الشاعر أحمد حجازي و ” استحالة حوار”

نافذة ساخرة تعليق واحد »

د. أحمد الخميسي

خلقت قناة ” الجزيرة ” مع ظهورها نموذجا إعلاميا مختلفا ، يعتمد على وضع الحقائق والأنباء أولا بأول تحت عيني المشاهد حتى لو تم تفسيرها بعد ذلك من منظور محدد . وأشاعت برامج” الجزيرة ” بطرحها القضايا لحوار من وجهات نظر مختلفة حيوية فكرية لم يعرفها من قبل المناخ الإعلامي . وتراجع ما أطلق عليه طويلا ” الدور الريادي ” للإعلام المصري في مجال التليفزيون ، بحيث أصبحت الغالبية العظمى تتابع الأخبار فقط عبر ” الجزيرة ” و” العربية ” وغيرهما . وقد أدرك التليفزيون المصري أن سر نجاح تلك القنوات هو في الأساس الحرية المتاحة في تناول مختلف القضايا علاوة على المستوى المهني الرفيع الذي تتم به متابعة الأحداث . ولما كانت ” الحرية المتاحة ” عندنا قليلة ، ولا تسمح بإعلام حقيقي مؤثر ، فقد اكتفى التليفزيون بشكل الحرية في برامجه مع تغييب مضمونها ، كما يكتفى إنسان برقعة شطرنج مع إصدار تعليمات مشددة للبيادق ألا تتقدم بحركة ” كش ملك ” . الشكل موجود والوظيفة ممنوعة . هكذا كان الحال في برنامج ” حالة حوار ” الذي يقدمه عمرو عبد السميع حين استضاف مؤخرا شاعرنا الكبير أحمد حجازي لمحاورة مجموعة من الشباب التليفزيوني المنتخب على الفرازة ! قدم البرنامج ما يبدو أنه ” حوار ” لكنك حين تدقق النظر تكتشف ” استحالة حوار ” لا أكثر . الشاعر الكبير يطرق بحرارة مختلف قضايا الثقافة واللغة وأزمات مجتمعنا ويدعو الشباب للقراءة والشعر والتفكير ، وعلى الجانب الآخر شباب يطرح أسئلة مدروسة ومحفوظة ومعدة لاعلاقة لها بهموم الشباب من قريب أو بعيد . معروف بالطبع من الذي يتخير تلك العينة الشبابية التلفزيونية ليصدر لها تصريحات بدخول ما سبيرو ! عرض أحمد حجازي لفكرته التي قدمها من قبل في كتابه ” ثقافتنا ليست بخير ” قائلا إن الثقافة المصرية تمر بأزمة وأنها لم تعرف شاعرا كبيرا جديدا ولا كاتبا مسرحيا عظيما منذ ربع القرن ، وأن هويتنا الثقافية واللغوية في خطر، فبرز له شاب قدم نفسه باعتباره عضوا في الحزب الوطني ليسأله عما إن كان حجازي يعني بحديثه أن مصر تغرق ولابد من بروز من ينتشلها ؟! . وأجابه أحمد حجازي بقوله : هل تريد أن تحرجني ؟ نعم مصر تمر بأزمة . ” الحوار ” المفترض تحول في واقع الأمر إلي حديث من طرف واحد ، أما الشباب التليفزيوني فقد اكتفى بطرح قشور القضايا ، دون أن يتطرق أحد إلي مشكلة واحدة حقيقية مثل أسباب انتشار الزواج العرفي بين الشباب الذي بلغت حالاته أكثر من ربع المليون حالة ! لم يتطرق أحد من الشباب التليفزيوني إلي مشكلة البطالة بين الخريجين التي تدفع المئات للهجرة غير الشرعية والموت على شواطئ بلدان أخرى، ولا إلي مشكلة حرية العمل الطلابي في الجامعات ، واللائحة الطلابية سيئة الصيت ، أوالاعتقالات التي تطال الطلاب ، أو آفاق العمل والانتاج وتكوين أسرة المسدودة أمام الشباب . كلا ، فالأسئلة كلها منمقة ، ومهذبة ، وتنزلق على سطح القضايا دون أن تلمس جوهرها . ولهذا بدا حديث الشاعر الكبير أقرب إلي مونولوج طويل حار في قاعة بلا صدى رغم شكل مقاعدها المشغولة ، ومع ذلك فقد وصلت رسالة حجازي إلي المشاهدين بفضل حرارته وصدقه وهو ينقلها بحيث بدا أنه الشاب الوحيد في تلك القاعة الممتلئة برجال معاشات يرتدون سراويل وفانلات الشباب ! أما د . عمرو عبد السميع فقد قدم في المحصلة النهائية برنامج ” استحالة حوار ” ، ولا ألومه، لأنه ما من حوار بدون حرية ، وما من حوار بدون التطرق للقضايا الجوهرية ، ولا أظن أنه مسئول عن وضع تلك السياسة ، إنه فقط طرف مشارك في تجسيد تلك السياسة التي يستحيل في ظلها أن يقوم التليفزيون بأي دور ، ناهيك عن الدور المسمى ” ريادي ” .

