المادي/ الاقتصادي، وصعوبة ظروف الحياة بالنسبة له، وهو أمر معروف وشائع لدى المبدعين( كما هو عند غيرهم)، وما يسببه ذلك الأمر من قلق نفسي على المبدع، كذلك يتعرض المبدع لعلاقات اجتماعية عديدة، تدفعه إلى الأمام، كما قد تكون عقبة في طريقه !
يؤكد الكاتب في هذا الفصل أن الرفض الاجتماعي أمرٌ حادث للكثير من المبدعين والعباقرة، وتختلف درجات الرفض وطريقته من أمة لأخرى،ومن مجتمعٍ لآخـر، فكما أن للمجتمعات غير المتحضرة طريقتها في نبذ المبدعين، فإنه حتى للمجتمعات الغربية التي تتشدق بالديمقراطية، وتقبل الأخر، لها أساليبها المستترة في رفض المبدع، وذلك بعدم التحمس لإنتاجه وتجاهله تمامًا، أو إبعاده عن العديد من وسائل الإعلام، وهكذا ..
كل هذه الضغوط، وما تفرضه من حالة نفسية سيئة، تساعد على تفاقم النتائج السلبية في حياة المفكر والمبدع، ولهذا فليس من النادر أن تجد من المبدعين من يتعرض للإجهاد والأرق، والاضطراب النفسي، والاكتئاب ,,,, ومنهم من يلجأ إلى التدخين، وإدمان المخدرات أو قد يجنح به الأمر إلى التخلي تمامًا عن الإبداع ، بالرغم من كل ما قد يحمله له هذا الطريق من متعة شخصية وإشباع نفسي وتحقيق لذاته !!

ولا يقتصر الأمر على ضغوط الإبداع، وضغوط المجتمع، بل إن للشخصية كذلك دورها الذي لا ينكر في ممارسة نوع من الضغط على نفسية المبدع، وقد ركز الكاتب على 3 أساليب شخصية تتواتر عند المبدعين عرفوا بالاضطراب العقلي والنفسي، وهي” الإدمان”و “العزلة” و”الأساليب الشخصية في مواجهة الانفعالات” .
وهنا يؤكد الكاتب على أن أمرًا كالإدمان لم يرتبط بهمنجواي ـ كمثال ـ لأنه مبدع!، أو أنه كتب روائعه تحت تأثير الإدمان، وإنما كان إدمانه نتيجة ظروف اجتماعية وأسرية خاصة لا علاقة لإبداعه بها، إذ كان هيمنجواي مدمنًا منذ فترة مبكرة من عمره للعديد من الخمور، بل إن ذلك الإدمان هو الذي أوصله لحالات من الاكتئاب الشديدة، وهو الذي سبب له عددًا من الحوادث في حياته، انتهت بأن أقدم على الانتحار! ، ويحدد النقاد أنه و إن لم يكن قد توقف عن الكتابة أثناء فترة تدهوره النفسية، إلا أن ما كتبه أثناء ذلك يعد أقل إبداعيًا بكثير مما كتبه في الفترة السابقة من أعمال ..
من جهة أخرى تؤكد أبحاث علم النفس الإبداعي أن المبدعين أكثر الناس قابلية للاستثارة والانفعال ، ويضرب أمثلة بذلك على يوسف إدريس، وعلاقته بالسادات، وما جر عليه ذلك من وبال .
وفي حديثه عن العزلة يؤكد الدكتور أن العزلة نوعان عارضة ومفروضة، فأما الأخيرة، فقد تعرض لها عدد من المبدعين، ولم تكن أبدًا سببًا لقلة إبداعهم، بل ترى بعض النظريات إنها كثيرًا ما تكون دافعًا للتفوق والنبوغ المبكر (مثل طه حسين وماحدث له منذ طفولته)، كما يشير إلى أن النوع الآخر العارض الذي يكون عند الكثير من المبدعين هي عزلة إبداعية اختيارية من متطلبات التفكير والتركيز الذي يحتاجها المبدعون والعباقرة لممارسة نشاطاتهم، وأنها ليست عزلة مرضية، ولا انطواء مرضي، ولكنها تكون ضرورية للمبدع حتى يتمكن من تجميع أفكاره، والتركيز في ما يقوم به من نشاط، أو حتى للتفكر في حياته، وما كان، وما سيكون .. ويكون ذلك كله دافعًا لتقدم أفضل
ويختم الحديث عن تلك الممارسات السلوكية الشخصية، بتوضيح بأن الخطأ في التفكير أو معالجة الأمور بتسرع، وعدم عقلانية لا يتعارض مع المبدع، إذ لا يشترط على المبدع أن يكون دقيقًا في كل أموره وصائبًا في كل تصرفاته، وأن هناك مساحة للخطأ، يجب أن ينتبه إليها، كما يجب ألا تعامل أنه من خصائصه الفردية.

ولعل من أطرف فصول الكتاب، وأكثرهم إمتاعًا ذلك الفصل الذي يتناول تحديدًا بعض الأمور أو الضوابط العلاجية للمشكلات البدنية والمهنية أو الاجتماعية التي يتعرض لها المبدع، ويبدأ فيها الكاتب ـ وعلى عادة الأطباء النفسيين ـ بالتأكيد على عدد من الحقائق أهمها، أن ما سيعرضه هو اقتراح واجتهاد لا ينبغي بالضرورة أن يسير عليه كل المبدعين أو العباقرة، ولكنه نتاج أبحاث علمية، وأن الالتزام بهذا العلاج أو السير عليه هو أمر بين المبدع ونفسه، يجب أن يكون مقتنعًا به حتى يؤدي نتيجته على أكمل وجه، وأنه يجب أن يدرك المبدع أن هناك تكاملاً بين الممارسة الإبداعية، والصحة النفسية والعقلية، والفاعلية الاجتماعية، يجب أن يحرص المبدع على أن يجمع بينهم.
فأما الضغوط البدنية والصحية:
1ـ الاسترخاء: ينصح الكاتب بالاهتمام بالصحة البدنية، وممارسة “الاسترخاء” لمدة لا تقل عن 10 دقائق 3 مرات يوميًان ويشير إلى أن الاسترخاء يختلف عن النوم العادي، أو مجرد الراحة، وإنما هو حالة يجب الوصول إليها عن طريق تدريبات محددة، تعمل على تراخي كل عضلات الجسم، وإبعاد الذهن عن أي مشتتات بصرية أو فكرية، بالتركيز التام في الجسم، والعمل على إراحته تمامًا، وينصح في ذلك بالاستماع إلى الشرائط الخاصة بتدريبات الاسترخاء، أو متابعة التدريبات الواردة في كتاب (العلاج النفسي السلوكي)، وأن ذلك الاسترخاء، وممارسته اليومية يساعد بنسبة كبيرة على الصحة البدنية والنفسية، كما يمنح المرء لياقة بدنية عامة .
2ـ ممارسة الرياضة بشكل منتظم : المشي أو الهرولة لفترة ساعة يوميًا او 3 مرات أسبوعيًا على الأقل، أو ممارسة السباحة، أو التدريبات السويدية الخفيفة التي تؤدي إلى التنفس بعمق ..
3 ـ الغذاء المتوازن والملائم: والطريف انه في هذه النقطة لا ينصح بنظام غذائي، قدر ما يحذر من تناول الكحوليات، وشرب السجائر، والعقاقير المنشطة، أو المهدئة، وأنه على المبدع أن يقلل من استخدامها قدر المستطاع، كما ينصح (طبعًا) بالتوقف عن التدخين نهائيًا!!