+++

أحمد الخميسي . كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

كيف تكون مدوِّناً؟

نافذة ساخرة تعليق واحد »


في البدء هل سمعتم عن (عبد الكريم نبيل) ؟! .. أول شخص حاكمه القضاء بتهمة التدوين ؟! .. التدوين .. تلك الظاهرة البريئة التي بدأت تظهر – ثم تجتاح – أوساط المثقفين وأنصاف المثقفين في الوطن العربي على الإنترنت ..
يا لهم من ظالمين ! .. تم الحكم عليه بالرغم من أن السبب تافه للغاية .. لقد كتب (عبد الكريم) في مدونته كلاماً يثور فيه على الأزهر ويسب فيه النبي وأصحابه ، ويحقّر من قيمة شهر رمضان واصفاً إياه بشهر النفاق .. فقط هذا كل ما في الأمر .. ما ذنبه كي يضيعوا من عمره سنيناً أربعة ؟! ..

هل (عبد الكريم) مخبول وأحمق وقذر الفكر والشخصية ويمتاز بسفالةٍ متطورة المستوى ؟! .. نحن معشر المدوّنين لا نعتقد ذلك .. نحن معشر المدونين علينا أن نثور لأجل حق زميلنا المنكوب .. كيف يسمحوا لأنفسهم أن يقيدوا حرية الكلمة ؟!!

وإجابةً لتساؤل الكثير من الحيارى .. هل (عبد الكريم) شخص سيء ؟! ولماذا ثار عليه أهل بيته عندما فعل فعلته وقسوا عليه ؟!
كلا يا أعزاء بالطبع .. (عبد الكريم) هو الانطلاقة الحقيقية .. هو أول الغيث الذي ينذر بقدوم سيل المدوّنين الأحرار الشجعان .. لماذا علينا أن نلتزم بالتقاليد والأعراف على الرغم من أننا لم نخترها ؟! .. لقد فُرضت علينا فرضاً .. وبالنسبة لموضوع أهله فتلك مسائل عائلية لا دخل لنا بها ..

وبهذه المناسبة .. قررنا نحن – معشر المدوّنين – أن نقدم بعض النصائح ..

عزيزي المدوّن .. إليك نصائحنا الذهبية كي تصير واحداً من أفضل المدوّنين العرب قاطبة ..
فقط اتبعها ، وثق أنه بالتنفيذ يأتي إبهار النتائج ..

مبدئياً وقبل أي شيء .. أنت متشائم .. تنعزل عن الناس وترى أن الصداقة الحقيقية تشعّ من شاشة جهاز كمبيوتر ..
كما لابد أن تكون مُعارضاً – بشراسة شديدة – لنظام الحكم في بلدك .. وإن أردتَ التميز فعارض الأنظمة العربية جميعها وسُبّ الشعوب والحكام ..
لن تتحقق فيك الشروط الكاملة ما لم تشعر بالخزي لكونك عربي .. تؤمن بتخلف فكر شعوبنا وفساد عقول شبابنا .. الدنيا مظلمة يا عزيزي . لا محالة ..
لن يتم قبولك بيننا – معشر المدوّنين – ما لم تكن بذيئاً في القول والعمل ..
لكن إياك ثم إياك أن تصدر بذاءتك دون خلفية ثقافية من العيار الثقيل .. استعرض ثقافتك بقدر الإمكان .. لو صرت بذيئاً فحسب فإن هذا يشوّه صورتنا أيها الأحمق ويُظهرنا كـ شتّامين لعانين ..
تحدث في الجنس والسياسة والدين واكسر كل التابوهات ..

إن كنتِ عزيزتي مدوِّنةً أنثى .. فأنتِ تؤمنين بالصداقة المطلقة غير المقيدة بين الولد والبنت طبعاً ..
هل تتحدثين في الجنس بحرية ؟! هل تروين تجاربك بكل جرأة بخصوص من تحرشوا بكِ هنا أو هناك وتصفين الأمر بمنتهى الدقة وتنقلين للقارئ إحساسك وتعليقاتك الفذة بصدد الأمر ؟! .. لا ؟!! .. أنتِ ساذجة بالفعل ولا تدركي أصول التدوين .. هذه أمور بديهية يا حمقاء ولا يجوز أن نتحدث فيها من الأساس لأنها ثوابت .. حاولي أن تكوني صفيقة فتتميزي ويصير لك جمهورك الذي يلتف حولك .. - اشتهاءً لكِ بالتأكيد - ..

لا تنسوا الجانب الرقيق في الأمر .. أنتم دوماً متعجبون مستاءون متقوقعون .. لأن البشر في الخارج غيلان ، وأنتم لستم في مثل شراستهم .. أنتم دوماً متأملون .. تعلّقون وتحللون كل المواقف التي تمر بكم وأتفهها .
شاهدتم رجلاً في الظهيرة يركل حجراً على الرصيف أثناء سيره ؟! .. يا إلهي ! هل الرجل شرس وهمجي إلى هذا الحد ؟! والحجر المسكين .. هل تراه تأذّى ؟! .. لن تتقدم مجتمعاتنا وفيها مثل هذه النماذج !
وكل الحمقى المعتوهين ذوي الأسلوب الفظ الذين يزيحوننا من الطريق عند ركوب المواصلات .. إنهم يجرحوننا ويهينون آدميتنا .. إننا نبكي أياماً متواصلة بسبب فعلتهم هذه ونحتاج لوقت طويل حتى نخرج من حالة الاكتئاب التي سببوها لنا ..
أمس شاهدتم ورقة تطير في الهواء وتسقط في التراب .. تأملوا هذا المشهد العبقري واستخرجوا منه الجوانب المؤلمة .. اكتبوا عن الشعب الجاهل الذي لا يقدر قيمة الأوراق .. هذا بالطبع يشير إلى انعدم الثقافة التام والاستهانة بكل المثقفين والكيانات الثقافية القليلة عندنا ..

يا كل مدوّني العرب .. استمروا فيما أنتم عليه .. ثوروا .. عارضوا وأثيروا الصخب .. حوّلوا حرية الرأي والتعبير إلى مرض ..
حوّلوا التدوين إلى سرطان يسري في جسد ثقافة هذه الأمة .. كوّنوا وجهات نظركم في كل شيء في هذه الحياة حتى لو كان تافهاً لا يستحق .. هذه هي القاعدة الأساسية ..
املئوا صفحاتكم الخاصة على الإنترنت بكتاباتكم الفريدة .. وأثروا حياتنا الثقافية أكثر وأكثر ..

انشروا فكركم الوقح بشأن الدين والسياسة والجنس بكل حرية .. فبهذا وحده – صدقونا – يأتي الإصلاح ..

آه ! .. الإصلاح !
كان من المفترض أن تكون أولى نصائحنا بخصوصه .. لكننا نسينا .. عفواً ..
عموماً تذكروه !

* * * *

هل تعلمون ما المشكلة ؟*
المشكلة أن بعض قراء هذا المقال قد يأخذون الحديث السابق مأخذ الجد ، ويعتبرون هذه النصائح التي أوردتها سلفاً – في محاولة للسخرية والاستهزاء – نصائح حقيقية عليهم العمل بها واتباعها ؛ فأموت أنا في الحال بجلطة في المخ على أقل تقدير !
المشكلة أن (عبد الكريم) هذا قد تم تأطيره داخل إطار بطل ، وهو منه براء ..
المشكلة أن ثمة فئة قذرة من المدوّنين قد شوّهت صورة المدونين جميعاً لتطغى على كتابات أناسٍ في غاية النزاهة والإيجابية ..