أما فيما يتعلق بمواجهة الضغوط الإبداعية :
1ـ الكفاءة النفسية: أي أن على المبدع أن يعي تمامًا أن الإبداع كما يحقق له نوع من الرضا النفسي، والسرور بإنجاز هذا العمل، فإنه قد يكون سببًا في تضارب المشاعر عنده، وتحمل بعض مشاق العملية الإبداعية، من التفكير الذهني الكثير، أو التعرض لمواقف قد تؤثر عليه سلبًا ، وغير ذلك .
2ـ التحرر من طغيان الوقت: يجب أن يدرك المبدع أن لتنظيم وقته عامل هام في صحته النفسية، من جهة، وإنجازه الكثير من الأعمال من جهة أخرى، كما تتطلب إدارة الوقت الاستثمار الأمثل للأوقات التي تضيع منه باستمرار، وعدم إضاعة الكثير من قوته في أمور ترفيهية أو ثانوية ( وينصح في هذا الصدد بعدم مشاهدة التلفزيون أكثر من 10ساعات أسبوعيًا)
3 ـ إتاحة الفرصة للاستغراق في العمل: إذ تشير الأبحاث النفسية إلى أن الاستغراق في عمل ـ خاصة إذا كان محبوبًا ـ يجعل المرء يشعر بالكثير من المشاعر الإيجابية، وتجدد نشاطته، وتمده بالطاقة للمزيد، وينصح للوصول إلى هذا الاستغراق بأن يفكر المرء في معاني أكثر شمولية من مجرد أداء العمل الروتيني، أو أنها مفروضة عليه .. إلخ
4 ـ التفتح الذهني على الخبرات الجديدة
من المهم أن يظل المبدع مطلعًا على العديد من الأفكار والخبرات حتى إن اختلفت عن آراءه وافكاره، وينصح بقراءة العديد من الكتب والمجلات، والحرص على الاستماع إلى الآخرين وحضور الندوات واللقاءات الملائمة، و القيام بالرحلات، وزيارة المتاحف، وعدم التذرع بضيق الوقت، و التحرر من الأفكار السلبية تجاه هذه الأعمال، إذ أنه( ليس من الضروري أن يؤدي كل عمل تعمله إلى تغيير وجه العالم، كما أنه ليس مطلوبًا منك إنقا البشرية، وتحريرها من كل مشكلاتها، إذ أن الهدف الأساسي من الانسياب الإبداعي هو أن يمنحك إحساسًا بالسلام الداخلي والإشباع ..

أما الضغوط الاجتماعية وزملاء المهنة:
فيشير الكاتب بداية أنه يجب أن ندرك أنه لا توجد علاقة اجتماعية مثالية، بل ولا يوجد أسلوب مثالي لتكوين علاقة اجتماعية فعالة ودافئة، كل ما في الأمر تدريب النفي على التعامل مع الانفعالات السيئة التي تعوق السلام النفسي والفاعلية الاجتماعية، فمن ذلك :
1 ـ التعامل مع النقد: وهي نقطة بالغة الأهمية والخطورة ، وفيها ينصح بأنه يجب على المبدع ألا يفسر النقد على أنه امتهان شخصي أو استهانة به، ومما يساعد على ذلك نبذ الأفكار السلبية عن الآخرين، كفكرة(إنهم يتآمرون علي)( لا يريدون نجاحي، ).. وغيرها !، والتفكير بروية في النقد الموجه، ومحاولة الاستفادة منه مادام بناءً، وإيجابيًا، أما في حال ما إذا كان النقد سلبيًا وهدامًا فقط، ولا يستند على أساس منطقي ، فعلى المبدع أن يفكر في طبيعة علاقته بمن وجه إليه هذا النقد، ومن الممكن أن يلجأ معه إلى أسلوب” التعمية”وذلك بأن يظهر الموافقة على أحد جوانب النقد الموجه مع إظهار عدم الاكتراث بهذا الجانب، وبذلك يضمن تهدئة الطرف الآخر من جهة، وحماية المبدع من التصرفات الطائشة التي تؤثر عليه وعلى إبداعه فيما بعد .. ” يحتاج المبدع أكثر من غيره إلى أن يكون له علاقاته الاجتماعية ، بحيث يكون له ومن حوله حلقة من الأصدقاء ممن يتسمون بالدفء والمودة والسماحة، والتقبل، ولتحقيق هذا الغرض أنت لا تحتاج إلى عدد غفير من الأصدقاء ، إذا يكفي أن تكون لك علاقة عميقة بصديق أو اثنين تشعره معهما بالتقدير والحب والنصح الخالص.
2 ـ مهارات الحسم وتوكيد الذات :
يحتاج المبدع أكثر من غيره إلى أن يكون حاسمًا في كثير من الأمور، حتى لا يدع المجال لبعض تلك الأمور أن توتر نشاطه، وتشغل حيزًا ليس ذا بال من تفكيره، والحسم وتأكيد الذات أمران يختلفان عن العدوانية والغضب، فتوكيد الذات يعلمنا التعبير عن المشاعر الملائمة بطريقة مناسبة ، ويساعدنا الحسم على اتخاذ القرارات الحاسمة بسرعة مناسبة ..
3 ـ التوازن في أداء الأدوار الاجتماعية
” لا تسمح بدور واحد أن يحكم كل وقتكن وان يلتهم كل علاقاتك، وإلا أصبحت كالممثل الفاشل الذي يتقن دورًا واحدًا، فيفقد بمرور الوقت اهتمام المشاهدين”، ويتم ذلك بتقدير الواجبات المطلوبة، وتحديد أوقاتها، ورسم حدود فاصلة بينك وبين الآخرين، حتى تستمر العلاقة بشكل ناجح .. ، وكذلك عدم إهمال شؤون أفراد الأسرة، وإعانة الأصدقاء والأقارب ، ومحاولة حل مشاكلهم، والخروج من دائرة النرجسية والتقوقع للفاعلية والنمو ..
(لمن يرغب في اختيار طريق الإبداع من الشباب .. لا تتردد ولا تخجل من طلب النصح من أهل الخبرة.. )
4 ـ إجـادة التعامل مع الغضب
ولهذا الأمر طرفين، أحدها أنت ـ كمبدع ـ إذ عليك أن تحاول أن تعبر عن غضبك بشكل هادئ، ومن الممكن أن تبث مشاعرك إلى صديق موثوق، أو أن تحاور نفسك حوارًا هادئًا، فإن ذلك يعمل على تخفيف مشاعر الغضب، الطرف الآخر الذي قام بإغضابك، عليك ألا تفكر فيه بشكل سلبي مبدئيًا، بل حاول أن تضع أعذارًا لتصرفاته مهما بدت في نظرك غير منطقية، أو غير عادلة، فليس بالضرورة أن يكون الناس جميعًا متفقين معنا منطقيًا أو عادلين ، وعلى المبدع أكثر من غيره أن يتدرب على تقبل الاختلاف، وتعلم فن التفاوض حتى يتمكن من الوصول للحلول الوسط.
ويعلم أنه ليس بالضرورة أن تكون منتصرًا في كل المواقف، وأن الأمر ليس مكسبًا وخسارة، وإنما هو عرض لوجهات نظر، قد تكون كلها صحيحة في النهاية .

ويخصص الكاتب الفصل الأخير لتوضيح حقيقة هامة، وهي أن” الكثير من الاضطراب النفسي يكون ناشئًا من أفكار مبالغ فيها، أو تعميم وتوقع سلبي، أو تشويه في فهم وإدراك ما يحمله الآخرون من نوايا”..
وأن كثيرًا من عوامل الاضطراب أو الضغوط النفسية نضع أنفسنا فيها باختيارنا، وكأنه يشير إلى فكرة الكوب الملآن، وأنه على المبدع أن يرى في الحياة دائمًا هذا الجانب المتفاءل الذي لا يعدمه في كثير من الأحوال، وكما ينظر في جوانب الحياة إلى النصف الممتلئ من الكوب، فإنه يتعامل مع الناس بطريقة مشابهة، إذ البشر في الأرض ليسوا شياطين، ولا ملائكة، بل بشـر خطاءون، وخير الخطاءين التوابين !
كذلك فإن كثيرًا من جوانب الاضطراب تنشأ من الربط بين وقائع غير مترابطة بالضرورة، مثل الربط بين التعاسة والانطواء، أو النشأة في ظروف أسرية تعيسة، أو الاكتئاب بسبب مرض أحد أفراد الأسرة، أو أن عملاُ من أعماله قوبل بالرفض أو النقد، ويتشابه مع هذه الأمثلة ما يبدر من بعض المبدعين الذين يربطون تكاسلهم عن الإنتاج والإبداع بضيق الوقت، بدلاً من أن ينسبوا ذلك إلى تعارض نشاطاتهم الاجتماعية مع الأوقات المطلوب تخصيصها للعمل .

وهكذا ينتهي هذا الكتاب القيم، بعد أن وضح ذلك التعارض بين الإبداع والاضطراب النفسي ، ليؤكـد أن ما نراه من أعراض ما هي إلا ضغوط نفسية، وحياتيه، وأنه بإمكان المبدع أن يتعامل معها بإيجابية، وبطريقة قد تجعل منها سببًا للمزيد من الإبداع والتقدم، وليس العكس .

إبراهيم عـادل

روايات الكاتبة الروسية ناتاليا فيكو /تفاهة في مشروع قومي للترجمة

مكتبة مدارات لا تعليق »