والكارثة الحقيقية .. أننا لا زلنا قادرين على تشنيع كل شيء جميل – ثقافي خاصةً – يظهر في حاضرنا ..
وجلّ ما أرجوه أن نكون جميعاً في منأى عن مسئولية ما حدث – وإن كنت لا أعتقد ذلك - .. وألا يكون الارتواء من يد النبي الحبيب – ويكون الارتماء في صدره – حلماً بعيد المنال !

أحمد صبري غباشي
Write4sunrise@hotmail.com

الاثنين - 27 فبراير 2007

—————————————

* طبعاً من الواضح أن معظم ما ورد في المقال لا يعبر عن رأيي الحقيقي وإنما فقط هي محاولة للسخرية من أمثال (عبد الكريم).. ولم أكن أحبذ أن أنوّه لهذا .. لكني أكتب هذا التنويه اتقاءً لسوء الفهم .. فسوء الفهم في هذه القضية بالذات قد يكون سبباً في توجيه اتهامات بشعة لي ! .. كما أنوّه أيضاً أني أتعرض هنا لشريحة بعينها من المدوّنين وليس الجميع طبعاً .

الناس اللي…. لا مؤاخذة

نافذة ساخرة تعليق واحد »


على الصغار الذهاب لأداء واجباتهم المدرسية فورًا؛ فإن كانوا قد انتهوا منها فأعتقد أن ثم سؤال قد نسوا الإجابة عليه، ثم إنه لا زال هناك الاستحمام، وترتيب الغرفة، وشرب اللبن، والالتزام بميعاد النوم.. أمور كثيرة لم تتم بعد.. المهم أن ينصرفوا عن حديثي هذا الآن لأي سبب؛ فأعتقد أنه لن يحوي شيئًا مهما بالنسبة لهم ..
الأمر بالغ السواد حقا، والخطب جلل.. أكره بعنف النظرة التشاؤمية للأمور ولهجة التنفير هذه، ولستُ بصدد تقديمها ههنا طبعًا.. لكنها مجرد نظرة واقعية لما يدور، ولا تعني بالضرورة أن بارقة الأمل مفقودة ..
لا شك أننا – في وطننا العربي– قد وصلنا إلى آخر نقطة من الممكن أن نصل إليها في القاع.. على كافة المستويات أو أغلبها.. في الحياة الفكرية، والثقافية، والفنية، والعلمية، والعملية، والسياسية.. بل وحياتنا العادية اليومية.. توجد إيجابيات كثيرة ولا شك في هذا، لكن الضوء كله مسلطٌ على الوجه المعاكس مما يعطي انطباعًا سيئًا ..
أسطولٌ من أوبئةٍ قد تفشّت فجأة في مجتمعاتنا.. ماسورة مجاري انفجرت على حين غفلة في غياب سبّاكنا الافتراضي الماهر، لو كان تعبيري دقيقا.. فهل سنضغط على أنوفنا كاتمين إياها هكذا لفترة طويلة بدون حتى أن نناقش بعضنا في أمر هذه الماسورة؟!
سمعتُ كثيرًا عن أناس قد اتخذوا من (عادل إمام) قدوة.. من (أدهم صبري) قدوة.. أو من الكيان الأعظم على الأرض: حبيبنا سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوة.. لكن ما يثير العجب والاشمئزاز معًا أن ثمة فئة من الناس قد تركت أغلب هذه النماذج الشائعة، ووجدت شيئاً بعينه في قوم (لوط) عليه السلام لفت انتباههم كي يتحمسوا ويتخذوا من هؤلاء قدوة..
هل تُعذبهم (ممارسة الحياة الطبيعية) إلى هذه الدرجة وتُشعرهم بالعجز؟ فيقررون بناءً على ذلك الانتقال إلى ملعب آخر يحترفون فيه؟!.. أمرٌ غريب..! مقزز..
أجل؛ أتحدثُ عن الشذوذ الجنسي في مجتمعاتنا العربية.. ومقالي هذا تقريبًا هو أول مقال أقرأه في هذا الصدد.. ربما هذا هو ما استفزني!.. هل نخشى إلى هذه الدرجة الدخول في صلب الموضوع فنصيب بنقاشاتنا هذا الأمر في مقتل؟!.. هل تُقيدنا حساباتنا ويُخرسنا الوقار؟!
كل من تحدث في هذا الأمر – حسب معلوماتي وقراءاتي– ينسلّ إليه على استحياء وبغير تصريح.. كأن يكتب مقالا عن (الشذوذ الجنسي في الأدب)، أو (الشذوذ الجنسي في السينما).. متعرّضًا بهذا لعملٍ بعينه أكثر منه متعرضًا لقضية خطيرة تنشب مخالبها في صدر عروبتنا ..