د. أحمد الخميسي

هناك مسائل كيفما نظرت إليها وجدتها تتجاوز كل حدود الاستهانة بالعقل والثقافة. ولنبدأ منذ اللحظة التي شاهدت فيها كتابين لروائية روسية جديدة تدعى ناتاليا فيكو ضمن الأعمال المترجمة التي يقدمها المشروع القومي للترجمة ، ومن الفرحة التي استولت علي وأنا أقول لنفسي : ها نحن سنقرأ أعمالا لأدباء جدد يواصلون معنا رحلة الأدب الروسي المجيدة . وما أن انتهيت – بصعوبة بالغة - من قراءة روايات السيدة ناتاليا فيكو حتى شعرت باستياء عميق من عملية أقرب ما تكون إلي الاحتيال على المبادئ الأولى للثقافة والترجمة. وأول كل ترجمة هو اختيار النص، على حين أن ما يسمى روايات ” ناتاليا فيكو ” لا تزيد شيئا عن قيمة المسلسلات الإذاعية الهابطة التي كانت تقدم في الخمسينات بأسماء مثل ” من القاتل ؟ “، و ” الخزانة الحديدية ” إلي آخره ، ولهذا لا يمكن أن تصبح موضع نقاش أصلا . هذا عن العمل الأدبي ، أما عن المترجم فتفضل ما يلي : هو - حسب تعريف الكتاب به – على فهمي عبد السلام حاصل على دكتوراه في السباكة ! وهو بقدرة قادر وفق تقديم نهاد إبراهيم : ” يتقن الروسية بمستوى ينافس به الروس أنفسهم ” ! علما بأن نهاد إبراهيم التي تشهد للمترجم بذلك لا علاقة لها باللغة الروسية لا من قريب ولا من بعيد ! فهي مذيعة حاصلة على ليسانس في اللغة الألمانية والإيطالية ! وبالرغم من ذلك فهي التي تولت – لا تدري على أي أساس ؟ - عملية ” صياغة ومراجعة الترجمة ” (!) بل وبلغت بها الجرأة والكرم حد كتابة دراسة تحليلية في موضوع الأدب الروسي الذي لا تعرف شيئا عنه ولا حتى المعلومات العامة التي يلم بها أي مثقف! وفي الكتاب الأول ” عناكب في المصيدة ” ويضم ثلاث روايات تكتب نهاد إبراهيم إن : ” ناتاليا فيكو تحمل السبق في تأسيس تيار أدبي مستقل مقترن باسمها في الأدب الروسي ” أي تيار أدبي مستقل هذا ؟ لا تقول نهاد إبراهيم شيئا ، سوى أنه تيار والسلام . تغدق نهاد إبراهيم الأوصاف الكريمة على المؤلفة كما فعلت من قبل مع المترجم فتقول إن ناتاليا فيكو هي : ” واحدة من أهم الأديبات المعاصرات في روسيا ” . وهذه الأحكام السخية تصدرها نهاد إبراهيم التي لا تعرف حرفا من الأدب واللغة الروسيين إلي درجة أنها في الكتاب الثاني الذي قدمته لنفس المؤلفة تكتب ( 23) أن أنطون تشيخوف كان يقطن في برلين ! وأنه – أي تشيخوف – فر بجلده إلي الغرب أثناء حكم ستالين ! . وما لا تعرفه الأخت نهاد إبراهيم أن تشيخوف توفي عام 1904 قبل الثورة الاشتراكية بزمن طويل! وأنه لم يفر بجلده إلي الغرب ، ولم يكن مهاجرا إلي ألمانيا ! وهذه معلومات عامة جدا يعرفها أي قارئ ، أو متصفح للأدب الروسي ، خاصة حين يتعلق الأمر بكاتب عظيم هو أنطون تشيخوف نشرت عنه مئات الآلاف من الكتب والمقالات ! ولا يتعلق هذا الجهل والتضليل فقط بالأدب الروسي ، بل يمتد إلي غيره ، فقد قررت الست نهاد أن تضع بعض الهوامش هنا وهناك لتعطي منظرا علميا للمقدمات ، وهكذا حين جاء ذكر الفيلسوف فرانسيس بيكون ، تكرمت علينا بهامش ( ص 159 ) جاء فيه إن بيكون هو : ” فيلسوف انجليزي أسس مذهب المادية ” ولكي تضفي على معلوماتها طابعا علميا فإنها تكتب لنا كلمة المادية بالإنجليزية ! ولا تجد الست نهاد فرقا بين المادية – التيار الذي ظهر مبكرا في الفلسفة اليونانية – والمادية الجديدة التي أسسها بيكون ، لأن كله عند العرب مادية !

وإذا تركنا المقدمات والدراسات التحليلية لروايات ناتاليا فيكو وما اشتملت عليه من جهل وأخطاء فاضحة، سنجد أن ” المراجعة والتحرير والصياغة ” التي قامت بها نهاد إبراهيم لنص لا تعرف لغته ، لا تقل سوءا . ففي رواية ” عناكب في المصيدة ” (حتى العنوان غير صحيح ) نجد عبارات كالتالي : ” مضغوط من مسئولياته ” ، وعبارات مثل : ” تلعثمت الكلمات ” مع أن اللعثمة لمن يتكلم وليست للكلمات ، وهلم جرا . المؤسف أن السيدة نهاد أعلنت مع صدور الكتابين أنها ماضية في مشروع عظيم لترجمة كل روايات الست ناتاليا فيكو ، وأن هذين الكتابين هما قطرة من بحر !

لقد التقى شخص لا علاقة له بالأدب الروسي هو على فهمي عبد السلام ، بشخص آخر لا علاقة له بالثقافة هو نهاد إبراهيم ، وقررا ترجمة أعمال شخص ثالث لا علاقة له بالكتابة أو الأدب ! . الشيء الذي يدعو للأسف أن يقبل عصفور والمشروع القومي نشر ذلك وكانت أية قراءة سريعة للترجمة قبل نشرها كفيلة بوقف تلك التفاهة التي أساءت للمشروع وللأدب الروسي والقارئ معا .

***

أحمد الخميسي . كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

بلاغة السرد النسوي

مكتبة مدارات 4 تعليقات »

د: محمد عبد المطلب
عرض/حسام جايل

كتاب فيه ما فيه بديع في معانيه
إذا عاينت ما فيه رأيت الدر يحويه
لا أجد خيرا من هذين البيتين لستعين بهما على عرض هذا الكتاب “بلاغة السرد النسوي”للناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب
والذي صدر مؤخرا عن سلسلة كتابات نقدية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة
وإذا الدكتور عبد المطلب يعتبر من أكبر القامات النقدية في الوقت الحالي –إن لم يكن أكبرها بالفعل – فإن هذا الكتاب يحتل مساحة بالغة الأهمية لسببين :
أولهما : أن كاتبه هو النقاد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب وهو معروف لدى جمهرة الكتاب والمفكرين في الوطن العربي ببراعته النقدية الفائقة ومرجعيته الثقافية المتفردة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة في نسق فريد كما أنه معروف بارتياده آفاقا بكرا في الفكر والنقد ومن ثم يأتي السبب الثاني في أهمية هذا الكتاب وهو: أن هذا الكتاب يغطي منطقة شديدة الأهمية لم يرتدها كثير من قبل بل لم يخصص لها أحد من قبل كتاباً كاملاً يعالج قضاياها ومرجعياتها ويستعرض منجزها وسماتها إلا الدكتور عبد المطلب .
واللافت للنظر أن هذا العنوان يستدعي للذهن عنواناً آخر للدكتور عبد المطلب “بلاغة السرد ” الذي ضم إحدى وعشرين قراءة نقدية من نصوص روائية منها نصان لمبدعتين وتسعة عشر نصا لمبدعين ذكور .
غير أن الدكتور عبد المطلب يستخدم العنوان السابق نفسه ويضيف إليه كلمة “النسوة ” ليكون العنوان ” بلاغة السرد النسوي ” محملا بدلالات التخصيص والريادة والاعتذار نعم التخصيص لأن الكتاب من أوله إلى آخره مخصص لدراسة روايات نسوية الإنتاج والريادة لأنه أول كتاب متكامل يتناول هذه المنطقة ويعالجها والاعتذار لأن الدكتور عبد المطلب لا يحب الأحادية ولا الفردية ( سيطرة الإنتاجية الإبداعية للذكور زمانا ومكانا ) ومن ثم كانت هذه المساهمة من الدكتور عبد المطلب لإزاحة ثنائية ( الهامش والمتن ) .
وعلى مدى 328 صفحة من القطع المتوسط يطوف بنا ناقدنا الفذ بين فنون السرد النسوي مستعرضا منجزه العربي من المحيط إلى الخليج ويقدم اثنتين وعشرين قراءة نقدية لإثنين وعشرين نصا روائيا نسويا ولأن طبيعة الرواد والطموحين تأبى إلا الكمال والجودة أو على الأقل محاولة الوصول إلى الكمال قدر المستطاع فإن ناقدنا يقود فيما يشبه الاعتذار والدعوة ” فمهما حاولت أن ألاحق بقراءتي النصوص السردية النسوية فلن أبلغ منها ما أريد فلقد اتسعت مساحة المنتج السردي النسوي اتساعا يفوق قدرة أي قارئ وربما لا تستطيعه إلا المؤسسات الكبرى بإمكاناتها المادية والمعنوية والمأمول أن يكون الحاضر إشارة إلى الغائب والمذكور تنويها بالمتروك ” ص 11.
وإن كنا نوافق ناقدنا على صعوبة متابعة أي منتج نظرا لضخامة الكم الذي تدفع به دور النشر إلى السوق فإننا لا نوافقه أبدا ولا نرضى له أن يطرح على نفسه سؤالاً من المفترض أن يطرح عليه وهو .
لماذا اخترت هذه ولماذا تركت تلك ؟ ص 11 .
محاولين الإجابة نيابة عنه بأن ذلك يخضع لطبيعة النص المدروس وليس لحجم الاسم أو مكانة صاحبته كما أن المشروع في بدايته وهو طويل .
ويأتي هذا الكتاب في المقدمة وقسمين على النحو الآتي :
تستعرض المقدمة العنوان ومفرداته ودوافع التأليف.
ويأتي القسم الأول ليستعرض مفهومات ” بلاغة السرد ” و ” النسوي ” و “ذكورية الأدب ” و ” النسوية الجديدة ” و ” الأدب النسوي ” و ” المنتجات السردية ” بمحاورها الثلاثة و” السيرة الذاتية النسوية ” و ” تقنيات السرد النسوي ” بمرتكزاته التسعة وذلك على النحو الآتي :
بلاغة السرد :
يستعرض الناقد مفهومي المصطلحين ( بلاغة ، سرد ) مبتدءا من المعنى اللغوي ومارا بالمعنى الاصطلاحي مؤكدا أنه لكل جنس أدبي بلاغته الخاصة التي تنبع من خصوصيته فللشعر بلاغته وللخطابة بلاغتها وللرسائل بلاغتها وللأمثال بلاغتها وللسرد بلاغته .. ص 15 ثم يفرق الدكتور عبد المطلب بين مصطلحي السرد والحكاية كما جاء في المنجز النقدي الوافد وبخاصة لدى جيرار جينيت . غير أن الدكتور عبد المطلب يرى أن مصطلح السرد قد استقر معرفيا في الخطاب النقدي حتى أنه لم يعد في حاجة إلى تعريف … ص 16 .
ويعرض لنا مقولات السابقين في السرد كالعسكري والزمخشري .
النسوة :
يعد المبحث السابق تمهيداً للدخول للمبحث الذي بين أيدينا وهو النسوة ويعدد المؤلف الأسباب التي قادته لاختيار مصطلح النسوي وليث الأنثوي أو النسائي مثلاً وهو لا يستقر على مصطلحه هذا إلا بعد مراجعات لغوية ومناقشات للمرجعيات الأيديولوجية مرورا بتاريخ الحركة النسائية بدايتها ومتطلباتها وإلى أين وصلت ؟
وهو لا ينسى أن يسوق لنا من الأدلة ما يتنافى مع ادعاء نسبة النظرة المتدنية للأنثى ومع إدخال ثنائية ( الأنثى والذكر ) في دائرة المفاضلة في ثقافتنا العربية ناهيك عن الاتهامات الباطلة المتشابهة مع هذا الادعاء إلى حد بعيد وهو لا يني يفندها في مهارة وحذق يحسد عليهما .
وبعد أن يستعرض أو يعرض لنا إمكانات اللغة العربية من حيث التعامل مع المسميات ( ذكر ، أنثى ) والتغليب والاشتراك وما إلى ذلك ينفي نفيا تاما ذكورية اللغة بل نراه ينتصر للغة انتصارا صريحا حين يقول ” … نخلص من هذا إلى أن مقولة (ذكورية اللغة ) لا تعبر عن الواقع اللغوي تعبيرا دقيقا وربما أتاح لنا ما عرضناه أن نعكس القضية ونقول ( أنثوية اللغة ) أليست مفردة اللغة مؤنثة ؟ ص 24 .