هذه الظاهرة المقيتة صار اجتياحها مستفزًا بشكلٍ مستفز.. صارت جزءً من نقاشاتنا اليومية. من دعاباتنا العابرة. من إعلامنا إللي ما يعلم بيه إلا ربنا..
الكارثة في هذا الأمر أن هذا النوع من الشذوذ يمثل نسبةً ضئيلة جدًا في الوطن العربي، وليس اجتياحًا مخيفًا كما يعتقد البعض ..
هذا يعني أنني هنا لا أتحدث عن ظاهرة الشذوذ الجنسي في الوطن العربي..
إنما أتحدث عن ظاهرة: التحدث عن الشذوذ الجنسي في الوطن ..
إعلامنا، وأدبنا، ومزاحنا، ونقاشنا الزائد في هذا الأمر.. قد يكون سببًا رئيسيًا في اجتياح شيءٍ كهذا.. قد يكون سببًا في أن يقتلعنا جميعاً من جذورنا ..
إنها الحرية، وسماوات النقاش المفتوحة من جديد.. هذا الأمر الذي غدا لعنة تصيب الوطن العربي بجرح جديد مختلف في كل مرة.. فقديمًا: حقوق المرأة والمساواة.. واليوم: الشذوذ الجنسي.
عمارة يعقوبيان
أنا ممن يحبون كتابة (د. علاء الأسواني) إذا ما تغاضينا عن الجنس فيها.. لذا فقد أُعجبت به جدًا عند صدور رواية (عمارة يعقوبيان).. لكني أيقنتُ أن طامةً كبرى ستحدث عندما علمتُ أن هذا العمل الروائي سيتحول إلى فيلم سينمائي.. ولم يخب يقيني كثيرًا كما هو واضح..
انتقل هذا الأمر من مجرد عبارات مسجونة في المقال الفلاني، وكلمات متناثرة في الدراسة العلانية.. إلى صورة مجسدة علنية.. وليتها كانت للمثقفين فقط.. بل للعامة.. فعرف بها من لم يعرف قبلا.. وشاهدها من كان في شغف لذلك.. واستمتع بعلانيتها (أصحاب الكار) وسعدوا لذلك طبعًا.. وأصبحت حديث مصر كلها في هذا الوقت..
انتشارها – مهما عُرضت كشكل سلبي – قد يساعد هذه الفئة (المِثلية) في أن توقن أنها ليست وحدها.. يساعدها في أن تفكر بهذا الشكل: إنهم موجودون… إنهم كثيرون.. إنهم مؤثرون للدرجة التي تؤدي إلى ظهورهم في السينما والأدب والإعلام..
ربما يرسخ هذا الانتشار نوعًا من الشرعية في أذهان هؤلاء الناس إللي.. لا مؤاخذة..
هذا كله كي ترضى فئة معينة من الإعلاميين وينام ذووها قريرو العين.. إنهم متفتحون.. إنهم يناقشون حرية المرأة والشذوذ الجنسي ويتحدثون في الألوهية ويعرضون وجهات نظر الإلحاد.. إنهم متحضرون.. إنهم يتمتعون بحرية الرأي في هذا البلد..
هكذا تفكر فئة الإعلاميين المذكورة، ولا يدرون أن هذا البلد وشباب هذا البلد محكومٌ عليه بالانهيار والدمار بسبب إعلامٍ قد ضلّ ..
فـ إلى جمهور المثقفين في الوطن العربي قاطبة.. رجاء حار وعاجل: حياتنا الثقافية والفكرية لم تخلُ فجأة من كل أمور الكون التي علينا مناقشتها؛ كي يتسيّد هذا الموضوع – نتن الرائحة – قائمة اهتماماتنا ونقاشاتنا.. كفوا عن الدعاية له بشكلٍ غير مباشر، أو حَسن النية.. كفوا عن أن تُقحموه في أفلامنا وأدبنا وبرامجنا وإعلامنا عامة.. وها أنا أعترف بالخطأ الذي ارتكبته أنا وأمثالي عندما سخرنا من المواضيع التي شغلتكم لفترة.. مثل (ملامح الحداثة في كتابات البرجوازيين)، و(الرؤى المعاصرة في تداعيات الإبداع الافتراضي)..
عودوا لمناقشة هذه المواضيع المهمة رجاءً ودعوا موضوعنا الكريه هذا الذي لا يجدي نفعًا..
كيف بالله عليكم تهتمون به وتتركونا نعيش بدون مرطبات (الحداثة)؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الحياة من دون (برجوازيين يتداعون افتراضيًا) تُمثل ضربًا من الجنون!