ذكورية الأدب :
وبنفس منهج البحث في المبحث السابق - لا أقول يرد الدكتور عبد المطلب الاتهامات عن الأدب العربي – بل يضع الأمور في نصابها الصحيح ويوضح الحقائق ويكشف زيف الأقاويل التي اتهمت الأدب العربي بالذكورية كما اتهمت اللغة من قبل مؤكدا أن أصحاب هذه الاتهامات يلجأون إلى منهج غير صحيح علميا وهو منهج الانتقاء أو الاجتزاء ص 25 .
ويقول إن تهمة الذكورية قد تسلطت على الشعر العربي تسلطا ظالما علما بأن هذا الشعر قد ارتفع بالمرأة إلى أفق قريب من القداسة .. وإن تناول الشعر المرأة قد استحال إلى طقس مقدس من خلال الوقوف على الأطلال وسرد رحيل المرأة الذي يحيل الديار إلى خرائب بعد أن كان حضورها موازيا للحياة ص 25 .
ويتعجب كيف أغفل المتهمون للشعرية العربية بالذكورة مرحلة الشعر العذري من تاريخ شعرنا العربي وهي مرحلة متميزة وفارقة في تاريخه .
كما يستدل بمقولات النقاد القدامى الذين أسسوا مقولات نقدية أصبحت مسلمات وقد أسسوها بناءا على نظرة التقديس والتبجيل للمرأة .
وأيضا فإن أصحاب هذه الاتهامات الباطلة يغفلون النساء الشواعر من تاريخ شعرنا العربي وكذلك يغفلون المدونات الأدبية التي اهتمت بهن مثل ( أشعار الجواري) و ( الإماء الشواعر ) و ( أشعار النساء ) وكذلك المدونات التي قدمت المرأة المثقفة مثل : ( بلاغات النساء ) و ( ذكر النسوى المتعبدات الصوفيات ) و ( الحدائق الغناء في أخبار النساء ) .
النسوية الجديدة : أصأ
يتناول هذا المبحث تاريخ الحركة النسوية ومرجعياتها وغاياتها كما يصنف الحركة النسوية باعتبار هذه المرجعيات على أنها ليست نسوية واحدة بل نسويات متعددة كل منها يبدأ بإنفجارات فردية ثم يأخذ في التكاثر وصولا إلى الجماعة .. فهناك النسوية النفسية التي اعتمدت ما أصله فرويد من البحث في النشأة والعقيدة والاستبطان ودراسة اللاشعور واعتماد مركبات السادية والنرجسية وما إلى ذلك .. وهناك نسوية اجتماعية اعتمدت ما أصله ماركس عن تناقضات المجتمع إلى إعلاء الذكورة على الأنوثة ومن ثم لابد من جبر هذا التناقض لتحتل المرأة مكانتها اللائقة .. ص 31 .
وبعد ذلك تأتي النسوية التفكيكية ويرى أن ارتباط النسوية بالتفكيك جاء من عنايته بالهوامش بعد أن احتلت الذكورة المتن البشري وتركت الهوامش للأنوثة .. والنسوية التفكيكية تشكك في فكرة وجود اضطهاد عام واقع على النساء وفي فكرة وجود طريق لتحريرهن بل إنها تشكك في إمكانية وجود طبيعة عامة للمرأة يمكن أن تكون أساسا لحركة نسوية وهذا التشكيك ينسحب على كثير من فجوات مرحلة التنوير ص32 .
ثم تأتي النسوية التاريخية ويمكن بلورتها في أن النسوية الجديدة سعت إلى احتلال مدارك الصعود في الحاضر لأنها لا تملك إمكانية تغيير الماضي ومن ثم فالحاضر هو مجال فعاليتها الذي يمكن أن تسلطه على الآتي :
وعلى كل فإن النسوية كان لها منتجاتها الاصطلاحية وبخاصة ( الأدب النسوي) و( النقد النسوي ) الذي يتجه إلى ( مسائل النسوية ) باعتبارها من ركائز ( التحليل الثقافي ) ويمكننا أن نلخص مقولات أصحاب النقد النسوي فيما يأتي :
الدور الذي تلعبه المرأة في النصوص وعلاقته بدورها في الحياة اليومية .
استغلال المرأة بوصفها موضوعا جنسياً .
سيطرة الرجل في العمل والعلاقات الجنسية وعلاقات الحياة والعمل .
وعي النساء بكل ذلك لإرتباطه بحياتهن ص 34 .
الأدب النسوي :
يرى المؤلف أن مصطلحي ( الأدب النسوي ) و ( النقد النسوي ) قد كثرت الكتابة حولهما باعتبارهما من منتجات ( النقد الثقافي ) الذي تجاوز منتجات النخبة ليهبط إلى ( التداولي ) بعيدا عن أدب المؤسسة بحواشيها وتوابعها وهذا الهبوط قد ضم كل وسائل المعرفة سمعيا وبصريا وذهنيا ويدويا لأن النقد الثقافي تعامل مع المجتمع في حركته الدائبة حول مفاهيمه جملةًَ .. ص 35 .
ومن ثم قفز الهامش ليحتل مكانة المتن في كل شيء وانكسرت معظم الثنائيات ومن ثم شاركت الحركات النسوية في كسر ثنائية ( الأنوثة والذكورة ) وتجاوز الأمر مجرد الكسر إلى محاولة احتلال أكبر مساحة ممكنة .
وهنا يستقصي الكاتب علاقة المرأة بالأدب وموقفها منه وهو يصنفه في ثلاثة مناطق أو محاور يحتوي كل منها على ثلاثة محاور متفرعة عنها على النحو الآتي:
المنطقة الأولى ( المرأة منتجة للنص الأدبي ) :
وينطوي تحت هذه المنطقة ثلاثة محاور فرعية ونلاحظ هنا أن النص قد يكون مشبعا بروح الثورة والتمرد على السلطة الذكورية بكل عمقها الزمني ومن ثم ينحاز النص إلى الظواهر الإيجابية في الأنثى ومقارنتها بالظواهر السلبية في الذكر بوصفها إجراءا عمليا لإعلاء الأولى على الثاني وتحويل هذا الإعلاء أدبيا سرديا ( منحازة ) تعتمد الخشونة والقسوة كما تعتمد ردود الفعل أكثر من اعتمادها على الفعل ذاته ص37 ويمثل لها ناقدنا بنص ” أنثى ” لهدى النعيم .
ثم تأتي (الأنثى المحايدة) وهنا يتم التعامل مع الأنثى في حالتها أو تكوينها البيولوجي الذي يكاد ينحصر في الجسد وتجلياته الإبداعية حيث يتحول هذا الجسد إلى أبجدية بليغة .. وعندئذ تستحيل المنظومة الجسدية إلى نص أدبي له خصوصيته وتفرده النوعي ويمثل هذا التوجيه نص ” البنت التي سرقت طول أخيها ” لصفاء النجار ص 49 .
والمحور الثالث هو ( الأنثى الثقافية ) الأنثى التي شكلتها الثقافة بكل مكوناتها المادية والروحية وتساهم في هذا التشكيل التقاليد والأعراف وهنا تصبح الأنثى منتجا اجتماعيا قابلا لتسلط عوامل الحذف والإضافة والتهميش فيصمد الصوت الأنثوي المتمرد وغير الصوت المحايد ليعلو الصوت الثقافي بمخزونه التراكمي ص 38 .
ويسوق د / عبد المطلب نص ” الفخ ” لنوال مصطفى كمثال على هذه الرؤيا.
المنطقة الثانية ( الأنثى موضوعا أدبيا ) : وتتسع هذه المنطقة للذكر والأنثى والحضور هنا لا يكون على التساوي إذ يحتل الذكر مساحة أوسع بحكم اتساع المساحات الثقافية في الزمان والمكان ص 38 . وهذه المنطقة تتوزعها محاور ثلاثة كالمنطقة الأولى تماما وهي :
الأنثى المتمردة أو الأنثى الضد ( الصفعة القديمة ) عفاف السيد ص 73 .
الأنثى البيولوجية والاتكاء على الجسد ( الذي لم يأت بعد ) أمينة زيدان ص77.
الأنثى الثقافية حيث توغل النصية في تجلية ظواهر التفاضل بالتلميح حينا وبالتصريح حينا آخر لكنها ظواهر تنحاز للذكورة وتستمد عناصر هذا الإنحياز من الثقافة .. ص 39 .
ونلحظ في هذه المنطقة ( الثانية ) أن حضور المرأة بوصفها موضوعا أدبيا لازال محاطا بكثير من عوامل الانتقاص من حقوق الأنثى بغض النظر عن مصدر الإنتاج ذكرا أو أنثى ص 40 .
المنطقة الثالثة ( الأنثى متلقية للسرد ) : ويتوزع التلقي هنا على ثلاثة مستويات كما يأتي :
المتلقية النموذجية: وهي التي تملك حق الاختيار وإبداء الرأي وإصدار أحكام القيمة رفضا وقبولا مع إبداء المبررات وهذا المستوى ليس له الحضور الفاعل بعد نظرا لمحاصرة الواقع الثقافي ونظرته المتحفظة على آراء المتلقيات النموذجيات ص 41 . وتعتبر المجموعة القصصية ( بنات في بنات ) لصفاء عبد المنعم خير تمثيل للأنثى المتلقية النموذجية ص 83.
المتلقية الأسيرة : وهي أسيرة القيود التي فرضتها على نفسها اختيارا أو خضعت لها قهرا فهي خاضعة للقيود الثقافية ولا تمارس قراءتها إلا في ضوء المسموح به في ضوء تلك الثقافة من اشتراك أقدمية الإنتاج وفقد الصلاحية أو التنقية والتنخيل وهذه المتلقية تمثل النسبة الكبرى في الوقت الراهن وقد انسحبت إلى ( جناح الحريم) بدعوى باطلة وهي ( الاستجابة الدينية ) التي تمد سطوتها من ستر الجسد الحي إلى الجسد المكتوب ص 41.
المتلقية الرافضة : وهي تملك شجاعة الرفض وتقديم مبرراته وهي أيضا قلة توازي قلة المستوى الأول ص 42 . وهذا الرفض متجه إلى ( البناء الأنثوي ) الذي شيده الذكور ليقيم بدلا منه (البناء الأنثوي ) أنثوي التشييد فيقدم الجسد متحررا من كل القيود يقدمه بوصفه من مكونات الأنثى يضم معه عمقها النفسي والعاطفي والعقلي ص 42 .
السيرة الذاتية النسوية :
إن قراءة المسرود النسوي إنتاجا وموضوعا يبرز لنا أن الكائن البشري له وجودان محايد : لا صلة له بأحكام التفاضل والتمايز وهو موجود في الخطاب القرآني ، ومعنوي : خارج منطقة الحياد وناتج عنه ونشأ عن ازدواجية وظيفة الأنا بين الفاعل والمفعول وحكم هذا قانون التفاضل الذي وضع الأنثى في منطقة الهامش والرجل في منطقة المتن وبناءا على هذه الثنائية أتاح المجتمع للرجل ( المتن ) الصراحة وكتابة السيرة الذاتية على عكس الأنثى ( الهامش ) التي فرض عليها القيود وألزمها الخباء حتى في البوح والكتابة ولكن لأن الحاجة أم الاختراع فمن ثم لجأت المرأة إلى التحايل الفني لتقديم لنا جانبا من سيرتها الذاتية تقديما يتسم بالحياد فلا يوصف بالصدق المطلق ولا الكذب المطلق بل نصفه بالصدق النسبي .
تقنيات السرد النسوي :
بعد قراءة مثابرة واستخلاص السمات المائزة استطاع المؤلف أن يقدم لنا تقنيات أو سمات السرد النسوي في تسع سمات هي :
الانحياز للصوت النسوي : حيث يحتل الصوت النسوي مساحة كبيرة عن طريق ( الراوي ) أو ( الشخوص ) فاعلة أو منفعلة .
القهر الذكوري للأنثى : تعمد السرد النسوي استحضار الروح الذكورية في قهر الأنثى بوصفها طبيعة فطرية في الرجل .
مواجهة القهر الذكوري : وهذه السمة رد فعل للسمة السابقة وهنا يتسع السرد لوظيفة الأنثى في مواجهة هذا القهر .
أبجدية الجسد : يهتم السرد النسوي بالعناية بالجسد الأنثوي وخواصه الخارقة باعتبارها خواص علو وتميز .
السلطة الاجتماعية على الأنثى .
كثافة الاسترجاع : وهي سمة غالبة على سمة الاستباق في السرد النسوي.
اعتماد الحلم والخرافة : وهي سمة لاصقة للسمة السابقة عليها وهي سمة الاسترجاع أو ( الحديث النفسي ) .
شعرية السرد .
مط السرد : ويربط الناقد الكبير بين هذه السمة وسمة بلاغية تراثية هي(الإيجاز والإطناب والتطويل ) .
القسم الثاني :
يحفل هذا القسم من الكتاب بالتطبيقات الفعلية للمقولات السابقة في القسم الأول مضافا إليها مقولات جديدة في هذا القصد فعلى مدى مائتين صفحة يعالج المؤلف المفارقات ونسوية السرد وطقوس الثقافة وأعمدة الثقافة والمنتج الأنثوي في أعمال كل من سلوى بكر وميرال الطحاوي وسهير المصادفة وعزة رشاد ومنصورة عز الدين ورغم تنويهي هنا بضيق المقام فإنني في الوقت نفسه أبدي إعجابي الشديد بالكتاب ناهيك عن إعجابي الأشد بشخصية مؤلفه وأعلن استمتاعي بلغة الكتاب وهي لغة صافية رائقة بعيدة عن التكلف والتعقيد كما عودنا ناقدنا الكبير .
وأخيرا عزيزي القارئ أرجو أن تقرأ هذا الكتاب لأنه بلا شك سيضيف إلى معارفك أشياء كثيرة