أحمد صبري غباشي
Write4sunrise@hotmail.com

أهمية أن تكون من كندا

نافذة ساخرة 2 تعليقات »

لأن المهاجرين الوافدين يشكلون أكثر من نصف تعداد سكان كندا فقد وصف “يان مارتل” الأديب الكندي الحائز على جائزة بوكر عام 2002 كندا بأنها: “أعظم فندق على وجه الأرض”. إلي ذلك الفندق شد الكثيرون رحالهم في أوقات مختلفة وكان من ضمنهم شاب سوري مهندس كمبيوتر اسمه ماهر عرار. استقر فيها وتزوج وحصل على الجنسية وعاش سعيدا بحياته وعمله وأسرته لولا أن لحيته كانت طويلة بعض الشيء وأن أصله عربي. ولأن أمريكا تعمل منذ مدة بشعار “ع الأصل دور”، قامت باحتجاز ماهر عرار في مطار جون كيندي بنيويورك في 26 سبتمبر عام 2002 بناء على معلومات غير صحيحة من الشرطة الكندية تفيد أن ماهر صاحب اللحية الطويلة مسلم متطرف. ورغم أن جواز سفر ماهر كندي، فقد تم ترحيله على الفور في طائرة إلي الأردن ومنها برا إلي سوريا، ليسجن ويعذب في بلده سوريا نحو العام. هناك بالطبع أسباب وراء ترحيل ماهر إلي السجون السورية، في مقدمتها الاعتقاد الأمريكي بأن الإنسان لا يستريح إلا في بلده مهما كان، وثانيا الحرص الأمريكي على ازدهار وتنوع ثقافات التعذيب القومية، وثالثا لأن السلطات الأمريكية بذلك تدخر أجرة مترجم أثناء التعذيب. خلال فترة اعتقال ماهر في سوريا قادت زوجته الكندية الدكتورة مونيا مزيج حملة للإفراج عنه انتهت بإطلاق سراحه في 5 أكتوبر 2003. ويمكن القول عند هذا الحد من القصة أنها لا تنطوي على جديد. ذلك أن إرسال المعتقلين لتعذيبهم في بلدان عربية أمر معترف به رسميا وأشار إليه مسئول سابق في المخابرات الأمريكية هو مايكل شوير في فبراير 2005 بقوله: “أرسلنا معتقلين إلي بعض الدول بما فيها مصر وتعرضوا للتعذيب”. الجديد والعجيب في القصة بدأ بعد ذلك، عقب رجوع ماهر صاحب اللحية الطويلة إلي كندا. فقد أصر ماهر – ولا أدري من أين واتته الفكرة – على مطالبة السلطات الكندية بإجراء تحقيق علني لتبرئة ساحته، أول الأمر رفضت السلطات طلبه، ثم انصاعت له تحت ضغوط حملة شعبية تندد بإسهام السلطات الكندية في سجن ماهر! وبعد تحقيق مطول كلف الدولة 21 مليون دولار هي ميزانية لجنة التحقيق والدفاع، انتهى القاضي الكندي في سبتمبر 2005 إلي “أن ماهر تعرض للتعذيب في سوريا ظلما، وأن الشرطة الكندية قدمت معلومات مشوهة إلي السلطات الأمريكية تسببت في إلحاق الأذى بمواطن كندي”. وبناء على هذا الحكم الواضح زادت جرأة ماهر عرار فرفع قضية على المدعي العام الأمريكي ورئيس الوزراء الكندي السابق وعلى رئيس الشرطة الكندية وطالب فيها بتعويض يصل لمئات الملايين. ووصفت الصحف الكندية ما جرى لماهر باعتباره “العار الوطني”، بينما طالب زعيم حزب الديمقراطيين الجدد الحكومة الكندية بالاعتذار الرسمي لماهر وأسرته. وفي نهاية يناير العام الماضي تقدم جوليانو زكارديلي، رئيس الشرطة الكندية باعتذر رسمي لماهر قال فيه: “أعرب لك ولزوجتك ولأولادك علنا عن أسفي الحقيقي لكل ما اتخذته الشرطة من إجراءات قد تكون ساهمت في الظلم الرهيب الذي عانيتَ منه والألم الذي تحملتَه وعائلتك”. ولكن ذلك الاعتذار لم يكن كافيا بالنسبة للمجتمع الذي واصل ضغوطه حتى إقالة رئيس الشرطة! عند هذا الحد يبدأ المرء في التفكير: هل يمكن لشيء كهذا أن يقع عندنا؟ أي أن يتلقى معتقل بالخطأ اعتذارا رسميا من مسئول في الداخلية أو مأمور قسم أو حتى من مجرد شاويش بشريطين في الحجز؟

الأكثر من هذا أن مجلس العموم الكندي في 21 يناير الحالي تبنى بالإجماع (لاحظ الإجماع) قرارا يعتذر فيه لماهر! والأعجب أن ستيفن هاربر رئيس الوزراء الكندي قدم في يوم الجمعة 26 يناير اعتذارا رسميا لماهر باسم الحكومة الكندية قائلا: “أود باسم حكومة كندا أن أقدم لكم اعتذاري عن أي دور قام به المسئولون الكنديون في المحنة الرهيبة التي عشتموها”. هذا على الرغم من أن ما حدث لماهر جرى خلال حكومة الحزب الليبرالي، بينما ينتمي رئيس الوزراء المعتذر إلي حزب وحكومة المحافظين التي لا علاقة لها بالقضية! ولن أتوقف هنا عند قرار الحكومة صرف 12 مليون دولار كتعويض لماهر المحظوظ الذي دعت له أمه يوم مولده بقولها: “رُحْ إلهي يعتقلوك سنة ويعتذروا لك ويعطوك الملايين يا بني”. أريد فقط أن أتوقف عند أن الحكومة السورية لم تنطق بحرف، لأن اعتذار جهة رسمية عندنا أمر يتجاوز خيالنا، لا يخطر ولم يخطر أبدا على بال خلال كل عهود السجن والاعتقال. السجان والمسجون استبعدا نهائيا الحلم المحال بأن الاعتذار للإنسان، بديهي، وممكن، وأحيانا ضروري، وهو حقه قبل كل شيء.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

ثورة الدخول المدرسي

نافذة ساخرة 4 تعليقات »

من المفترض أن يكون هذا باباً ساخراً.. لكنني أكره دخول البيوت من أبوابها.. لأن هذا يكون غير صحي في أغلب الأحيان كما تعلمون.. لا أحد يدخل بيت أحدهم من بوابته ليسرق أسراره ويفضحه على الملأ.. لذا فالدخول السري من النافذة يناسبني أكثر.. هذه إذن نافذة ساخرة.. والنافذة الساخرة غير النافذة الكوميدية.. فمن كان يتوقع أن ينقلب على ظهره من الضحك فلن يجد ضالته هنا.. لأن الواقع أشبه بكوميديا مبكية أكثر منه بكوميديا مضحكة.. فلنطل معا من النافذة ولنسترق الرؤية..