محمد المخزنجي.. وتجديد القصة القصيرة

مكتبة مدارات لا تعليق »


” حيوانات أيامنا ” – عن دار شروق المصرية هذا العام - كتاب قصصي كما يسميه مؤلفه محمد المخزنجي ، يضم خمس عشرة قصة قصيرة ، تترك لديك انطباعا واحدا ، أن أحدا قد سلط على عينيك وضميرك نورا ساطعا ، حتى تشعر بأنك بحاجة للراحة من كل ذلك الضوء الباهر ومن كل تلك الحقيقة ، التي يمتزج فيها اكتئاب الخيول التي تنتحر ، بصرير الجنادب النحاسية المرعب حين يتحول الموت إلي حياة، بالسمكات الأرجوانية، التي تعلمنا أننا إذا لم نطعم أحلامنا بأفعال ملموسة فإن للأسطورة لن تكشف لنا وجهها ، تمتزج دماء الحيوانات بصرخات البشر وألمهم وهم يبحثون عن طريق ، ويصبح كل ما هو ما هو أسطوري ، ورمزي ، وسياسي ، وإنساني ، مثل شعاع واحد من ضوء صاف لا يمكن أن تميز في مساره ذرة عن أخرى . يستشهد المخزنجي بمقتطف من الجاحظ يقول فيه : ” أو ما علمت أن الإنسان إنما سموه العالم الصغير سليل العالم الكبير لما وجدوا فيه من جميع أشكال ما في العالم الكبير ؟ “. وهكذا يحمل الإنسان سمات كل العالم ، بما في ذلك طبائع الحيوانات على تنوعها . وسنجد في الإنسان على قول الجاحظ : ” وثبة الأسد وغدر الذئب وروغان الثعلب ” ،
وهكذا يقدم لنا المخزنجي البشر من زاوية أخرى تطرق ترابط العالم وتماسكه ، هناك حيث يمكن للمحبة الإنسانية أن تشفي الكائن حتى من الموت ، هناك حيث يحلم المخزنجي بوجود : ” بشر طيبون بعيدون بتكوينهم عن العنف والتكبر ، فياضون بالرحمة والتسامح ” . في قصته ” الغزلان ” ينطق الهم الاجتماعي الذي يثقل قلب المخزنجي فيتحدث صراحة عن المارينز وعن الغزاة الذين احتلوا المدينة ، فقتلوا الغزلان البريئة المخلوقة من ” نسيم مرصع ببراعم الزهر ” وتركوا الأسود التي أطعموها لحم الناس فظلت تزأر مطالبة بالمزيد . وتسأل نفسك بعد أن تنتهي من قراءة تلك القصة هل أراد المخزنجي أن يصور لنا الغزلان البريئة متألمة؟أم قسوة المارينز ؟ أم علاقة التفاعل التي ترسم الجانبين كما هما ؟ وفي كل منهما شيئ من الآخر ؟ يتوق إليه ؟ وينفيه ؟ ويستدعيه ؟ . في كل قصص المجموعة البديعة ستسمع لهاث الخيول وهي تنتحب وتنتحر كالبشر بإلقاء أبدانها إلي أسماك القرش ، وسترى أحوال البشر وهم يكتئبون كالخيول ، وستجد في كل ذلك أن المخزنجي يعطيك العالم كله : الطبيعة ، والإنسان ، والمجتمع ، في علاقة تفاعل ، تجعلك تحس أنك جزء حميم من ضوء السماء وغبار الأرض وجزء حميم من الأرانب المسحورة والسمكات الأرجوانية ، وتظل تقرأ بنهم حتى تتعب من الضوء والحقيقة ، مثل شخص يستنشق فجأة كمية ضخمة أوكسوجين تصيبه بالدوار . وعبر القصص الخمس عشرة أطلق المخزنجي يده متحررا من قيود كثيرة ، فقدم لنا عملا عظيما ، ليس فقط بفضل حرفية الكتابة وهو أستاذ في ذلك ، ولكن أيضا بفضل الطبيعة الإنسانية لموهبته التي تجعله يرى كيف تلمس الرموش الطويلة للبغال القلب العاري ، وكيف تسمع الأسماك النغمات وتميز بينها ، وبفضل تلك الطبيعة يتسع ضمير الكاتب فتقرأ معه ما يقصه عن هانوي ، وبانكوك ، وبغداد ، والقاهرة ، كأن كل مايجري هناك يخصك أنت شخصيا حين تتوحد مآسي البشر وجرائم المجتمع والطبيعة البكماء المتكلمة في آن . وستجد - على حد قوله في قصته ” سمكات أرجوانية صغيرة ” – أن الكاتب قد حفر كل جملة : ” بقلب مختلج ، وبصر ندي ” . وقد احتفظ المخزنجي خلال كل ذلك بكل مقومات القصة ، فهو لا يخرج في كل قصة عن نقطة واحدة ، ولحظة واحدة ، ومغزى أساسي واحد رغم عمق وتنوع أصداء ذلك المغزى ، واستطاع المخزنجي بموهبته الفذة أن يحول الأفكار التي تبدو مجردة إلي شخوص حية قادرة على إثارة تعاطفك بالتفاصيل الدقيقة ، بحيث يصبح كل ما هو عام شخصي وحميم . يصون المخزنجي للقصة كل عناصرها الحديثة، ثم يندفع بها إلي الأمام خطوات كبيرة في إنجاز سيظل باقيا في الأدب ، كما بقي كتاب الأمير الصغير للفرنسي العظيم سانت إكزيبوري الذي قال : ” الأساسي لا تراه العين” أما المخزنجي فيستشهد بنص أقدم للجاحظ يقول فيه الجاحظ المعنى نفسه : ” لا تذهب إلي ما تريك العين ، وإذهب إلي ما يريك العقل ” . يستحق المخزنجي وكتابه الفذ ” حيوانات أيامنا ” اهتماما واحتفاء كبيرين ، لا يتسع المجال هنا لتقديم ولو شئ صغير منهما لكاتب مبدع ومجدد وباهر حقا .

***

أحمد الخميسي

“ذاكرة التيه” رواية فوق عادة النسيان

مكتبة مدارات تعليق واحد »

thakera.gif

هي رواية الأديبة (عزة رشاد)، المعنونة بـ”ذاكرة التيه” والصادرة عن دار(ميريت) لعام 2003. ما إن تفتح أولى صفحاتها حتى تجبرك السطور على ألا تتركها إلى أن تنهيها. رواية تكتب القارىء بينما يقرأها، ومن الصعب جد