هنالك ظاهرة ممتعة جدا ببلدي تسبب انقلاب الأحوال الاجتماعية، وتثير حالة استنفار قصوى لدى السواد الأعظم من الشعب..
1.jpg إنها ظاهرة الدخول المدرسي التي تعد مثالا حيا عن الرعب الواقعي الذي لا يحتاج إلى مؤثرات سينمائية ليفزعك!
إنها الظاهرة التي تسبب انقلاب نشاط المكتبات مائة وثمانين درجة، لدرجة أنك لن تستطيع أن تبتاع منها غير الكتب والأدوات المدرسية. حاول أن تبتاع كتابا ثقافيا أو قصصا أو روايات أو دراسات! صدقني.. في مدينة صغيرة كالتي أقطن بها، وفي هذه الفترة بالذات، سأعتبرك بطلا أسطوريا لو نجحت في ذلك! فكلها توضع في أعمق مكان بالقبو كي لا تشغل صاحب المكتبة عن المهمة المقدسة.
يقولون أن التعليم ببلدي مجاني.. اذهب وقل هذا الكلام لأي أب مكلوم في نقوده الضائعة واحذر أن يبصق في وجهك!
بدءً بالقناطير المقنطرة من الكتب المدرسية والأسلحة والعتاد التي يصرون على كونها أدوات مدرسية، كالبركار والموسى القاطع اللذان قد تفرحان أعظم سفاح عرفه التاريخ، وانتهاءً بالمصاريف والرسومات المدرسية التي لا تنفك ترتفع كل سنة: مصاريف جمعية الآباء، والجمعية الرياضية، وجمعية حماية حقوق الحيوان، وجمعية الحفاظ على الأصابع الصغرى من الدمل، وأنواع مختلفة من التأمينات التي لا يفعلون سوى قبض ثمنها، واسأل يا حبيبي عن التعويضات. وفي النهاية نجد أن العديد من أولياء الأمور مضطرون للحصول على قروض لتغطية مصاريف أبنائهم!
ولا داعي للحديث عن الأطفال التي تقصم ظهورهم من شدة ثقل ما يحملون من كتب يوميا إلي المدرسة وكأنهم يحضرون دكتوراة في الفيزياء النووية. 2.gif كل هذا مألوف ومعروف منذ كنت بدوري طفلا، وإن استفحل مؤخرا بدرجة فظيعة.. الجديد المبهج حاليا هو ما حدث في السنوات الأخيرة بعد تغيير المقرر: فليزغرد الجميع فقد أصبح لدينا لكل منطقة مقرر خاص. صدقوا أو لا تصدقوا! يذهب ولي الأمر إلي المكتبة لشراء الكتب فيخرج البائع مجلدا كبيرا من النوع الفاخر ويتصفحه وهو يسأل عن المنطقة بالتحديد كأنه سيستخرج له شهادة سكنى.. بالتأكيد! إن التغييرات والفروق جبارة.. فالمناطق القروية تقرأ عن البقرة والحليب، والمناطق الحضرية تقرأ عن السيارة والتلوث، والمناطق الشاطئية تدرس البحر، والجبلية تدرس الجبل. هكذا لا يحدث تصادم سيكولوجي للواقع مع المقررات!
صدقوا أولا تصدقوا.. معايير كهذه تطبق!
ولا تدرون كم المشاكل الحاصلة، وكم الكتب التي تعود للمكتبات للاستبدال، مما اضطر البعض إلي وضع لافتة بضرورة التأكد من المقررات قبل الشراء، أو “ممنوع إعادة الكتب”.. ويبدو لي أنهم بحاجة قريبا لوضع رقم تسلسلي خاص للكتب على غرار البضائع العالمية لأن التنوع أصبح لا يطاق بالفعل..
ما رأيكم أيضا بمن يدرسون اللهجات المحلية؟ ليس لدي اعتراض على ذلك، فالثقافة الأمازيغية غنية حقا.. ولكن ماذا لو كان المدرس لا علاقة له باللهجة الأمازيغية؟ وأنا أتحدث هنا عن وقائع..
ثم ماذا لو انتقل مدرس من مكان لآخر؟ بالتأكيد عليه أن يكيف نفسه على المقرر الجديد:
- “تعرفون طبعا أن السمك البحري يـ…”
- “بحر ماذا يا أستاذ؟ ركز معنا.. نحن في الجبل!”
ومع الدخول نجد أول شيء يصطدم به التلميذ هو عيد المدرسة.. وطبعا هو عبارة عن شيء كالأبواب المفتوحة للتعرف على الأقسام واستعمالات الزمن.. ولكن اسم عيد المدرسة ككل شيء غير موفق في بلدي، يأخذ الأذهان إلى التفكير بأنه شيء أشبه بالعطلة القبلية..
وسلم لي من فضلك على الأبواب المفتوحة..

عصام إزيمي


© 2007 مجلة مدارات.  جميع الحقوق محفوظة